ياهو: منطق مغبش، منطق واضح

2025-09-28 - Hussein Elhajj

الرأسمالية بتبان كأنها كيان معقد ماحدش -بما فيهم الاقتصاديين والرأسماليين نفسهم- عنده أقل فكرة منين الأرباح بتتولد.

منطق مغبش، منطق واضح

تدوينة ياهو

ترجمة حسين الحاج

نشرت على مدونة الحركة الحقيقية بتاريخ يوليو 2017.


جاني طلب من المتابع @RealRomCade بيقول:

"ممكن تلخص لي فلسفتك كلها؟ مش باجادلك، أنا بس مش متأكد إني فاهمها كلها كويس لأنه باين إنها معقدة حقيقي وأنا نفسي أفهمها، إذا كان عندك وقت طبعا".

جزء كبير من اللي باكتبه يبان غامض لأغلب الناس، ودا طبعا راجع بشكل كبير لإني باكتب وحش، لكنه برضه راجع لطبيعة الحجة اللي باحاول أوصلها، وكمان لطبيعة الموقف السياسي اللي أنا واخده.

وللأمانة، مش دايما رأيي بيبقى واضح من كتابتي، لكن هحاول أصحح دا بطريقة ما في كلامي الجي. الحجة اللي باقدمها هنا هي حجة منطقية، وبالتالي هاناقش نظرية القيمة في العمل سريعا، لكني عايز أشرح المنطق ورا مقاربتي، مش النظرية اللي بتقوم المنطق دا. لو عايز تعرف أكتر عن النظرية اللي باعتقد إنها بتقوم مقاربتي، لازم تقرا رأس المال لماركس. ولو نجحت، هيكون عندك فكرة كويسة عن منطق حجتي الأساسية، ولو فشلت تقدر تسألني في قسم التعليقات وهاوضح أفكاري.

أطروحتي الأساسية 

حجتي المركزية غالبا حجة عادية: كل المشاكل اللي اليسار شايفها، من الفقر للتغير المناخي، أساسها نظام عبودية الأجر.

الفكرة دي رغم بساطتها الشديدة بتتعارض مع الطريقة السياسية السائدة لليسار للمشكلات الاجتماعية، اللي بتشوف كل مشكلة منفصلة ومستقلة عن باقي المشاكل. فعلى سبيل المثال، الطريقة السياسية بتشوف مشكلة التغير المناخي باعتبارها مالهاش أي صلة مادية حقيقية بالتفكير في مشكلة الفقر والعكس بالعكس. بعض الناس المهتمين بالتغير المناخي على سبيل المثال بيفكروا إننا لازم نقبل ترشيد النمو باعتباره تمن الحفاظ على النمو المستدام، وبطريقة دي فيه مفاضلة بين القضاء على الفقر ووقف التغير المناخي على حسب زعمهم. 

لكني باعتقد إن كل القضايا اللي بنهتم بيها النهاردا -الفقر وعدم المساواة والحرب والعدوان والتغير المناخي وعجز الميزانية.. إلخ- ممكن نرجعها لحقيقة إن ساعات العمل بقت طويلة جدا.

مشكلة السياسة

هابقى باقلل من رأيي لو أقول إن رؤيتي أبعد ما تكون شعبية النهاردا. النظام السياسي متأسس بطريقة تخلينا ندور على حلول معينة لكل مشكلة في قايمة مشاكلنا. بس الطريقة العملية التقنية اللي بتحاول إنها تفصل حلول محددة لكل مشكلة اجتماعية عارفينها مش شغالة على الإطلاق.

أولا، الطريقة السياسية مش شغالة لأن الناس تقدر تدي انتباهها لعدد معين من المشاكل في نفس الوقت، لو أنا مهتم بالفقر والتغير المناخي والبطالة، فأنا اهتمامي أقل بالحروب الخارجية وعجز الميزانية والقتل على إيد البوليس.

بص على صفحة تويتر بتاعتك شوية، هتلاقيها وابل مستمر من الشكوى بخصوص مشكلة ما وحيدة، عادة بيقولها -من غير سياق- أشخاص اللي المشكلة دي أو غيرها مهمة أكتر عندهم من الباقيين. الناس ماتقدرش تركز على مشاكل كتيرة في نفس الوقت وبجد بيتخنقوا من المشاكل اللي بتصدعهم بيها مجموعات مصالح معينة، ومستحيل عليهم يهتموا بكل مشكلة، أو يفهموا إزاي المشكلة اللي بيهتموا بيها متصلة وبتأثر في كل مشكلة تانية هما برضه مهتمين بيها، فتلاقيهم مالوا لعدم الاهتمام بأي حاجة عدا المشكلة اللي قدامهم.

السياسيين البرجوازيين بيفضلوا الطريقة دي عشان عن طريق التركيز على مشاكل مستقلة، ماحدش بيساءل وجود النظام على بعضه، وبيبقى عندهم حرية إنهم يصيغوا "حلول" بتواجه مشكلة ما لكن مش بتتحدى أبدا النظام ككل. الطريقة العملية (التجزيئية) دي هي الطريقة المفضلة لأي حد عايز يحمي النظام. 

لكن إذا كانت المشكلة الأساسية هي مشكلة النظام كله، ومش أي مشكلة معينة، هتتضخم المشاكل الاجتماعية بدون حل. أيوه، ممكن نركب حل ما لمشكلة الرعاية الصحية اللي بتحتاج تغطية، زي أوباماكير، عن طريق إنك تمرر قانون بيقول كل واحد مفروض يدفع لتأمين الرعاية الصحية للجميع. بس أنت بطريقة دي بتنقل المشكلة لحتة تانية: تمن التغطية المتاح للناس.

النمو الاقتصادي باعتباره مقدمة كل الإصلاحات التقنية

المشكلة التانية اللي بتواجه النوع دا من الطرق (السياسية) العملية هي إن كل الحلول المقدمة هي بدرجة ما متأسسة على تشغيل ناس أكتر لعدد ساعات أكبر.

واحدة من أكبر الخدع على الخط دا هي معالجة مشكلة التغير المناخي، البعض بيقترح إننا نقدر نصلح التغير المناخي بإننا "نستثمر" في التكنولوجيا الخضرا. بطريقة ما هنصلح مشكلة عملها الشغل لساعات طويلة جدا عن طريق زيادة عدد ساعات الشغل اللي بنشتغلها. أو معالجة مشكلة تانية زي البطالة، اللي بعض الناس فاكرة إننا نقدر نعالجها عن طريق تسريع النمو الاقتصادي. وبطريقة ما هنصلح مشكلة عملها الشغل لساعات طويلة جدا عن طريق زيادة عدد ساعات الشغل اللي بنشتغلها. إزاي مشكلة البطالة بتتلائم مع مشكلة التغير المناخي؟ بسيطة! علينا ندي العطلانين عن الشغل شغلانة في إنتاج التكنولوجيا الخضرا. حلينا المشكلة. بس آهي دي الحلول الغبية اللي بتاكل في دماغ الناس.

طريقتي بتختلف عن الطرق دي في إنها بتقترح حل واحد تقدر تواجه بيه كل المشاكل الاجتماعية مهما كان عددها في نفس الوقت:

  • مش عاجبك التغير المناخي؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك الفقر؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك عجز الميزانية؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك ارتفاع تكاليف المعيشة؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك الحرب في سوريا؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك دعم الولايات المتحدة لإسرائيل؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك انعدام المساواة؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك إنك ماعندكش رعاية صحية؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك البوليس بيقتل المواطنين في الشوارع؟ تمام، اشتغل أقل.
  • مش عاجبك ترمب؟ تمام، اشتغل أقل.

كل حاجة مش عاجباك في المجتمع الحالي ممكن نواجهها بحل واحد بس: اشتغل أقل.

مشكلة: مش واضح قوي إزاي تقليل الشغل هيصلح أي حاجة

طبعا المقاربة دي جاية بمشاكلها، واحدة منهم إني دلوقتي لازم أقول ليه كل الحاجات اللي الناس مش عاجبها في المجتمع الحالي سببها إنهم بيشتغلوا عدد ساعات كتير. هنا بنلاقي كل النقاش اتعقد: تبيان إزاي إن عدد ساعات الشغل اللي بنشتغلها ضليعة بشكل مباشر في كل الأمراض الاجتماعية اللي بنشتكي منها.

القضية الأصعب في إني أقول للناس إن تقليل الشغل هيحل كل أمراضنا الاجتماعية هو إنهم مش أغبيا. الناس فاهمة إزاي الاقتصادات بتشتغل وعارفين إن الاقتصادات بتحفز الناس إنهم يشتغلوا أكتر، وعارفين إن في مجتمع رأسمالي ماحدش بيبقى أغنى لما يشتغل أقل إلا لو كانوا أغنيا من الأول. باريس هيلتون ممكن تبقى أغنى لما تشتغل أقل عشان هي بدأت بتلاتة مليار دولار فوقنا كلنا. وعشان كدا فكرة إن بقيتنا ممكن يعيشوا أحسن ويحلوا كل المشاكل الاجتماعية القائمة بتقليل الشغل باين إنها خيال وبس.

بس حل الأمراض الاجتماعية بتقليل الشغل هينفع لما كلنا نقلل الشغل مع بعض، ماذا وإلا وضع كل واحد فينا هيبقى أسوأ لوحده، يعني المشكلة إن لما حل تقليل الشغل بيتطرح علينا، على طول بنفكر في وضعنا كأفراد، مش السياسة العامة.

فكرة إننا نقدر نواجه الأمراض الاجتماعية بتقليل الشغل تتطلب ثورة في الوعي -إن الناس تبدأ تشوف الأمراض الاجتماعية في السياق الاجتماعي بدل ما تشوفها في سياق فردي. ثورة في الوعي زي دي سبقت كل الثورات الاجتماعية في الماضي. وقت صعود الطبقة البرجوازية، كل رأسمالي بدأ يعبر عن ظروفه الفردية لكن بطريقة جماعية، كلهم عبروا عن الظروف اللي بتجمعهم كلهم مش اللي بيميزهم عن بعض، وعبروا عن مصالحهم ضد الدولة الموجودة والنظام الإقطاعي ودا بدأ مرحلة الثورات السياسية.

حاجة زي دي مطلوبة دلوقتي: مش عشان نعمل ثورة سياسية، لكن عشان نعمل ثورة اجتماعية. 

المشاكل الاجتماعية النظامية تتطلب حلول اجتماعية نظامية

زي ما قلت فوق، مقاربتي تختلف عن مقاربة اليسار السائد بطريقتين مهمين:

الأولى، بتفترض إن كل الأمراض الاجتماعية اللي اليسار بيلقي تقله السياسي عليها ماينفعش نحلها بالإصلاحات التقنية المحدودة. التانية، بتفترض إن وسائل حل الأمراض الاجتماعية ماهياش في إيد أفراد، إنما تتطلب فعل جماعي مباشر.

المشاكل اللي بنواجهها مش مشاكل فردية، إنما مشاكل اجتماعية. ودا معناه إن على مستوى ما كلهم مرتبطين ببعض. لو المشاكل دي مشاكل اجتماعية، فالحل لازم يكون اجتماعي هو راخر، وماينفعش تتحل على مستوى فردي.

أعتقد معظم المنتمين لليسار الراديكالي هيتفقوا مع اللي باقوله من حيث النظرية، إنما بيفشلوا إنهم يفضلوا ورا الفكرة لحد التطبيق. في المقام الأول، وردًا على كل مشكلة معينة، الراديكاليين بيميلوا إنهم يتجمعوا حوالين حلول تقنية، وتحت الكلمة دي، هاحط حاجات زي رفع الحد الأدنى للأجور، والدخل الأساسي المعمم، وضمان العمل لمواجهة مشاكل الفقر والبطالة. دي إصلاحات تقنية بنوصلها عن طريق التفكير في مشاكل الفقر والبطالة بمعزل عن الأمراض الاجتماعية التانية.

لو عزلنا الفقر والبطالة، هيبانوا قابلين لإصلاحات تقنية زي رفع الحد الأدنى للأجور، لكن في الواقع غير كدا. غيّر متغير واحد في النظام وهتبدأ تأثر على جميع المتغيرات التانية الكتيرة اللي أنت ماحطيتهاش في حساب إصلاحك التقني. على سبيل المثال، غيّر الأجور في الاقتصاد وهتلاقي نفسك أثرت على عدد هائل من المتغيرات التانية.

أيوه الأجور زادت النهاردا، لكن إيه الأثر اللي هتسيبه على التوظيف والتجارة الخارجية والتغير المناخي؟ الإصلاحات التقنية عمرها ما غيرت في متغير واحد من غير ما تسيب أثر على باقي المتغيرات التانية في النظام، وكتير من اليساريين الراديكاليين مهووسين بالتفكير بس من خلال متغير واحد ومش بيفكروا إذا كان أثر التغيير دا هيحسن ولا يسوء كل المتغيرات التانية. 

ليه الربح هو المتغير الأساسي في الوقت الحالي؟ وليه السياسة مش المتغير الأهم؟

على النقيض من دا، مقاربتي بتفترض من البداية إن تغيير في متغير واحد هيعمل تأثيرات كبيرة أو صغيرة على كل المتغيرات التانية في النظام، وأنا عايز التأثيرات دي على المتغيرات التانية، قصدي إني عايز زيادة في الأجور عشان أؤثر على التوظيف وانعدام المساواة والتجارة الخارجية والتغير المناخي والإنفاق العسكري. ومش بس عايز أؤثر على كل المتغيرات التانية، أنا عايز أقوى تأثير ممكن على كل المتغيرات التانية. والمتغير اللي ممكن يكون له أقوى تأثير ممكن هو المتغير اللي أغلب الراديكاليين مش بيذكروه: الأرباح.

ليه الأرباح ممكن تكون المتغير الأهم في التأثير على النظام ككل؟ هل دا لأني باحتقر الأرباح احتقار أيديولوجي؟ هل لأني باكره الرأسماليين؟ لأ. سبب إني عايز أقوى تأثير ممكن على الأرباح لأن الاقتصاد كله مبني على الإنتاج عشان الأرباح.

لو عايز تكبر تأثيرك على نظام من المتغيرات، ممكن يساعدك إنك تعرف المتغير صاحب التأثير الأكبر على النظام دا -والربح هو بلا شك هو أهم المتغيرات في نمط إنتاج متأسس على العمل المأجور. للسبب دا، أنا عايز أعرّف الربح باعتباره المتغير الأهم وألاقي طريقة إزاي ممكن نأثر عليه مباشرة بأكبر قدر ممكن من التأثير.

راديكاليين كتير بيعملوا نفس التمرين عشان يعرفوا الدولة (السياسة) باعتبارها أهم متغير لازم نحاول نأثر فيه، ودي نتيجة معقولة، لكنها غلط: الاقتصاد مش قايم على الدولة، لكن على الربح والإنتاج عشان الربح. الدولة نفسها مشتقة من نظام إنتاج هادف للربح، وبيعيش على نمط الإنتاج دا. الدولة هي شريحة من المجتمع بتلزق نفسها في أي نمط إنتاج مهيمن زي الطفيل. ولأن الدولة مابتنتجش حاجة غير نفسها، فهي مجبرة إنها تعيش على قفا الفائض اللي بينتجه نمط الإنتاج السايد في كل حقبة.

عادة تعريف الربح باعتباره المتغير الأهم اللي عايزين نأثر فيه بيتاخد بشكل سلبي على إننا عايزين نزود الأرباح. ودا بالتحديد اعتراض كتير من الراديكاليين على فكرة تسريع الرأسمالية لحد نهايتها. كتير من المنتقدين للعقيدة التسريعية accelerationism زي بنيامين نويز عندهم اعتراضات على الاستراتيجية دي لأنهم فاكرين إن معناها تسطيح مستوى أرباح راس المال.

دي غلطة مفهومة من ناحية الراديكاليين اللي نادرا ما بيدرسوا الطريقة اللي بتشتغل بيها الرأسمالية بجد. هما فاكرين إنه بما إن الرأسماليين عايزين يزودوا أرباحهم، الاستراتيجية التسريعية مصممة للتأثير على الأرباح عايزة نفس النتيجة. ودا غلط. لأن ماحدش محتاج يشجع الرأسماليين على زيادة أرباحهم، دي الطريقة اللي الرأسمالية بتشتغل بيها بالفعل، وإحنا عايزين نستغل الميل دا عشان نحقق أغراضنا، بس إيه هي أغراضنا؟ إننا نقضي على الفقر والبطالة والتغير المناخي وعجز الميزانية والتضخم والحرب في سوريا ودعم الولايات المتحدة لإسرائيل وانعدام المساواة ونقص الرعاية الصحية وقتل المواطنين بإيد البوليس، حتى إحنا عايزين نتخلص من الرؤساء -ومش بس الوحشين منهم، لأنهم كلهم وحشين. كل الأمراض الاجتماعية دي طالعة من نظام إنتاج قايم على الربح.

وحيث إن أغلب الراديكاليين مش بيفكروا في المشاكل دي ككل، ولأن حتى لو عملوا كدا مش بيشوفوا العلاقة الواضحة مع الربح، قليل من الراديكاليين مدركين إزاي التأثير على الربح ممكن يكون له تأثير درامي على الأمراض الاجتماعية اللي عايزين يواجهوها.

إذا ادينا مثال بالحرب في سوريا، فأنت مش ممكن تنهيها بدون ما تمنع الحكومة الأمريكية من الوصول للأرباح المهولة اللي بتصرفها بحرية على الحرب. لو عايز تنهي الحرب في سوريا، فأنت محتاج تمنع وصول الحكومة الأمريكية للكم دا من الأرباح اللي بتستلفها عشان الحرب. المشكلة بتبقى إزاي نقدر نعمل كدا؟ الطريقة الوحيدة لعمل دا هي إنك تقضي على الإنتاج للربح -خطوة أغلب الراديكاليين مش مستعدين يفكروا فيها. بس حتى وسط قلة صغيرة من الراديكاليين اللي مستعدين يفكروا فيها، ولا واحد في الألف عنده فكرة إزاي ممكن ننجزها.

الرأسمالية بتبان كأنها كيان معقد ماحدش -بما فيهم الاقتصاديين والرأسماليين نفسهم- عنده أقل فكرة منين الأرباح بتتولد. ودا مفهوم برضه بما إن الطريقة اللي بتشتغل بيها الرأسمالية بتخلي من المستحيل تقدر تحدد بطريقة علمية منشأ الربح جي منين. 

لو إن منشأ الربح جي من فائض عمل العامل، فمفيش أي طريقة لتتبع الصلة بين العمل والربح، لدرجة إن الأرباح بتبان وكأنها طالعة من نشاط الرأسمالي مش شغل العامل. ودا مش نتيجة للأيدولوجيا لكنه طالع من البنية الفعلية لنمط الإنتاج نفسه. حتى لو قبلت إن العمل هو المصدر الوحيد للربح -ودي حاجة أغلب الراديكاليين مش بيقبلوها- فأنت مش هتقدر ترجع أصل أرباح شركة رأسمالية للعمل الفعلي لعمالها.

وبالتالي مش واضح (حتى لقلة من الناس اللي شاكين إن المصدر الوحيد لكل الأمراض الاجتماعية اللي بنعاني منها سببها الربح) إن الطريقة الوحيدة للقضاء على الأمراض الاجتماعية دي إننا نقلل ساعات العمل. باين إن فكرة إننا نقدر نقضي على أكبر وأغلب مشاكلنا في المجتمع عن طريق تقليل العمل ببساطة إنها مجرد خيال مثالي.

بس دا اللي أغلب الراديكاليين بيغفلوه لأنهم مش متآلفين بجد مع الطريقة اللي بتشتغل بيها الرأسمالية: راس المال ماكينة كفؤة جدا في استخراج فائض العمل (غير المدفوع) من العامل، لكنها مش كفؤة خالص في تحويل فائض العمل دا لربح. عملية العمل بتقع تحت الإدارة المباشرة للرأسماليين، والشاطر منهم بياخد باله من كل تفصيلة في العملية دي، لكن على النقيض، تحويل العمل غير المدفوع لربح بيحصل بشروط الرأسمالي مش متحكم فيها على الإطلاق.

وبالتالي راس المال عنده ميل لإنتاج القيمة الفائضة (زي ما كينز وصفها) لاجل ما يسابق إيقاع الرأسمالي في إنه يلاقي طريقة يستخدمه بيها. أغلب الأمراض الاجتماعية اللي الراديكاليين بيوجهوا اعتراضهم هي في الحقيقة نواتج الميل للتراكم الرأسمالي. القيمة الفائضة زيادة عن اللزوم ممكن تتسبب في البطالة والفقر والحرب والانحطاط البيئي والتمدد المستمر للدولة على حساب المجتمع.. إلخ.

وبالتالي الحل لكل الأمراض الاجتماعية دي موجود بالفعل في سببها الأساسي: تقليل إنتاج القيمة الفائضة، اللي زي ما عرفناها هنا ماهياش إلا تمديد ساعات العمل أبعد من نقطة معينة. وعشان القيمة الفائضة تنتج، العاملة محتاجة تشتغل أكتر من المطلوب عشان تنتج أجرها. وقت الشغل غير المدفوع دا بينتج منتج فائض، ولما بيتباع بيعمل للرأسمالي ربح.

وعشان كدا، حل المشاكل الاجتماعية اللي لازم يفكر فيه أغلب الراديكاليين باعتباره الفعل الاجتماعي الفوري هو ببساطة: تخفيض ساعات العمل. 

راس المال والدولة وساعات العمل

فيه مشكلة في الحل دا: حتى لو الطبقة العاملة عايزة تخفض ساعات عملها، الرأسماليين والدولة رافضينه. الرأسمالي مش عايز يخفض ساعات العمل لأن أرباحه بتعتمد على كم العمل الفائض اللي ممكن يعصروه من العمال. ومن الأسهل إنهم يعصروا شغل فائض كتير من العمال لما يوم العمل يطول، وهيبقى أصعب لما يقصر. حيث إن الرأسماليين مش عايزين يشتغلوا بأي حال، فهما بالتأكيد مش عايزين يضطروا إنهم يتعبوا عشان أرباحهم تزيد.

شرح معارضة الدولة لتخفيض ساعات العمل ممكن يكون صعب الفهم في الأول، لكنه بسيط. الدولة بتعيش على قفا وقت العمل الفائض اللي بيشتغله العمال، كل ما يوم العمل يطول، كم القيمة الفائضة اللي بتنتجها رؤوس الأموال هيبقى أكبر، حجم القيمة الفائضة اللي الدولة هتقدر تسحبها (زي ما وصفتها إدارة الرئيس ترومان) هيبقى أكتر. مقاومة الدول القومية لكل محاولة لتخفيض ساعات العمل ماتقلش عن الرأسماليين لأنهم بيحطوا كميات هائلة من القيمة المضافة تحت تصرفها، واللي تقدر بعد كدا تستعملها بأي طريقة تحبها.

كل دا بدأ مع بداية الإمبريالية ووصل ذروته في 1914 مع الحربين العالميتين بين المتنافسين الصناعيين وحتى قبل كدا ضد البلاد المتخلفة بشكل نسبي. والنهاردا التوجه دا بيحدد الشكل الأساسي للعقيدة العسكرية الأمريكية في الهيمنة الشاملة، واللي معتمدة أساسا على سيطرة الولايات المتحدة على كل أشكال فوائض القيمة المنتجة محليا وعالميا وإمكانية الوصول ليها.

وعشان نمنع راس المال والدولة من الاستيلاء على فائض القيمة دا، علينا نستعيد وقت عملنا بتحويل فائض وقت عملنا مباشرة لوقت حر. وهي دي مقاربتي في مواجهة الأمراض الاجتماعية اللي شايفها الراديكاليين. مقاربتي مش سياسية، لكنها بتهدف للإلغاء الفوري لراس المال والدولة من خلال فعلنا المباشر.


للمزيد يمكن العودة إلى تدوينة منطق مغبش.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية