موسوعة الملل | تقليص النزعة المدرسية

2023-03-02 - Hussein Elhajj

مشكلة التسرب من التعليم ما بتمثلش ﻹيليتش مشكلة من اﻷصل، إنما هي رد فعل طبيعي على احتجاز اﻷطفال في معسكرات اعتقال اسمها المدارس

تقليص النزعة المدرسية

مقال حسين الحاج

إهداء إلى أستاذتي آن كليمو اللي قريت معاها كتاب إيليتش ﻷول مرة


لا نريد تعليمًا، بينك فلويد
لا نريد تعليمًا، بينك فلويد، عن pinterest

في اﻷيام الشتوية البرد اللي زي دي، كانت أمي تصحيني من النوم بالعافية عشان أروح المدرسة. في اﻵخر كنت باصحى وأنا بادبدب في اﻷرض وأزعق، "كل يوم مدرسة، كل يوم مدرسة، أنا زهقت!"، وأفضل طول السكة أدعي على وزارة التربية والتعليم. مش فاكر أبدًا إن اعتراضي عمره ما نفع مهما كانت الظروف ومهما ادعيت المرض، وما حصلش إني نجحت في الغياب بمزاجي إلا مرة جت بخناقة كبيرة وأنا في تالتة إعدادي، غير كدا كانت أمي تقول لي، "أنت لو بتموت، برضه هتروح المدرسة". يمكن ما كنتش عارف إني هافضل في الهم دا تسع سنين كمان لحد ما أدخل الجامعة، بس كمان عمري ما كنت عارف ليه لازم أروح المدرسة كل يوم وليه ما ينفعش أتعلم من البيت ما دمت باروح المدرسة الصبح وبارجع آخد دروس خصوصية في بيوت زمايلي بعد الضهر.

فيه اعتقاد شايع بيقول إن التربية -تعليم السلوك- مكانها البيت مع بابا وماما (اللي هو منتمي للمجال الخاص) والتعليم مكانه المدرسة مع اﻷستاذ واﻷبلة (اللي هو منتمي للمجال العام)، بس الحقيقة مش كدا قوي ﻷن تعلم السلوك وتعلم العلم نفسه مش حاجتين منفصلين عن بعض، وللسبب البسيط دا عندنا الوزارة اللي بتدور المدارس في بلدنا إسمها وزارة التربية والتعليم (أو زي ما كانوا بيقولوا "التربية قبل التعليم"). الفرق بين البيت والمدرسة إن أغلب البيوت كانت بتربي بالفطرة، لكن مفيش حاجة اسمها مؤسسة مدرسية حديثة بدون محتوى تعليمي ممنهج. كمان واحدة من أهم الفروق بين المدارس والبيوت هو فرق العدد. المدرسة مش بيت ﻷن عدد الطلاب في أي فصل في أي مدرسة دايمًا هيبقى أكبر من عيال أي بيت بكتير. وده معناه إن مفيش نظرية تربوية تقدر تتلائم مع نموذج التعليم المدرسي ﻷنها مش متصمّمة لحل قضية التربية على المستوى الاجتماعي، وإنما هيفضلوا يبصوا على التربية كتجربة فردية نفسية.

مع ترسخ النظام التعليمي في العالم كله، اﻷهالي بدأت تعتمد على المدرسة إنها مش بس تعلم ولادها لكن تربيهم كمان، وده مش ﻹن المدرسة مكان أحسن للتربية من البيت، لكن ﻹن المدارس زودت تدريجيًا وعلى مدار عقود عدد الساعات اللي بتاخدها من يوم الطفل، وبالطريقة دي المدارس بقت الركن اﻷهم في التنشئة الاجتماعية للأطفال من أكتر من خمسين سنة. كل ده زائد إن المدرسين نفسهم دخلوا البيوت من خلال انتشار الدروس الخصوصية، والمدرس أو المدرسة بقوا موجودين أكتر في حياة طلابهم ووقتهم بعد المدرسة، وبالتالي المدرسة نفسها بدرجة ما اتمددت جوه البيت وما بقاش فيه انفصال بين العام والخاص، وبالذات مع انتشار المراكز التعليمية للدروس الخصوصية والمجموعات الدراسية بعد اليوم الدراسي.

وسط كل الفوضى دي، إحنا ممكن نلخص التيارات الفكرية الراديكالية عن التربية والتعليم في إتجاهين واضحين، اﻷول إتجاه ناقد لمؤسسات التعليم الحديثة، وإتجاه تاني ناقد لطرق التدريس الحديثة. في اﻹتجاه اﻷول، بنلاقي الفيلسوف والقس النمساوي إيفان إيليتش (Ivan Illich) صاحب كتاب "مجتمع تقليص النزعة المدرسية" Deschooling Society، وفي اﻹتجاه التاني بنلاقي المربي البرازيلي باولو فيريري (Paulo Freire) صاحب كتاب "تربية المقهورين"  Pedagogy of the Oppressed.

كتاب "مجتمع تقليص النزعة المدرسية"* يُعتبر الكتاب اﻷول ﻹيفان إيليتش، واللي منه بدأ مشروع طويل في نقد الحداثة ومؤسساتها زي ميشيل فوكو بالظبط. رغم إنه ما كتبش عن السجون والمصحات النفسية، لكنه كتب عن الطب والطاقة والنوع الاجتماعي والشغل بكل أنواعه ومواضيع تانية كتيرة. إيليتش لما اصطك مفهوم "تقليص النزعة المدرسية" (deschooling)، كان شايف إن فرض التعليم المدرسي اﻹلزامي بشكل يومي على اﻷطفال أثر بشكل سلبي على الطريقة اللي اﻹنسان بيتعلم ويتربى بيها في المجتمعات الحديثة.

إيليتش في الكتاب دا بيقول إن اﻷطفال بيفضلوا يروحوا المدارس لعدد كبير من السنين وﻷغلب شهور السنة ولعدد طويل من الساعات، والمشكلة مش بس إنهم بيتعلموا الانضباط عشان بقوا بيروحوا كل يوم. في الفقرة اﻷولى من الكتاب، إيليتش بيقول إن المدرسة بتعلمنا الخلط بين العملية والجوهر، بين إن يكون عندنا مدرس وإننا نتعلم منه بجد، وإننا ننجح سنة بعد سنة وإننا يبقى عندنا تراكم معرفي حقيقي، وإننا ناخد شهادة وإننا نعمل باللي اتعلمناه، وبين إننا نلاقي كلام نقوله وإن الكلام اللي قلناه يبقى له معنى من اﻷساس. وبعد شوية المدرسة بتعلمنا إننا نحترم المؤسسات أكتر وأكتر، فيبقى شغل الشركة أهم وأنفع من شغل البيت وهكذا.. إذن المدرسة في رأي إيليتش مش بس بتعلمنا حساب ولغات وعلوم ودراسات، لكن فيه أساس تربوي مهم ناتج عن طبيعة حياة اجتماعية جواها، واﻷهم منه إنه مش قابل للنقاش ﻷن دايما المحتوى التعليمي بيتصدر في شكليات العملية التعليمية ذاتها: كم المناهج الدراسية وطولها وتعقيدها ومواعيد الامتحانات وطرقها.

إيليتش كان بيدعو في كتابه إن مش لازم العيال تروح المدرسة كل يوم، وإن التعلم الحقيقي ممكن يحصل في أي حتة من أول البيت للنوادي الاجتماعية وأماكن العمل ولحد الجناين واﻷماكن الطبيعية عمومًا. يعني بالنسبة لإيليتش، التعلم مش مفروض يكون مرتبط بمؤسسة معينة ولا بسن معين، لدرجة إنه كان أول المتنبئين بفكرة الكورسات اﻷونلاين من قبل اختراع اﻹنترنت اللي نعرفه النهاردا. مشكلة التسرب من التعليم ما بتمثلش ﻹيليتش مشكلة من اﻷصل، إنما هي رد فعل طبيعي على احتجاز اﻷطفال في معسكرات اعتقال اسمها المدارس عشان ساعات الدراسة والمذاكرة في نظره ما هي إلا عمل عبودي غير مأجور زيه زي العمل المنزلي بالظبط. 

اقتراح إيليتش بتقليص النزعة المدرسية بيعالج مشكلة التكدس في الفصول اللي اشتكى منها منظرين تربويين تانيين قبله زي بول جودمان (Paul Goodman). بما إن مش كل الطلاب هيروحوا المدرسة كل يوم، مستوى التعليم في المدرسة نفسها هيتحسن بعد ما ضغط اﻷعداد الرهيبة من الطلاب يخف من على المدرسين. ورغم إن دعوته دي كانت بتعارض خطة الحكومة اﻷمريكية في فرض التعليم اﻹلزامي على اﻷطفال اللي اشتدت قوي من بداية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، إلا إنها أثرت في مدرس ومنظر تربوي تاني اسمه جون هولت (John Holt) وخلّته يتخلى تمامًا عن طرقه اﻹصلاحية تجاه التعليم اﻷمريكي.

هولت في بداياته في الستينيات كان بيحاول يفهم ليه عيال كتيرة بتسقط في المدارس وإزاي بتتعلم من اﻷساس وقعد عشر سنين يحاول يصلح من طرق التعليم في أمريكا لحد ما يأس من النظام المدرسي شوية بشوية. وبعدها وقع على كتاب إيليتش، وكانت دي بداية تخليه عن نموذج المدرسة بالكامل لحد ما صك مفهوم الانقطاع عن التعليم المدرسي (unschooling)، عشان يعبر بيه عن معارضته للنظام المدرسي، واتجه للدعوة للتعليم المنزلي والتعلم الذاتي. هولت شاف إن المدارس مكان مش بيعلم إلا الغباء وإن أي حد يقدر يعلم نفسه أي حاجة من غير ما يحتاج يروح لمدرسة نظامية، ومن الوقت دا بقى رائد التعليم المنزلي في أمريكا في وقت كل الناس كانت بتحرص على التعليم النظامي وشايفاه الحل لعيالها.

هولت حل مشكلة النهج التربوي برفض النظام المدرسي والتركيز على التعليم في سياقات أكثر حميمية وحرية، لكنه كمان حل فرداني للغاية زي نمط الحياة اﻷمريكية نفسها، ولو اتطبق من غير تحول اجتماعي جذري في أنماط التربية مش هيراعي كم الضغوط اللي هتقع على أكتاف اﻷمهات بسبب تصوراتنا المتحيزة ضمنيًا عن دورهم في الرعاية أو في التربية. من الناحية التانية، ممكن نشوف إن أفكار إيليتش عن بدايل التعليم اﻹلزامي لما اتطبقت من غير تحول اجتماعي جذري في علاقة التعليم بنمط اﻹنتاج الرأسمالي للعامل المعاصر وقعتنا تحت ضغط التعلم المستمر في أي مكان وكل وقت، بقى لازم ناخد كورسات في سناتر أو أونلاين عشان نطور من قدراتنا المهنية طول الوقت.

صحيح إن اﻹنسان عنده فضول قوي ناحية تعلم أشياء جديدة طول الوقت زي ما إيليتش بيأكد، لكن فضولنا اﻹنساني الطبيعي وقع تحت استغلال رأس المال في المجتمع المعاصر بدافع التطوير المهني، يعني إننا ما نتعلمش أي حاجة إلا عشان ناكل بيها عيش بعد كدا. هنا لازم نفرق بين نوعين متعارضين من التعليم: تعليم مدفوع بالفضول والشغف اﻷصيل وتعليم وليد الحاجة والضرورة، ودا فرق اتكلم عنه الشاعر اﻷلماني فريدريك شيلر باستفاضة لما كتب عن مفهوم "التربية الجمالية" في القرن الـ18.

يمكن من بعد وباء كورونا النزعة المدرسية في التعليم تخف شوية وعيالنا ما يضطروش يروحوا المدرسة كل يوم، بس اﻷنكى من كدا إن التعلم المستمر في اكتساب مهارات ضرورية لسوق العمل هيستولي على بقية حياتنا وحياتهم وما بقتش بس أربعتاشر سنة تعليم من الحضانة ولحد الجامعة.


* هامش: كتاب Deschooling Society ترجمه يوسف نور عوض للعربية بعنوان "مجتمع بلا تعليم مدرسي"، وهي للأسف ترجمة غير دقيقة للعنوان.


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية