عمومًا أدركت مع الوقت أن كتابتي ليست سعيدة أو مبهجة بالضرورة، وأخجل من هذا الأمر في الحقيقة، لكن هذا ما أستطيع تقديمه. فحتى المدينة التي أعيش بها، "القاهرة"، أعتبرها مدينة حزينة، انظر إلى وجوه الناس في الشوارع والأغاني والمسلسلات التي يستمتعون بها وستدرك ذلك بسهولة.

الموتى لا يموتون حقًا

حوار أمجد الصبان مع مينا ناجي، عن مجموعة ناجي القصصية "ترددات"


تصوير: هبة وحيد

جمع مينا ناجي بين الشعر والقصة والرواية والكتابة الإبداعية غير الخيالية والترجمة، وفي بعض الأحيان الإخراج وكتابة السيناريو. مؤخرًا صدرت له مجموعة " ترددات" عن دار العين للنشر، وهي تتكون من ست قصص، ذات مذاق حار لذيذ لا يخرج من الفم بسهولة، استخدم فيها النكات للحديث عن الرغبة الجنسيّة، والطفولة لتعريف الشجاعة والقداسة والغفران، والليل وجثث الكلاب المقتولة لإشعال جذوة الروح المؤقتة.

الصبان: قصص المجموعة قائمة على العلاقة الجدلية الدائمة بين الرجل والمرأة، باستثناء القصة الأولى "سِيَر ذاتية" التي تدور حول طفل ذي موهبة فائقة للطبيعة، وهو ما يبدو اختيار آمن لكتابة مجموعة قصصيّة.

ناجي: أعتقد أن لكل كاتب هواجس معينة يكتب عنها دومًا، بشكل أو بآخر، وهواجسي تتمحور غالبًا حول مواضيع الحب والعلاقات والمعاناة النفسيّة والوجوديّة. أحد أسباب اختياري لعنوان "ترددات" أنها تعني المعاودة. أعاود في هذه القصص تلك المواضيع التي أفكر بها دومًا وتشغلني بشكل شخصي. ما كان يهمني في هذه المجموعة هو أن أكتب في هذه الموضوعات بأصوات أخرى غير صوتي وشخصيات أخرى غير شخصيتي، وهذا معنى ثانٍ لكلمة "ترددات"، أي موجات مختلفة لشخصيات لا تمثل "ترددي" الشخصي بالضرورة. في النهاية، الكاتب يكتب عمّا يشغله ويثير فضوله، وفي ظني يمكن الكلام عن أي شيء من خلال أفكار أو هواجس معينة، أو هذا ما أحاول فعله على الأقل.

الصبان: قرأت لك خمسة كتب من الثمانية التي نشرتها، وأعتقد أن قصة " سير ذاتية" هي القصة الوحيدة التي بها خيال يجمح بعيدًا عن الواقع، لماذا لا تذهب للخيال الفانتازي في أعمالك كثيرًا؟ وهل للخيال دور في تشكيل وعي الأجورافوبي [رُهاب الأماكن البعيدة أو المفتوحة] الذي كتبت عنه في كتابك "33: عن الفقد والرُهاب

ناجي: مجموعتي السابقة، "الجُندب يلهو حُرًا في شوارع القاهرة"، والتي سبقت "تردُّدات" بعشر سنوات، غلب عليها طابع الخيال الفانتازي والسوريالي، كما يتضح من عنوانها، لكن مع الوقت فقدت الاهتمام أو القدرة على كتابة شيء خيالي بهذا المعنى، لا أعرف لماذا في الحقيقة. ربما لانشغالي في الأساس بالواقع الذي أحاول فض الاشتباك معه. ولذا قصدتُ كتابة قصة "سِيَر ذاتية" بطريقة فانتازية، لأني انتبهت أني لا أكتب بهذا المعنى الخيالي، ووجدتُ صعوبة حقيقيّة في فعل ذلك.

كان للخيال دور أكبر في سنواتي المبكرة ككاتب، خيال تعويضي أو استكمالي مثل الذي في أحلام اليقظة، وهو ما أظن دور الخيال المتوقع في "وعي الأجورافوبي". لكن مع السنوات اختلف مفهوم الأدب بالنسبة لي، وأصبح له وظيفة معرفيّة أكثر، أي خطاب معرفي جمالي يسعى لنقل الأفكار والتصورات ومناقشتها، والخيال الفانتازي عامل مساعد لهذه الوظيفة. ربما لهذا لا أهتم كثيرًا بالذهاب إليه إذا لم يطرح نفسه داخل العمل.

الصبان: ذكرتُ كلمة "السعادة" مرة واحدة في المجموعة، على لسان طفل تحديدًا، هل قصدت هذا؟

ناجي: لا لم أقصد ذلك، هذه ملحوظة أدركها لأول مرّة الآن، ولا أعرف دلالتها. ربما لأن الطفولة هي مساحة غفلة والأشياء التي تسبب السعادة فيها عادة ما تكون سهلة وفي متناول اليد؟ تصور سعادة طفل بلعبة جديدة أو وجبة سريعة لذيذة أو يوم إجازة من المدرسة.

عمومًا أدركت مع الوقت أن كتابتي ليست سعيدة أو مبهجة بالضرورة، وأخجل من هذا الأمر في الحقيقة، لكن هذا ما أستطيع تقديمه. فحتى المدينة التي أعيش بها، "القاهرة"، أعتبرها مدينة حزينة، انظر إلى وجوه الناس في الشوارع والأغاني والمسلسلات التي يستمتعون بها وستدرك ذلك بسهولة. بمعنى ما، قصة "موعد ليلي" هي أنشودة ليليّة حزينة مُهداة إلى مدينتي التي أنا محبوس فيها.  

الصبان: قصة " الأسطى والصبي"، موضوعها ولغتها "Trendy" [رائجة] كما يقال، ألم تخف من القيام بذلك؟ ولماذا لم تتحمس لإكمال الحوار المثير الدائر بين الزوجين؟

ناجي: جاءتني تعليقات كثيرة حول الكلمات المكتوبة بالحروف اللاتينية، والتعابير الجديدة التي تنتمي إلى عالم السوشيال ميديا، بين مؤيد لهذا بصفته تجديدًا ومعارض بأن هذا لا يصح أو غير سائغ. في الحقيقة، هي تجربة بالنسبة لي، أردت أن أجرِّب وضع كلمات كما تقال على لسان الشخصيات، في النهاية الموضوع نفسه، كما أشرتَ، حديث، والجدل الذي يدور فيه غالبًا ما يكون بتلك التعبيرات.

الحوار بين الزوجين يمثل تفاعل خطابين أردت أن أرى ماذا سيحدث إذا تصادما معًا، فالزوج يمثِّل الخطاب التنويري الليبرالي، والزوجة تمثّل الخطاب النسوي الليبرالي، وأنا لا أتبنى بالضرورة أي منهما، وأرى أن مشهد الصدام المكتوب كافٍ، ففي النهاية روح القصة القصيرة هي روح إلماح أو إشارة.

الصبان: أعجبني ختم القصة بالكلام عن الموت الذي أضفى أبعادًا أخرى على النَص، لكن شعرتُ أنها ربما تكون خاتمة قاسية قليلًا لأنها تعبر عن موت مجازي للعلاقة، لماذا ختمتها بهذا الشكل؟

ناجي: كنتُ أردد لنفسي في يوم تلك النكتة، مثل راوية القصة، وأضحك، لأدهش بعد وقت من ترديدها بأن موضوعها في الحقيقة هو الموت. دُهشت لأني لم أدرك ذلك من البداية. الأمر الثاني هو أني أردت الإشارة إلى أن أحيانًا الانتصار في مجادلة أو صراع لا يعني الانتصار عمومًا. فالزوجة لأن شخصيتها أقوى وأشرس، وذهنها حاضر عن زوجها، قدرت أن تتغلب عليه وتجرحه، لكنها اكتشفت في النهاية أن ثمن انتصارها هو البقاء وحيدة، وجهًا لوجه مع الموت. على مستوى أعمق أردت أن أقول أيضًا إن بعض عنفنا وشراستنا في الحياة يجيء أحيانًا من منطقة هشاشة، كانت الزوجة في النهاية تخاف أن ينظر لها زوجها نظرة سيئة، وبالتالي يتركها ويرحل، حتى لو لم تدرك هي هذا، ولذلك كانت عنيفة معه في رد فعله السلبي على طلبها.

الصبان: في قصة "حنان" ظهرت الأم من جديد، بعد ظهورها كعبء في " مدينة الشمس" ثم فقد في "عن الفقد الرهاب"، في شكل احتياج هذه المرَّة، هل هذا التسلسل هو انعكاس لتطور علاقتك الشخصية مع الأم؟

ناجي: لا أعرف إذا كانت صورة الأم في "مدينة الشمس" هي صورة عبء بالضرورة، إلا إذا كنت تشير إلى ثِقَل السلطة الأموميّة في مجتمعنا والتي برز جانب منها في الرواية، فالسلطة الأموميّة مثل أي سُلطة حاضرة لها وطأتها وتناقضاتها، لكن لا يعني ذلك بأنها عبء بشكل أساسي، الأم هي الأم في النهاية. إذا لم تكن امرأة سيئة بذاتها، فهي كنز كامل.

لاحظتُ عمومًا أني دائم الذكر لماما في نصوصي منذ رحيلها. لا أقصد ذلك لكنه يحدث. وبالتأكيد حدثت تطورات في العلاقة مع الأمومة. فموقع اليتم غير موقع البنوة. بالنسبة لقصة "حَنَان" فكانت عندي فكرة أن شخصًا يدخل علاقة مع أم صديقته لا لشيء سوى احتياجه إلى أم. فكرتُ في البداية أن يحدث ذلك أثناء علاقتهما، كتفضيل للأم على الابنة، لكن رأيت أن موافقة الأم في هذه الحالة تعني أنها ليست أمًا جيدة وبالتالي تنتفي الفكرة أصلًا.

الصبان: يعجبني أن المرأة هي الشخص القوي والأكثر جرأة في المجموعة كلها.

ناجي: لم أدرك ذلك إلا بعد نشر المجموعة ومجيء ردود الأفعال والتعليقات على القصص. عمومًا لا يدهشني ذلك، فنموذج المرأة القوية أو الصلبة يستهويني أكثر. الأدب مليء بنماذج المرأة الضعيفة والمستكينة والمغلوب على أمرها إلى درجة التخمة. هناك نساء قويات في الواقع، وأقوى من الرجال حولهن، وليس نادرًا أن تكون العلاقة بين الاثنين معكوسة، لكن ذلك يتم تجاهله عادة لصالح فكرة كليشيهية في الكتابة عن المرأة. إن مجتمعنا نفسه مليء بنماذج المرأة القوية، انظر مثلًا نسبة النساء المعيلات لأسرهن. الخُمس على أقل تقدير. بل انظر إلى إحصائيات العنف المنزلي ضد الرجال. كل ذلك لا أحد يلتفت إليه في تثبيت عام لكادر الرجل القوي العنيف والمرأة الضعيفة الرقيقة.

ما أدركته أيضًا -لا أتذكر إن كانت هذه ملاحظة من أحد القرّاء أم لا- هو أن هناك تصاعدًا في قوة النموذج النسائي في المجموعة، بداية من العشيقة اللامبالية وربما القاسية، وصولًا إلى القاتلة الأجيرة في آخر قصة، والتي تعتبر نموذجًا مثاليًا للمرأة القوية القادرة على الفعل في تناقض مع الرجل المتردِّد كثير التفكير.

الصبان: كالعادة منطقة مصر الجديدة، هي الفضاء المكاني في أغلب القصص مثل بقية أعمالك السابقة، ألا يوجد عندك رغبة أو فضول للكتابة عن أماكن أخرى؟

ناجي: مصر الجديدة هي المنطقة التي عشت بها حوالي خمسة وثلاثين عامًا، وليس عندي علاقة حقيقيّة بمكان آخر تصل إلى درجة الكتابة عنه أو عبره، لكن إن حدث هذا، أظن أنني سأحب أن أكتب عنه بالتأكيد. أتمنى ذلك.

الصبان: قتلت مينا ناجي "الشاعر" وربما تخطط لقتل مينا ناجي آخر في المستقبل، "القاص" أو "الروائي"، هل تدفن هذه الجثث أم تعيد إحياءها في أشكال أخرى؟

ناجي: الموتى لا يموتون حقًا. كل هذه "الشخصيات" أستفيد بها في كتابتي عمومًا، كما في الكتابة الإبداعية غير الخيالية مثلًا، التي يمكن إدخال تقنيات وأساليب الشِعر والقَص والرواية في نصوصها.

الصبان: باعتبارك محاضرًا في ورشة للكتابة الإبداعية غير الخيالية، ما الدرس الأهم في الكتابة الذي تؤكد عليه في ورشك؟

ناجي: الكتابة بنزاهة. هذا هو الدرس الأكبر والأهم الذي أركز عليه. إذا استطعت في نهاية الورشة أن أصل بالمشاركين أن يكتبوا بنزاهة أكثر اعتبر نفسي نجحت. أغلب الأوقات يفاجأ المشاركون بل يدهشون من النتائج. لكن هذه هي الكتابة الحقيقيّة: فعل مفاجئ ومزلزل للكاتب قبل القارئ.


* الحوار خاص بـ Boring Books

** يحتفظ المحاور بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بحواره دون إذن منه