ألينكا زوبانجج: إياكم والنظر إلى السماء.. نظرية مؤامرة بلا نظرية

2024-12-11 - Tareq Osman

إنّ معتنقي نظريات المؤامرة في الفيلم ليسوا سوى شكلًا هامشيّا من أشكال إعراضنا عن مواجهة الواقع (المذّنب المقترب). فالاستجابة المجتمعية السائدة ليست إنكار كارثة المذّنب (أو أزمة المناخ) على الإطلاق وإنما دمجها في الشأن اليومي المعتاد

إياكم والنظر إلى السماء.. نظرية مؤامرة بلا نظرية

مقال ألينكا زوبانجج

عن e-flux ديسمبر 2022

ترجمة: طارق عثمان

ألينكا زوبانجج فيلسوفة معاصرة، من أعلام مدرسة ليوبليانا للتحليل النفسي.


من فيلم "إياكم والنظر إلى السماء" عن denofgeek

من الواضح أننا نعيش في زمن غريب. ومن الواضح كذلك أننا أنفسنا نغدو أغرب فأغرب. إذ يموج الواقع ويمور من حولنا ونحن لا نفعل إلا أمرين صلتهما ببعضهما أوثق مما تبدو لنا: أولًا: تجريد هائل للواقع من واقعيته (derealization of reality)،[1] وثانيًا: إسباغ شديد للواقعية على أباطيل (خيالات) معينة وتشييئها.

ولقد انقضى زمن طويل منذ بيّن أحد منتجات ما تُسمى بالثقافة العاميّة هذين الأمرين كما بيّنهما فيلم نِتفلكس:  (Don’t Look Up إياكم والنظر إلى السماء!) لآدم مكاي (2021). إذ يفضح الفيلم ببراعة ردّ الفعل السائد على الوضع الراهن الذي يتقوض فيه الواقع ويتزلزل من تحت أقدامنا. إنه فيلم فكاهي أو ساخر يكشف بنجاعة عن الشطط العاطفي لحاضرنا وغطرسته، عن طوفان الكلمات والصور التي لم يعد لها أي صلة بالواقع―وانبتات صلة الكلمات بالواقع هو الوجه الآخر لتشييئها، أي عدّها واقعنا الوحيد واختزالها في معناها الحرفي.

حبكة الفيلم معروفة: يحوّل الفيلم الأزمة المناخيّة و(عدم) استجابتنا لها إلى مُذَنّب عملاق يقترب بسرعة من الأرض بحيث يمكننا أن نحسب بدقة شديدة ميقات ارتطامه بها وتدميره لها في المستقبل العاجل. ولقد أثار الفيلم الجدل فور عرضه. إذ رماه النقاد من السي إن إن والجارديان والنيويوركر، وغيرها من المنصات الإعلاميّة بعيب جسيم: "في سعيه إلى الدفاع عن قضيته، لم ينجح الفيلم إلا في تنفير أولئك الذين ينبغي عليهم أكثر من غيرهم أن يتأثروا برسالته". نقرأ هذه القول في عرض للفيلم على السي إن إن، لكننا نجد أقوالًا مشابهة في عروض أخرى. وينطوي هذا القول على دلالات عِدّة، من ضمنها: دلالته على موقف أبوي، على نحو غريب، تجاه "الناس البسطاء" العاميين، الذين ينبغي على الفيلم إقناعهم بقضيته وضمهم إلى صفه لكنه نفرهم عنه عوضًا عن ذلك. وعلى نفس المنوال، رُمي الفيلم بأنه استعلائي وازدرائي. لكن أي شيء أشد تعاليّا وتكبّرًا مِن لازم قول هؤلاء النقاد: "لقد فهمنا مقصد الفيلم لكن عوام الناس لن يفهموه، لأن الفيلم لم يصل (أو ينزل؟) إليهم". حسنًا، لكن رأى "العوام" خلاف ذلك، وحصل العكس، إذ نفّر الفيلم حقًا الكثير من نقاد الثقافة رفيعي الذوق لكنه حظي بإعجاب "العوام" على نحو غير متوقع. يُقال إنّ الواقع أغرب من الخيال، ويجوز لنا أنّ نقول إنّ فيلم Don’t Look Up يبيّن لنا هذه الفكرة ببراعة. لكنه يبين كذلك أنّ الواقع قد يكون أشد إضحاكًا من أمرح الأفلام الفكاهيّة. فـ"التهويل المشوّه" الذي رُمي به الفيلم أيضًا ليس سوى واقعنا اليومي "الطبيعي". لكننا لا ننتبه إلى هذا التشوّه إلا عندما نراه معروضًا على الشاشة. وكلما اشتد ضحكنا عليه، اشتدت مرارته. وذلك لأنّ الفيلم يبدو مفرطًا في واقعيته كما هو مفرط في تهويله الفج ومغالاته الهزلية، وذلك لأن واقعنا ليس سوى تهويل فج ومغالاة هزلية لنفسه. وعلى خلاف الرأي القائل إنّ الفيلم كان له أن يكون أقرب للتصديق لو أنه تجنب التهويل والمغالاة، أرى العكس: رغم كل مغالاته، لا يكاد الفيلم يجاري الواقع في مغالاته. وهذا ما يفسر تصديقه، ويبدو أنّ "العوام" قد أدركوا ذلك جيدًا.

وحدث شيء آخر لافت للانتباه: لقد تلقى فيلم نِتفلكس كاسح الشعبية عن أزمة المناخ الذي ازدرته أعين النقاد ترحيبًا حارًا ممّن؟ مِن علماء المناخ! وهذا حدث طريف جدًا، إذ نادرًا ما يتفق رأي العلم مع "الرأي العامي" على هذا النحو. لكننا لن نستغرب ذلك لو أخذنا في حسباننا أنّ الفيلم يصوّر بنجاعة مشاعر الإحباط والعجز التي يشعر بها عامة الناس وعلماء المناخ على حدٍ سواء. إذ يصور العجز أمام سرقة الواقع وتجريده من واقعيته، يصور واقع لا يسع معظمنا أن يشارك فيه إلا كمشاهد لا حول له ولا قوة، لا يملك أي قدرة على تغييره أو التأثير فيه. لقد رُمي الفيلم كذلك بأنه "بليد" ومفتقر للرهافة، لكن أي شيء أشد بلادة من واقعنا الذي لا يحرك فيه خطر الانقراض فينا ساكنًا؟ إننا نروّض "نهاية العالم" قبل أن تقع، وبذلك نجردها من واقعيتها، ونضمن أنها ستقع أيضًا. لأن نهاية العالم ليست أخيولة (fantasy) باطلة، لكن أخيولة نهاية العالم (على سبيل المثال: بتصويرها كشيء يقع بمعزل عنا ونحن نشاهده من بعيد) هي إحدى طرق تجريد نهاية العالم الحقة من واقعيتها. إنني أرى أنّ فيلم Don’t Look Up ليس مجرد فيلم خيالي آخر من أفلام نهاية العالم التي تكاثرت في السنوات الأخيرة. وإنما هو فيلم عن سحق أخيولتنا الجماعية الراهنة تحت وطأة واقعية نهاية العالم، أو بعبارة أخرى: يبين الفيلم أنّ "الاستجابة الجماعية"―المطلوبة بشدة―للأزمات الكبرى لا يمكنها أن توجد اليوم إلا كإحدى تشكيلات أو تجليات اللاوعي [أي في شكل جحد لهذه الأزمات].

زعم بعض النقاد أيضًا أنّ الفيلم مفتقر إلى الظرف، أو مرح بالكاد، خاصة عندما يشتبك مع المنكرين ومعتنقي نظريات المؤامرة. لكنني أرى أنّ إحدى أجود خصائص الفيلم هي أنه لم يضع معتنقي نظريات المؤامرة في موضع القلب منه. إذ أنّ الشخصيات (السياسيّة والإعلاميّة) الأساسية في الفيلم ليست مجرد شخصيات على غرار دونالد طرامب ومذيعي فوكس نيوز، وإنما هي أقرب إلى ما يُسمى بالتيار الليبرالي السائد. بل إننا نرى في الفيلم التيار السائد نفسه كخليط غير متمايز من الاثنين. ويرجع انعدام التمايز بينهما إلى اشتراكهما في صفة واحدة، وهي: مواطأة التربح والسلطة لإنتاج ما يشبه أحد عروض تلفاز الواقع المدهشة، حيث تتلاشى جميع التمايزات "الإيديولوجيّة" الأخرى. ففي أحد المشاهد في المكتب البيضاوي، نرى على مكتب الرئيسة صورة مبروزة لها وهي تحتضن بيل كلينتون على نحو يمكن تأويله على أنهما صديقان أو ربما "زوجان"، في تلميح خاطف، لكن ذا بال، إلى هيلاري كلينتون. فهل نحتاج إلى دليل أشد صراحة من هذا على أنّ الفيلم لم يسهّل مهمته على نفسه باتخاذ طرامب والطرامبيّة مرمى أساسي لهجومه (وإن كان لم يقصّر بالطبع في التلميح إليه أيضًا)؟

إنّ زمننا مؤات لنظريات المؤامرة، لكن من الخطأ أن نعدّها لُبّ أزمة مجتمعنا وجوهرها. بل إننا لن نفهم مشكلة نظريات المؤامرة لو أغفلنا تواطؤ أصحابها، غير الواعي، مع ما نحسبه نقيضهم، أي: "التيار الليبرالي العقلاني السائد". إنّ الفريقان لا ينفكان يهاجمان بعضهما بضراوة، ومع ذلك تجمعهما آصرة وثيقة. وهذه واحدة من أفكار فيلم Don’t Look up الأشد تبصرًا. إنّ معتنقي نظريات المؤامرة في الفيلم ليسوا سوى شكلًا هامشيّا من أشكال إعراضنا عن مواجهة الواقع (المذّنب المقترب). فالاستجابة المجتمعية السائدة ليست إنكار كارثة المذّنب (أو أزمة المناخ) على الإطلاق وإنما دمجها في الشأن اليومي المعتاد.

دعوني أستعمل فيما يلي مصطلح "النخبة" (الخواص) للإشارة إلى تحالف القوى الاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة والإعلاميّة التي تشكّل، بحكم الأمر الواقع، عالمنا ومستقبله. ومن هذه الجهة، النخبة التي تخوّلها نظريات المؤامرة وسردياتها دورًا مركزيّا موجودة بلا شك، لكن نظريات المؤامرة تخطئ في تصور الطريقة التي تعمل بها هذه النخبة.

لننظر في هذا المثال المتطرف: هب أنني أقدر على كسب مليون دولار اليوم مع علمي أنّ العالم سينتهي غدًا. السؤال البديهي الذي سأطرحه على نفسي بالطبع هو: وما الذي سأفعله بالمليون دولار غدًا؟ إنّ العالم سينتهي وليس لكسب المليون دولار أو عدمه أي أثر على حصول ذلك. إلا إذا―وهذه هي الحيلة―كان كسبي لهذا المليون اليوم هو طريقتي الناجعة لجحد (disavowing) واقعية نهاية العالم. إنني سأكدح لكسب ثروة عشية القيامة لا على الرغم من أنّ العالم سينتهي غدًا وإنما بسبب أنّ العالم سينتهي غدًا، فكدحي هنا أشبه بطقس صنمي (فِتشي)[2] يرمي إلى تجريد نهاية العالم من واقعيتها، إلى جحدها. وكما علّمنا فرويد في نظريته عن الجحد الصنمي (fetshist disavowal)، من الخطأ أن نصوّر حالي هنا على هذا النحو: أنا على وعي تام بحقيقة الأمر (سيدمر المذّنب العالم، على سبيل المثال)، لكنني أعتقد بشكل لا واعٍ أنّ العالم آمن (لا يوجد مذنّب مدمر) وأتصرف وفق هذا الاعتقاد. وإنما الصواب أن نصوّره على هذا النحو: إنّ الصنم أو الفِتّش (عقد الصفقات التي ستدر علي المليون دولار، في هذه الحالة) هو الذي يؤمن نيابة عني بأن العالم آمن، بينما أتظاهر أنا بأنني شخص "عقلاني" و"مثقف" ومحرر تمامًا من هذا الاعتقاد "الغبي" و"غير العقلاني" في أنّ العالم آمن (لا يوجد مذّنب مدمر).  وهكذا أحفظ اعتقادي في عدم وجود خطر مهلك محيق بالعالم بأمرين: أولًا: نشاطي الاقتصادي-الاجتماعي (الشغل، عقد الصفقات التجاريّة)، وثانيًا: معتنقي نظريات المؤامرة الذين يمكنني أن أنأى بنفسي عنهم وأضحك على "جنونهم البيّن"، بالرغم من أنني أشاركهم عمليّا―عن طريق نشاطي الاقتصادي―نفس الاعتقاد "الجنوني" في أنّ العالم بخير. ويبدو لي أنّ هذا التفسير للكدح عشية القيامة أمتن وأشد إقناعًا من التفسير الذي يُرجعه إلى "جشع النخبة غير العقلاني" ببساطة. فلهذا التفسير أساس قوي، واقتصاد نفساني―هو اقتصاد اجتماعي أيضًا، أو بالأحرى: اقتصاد نفساني لم يكن له أن يكون لولا الاقتصاد الاجتماعي القائم―وأثر في الممارسة.

يُكثر أصحاب نظريات المؤامرة من الاستشهاد بفيلم The Truman Show (بيتر واير، 1998). في هذا الفيلم، يتسلى مشاهدو أحد عروض تلفاز الواقع العملاقة بالفرجة على بطله (جيم كاري) الذي يعيش حياته من دون أن يعلم أنه جزء من هذا العرض. إنّ واقعه بأكمله مُعدّ له، حتى السماء نفسها. وكل شخص في عالمه موجود لكي يخلق بيئة خيالية من أجله، ويقنعه بواقعيتها، ويبقيه محبوسًا فيها. لكن ما يحدث اليوم أمر مختلف تمامًا عن ذلك. فاليوم، تخلق النخبة العالم الوهمي لنفسها، في المقام الأول، وليس لنا، نحن "العوام". وذلك لكي تستطيع مواصلة الإيمان بأنه لا عيب خطير في العالم، وبأنّ شيئًا من الإبداع والابتكار التقني كفيل بأن يجعل مستقبله أشد اشراقًا. تختلق النخبة هذا الاعتقاد الباطل لنفسها في المقام الأول، ومع ذلك، لهذا الاعتقاد الجنوني أثر علينا أيضًا: فخلال مشاهدتنا للنخبة وهي تمضي في شأنها اليومي المعتاد، نشرع نحن أيضًا في الإيمان بأنه لا عيب خطير في العالم، وبأننا لا نحتاج سوى إجراء بعض التعديلات لنتكيّف مع "الواقع الجديد". إنّ "عرض ترومان" اليوم ليس سوى عالم رأس المال، والبورصات، والأسواق الماليّة، والصفقات التجارية، والفقاعات الاقتصاديّة، الذي صنعته النخبة―بعونٍ منا غالبًا―لنفسها. ولهذه منفعة مزدوجة: واحدة ماليّة أو ماديّة، والأخرى نفسانيّة، وهي: الجحد الصنمي للأزمة الواقعة. وفي أثناء ذلك، تنزل العواقب الكارثية الحقيقية على الطرف الآخر للهرم الاجتماعي (العوام)، وعلى الطرف الآخر للعالم (الجنوب)، في المقام الأول.

لذلك، دعونا ننظر عن كثب في هذا المفهوم التحليلي النفسي: الجحد  (verleugnung بالألمانيّة وdisavowal  بالإنجليزية). الجحد مختلف عن الإنكار (denial)،[3] إنه يحدث صدعًا بين العلم والاعتقاد، عبّر عنه أوكتاف مانوني بهذه العبارة الموجزة والدقيقة: "أنا أعلم (س) تمام العلم ومع ذلك (أنا لا أعتقد في س)".[4] أنا أعلم لكنني أتصرف وأفعل كما لو أنني لا أعلم ما أعلمه وأجهر بأني أعلمه. أنا أعلم حقائق معينة وأسلّم بها لكنني أجردّها من واقعيتها وأفرغها من مضمونها [أعطلها]. وليس عليّ حتى أن أعتقد، على نحو غير واعٍ، في خلاف ما أعلمه، فصنمي يعتقد فيه نيابة عني. فكما بيّن مانوني: عبارة "أنا أعلم تمام العلم ومع ذلك…" هي علامة الجحد وبصمته إلا أنّ صاحب الصنم لن يقول "ومع ذلك" قط، لأن صنمه يقوم في مقامها.[5] إننا نوكل الاعتقاد إلى الصنم، نقاوله عليه، بينما نعلم تمام العلم حقائق الأمور ونتكلم عنها بكل عقلانيّة.

لكي يبين لنا طريقة عمل الصنم في الجحد، حكى جيجك هذه القصة: شُخصّت زوجة رجل بسرطان حاد في الثدي وماتت بعد ثلاثة شهور. لكن لم يفتّ موتها في عضده قط، لم يمسه بسوء، إذ كان يتكلم عن تلك الشهور الثلاثة الصادمة بكل برود. فأنّى له ذلك؟ هل كان وحشًا باردًا قاسي القلب؟ عاجلًا، لاحظ أصحابه أنه لا يتكلم عن زوجته الراحلة إلا وهو ممسك بين يديه بهامستر (قدّاد) كانت تملكه. لقد كان الهامستر حيوان زوجته الأليف، والآن أصبح صنمه، الذي يجسّد جحده لموتها. وعندما مات الهامستر، بعد بضعة شهور، انهار الرجل انهيارًا تامًا، ولزم إيداعه في مستشفى لفترة طويلة.[6] 

وأرى أنه قد دخل تعديل على بنية الجحد هذه في الإيديولوجيا المعاصرة، وفي أشكال الجحد المعاصرة، يمكننا وصفه على هذا النحو: تُثنى معرفتنا عن واقع معين صادم، وتشرع هي نفسها في القيام بدور الصنم الذي يحمينا من هذا الواقع. لقد خلص جيجك، من قصة الهامستر، إلى الآتي:

"ولذلك، عندما نُقصف بالمزاعم القائلة إننا في حقبة مابعد-إيديولوجية وكلبية، لا يؤمن فيها أي أحد بالمُثل المبجلة، عندما نقابل شخصًا يزعم أنه قد شُفي من كل المعتقدات، وأنه يتقبل الواقع الاجتماعي كما هو عليه، يجب علينا أن نردّ على زعمه بهذا السؤال: حسنًا، لكن أين الهامستر خاصتك، أين الصنم الذي يمكّنك من التظاهر بأنك تتقبل الواقع (على ما هو عليه)؟[7]"

الفكرة التي أحاجج عنها هنا هي الآتية: لقد أضحت المعرفة نفسها اليوم هامسترنا الذي يمكّننا من التظاهر بتقبل الواقع الذي تدل عليه هذه المعرفة. ولتبين ذلك انظروا إلى مدى أهمية أن يعلن المرء اليوم عن أنه ليس ساذجًا أو مخدوعًا أو مغرر به، مدى أهمية أن يعلم المرء "حقائق الأمور"، ما يكمن "وراء" المظاهر، أن يعلم أن الآخر الكبير [السلطة الاجتماعية] غير موثوق ومخاتل. والأهم، أن يُعلِم غيره أنه يعلم. إننا مشغولون بإمكانيّة أن نُخدع أشد من انشغالنا بخطر الواقعي وصدمته، إننا نخشى الخديعة أشد من خشيتنا لخطر الواقعي وصدمته. فحتى نظريات المؤامرة الأشد جنونًا وغرابة نجدها مرتكزة على هذه الخشية من الخديعة، على إرادة ألا نُخدع. على سبيل المثال: الاعتقاد في أن الأرض مسطحة ليس―في حقيقة أمره―نزاعًا حول شكل الأرض، وإنما محاولة لكشف الخداع الهائل المتواصل على نحو مطرد منذ مئات السنين. إنّ المدافعين عن أن الأرض مسطحة لا يرفضون العلم والبراهين العلميّة ببساطة، وإنما يرفضون أن يُخدعوا، أن يغرر بهم عن طريق "التلاعب" بالعلم.[8]

كذلك، يتجلى التعديل المعاصر الذي دخل على بنية الجحد في مستوى نصفها الثاني―"ومع ذلك…"―الذي يفترض وجود تعارض أو تناقض. إذ تحولت بنية الجحد الصنمي من: "أنا أعلم تمام العلم ومع ذلك سأتصرف على خلاف ما أعلم" إلى: "أنا أعلم تمام العلم ولذلك سأتصرف على خلاف ما أعلم"، أو بعبارة أخرى: أنا أعلم ذلك وأسلّم به، وهذا يكفي، الآن يمكنني ألا أنشغل به.

وهكذا تحل المعرفة في محل الصنم الذي يمكّننا من التغاضي عن أمر صادم في الواقع. ويصير الشيء الوحيد المهم حقًا هو أننا "نعلم ما وراء الأكمة"، أننا "لسنا مخدوعين ولا مغرر بنا"، وأنّ الآخرين يعلمون ذلك عنا. وينبغي ألا نغفل عن أهميّة الأمر الأخير: أن نُعلن عن معرفتنا ونلوّح بها، أن نُعلِم الآخرين بأننا نعلم حقائق الأمور وأننا لسنا مغفلين (والمشهد المسرحي القيامي، الكلام الكثير عن نهاية العالم، هو جزء من هذه البنية؛ إذ يعمل استعراضنا لنهاية العالم وكلامنا عنها كحجاب نحتمي خلفه من نهاية العالم الحقة).

نجد في فيلم Don’t Look Up مثالًا مبينًا على بنية الجحد المعدّلة هذه. في أحد مشاهد الفيلم يظهر هذا العنوان العريض على الصفحة الأولى من إحدى الصحف: لقد أزفت الآزفة. فهل ستُلعب مبارة السوبر بول؟ تجلي هذه العبارة لُبّ الجحد المعاصر أفضل مما قد يفعل الإنكار الصريح، كأن يكون العنوان، على سبيل المثال: لا يوجد مذنّب مدمر، إنها كذبة، مؤامرة! لنتدبر في شطري العنوان: إنّ الشطر الأول، أي الجهر بعلمنا أنّ النهاية وشيكة، أنّ المذنّب قد اقترب، يبدو كما لو أنه موجود لكي يمكننا من الكلام باطمئنان عن مبارة السوبر بول. إنّ مباراة السوبر بول هي ما نحتاج إلى مناقشته حقًا، أما الإعلان عن أنّ القيامة على الأبواب فأشبه بتأدب واجب، كتحية الآخر والسؤال عن حاله قبل الخوض في صلب الحوار. إنه شكلانية محضة، ومع ذلك لا يمكن الاستغناء عنه أو إسقاطه ببساطة، إذ لا يمكن للجحد أن يعمل من دونه، لأنّ الجهر به هو تحديدًا ما يجعل الخوض في حديث "عادي" عن مباراة السوبر بول أمرًا ممكنًا.

وموجز القول: إنّ الفكرة الهامة التي يبينها الفيلم بجلاء هي أنّ الجحد―وعلى خلاف ما نظن―ليس حكرًا على أصحاب نظريات المؤامرة و"الدهماء"، وإنما هو شأن "النخبة"، التيار "العقلاني" (زعمًا)، أصحاب السلطة الاقتصاديّة والسياسيّة. إنّ نظريات المؤامرة ليست سوى عَرَض أو تجسيد للاوعي النخبة المشوّه. إنّ النخبة تحتاج إلى معتنقي نظريات المؤامرة لكي تشير إليهم بالبنان، لكي تقابل بين جنونهم وعقلانيتها المزعومة، وبذلك تعمينا عن جنونها. ولهذا نجد غالبًا تواطًأ غريبًا بين النخبة والمؤامراتيين على الرغم من مقتهما لبعضهما.

نظريات المؤامرة محقة في أمر واحد: تستحب النخبة أن يحوم تهديد حولنا، وأن تتربّح من هذا التهديد إيديولوجيّا واقتصاديّا (على سبيل المثال: كسب أموال طائلة من التصدي له أو منعه). لكن لكي تتمكن النخبة من التربّح منه يلزمها ألا تؤمن حقًا وصدقًا في واقعيته وخطره، على الرغم من كل ما تقوله عنه بلسانها. أو بعبارة أخرى: يلزمها أن تجحده، أي أن تواصل التصرف―في شؤونها الاقتصاديّة اليومية―كما لو أنّ هذا التهديد ليس واقعيّا بحق، ليس خطيرًا إلى هذا الحد. ويتخذ المؤامراتيون من ذلك برهانًا "موضوعيًا" آخر على أن هذا التهديد ليس موجودًا على الإطلاق، وإنما هو محض اختلاق باطل، صنعته النخبة لكي تقهر العوام وتجني المزيد من الأموال. وها هي حجتهم: بما أنّ النخبة لا تؤمن بحق بوجود هذا الخطر، كما يتجلى من مضيها في شأنها كالمعتاد، إذًا، هذا الخطر غير موجود. فـ"النخبة ليست مجنونة"، إنها تعلم ما تفعله، إنّ الأمر برمته ليس سوى خطة كبرى. وهذا الافتراض عينه (النخبة ليست مجنونة، إنها تعلم ما تفعله) هو ما يمكّن النخبة من مواصلة تجريد الخطر من واقعيته، من جحد الكارثة التي صنعتها بيديها. وهنا تحديدًا  يكمن الخطأ الأساسي الذي تقع فيه نظريات المؤامرة، والذي يمكننا أن نردّ عليه كالآتي: لا، إنّ الأمر أسوأ من ذلك! فالنخبة مجنونة حقًا (بعدم حملها للخطر على محمل الجد). وهذا مدعاة لأن نفزع ونهلع. لا، إنها لا تعلم ما تفعله، وليس عندها خطة كبرى سوى الحفاظ على مقامها وشأنها.

في المقابل، يميل منظّرو المؤامرة إلى الخلط بين لاوعي النخبة: جنونهم المرضي المتجلي في شكل "عقلانيّة" (بقولهم: يمكن التصدي لهذا الخطر بأساليبنا المعتادة) والواقع الموضوعي. وبذلك، يعرض منظّرو المؤامرة ويجسدون لاوعي النخبة، أي الجنون الذي ترتكز عليه "عقلانيتهم"، والذي يُعدّ حالة جحد كلاسيكيّة. لا عجب إذًا أن ترتاع النخبة من نظريات المؤامرة: إذ من المكمد والمؤلم حقًا أن يرى المرء عودة لاوعيه إلى الواقع [عودة المجحود على غرار عودة المكبوت]، أن يراه أمامه في العالم. لكن من النافع للمرء أيضًا أن يجد مَن يشنع عليهم، ويزعم أنّ "عقلانيته" تنقذ العالم من جنونهم.            

وختامًا، يمكن التعبير عن المنطق الحاكم لعالمنا المعاصر بهذا الشعار الموجز: نظرية مؤامرة بلا مؤامرة، أو ربما: نظرية مؤامرة بلا نظرية.



[1]  المقصود بهذه العبارة (تجريد الواقع من واقعيته) هو: تجريد الواقع من مضمونه "الواقعي" الصادم والخطير والمقلق، أي ترويض الواقعي في الواقع وتدجينه أو تعطيله، أي جعله بلا مضمون وبلا تأثير يُذكر،  كما لو كان وهمًا أو خيالًا. وكما نعلم، في النظريّة اللاكانيّة، ليس الواقعي (The Real) مرادفًا للواقع (Reality)، وإنما هو الشروخ أو الصدوع الموجودة في الواقع، التي تستعصي على الترميز (على الفهم والتفسير والتعبير). إنه المكون الصادم والمقلق في واقعنا، الذي نسعى إلى تجنبه أو الالتفاف عليه أو التغطية عليه ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، لأن مواجهته صادمة.  (المترجم)

[2]  الوظيفة الأصلية للصنم أو الفِتّش في انحراف الصنمية أو الفتشيّة الجنسيّة هو حماية صاحبه من قلق الخصاء. لكن خارج النطاق الجنسي، يعمل الصنم كمطمئن ومضاد لشتى أصناف القلق عامة. ومن هذه الجهة، يمكن لأي شيء أو فعل يقوم بهذه الوظيفة أن يُسمى صنما لصاحبه (المترجم).

[3]  يُسمى الجحد بالجحد الصنمي (الفتشي) أيضًا. ويرجع ذلك، على الأرجح، إلى أنّ فرويد قد فصّل القول فيه في مقالته عن الصنمية (الفتشية) الجنسية. لكن الحق أنّ فرويد قد طرح مفهوم الجحد لأول مرة في مقالته عن الحرب والموت. ففيها بيّن فرويد أننا نعلم أننا سنموت لكننا لا نعتقد أننا سنموت، أو بالأحرى "لا يعتقد لاوعينا في أنه سيموت". إننا لا ننكر الموت وإنما نجحده، فنحن نعلم تمام العلم أننا سنموت، لكننا نتصرف كما لو أننا لا نعلم ذلك. يوضح لنا فرويد ذلك بهذه النكتة: قال رجل لزوجته: "إذا مات أحدنا سأهاجر إلى باريس". إننا نتكلم عن موتنا لكننا لا نستطيع تصوره. يتكلم الرجل، في النكتة، عن موته وموت زوجته، لكنه لا يستطيع أن يتصور إلا موت زوجته وحدها. ومن آليات جحدنا للموت، بحسب فرويد، التعامل معه كما لو أنه أمر عارض، حادث، يقع على سييء الحظ. ويرى فرويد أنّ الحرب تحول بيننا وبين جحد الموت، ففي الحرب لا يمكننا أن نتصرف كما لو أننا لا نعلم أننا سنموت، إنّ الحرب "تُكرهنا على الاعتقاد في الموت". ولنأخذ المذنّب الذي سيدمر الأرض في الفيلم كمثال لتوضيح الفرق بين الجحد والإنكار: الإنكار هو أن أنفي، أكذّب، وجود المذنب وخطره، أن أقول: "أنا لا أعتقد أنه يوجد مذنب خطير كما يقولون لنا، هذه خدعة، كذبة أخرى من أكاذيبهم التي لا تنتهي. وأنا سأتصرف بناءً على ذلك، سأتصرف كما لو أن المذنب غير موجود لأنني لا أعتقد أنه موجود ببساطة". أما الجحد فهو أن أقبل، أصدق، وجود المذنب وخطره لكنني لا أجعل لذلك أي تأثير، أن أقول: "أنا أعلم تمام العلم أنه يوجد مذنب خطير كما يقولون، أنا أعتقد أن هذا حق لا مراء فيه، لكنني سأتصرف كما لو أنني لا أعلم أنه موجود، كما لو أنني لا أعتقد أن ذلك حق لا مراء فيه". ويمكن تبيين معنى الجحد أكثر بمفهوم أساسي عند جورجيو أجامبِن وهو: "التعطيل" أو "الإدخال في العطالة": أن أجحد يعني أن أعلم ثم أعطل هذا العلم، أجعله بلا أي تأثير. أن أجحد المذنب المدمر  يعني أن أعلم أنه موجود ثم أعطل هذا العلم فأتصرف كما لو كنت لا أعلم أنه موجود. ويمكننا هذا المفهوم الأجامبيني أيضًا من تبين الفرق بين الجحد والكبت (repretion): أن أكبت شيئًا ما، المذنب المدمر على سبيل المثال، يعني أن أنفيه من وعيي، أن أخرجه من نطاق تفكيري، وأن أجحده يعني أن أبقيه في وعيي وفي نطاق تفكيري مع تصييره معطلًا أي بلا أي تأثير (المترجم).  

[4]  Octave Mannoni, “’I Know Well, but All the Same…’,” in Molly Anne Rothenberg, Denis Foster and Slavoj Žižek (ed.), Perversion and the Social Relation (sic 4), (Duke University Press, 2003).

[5]  المرجع نفسه، ص 70.

[6]   Slavoj Žižek, In Defense of Lost Causes (Verso, 2008), 299.

[7]  المرجع نفسه.

[8]  كما فصلّت المؤلفة في دراسات أخرى، يوجد صنفان من الآخر الكبير في نظرية المؤامرة، الأول هو: الآخر الذي يُفترض له أن يخدع  (The Other Supposed to Decive)في معارضة للوصف اللاكاني الشهير للمحلل النفسي: الآخر الذي يُفترض له أن يعلم (The Other Supposed to Know). إنه مخادع محض، أشبه بشيطان ديكارت الذي لا ينفك يضلله. وهذا هو سبيل أصحاب نظريات المؤامرة لحفظ الآخر الكبير في عالم بلا آخر كبير: أن يوجد آخر كبير شرير أفضل من ألا يوجد آخر كبير على الإطلاق؛ أن يوجد من ينشغل بتضليلنا أفضل من ألا ينشغل بنا أحد على الإطلاق. ولذلك يقوم هذا الآخر الكبير المنحرف بدور أنطولوجي عند أصحاب نظريات المؤامرة: وجود مَن ينشغل بخداعي برهان على وجودي. أو بعبارة ديكارتيّة: أنا أُخدّع إذًا أنا موجود. أما الآخر الكبير الثاني فهو الذي يشهد على وجود الآخر الكبير الأول. هو الذي يفضحه. هو الذي يكشف عن أننا مضللون ومخدوعون. إنّ الخداع هو لُبّ العقليّة المؤامراتيّة، هو جوهر نظريات المؤامرة بشتى أصنافها: لا يسعى المؤامراتي إلى إثبات أن الأرض مسطحة أو أن أقدام البشر لم تطأ سطح القمر قط، وإنما إلى إثبات أنّ هناك مَن يريد أن يخدعنا بإقناعنا بأن الأرض كروية أو بأن أقدام البشر قد وطأت سطح القمر. ولذلك، هبّ أنّ مسؤول أمريكي خرج علينا اليوم وأعلن قائلًا: "لقد كذبنا، لم نصعد على سطح القمر قط، لم يحدث ذلك إلا على شاشة التلفاز، لقد صورنا الأمر برمته في أحد إستديوهات هوليوود"، فماذا سيكون ردّ فعل معتنقي نظرية المؤامرة هذه؟ هل سيبتهجون ويهللون ويرددون في تباهي: "ألم نقل لكم!" لا، إطلاقًا! إذ سيحزنون على الأرجح، كما ترى المؤلفة، لأن في هذه اللحظة لا تعود نظرية المؤامرة نظرية مؤامرة، وذلك لأنها تفقد جوهرها: الخداع. لقد توقف المخادع عن خداعنا، واعترف بأنه كان يضللنا. ولذلك قد يردّ معتنقو نظرية المؤامرة على ذلك بقولهم: "ليس هذا الاعتراف سوى جزء من خطة أكبر، من خديعة أخرى تُحاك لنا" (المترجم).



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية

تابعنا على السوشيال ميديا

النشرة البريدية