ديوك وكتاكيت وكائنات أخرى

2025-08-03 - Asmaa Essakouti

لأن الرواية ما كان لها أن تنتهي بكل هذه الهزيمة والموت والحيرة، فلم يكن لها إلّا أن تدخلنا عالم الكتاكيت، المستقبل الغض، المتخم بالخرء

ديوك وكتاكيت وكائنات أخرى 

مقال أسماء السكوتي

مراجعة رواية "ديوك وكتاكيت" نائل الطوخي، مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية، 2024. 


غلاف الرواية

يُحكى أن نجيب محفوظ حين أتى ناشره بالثلاثية في الخمسينات ردّ عليه الأخير قائلًا: "ايه الداهية دي؟"، رعبًا من حجمها الذي تجاوز ألف صفحة. رأفة بأعصاب الناشر، أو ربما رأفة بالقارئ الذي قد لا يود أن يزيد أحماله اليومية برواية تزن قرابة الكيلو، قُسّمتْ بين القصرين إلى الأجزاء الثلاثة التي نعرفها اليوم. في المقابل، يبدو أن ناشر ديوك وكتاكيت لم يجزع من سمنتها المفرطة (٨٠٠ صفحة تقريبًا)، وحسنًا فعل، لأن ليس في الرواية سطر واحد أكثر من اللازم. وهو ما يتناسب مع رواية موضوعها الأساسي هو الكتابة والتحرير وقصّ هذر المثقفين الذي لا يؤدي عادة إلى شيء.

بعد ملاحظة حجم الرواية الذي يكاد يفوق بعض القواميس اللغوية يأتي عنوان الرواية ديوك وكتاكيت ليطرح تحديًا ثانيًا، هل الرواية عن الدواجن، أم أنهم محض رموز وتمثيلات، وإذا كانوا رموزا فلماذا الاقتصار على الديوك والكتاكيت فقط؟ أين النعام والديك الرومي والوز والبط والحمام؟ هل اختار الكاتب الديوك والكتاكيت لأنها مذكرة؟ أم لأنها لا تطير؟ أم لأنها تعيش مع الإنسان مهيضة الجناح راضية بأقفاصه صاغرة لفتاته وفضالاته؟ وبعد كل هذا لماذا العنوان بصيغة الجمع ولماذا صيغة النكرة، وأين الدجاجات التي ليس للديوك والكتاكيت أن توجد بدونها؟

هل يقصد الطوخي بعنوانه هذا أن يقول لنا لا تأخذوا كتابي هذا بكثير من الجد إنه فقط عن ديوك عاشت تصيح دون أن تُسمع وكتاكيت لم تخرج من البيضة بعد، تضرب يمينًا وشمالًا كي تُرى. لن تفسر الرواية عنوانها إلا في نهاية الفصل الأول، ولن تقوم بذلك إلّا لتعرفنا على الدجاجة الوحيدة في النص. الحلقة الواصلة بين عالمي الديوك المتناحرة والكتاكيت الحيرانة. يقول السارد:

"إذا كانت الديوك مجازنا لعالم العجائز، والكتاكيت لعالم الشباب، فإن دميانة ستمثّل الدجاجة الواصلة بين الاثنين." (ص 243).

ستكون هذه الجملة الوحيدة في الرواية التي ستلتفت للعنوان المسكون بالدواجن المذكرة وأناها الهشة الجائعة للتصفيق أو حتى الرثاء أحيانًا؛ عالم المثقفين الذي لا يغير من ظلامية الواقع شيئًا رغم كل السرسعة والعويل الذي يثيرهما.

الديوك

تتألف الرواية من ثلاثة فصول، فصل للمثقفين العجائز، وفصل للمثقفين الكتاكيت، وفصل يجتمع فيه الاثنان معًا. الجزء الأول جزء متهالك، تتراوح أعمار "أبطاله" بين الثمانين والستين. إنّه جيل الستينات الذي حاول أن يؤثّر ذات يوم. وعلى نقيض الأسماء التي يحفظها التاريخ عن هذا الجيل مثل دنقل والأبنودي وصنع الله إبراهيم، تقدّم الرواية شخوصًا خيالية تأثرت بواقعها وهزائمه دون أن تؤثّر فيه أو تغيّر منها شيئًا؛ شخوصًا خيالية ولدت لتموت في نفس النص الذي عاشت فيه، شخوص على هامش الواقع لن نتذكرها إلّا برثائيتها لنفسها ولشهرتها ضمن حدود شلّتها التي لم تستطع أن تخلق حتى دائرة مكتملة فاكتفت لنفسها باسم "شلة الشبه دايرة". ستلتقي هذه الشلة مرارًا في مقهى النجاح (سيلتقي الكتاكيت هنا بدورهم في الفصل الثاني من الرواية) لتأكل الجمبري وتشرب البيرة والشيشة ولتعلّق على ثورة يناير وثقب الأوزون وبعض المغامرات النسائية التي لم تقع. 

تفتتح الرواية بالديك الأكبر (إيجو لا سنًّا) "الدكتور" الذي لم ينشر شيئًا في حياته. لا يخبرنا النص إن كان قد حاز على شهادة الدكتوراه حقًا، لكن ترفقًا بحاله لنسمِّه الدكتور ولو مجازًا. لا يعرّف الدكتور نفسه بوصفه ديكًا بل حلوفًا. إذ، وفي أول سطر في الرواية تطالعنا جملته التي يعنّف فيها نفسه قائلًا: "حياة الحلاليف هذه لن تستمر." ستكون هذه الجملة من الجمل المعدودة في الرواية التي سيكون لها تأثير في الواقع؛ من الجمل القليلة التي ستنتقل من الخطاب إلى الفعل. هكذا، يبدأ الدكتور في ممارسة الرياضة ويوظّف دميانة لتنظّف بيته، ويرتقي بذلك من حلوفيته ليتربع إنسانًا.

بعد فعله الإيجابي الوحيد سيغرق الدكتور ويغرقنا معه في بركة من الكلمات الراكدة. سنراقبه على طول الرواية يكتب ويمزق ويحشي نصّه بجمل غريبة. لن ينقذه من نفسه إلّا دميانة (الدجاجة) في الجزء الأول من الرواية وابنها مينا (الكتكوت) في الجزء الثالث. ستدخل دميانة بيت الدكتور خادمة تنظفه من عفنه، ثمّ سترتقي لتصبح قارئته المفضلة، ثمّ محررته التي تصارحه بالركاكة والفذلكة والحشو، لينتظم خط الكتابة أخيرًا ويقترب من الاكتمال، قبل أن تطيح به دميانة لاحقًا حين تشير إلى أن الفكرة الأساسية في كتاب الدكتور مسروقة من غريمه المناضل عبد الغفار أبو وردة. بسبب حبّ الدجاجة ورعايتها الايقونيين لن تترك دميانة الدكتور وتهدم كتابه دون أن تدع له لمحة أمل صغيرة: كتكوتها مينا الذي سيتولى تحرير وقراءة آخر ما سيكتبه الدكتور قبل أن يموت على الرصيف راكبًا لوح تزلج لا يتناسب مع سنواته السبعين. لكن موته على الأقل يتيح له نافذة من الشهرة لا تستمر أكثر من أيام معدودة. 

في مقابل الدكتور الذي لم ينشر شيئًا سيطالعنا نموذج آخر من المثقفين مشوب بالشفقة والودّ في شخص عبد الغفار أبو وردة الذي ستنحصر صورته في ما يعلنه اسمه من غفران وحب وسلام. سيمثّل أبو وردة رمزًا لهزيمة النضال الفلسطيني العروبي مما سيحتفظ له بمسحة من الجلالة والاحترام إلى أن يموت بدوره وحيدًا لكن عالأقل بكرامته على كنبته. سيمثل أبو وردة باختصار المثقف العضوي الذي لسخرية القدر -أو بالأحرى لسخرية النص- سيخسر أعضاؤه واحدًا بعد الآخر. بداية بذراعه ثم رجله ثم شعره ثم أسنانه الأمامية. ستتدخل دميانة (الدجاجة) في حياة هذه الشخصية بعد موتها. في البداية، ستأخذ شقف وشذرات نصوصه لتحرّرها وتنشرها بعد موته. في البداية ستنزل على نصوصه قطعًا ولزقًا "لتشطب بلا رحمة على صفحات كاملة تراها بلا أهمية." (ص 277) وبعد أن ينشر الكتاب ويفشل توزيعه ستلتفت إلى جسد المناضل لتشكله على كيفها. بالخيال وحده، ستعيد دميانة خلق أبو وردة، سترد له أولًا ذراعه ثمّ رجله ثم ستعطيه شعرًا وأسنانًا، بل وستحوله تدريجيًا إلى مسيحي مثلها. في ليلة أنس بينها وبين أبو وردة، ستسأله بدلال:

ما تقولي شعرك كان لونه ايه يا عبد الغفار؟

والله ما فاكر، ما تشوفي الصور القديمة.

ما كلها أبيض واسود يا حبيبي.

يبقى خلاص اعمليني على مزاجك. (ص 680)

بهذا الضوء الأخضر ستطلق الدجاجة العنان لخيالها وستكمل بناء حبيبها شقفة شقفة كما شاء لها ليغدو أبو وردة حبيبها الذي خرجت به من رحلتها التحريرية القصيرة في عالم الديوك.

ستمثّل دميانة الرقابة العمياء للقراء ستقص وتضيف وتشوه وتقتل نصوصًا في بدايتها. وإذا كانت رقابتها على نص الدكتور محتشمة في حياته فإنها ستنطلق حرّة باطشة في نصوص عبد الغفّار بعد موته. ليتضح من ثمّ أن النص يصبح حقًا ملكًا للجميع لحظة موت المؤلف (مع أنّ بارت لم يقصد هذا تمامًا)، لكن قبل أن نظلم دميانة ونحصرها في خانة الرقابة، علينا أن نتذكر أن كل شخصية من شخصيات النص قد غيّرت وكسرت بقية الشخصيات بطريقة أو بأخرى، بل إن الرواية يمكن أن تختصر في سلسلة من المناورات الرقابية على النصوص والأفكار والأفعال تمارسها الشخصيات على بعض البعض بتفنن تثاقفي (مينا، بهاء، الشربيني)، أو سذاجة حسنة النية (دميانة)، أو غضب صبياني (الدكتور، نسمة) أو حتى ببلطجة دموية (قتل لسانوس مثلًا). وربما كانت دميانة الشخصية الوحيدة التي حاولت أن تصلح بعضًا مما كسرته، فأعطت أبو وردة جسدًا متكاملًا بعد أن شوّهت أفكاره. هل لنا أن نغفر للرقابة ظلمها إذا جعلتنا أحسن مما نحن عليه؟ [لا تجيب الرواية صراحة عن هذا السؤال، لكنها ضمنيًا من خلال تعلق الشخصيات برقابة مينا تلمح لنا بأننا جميعًا في انتظار من يتخذ قراراتنا بدلًا منا ويعفينا من التفكير.]

لن يكون للدجاجة أثر في حكاية الديكين المتبقيين، ولهذا فسيكون عليهما أن يبحثا لنفسيهما عن كتاكيت تؤنسهما. هنا يأتي دور الفنان التشكيلي محمود حجازي الذي عاش حياته يرسم مستطيلات إلى أن يقرر في آخر حياته أن يتحوّل إلى رسم حروف اسمه والتأمّل في جمال صعود الحاء وروعة نزول الـ(مود). سيكتفي حجازي طول المائتي صفحة الافتتاحية بدور "السايد كيك" أي الشخصية الثانوية الموجودة فقط ليضربها -حرفيًا أو مجازًا- البطل الأساسي (الدكتور) في الحبكة. لن يرتفع شأن حجازي إلّا حين يموت الدكتور لينفرد هو بريادة ما تبقى من شلة الشبه دايرة وبالكتكوت مينا "جليس المثقفين" الذي سيقنعه أن المستطيلات التي رسمها طول حياته رمز للنيل، وأنّ ما عليه أن يفعله الآن ليستكمل صورته كفنان قومي أن يضيف للمستطيلات مثلثات تمثّل الأهرام. كان مينا أثناء هذا الفتي (أو الفسي) يعرف أن ما يقوله محض هراء، لكن لأنّ الفنان كان بخيلًا متهربًا في الدفع لكتكوته، فلم يكن من مناص لمعاقبته بجرّه بعيدًا عن "مشروعه الفني الحقيقي": رسم اسمه. في حكاية حجازي يختلط الضعف بالطيبة والخيبة (بمعناها المصري) والانكفاء على الذات. نراه يهرب من الواقع إلى الرمز، ومن ممكنات العالم إلى المستطيل، ومن التعبير إلى رسم حروف اسمه. نراه مهزومًا أمام الدكتور وزوجته ومينا، ولأن حلم المظلوم أن يصبح ظالمًا، فإنه يخرج كل ظلمه على متولي الشخصية الهجينة التي لا تحسب على الديوك ولا على الكتاكيت. سيموت حجازي بدوره في الرواية ورغم محاولته الخروج من لعبة المستطيلات في نهاية حياته، إلّا أن جمهوره لن يرى في ذلك إلّا خرف آخر العمر وسيموت كما عاش محصورًا أيقونيًا في المستطيل بزواياه الحادة وخطوطه المستقيمة نموذجًا للمثقف الهروبي الأخرس حيًّا وميتًا.

لاستصغاره الكتاكيت سيبحث الديك الأخير أو الروائي الصحافي سيد الشربيني عن كائن آخر يثبت به وجوده، في البداية سيتحرش بعصفورة تحسب نفسها سمكة (نسمة)، وحين تفضح العصفورة تحرشه في الفيس بوك، سيتحول إلى خلق طائره الظلامي الخاص: الخفاش. بين التحرش بالعصفورة واختراع الخفاش سيسأل الشربيني صديقه حجازي السؤال الفلسفي الأهم في حياته:

أنا هاعدّ لك تلات حاجات يا عم محمود وانت تقولي أحسن حاجة فيهم بالنسبة للفنان: الجنون ولا الانتحار ولا إدمان المخدرات؟

كله وحش يا ابني.

لا لازم تختار

يبقى المخدرات يا ابني، على أساس إن فيها متعة كمان.

سيتبع الشربيني نصيحة صديقه ويتعاطى ال.اس.دي ليدخل في رحلات يختلط فيها الواقع بالخيال، ولكنه سيفشل في إدمانه، كما سيفشل في بلوغ الجنون أو الانتحار. بعد فشل محاولاته الإدمانية سيقبل الشربيني حكم الواقع والعقل ويعود للكتابة بمساعدة كتكوتين، أولهما مثقف يميني يعطيه وظيفة والثاني "جليس مثقفين" يخبره بألا يهرب من الرواية، ليكتب أخيرًا روايته التي حرمته الراحة ودفعته لاختراع الخفاش. على عكس بقية الديوك، لن يموت الشربيني وسيظل مثالًا للمثقف العلق الذي من شبه المستحيل التخلص منه ولو بالفضيحة والشتيمة والطرد.

على عكس الديوك والكتاكيت، للخفاش جناحات قادرة على التحليق كما له القدرة على الكمون في الظلام متربصًا للحظة المناسبة للطيران والهجوم. سيزرع الشربيني خفاشه كالوباء في ذهن كلّ من سيقترب منه، سيبدأ بالرسام حجازي الذي سيهدم شقته بحثًا عنه، ثم ستنتقل العدوى إلى الدكتور الذي سيغرز الخفافيش في جمل مقاله الأخير (رحمة بالقراء ستتدخل يد الرقابة لتبتر هذه الخفافيش من النص). سيبلغ الخفاش ألقه الفني حين يصل إلى ديوان نسمة الذي سينشر في باريس تحت عنوان "ما قالته الخفاشة،" وسيرمي الخفاش نفسه بمتولي وعوده إلى حضيض النسيان والقرف. على عكس كل شخصيات النص المضاعفة: نصف بشرية/ نصف داجنة، ليس الخفاش في الرواية إلّا نفسه. تلك النفس الكامنة في باطن كل ذات، منتظرة بفارغ الصبر لحظة جنون أو صراحة لتخرج كما هي بلا قص أو تجميل. ربما كان الخفاش في هذا النص الأداة الرقابية الأصدق؛ النفس المختبئة في الظلام المتحفزة للحظة سهو تفاجئ بها ذاتها لتخبرها بما كان من الممكن أن تكونه. ولعل الشخصية التي أدّت دور الخفاش بهذه الصيغة في الرواية كانت شخصية مينا الذي أرغم بقية الشخوص على التعرف على كوامنها وفشل -في سخرية نصية أخرى-في قراءة نفسه.

لم يبق من شخصيات الجزء الأول إلّا متولي عازف العود. لم يكن لمتولي أن يتوّج نفسه ديكًا ولا حتّى كتكوتًا. كرجل لم يعايش حربًا كبيرة ولا خاض تجربة فكرية ولا حتّى أزمة رومانسية. بلا معانة أو حركة جيلية لم يكن لمتولي أن يشبّه نفسه إلا بكلب البحر في السيرك. سيجتهد ليشبه حيوانه، يلبس ملابس جلدية ويتشح بالسواد. سيدخل متولي النص بعوده الأخضر. سيحاول في البداية عزف أغاني المثقفين ولكنه لن يتألق في عيون الناس إلّا حين يتحول إلى تقليد أصوات الطبيعة بعزفه: مواء قطّة، نباح كلب، صياح ديك... سيحقق الشهرة فيتجرأ على تفريج ديوك شلته على بوستر يعلن حفلته. باجتراء سيسأل الديوك: "مين أحسن واحد فينا؟" ليبدأ بهذا السؤال المحرّم حرب الديوك التي لن تنتهي إلّا بنفي كلب البحر، ثمّ موت الديوك الثلاثة واقتراب الديك الأخير -دون نجاح- من حافة الجنون. ولأن الرواية ما كان لها أن تنتهي بكل هذه الهزيمة والموت والحيرة، فلم يكن لها إلّا أن تدخلنا عالم الكتاكيت، المستقبل الغض، المتخم بالخرء كما يعلن أول سطر في الفصل الثاني: "الكلام ده كله خرا مقلي." من ثمّ نتحول من عالم تفتتحه حظيرة الحلاليف الموحية بالقذارة إلى عالم أكثر صراحة في وصف خرائيته.

الكتاكيت

تتناحر الكتاكيت في صباها كذلك لتتوج أحسنها. على عكس الديوك لن يموت من الكتاكيت إلّا كتكوت واحد. سيسافر بعيدًا بعد أن اكتشف أن الكتابة ليست حرفته وأنّ حبّه وشغفه الحقيقيان هو "بتاعه" الذي سيصبح بفضله فنّانًا مشهورًا في الخفاء، مسموعًا في كل مكان ولكن دون ذكر أسماء. سيموت هذا الكتكوت -الذي سمّاه أبواه سامر، ثمّ سمّى نفسه بطشو، ليسمي نفسه بعد ذلك سانوس المصري، لتكتمل الدائرة أخيرًا حين يعود لاسمه الأول في نهاية الرواية- ميتة بطولية، إذ سيُغتال أثناء ممارسته لفنّه. بموته سيتحوّل إلى أيقونة وطنية، سينتظر الآلاف جثمانه، وسيصنع محبوه بين ليلة وضحاها أقنعة ضعيفة الجودة ولكن شديدة الحبّ لتخليد ذكراه وتلبس شخصيته. سيكون هذا الكتكوت الذي خرج من السيناريو في ميعة شبابه أنجح كتاكيته، فيما سيتخبط الكتكوتان الباقين بين التمويل الخليجي والمشاريع الثقافية.

منذ بداية تعرفنا على بهاء المثقف اليميني الكتكوت سنراه يتصرف كديك أرعن. يترأس شلّة بطشو ومينا، ويأتي بنسمة التائهة بين إمكاناتها الواقعية وممكناتها الطفولية. سيستمر كتكوتًا متوجًا لفترة ولكن الشلة ستنفض من حوله واحدًا بعد الآخر حتى يجد نفسه وحيدًا، بدون شلّة أو قراء. سيخسر الكل في مراهنة رعناء على اليمين ومحافظته في زمن من المفروض (على الأقل خطابيًا) أن يكون فيه المثقف يساريًا ضد النظام والتقاليد. في مشهد أيقوني، لعله الأقوى في الرواية، سيقرر بهاء السفر إلى الكويت ليعمل هناك، وفي الطائرة في الدرجة الأولى، سيقرر أن يخرأ الماضي (حرفيًا) بكل تجلياته وأحلامه ليطير خفيفًا إلى بلد الوظيفة والاستقرار. يحكي الراوي:

ركب الطائرة وفرد ساقيه ونام حتى أيقظه المغص مجددًا فهرع للحمام، وتلذّذ بتفجّر الكتل الضخمة منه كأنما في معزوفة موسيقية، وشمّ الرائحة، وكانت شديدة العفن والدفء والكمكمة. قام متطلعًا للخراء، وقد تبقت منه على جدار الكابينة كتلة صغيرة بنية مخروطة. (ص 488)

بهذه الفقرة القصيرة يصوّر الطوخي الانتقالة الأكبر في حياة أكبر كتكوت في نصّه. كتكوت محصور بالأبوية واليمينية والقيم المحافظة يفكّ زنقته في السماء، الشخصية الوحيدة التي وصلنا مشهد طيرانها، فيما اُجتزِأ هذا المشهد من سرديات سانوس ومتولي ونسمة. سيعود بهاء لمصر بعد سنتين محمّلًا بتمويل كويتي، يوظّف ديكًا (الشربيني) ولكن لا يصل إلى صوته الحقيقي إلّا حين يلتقي ثانية بالكتكوت الأهم في الرواية والابن الشرعي للدجاجة الوحيدة في الرواية: مينا.

كان من المهم توفير مينا إلى النهاية، هو الشخصية التي كانت أول جملة لها في الرواية "خرا مقلي!" الشخصية الوحيدة التي التقت بكل الشخصيات، النحلة التي لقحتهم جميعًا لتعرّفهم على ذواتهم ذاتًا ذاتًا. الخفاش الذي كمن في دواخل الشخصيات حتى بعد أن انفضوا من حوله. لم يكن من حظّ مينا رغم كل أياديه البيضاء إلّا لحظة سلطنة وحيدة في الرواية: لحظة نزل فيها مع بقية الكتاكيت للمزبلة ليفتشوا عن قطعة حشيش، سيدخنها بعد ذلك في نفس المزبلة، شاعرًا لوهلة بأنه فوق الجميع. سيرتقي مينا في الرواية من مجالسة العجائز الأوروبيات إلى مجالسة المثقفين المفتقدين للمدح، ستكون الأوروبيات أكرم، والمثقفين أهذر. سيخرج من مغامرته مع الأوروبيات بلوح تزلج يتيح له الطيران على الأرض. نفس اللوح الذي سيموت الدكتور على بعد أمتار منه، وستسقط منه نسمة مرارًا قبل أن تفهم أن لن ينقذها من كسرة جناحها إلا طائرة وأجنحة ميكانيكية تحملها إلى الهناك، بعيدًا عن الكتكوت المغتصب (بهاء) والديك المتحرش (الشربيني). لن يأخذ مينا من مغامراته في عالم المثقفين ديوكًا وكتاكيتًا أي شيء. لن يأخذ إلّا الحيرة وقلّة الحيلة، لن ينوبه إلّا الخرس والعيش تحت جناح بهاء والتمويل الخارجي. سينكتم شيئًا فشيئًا ويعود بمحض إرادته إلى تحت جناح الكتكوت اليميني. كأنما ليخبرنا أن لا الشتيمة ولا السرسعة ولا التظاهر ولا حتى الحلم بالنيزك سينقذنا من رائحة الواقع المفرط "العفن والدفء والكمكمة."

كلّه بياكل خرا

في عالم روائي ظاهره الدواجن وباطنه المشهد الثقافي (أو العكس) ستتقاطع حيوات ومصائر عشر شخصيات: 4 ديوك وثلاث كتاكيت ودجاجة وكلب بحر وكائنة حسبت نفسها سمكة ثم عصفورة ثم خفاشة. باستماتة المثقفين المدركين لانعدام جدواهم وبؤسهم سيتحارب الديوك أولًا، ثمّ سيتلوهم الكتاكيت لاحقًا بحثًا عن موقع قدم، سـتأخذ الطبيعة والزمن مجراهما، فيختفي أغلب الديوك ويدخل الكتاكيت الخشبة الأدبية من أضيق أبوابها في موقع يكتفي بوصف العزلة والسكينة البيتوتية، سننتقل بقدرة قادر من ندوة حزبية اشتراكية لا يسمع فيها أي حد جاره إلى أن نصل بيوت مغلقة معزولة. سيتقلص المشهد الثقافي وينكتم ولن يسعد في النهاية إلّا بطل البورن الذي مات بطلًا والخفاشة التي سافرت بعيدًا والدجاجة التي رممت حبيبها الميت بخيالها وحده. هكذا ستنتهي الرواية التي وعدتنا في السطر الأول أن "حياة الحلاليف هذه لا ينبغي لها أن تستمر" بحياة حلوفية سرمدية تتغير فيها المسميات (لتعوّض الأجنحة بألواح التزلج، والتغيير بالمستطيلات والأسماء، والأفكار بالخفافيش)، ولكن قذارتها تبقى على حالها.

ترى ما الذي كانت ستكونه الرواية لو أن نائل الطوخي اتخذ الحلاليف والثدييات رموزًا بدل الدواجن ذوات الأجنحة المكسورة؟ ما الذي كان سيتغير في الرواية لو أنها عوضت الأجنحة بالأرجل، والأخمام بالحظائر، والبيض(ان) بالأجنة. شيء واحد ما كان ليتغير: كلاهما أي الدجاج (بديوكه وكتاكيته) والحلاليف تأكل خرأه، ومن ثمّ فللاثنين أن يمثلّا المشهد الثقافي الحالي بجدارة.



أسماء السكوتي: كاتبة وباحثة وحاصلة على درجة الدكتوراه في قسم الدراسات العربية بجامعة برلين الحرة بألمانيا. حصلت على شهادة الماجستير في المناهج اللسانية والأدبية من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، وعلى شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة الدوحة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية