هل ما أطالب به شريكي في العلاقة يحترم إنسانيته واستقلاليته؟ أم أنني أطالب بأشياء تتطلب شيء من السيطرة؟

تفكيك المنطق الرأسمالي في علاقاتنا

مقال لي شيفيك

ترجمة: نهال الهجين وحسين الحاج

سبق نشره في موقع مدى مصر بتاريخ 7 مارس 2021.


  صورة Shoeib Abolhassani على Unsplash

يستعيد مناهضو الرأسمالية، أبناء اليوم، أهم أعمال مناهضي الرأسمالية، أبناء اﻷمس، والقرن الماضي، ويجدون عيبًا متكررًا يمتد عبر العديد من كتاباتهم الواضحة والمتعلقة بنا بصورة مستمرة؛ لقد اعتقد كثير منهم أن نهاية الرأسمالية قريبة وحتمية. لقد فكروا أن قوتها تكمن في سلطتها القاهرة، وأنها لن تتمكن من التماسك طويلًا وستنهار في النهاية. ما لم يكن في حسبانهم -وما نضعه في حسباننا اﻵن- أن الرأسمالية لديها قدرة خارقة على التكيف. فسر بقاء سلطتها ليس كامنًا في قهرها وحده، بل في قدرتها على تجنيدنا في قلب نظامها الذي يعطل مصالحنا ويسمم مجتمعاتنا ويضعف علاقاتنا. تبقى الرأسمالية، ليس ﻷن هناك أغنياء وأصحاب سلطة يفرضونها، بل أيضًا ﻷن بقيتنا تبنوا منطقها ويحتذون بها في حياتهم اليومية، ولأن صُلب المنطق الرأسمالي أن تعيش دائمًا على وعد الإشباع المؤجل للرغبة. إننا لا نفعّل هذا المنطق في المجالات التي نعرفها عادة بصفتها عالم المنطق الرأسمالي فحسب (أماكن العمل والسياسات الانتخابية.. إلخ)، لكن في أكثر علاقاتنا حميمية أيضًا، وهذا المجال الذي سأخوض فيه هنا.

يعني الانتماء إلى اﻹنسانية، التعايش مع إحساس جوهري بالفقد، وليس الفقد الذي يجب أن نتصارع معه هو حقيقة أن حياتنا وحياة أحباءنا فانية فحسب، بل أيضًا الفقد الذي يترافق مع العيش في عالم لا نستطيع فهمه كليةً، ولن نستطيع فهمه مطلقًا. ومع هذا الشعور بالفقد، هناك إمكانية كبيرة للإبداع في الفن واﻷلعاب والمجتمع واﻹيمان والفلسفة، لكن تحقيق هذه اﻹمكانية يلزمه أيضًا قبول هذا الفقد والتصالح معه. وما من شيء أصعب وأكثر إيلامًا من التعامل معه (وأزعم أن ما من شيء مجزٍ وأكثر إثمارًا منه). 

يظهر تأثير حقيقة هذا الشعور اﻹنساني الجوهري بالفقد بطرق عدة، لكن، قليل منها واضح للغاية، مثل قدرتنا على التدليل (ابتكار اللغة وتسمية اﻷشياء). عندما نطلق اسمًا على شيء ما، فنحن نبتكر شيئًا أكبر منه، ولا يمكن أن يرضينا أبدًا، وتتعلق رغبتنا فيه بانعدام قدرتنا على الرضا. مدلولاتنا نهائية ومجردة وغير ممركزة، والأشياء التي تدل عليها محدودة، وفي الفجوة بينهما يكمن إحساسنا بالفقد ورغبتنا. 

يرى منطق الرأسمالية الفقد الذي نشعر به -أي الفجوة بين الواقع الحقيقي وواقعنا المدلول- ويعرض ملء هذا الفراغ بالاستهلاك. هناك دائمًا منتج آخر يلوح في اﻷفق يعد باﻹشباع النهائي ونهاية الفقد، ثم نجد أن هاتف آيفون iPhone اﻷحدث لا يرضينا بالطريقة التي توقعناها أو آملنا فيها، فهو ليس الشيء المثالي الذي نبحث عنه، لكن لا داعي للقلق، فقد يحقق الهاتف القادم رغبات قلبك كلها في النهاية. نعرف جميعًا، واعون أو غافلون، المفارقة التي ينطوي عليها هذا المنطق. حتى إذا كان من الممكن تحقيق اﻹشباع الكامل النهائي بالفعل، فلا يمكن للرأسمالية أن توفره، ﻷنه إذا تحقق هذا اﻹشباع فسوف نقضي بنهاية الرأسمالية والاستهلاك نفسه. هذا وعد لا يمكن أن تفي به الرأسمالية مطلقًا. 

ورغم ذلك، فهي ما زالت تغرس بذور منطقها في عقلنا: إمكانية نهاية الفقد واﻷلم والعوز، لكنه دائمًا شيء يلوح في اﻷفق. دائمًا ما يكون إشباعنا -أي تحررنا من الرغبة- أبعد منا، لكننا نشعر به قريبًا منا بصورة محيرة. ليس الوعد بمستقبل أفضل سوى منطق يجد مناهضو الرأسمالية أنفسهم عادة واقعين فيه، كما يتبدى في فلسفتنا أيضًا، رغم علمنا بأساليب الرأسمالية الكبرى. عندما نعد بمستقبل أفضل (اﻹشباع النهائي) في ظل مخططاتنا المثالية المناهضة للرأسمالية، فنحن نجعل من وعدنا نمط مقاومتنا ومن ثم نخطو داخل ملعب الرأسمالية. لن تصبح الحرية شيئًا يمكن أن ننهض ﻷخذه في التوّ واللحظة، ولن تصبح السلطة شيئًا يمكن أن نُخضعه للمساءلة في حياتنا اليوم، لكنهما شيئان يظلان يلوحان في اﻷفق. 

علاقات مرتكزة على النتائج

بينما يمكن أن نجد أمثلة لهذا المنطق في كل مجالات النضال، سنتحدث هنا عن الطريقة التي تعبر بها عن نفسها في علاقاتنا القريبة والحميمة. كثير منا نشأ على فهم العلاقات بصفتها إمكانية لتحقيق التصورات (سأكون سعيدًا عندما أجد الشخص الذي أحبه وأتزوجه ثم أشتري بيتًا ويصبح لدينا أطفالًا كي نربيهم.. إلخ). يمكننا السقوط في حبال تصوراتنا لحياتنا المستقبلية مرارًا وتكرارًا، والهوس بمحاولة مواءمة اﻵخرين لهذا القالب جاهز الصنع، إلى درجة أن نفقد واقعنا المشترك كلية. يمنحنا اعتمادنا على هذا المنطق الرأسمالي، في إحساسنا بالسعادة، شعورًا لزجًا. حتى في أكثر اﻷحوال استحالة، إذا نلت الحياة التي دائمًا ما حلمت بها، فهي لا تقدر على إرضائك للسبب البسيط في أنك لا تعرف سوى طريقة إرجاء سعادتك في مكان يلوح في اﻷفق، وليس حيثما تقف.

علاوة على ذلك، يؤدي بنا هذا المنطق إلى وضع اﻵخرين في أدوار منفذي رغباتنا الشخصية، بدلًا من اعتبارهم أناس مستقلين مثلما هم. إننا ننخرط في هذا النمط من التفكير عندما ننغمس في اتخاذ أي ما كانت الخطوات القادمة التي نظن أننا نريدها في علاقاتنا من أجل أن تكون ذات معنى، وبفضل ذلك نفقد حتمًا الشيء القيِّم الذي تقدمه لنا العلاقات، أي اﻷفراد الحقيقيون الفريدون الذين يريدون الوقوف إلى جانبنا. نصوب أعيننا نحو نتائج مقبلة (مجهولة حقًا)، ونخسر ثراء استكشاف مسار العلاقة في الحاضر. نخسر رؤية الناس الذين نهتم بهم ينضجون، ونتورط في ردة فعل قائمة على الخوف، تحاول التحكم في ذلك النضج إلى درجة أننا نخسر بهجة دعمه.

إن رؤية الناس الذين نرتبط بهم ومعاملتنا لهم بصفتهم معابر لتحقيق تصوراتنا يُشيئهم ويحرمهم مما يستحقونه من تقدير كمال إنسانيتهم. إننا نقدّر شيئًا من قيمتهم في قدرتهم على الوعد بإشباع آجل -ودائمًا هو آجل- بدلًا من تقديرها في الحاضر، واتساقًا مع المنطق التناقضي للرأسمالية، فهو أيضًا وعد لا يقدر أحد على الوفاء به، ولنضرب مثالًا: إذا كان ما نقدّره في علاقتنا بشخص ما بقاءها مدى الحياة (أي تجنب ألم الفقد)، عندئذ يمكن أن يتحقق إشباعها فقط عند وفاته، أي في الوفاء الكامل بهذا الوعد، لكن مَن بيننا قد يقول عند الوقوف على رأس قبر أحبائه أن أهم جوانب علاقته به تمثلت في انتهاء تعاقده بدلًا من أن يتحدث عن الروح الفريدة والخاصة التي أدخلها ذلك الشخص في حياته؟ حتى التعاقد لا يمكن أن يحمينا من الفقد سوى لفترة زمنية محدودة فحسب، مثلما يمكن أن يشهد أي أحد تعرض لفقد عميق مثل الموت.

ملحوظة نهاية القسم الأول: عُد بذاكرتك لتخيلك لمستقبلك منذ ثلاث أو خمس أو عشر سنين، هل تحقق بنفس الأسلوب الذي تمنيته أو توقعته؟ الأهم من ذلك: إلى أي مدى أنت ممتن لعدم تحققها بذلك الأسلوب؟

علاقات قائمة على استكشاف مسيرتها

كيف يمكننا خلق علاقات حاضرة، غير مقايضة مرضية، ونحن منغمسون في فكر الرأسمالية بهذا القدر؟ كيف نزرع بيننا علاقات توفر احتمالية الاستمرار دون الوقوع في فخ توقع وعود أو ضمانات لنتائج مستقبلية؟ بالرغم من قوة وعود المنطق الرأسمالي، لا توجد وصفة للعلاقة المثالية. برفضنا لهذا المنطق، يمكننا أن نستبشر: ما من وصفة للعلاقة المثالية! يمكننا أخيرًا الانطلاق في رحلة استكشاف للعلاقات المناسبة لنا، العلاقات التي تشجع الاحترام المتبادل والمسؤولية، العلاقات التي نقدرها هنا والآن، وتسمح لنا بالازدهار.

المهمة الأكبر التي تواجهنا هي تحديد الطريقة التي يغشى بها المنطق الرأسمالي المتمركز حول النتائج أحكامنا القيمية في العلاقات، فادتني بشكل شخصي قائمة من الأسئلة التي أواجه بها نفسي، لكنها ليست متكاملة بأي شكل من الأشكال: 

هل ستظل هذه العلاقة قيّمة في نظري اليوم، حتى وإن انتهت بالأمس؟ 

هل أنا في هذه العلاقة بسبب ماهية شريكي، أم بسبب ما أظن أنه بإمكانه توفيره لي؟ 

إذا اختار شريكي أنه يريد شكلًا مختلفًا لعلاقتنا، هل سأظل أقدّره؟ حتى وإن لم يكن في مقدوري توفير نوع العلاقة المختلفة المطلوبة واضطررنا للانفصال؟

هل أشعر بالتهديد من علاقات شريكي الأخرى بسبب شعوري بخطر الفقد؟

ما الذي يمكنني فعله لإعادة توجيه قيم العلاقة كي يتجذر شعوري بقيمة ذاتي ولأشعر بالسعادة أن لشريكي أناس يهتمون لأمره؟

كيف يمكنني مواجهة خوفي من الفقد بدون أن أتوقع وعود بنتائج من شريكي في العلاقة؟

ما هي الأشياء التي أحبها في شريكي بعيدًا عما يقدمه لي؟

هل ما أريده من هذه العلاقة عادل ومنصف وطيب؟

هل ما أطالب به شريكي في العلاقة يحترم إنسانيته واستقلاليته؟ أم أنني أطالب بأشياء تتطلب شيء من السيطرة؟

حين نسأل أنفسنا أسئلة كهذه، يمكننا البدء في فهم جذور أسباب دخولنا في العلاقات في الأساس، وماهية توقعاتنا، وما إذا كانت لدينا قيم تحتاج للمواجهة والتحدي.

إن العلاقات موضوع حميمي، ومن السهل شطب الطرق التي نظهر بها في العلاقات كاختيار شخصي غامض، حتى على أعداء الرأسمالية المعتادين على التشكيك في الافتراضات المغروسة بعمق، أو «كما تكون». لكن هؤلاء الذين يدرسون عالم السلطة ويسعون لقلبه رأسًا على عقب، يعلمون أن عالم السلطة لا يكمن فقط في قاعات البرلمانات، ولا يقف عند حدود العمل، بل يمتد لكل أوجه حياتنا: بما فيها وخصوصًا علاقاتنا، يصبح ذلك الشيء المعتاد، المتوقع، الذي يربكنا التشكيك فيه، ليس صحيًا لنا بطبيعته، وعادةً ما يتضمن أعنف الأحكام على الإطلاق.

إن الجهد المبذول لإعادة توجيه قيمنا في العلاقات من قيم مرتكزة على النتائج فقط إلى قيم قائمة على الاستكشاف، بعيدًا عن المنطق الرأسمالي، جهد شاق وكثيف. والأهم، أنه جهد شخصي للغاية. تعلّم الكثير منا أن حياتنا وعلاقاتنا تقتصر قيمتها على إنتاجها لنتائج محددة، والسلطة الأبوية الرأسمالية المغايرة جنسيًا تملي علينا أن النجاح علاماته الزواج والأبناء والأحفاد والرهن العقاري، وتفرض أيضًا حواجز عنيفة ضد كل من يريد أن يحيا بقيم مختلفة. لا يكفي أن نعيد تقديم حركة «الحب الحر» بصورة جديدة، بينما يبدو أن الخيار الوحيد للاستقرار الاقتصادي يتطلب نموذج العلاقات المرتكزة على النتائج. رفض المنطق الرأسمالي في علاقاتنا يتطلب سيرًا مزدوجًا من القيام بجهد تعلّم أن نتجذر في ذواتنا، بدلًا من الاعتماد في إحساسنا بقيمتها على العامل الخارجي المتمثل في ما يظنه فينا الآخرون أو ما ينوون تقديمه لنا، ويتطلب أيضًا أن نعمل على بناء شبكات دعم مجتمعية تساعد على الاستقرار الشخصي الضروري لزرع العلاقات القائمة على استكشاف مسيرتها. وهو جهد مؤلم أحيانًا، وشاق دائمًا.

يحاجج البعض أنه من غير الممكن أن نتوقع من الأفراد القيام بالجهد الشخصي الشاق، بينما تواجههم عراقيل هيكلية تحول دون خلق علاقات مرتكزة على استكشاف مسيرتها بشكل حقيقي، وهي أننا يجب أن نتخلص من تلك الهياكل أولًا قبل مواجهة ما هو شخصي. لكن هذا يقع في نفس المنطق الرأسمالي الذي نجد أنفسنا غارقين فيه. إذا انتظرنا الظروف المثالية لبذل الجهد الشخصي الحيوي، سنجد أنفسنا في انتظار أبدي نعيد فيه خلق نفس القيم سيئة التكيف في العلاقات في أجيال مستقبلية.

بالرغم من أنه من الخطأ أن ندعي أن إعادة التفكير، وإعادة تقييم وخلق رؤيتنا وممارستنا للعلاقات، ليس جهدًا شاقًا، لكن الخطأ الأكبر أن نتجاهل الدافع لبذل هذا المجهود أساسًا. نحن نبذل هذا الجهد لنكشف عن احتمالات مبهجة. إن العلاقات القائمة على استكشاف مسيرتها تدور حول الاستمتاع. حين نجد أنفسنا متصلين بالمجتمع وبأفراد نحبهم فيه، ونرفض أن نتشابك في توقع نتائج وفرضها، يمكننا حينها اكتشاف الجزء الأجمل من العلاقات: وهو شهودنا لبعضنا البعض. يتأتى لنا أن نختبر فرحة الازدهار بشكل صادق وصحي لكل منا، وأن نكون شاهدين على من نحب في رحلتهم تلك، وأن ندعمهم فيها. لدينا القدرة لإيجاد الاستقلال والأمان دون الحاجة للتضحية بأي منهما في سبيل الأخرى. يتأتى لنا أن نستمتع بالخَلق سويًا، ويصبح الحب حينها هدية غالية بدلًا من واجب ثقيل.

هل شاهدت شخصًا تحبه يزدهر ويتفتح؟ أعتقد في رأيي الشخصي أن ذلك أجمل ما ولدت شاهدةً عليه.