لم تعد "الإمبراطورية" كوزموبوليتانية صاحبة دور إيجابي في إرساء النظام وتحديد ما يعنيه أن تكون "إنسانًا- هيومان" في المقام الأول كما فعل القانون الروماني ، ولكنها أصبحت ترتيبًا مؤقتًا طارئا سمح الله به حتي يمنع العالم من الانهيار في يد المسيح الدجال قبل المجيء الثاني.

مقال لكارل راشكه

ترجمة: عمر عبد الرازق شاهين

عن موقع Political Theology Network

* كارل راشكه أستاذ الدراسات الدينية بجامعة دنفر ، متخصص في الفلسفة القارية ونظرية الفن وفلسفة الدين ونظرية الدين. وهو أيضًا مدير تحرير مجلة Theology Today وهو كاتب وأكاديمي معروف عالميًا وقد ألف العديد من الكتب ومئات المقالات حول موضوعات تتراوح من ما بعد الحداثة إلى الدين والثقافة الشعبية إلى التكنولوجيا والمجتمع. من كتبه الحديثة: قوة الله: اللاهوت السياسي وأزمة الديمقراطية الليبرالية 2015 والثورة في النظرية الدينية: نحو سيميائية الحدث 2012.


كارل شميت

يشتهر الفيلسوف والفقيه الألماني كارل شميت الذي صك مصطلح "اللاهوت السياسي" بأعماله الفارقة في عشرينيات القرن العشرين التي تناولت مفاهيم مألوفة عنه مثل السيادة و"حالة الاستثناء" والتفرقة بين "العدو والصديق". لكن أفكاره المتأخرة التي طورها في كتاباته في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية باتت محل اهتمام متزايد، وهي في الحقيقة أوثق صلة بما نعايشه اليوم من قضايا سياسية واقتصادية عالمية لا سيما ما بات يعرف "بالنيوليبرالية" و طبيعتها وأزمتها العميقة.

يطرح أهم أعمال شميت المتأخرة الذي نشر في الخمسينيات بعنوان "ناموس الأرض في القانون الدولي في حقبة القانون الأوروبي العام"[1] السؤال الأساسي عن الأرض: كيفية "إعادة توطينها" re-territorialized (والمصطلح لدولوز وغوتاري) في فترة ما بعد الحداثة وما يتلوها. معظم أجزاء الكتاب مخصصة لتحقيب التاريخ السياسي الغربي بناء على فكرة الناموس، التي لم تُشتق من "القانون"، وإنما هي عند شميت أقرب إلى نظام من الترتيب المكاني محدد "بتقسيم الأرض وتوزيعها" (من الكلمة الإغريقية nemein التي احتفظ بمعناها الفعل الألماني nehmen الذي يعني يأخذ، ويستحوذ). وكما أظهر لنا الفيلسوف الإيطالي ماوريتسيو لازاراتو[2] (أحد أعظم نقاد النيوليبرالية المعاصرين) في مواضع مختلفة من كتاباته أن الناموس يشير إلى جهاز "الاستيلاء" و"الاستملاك" لموارد العالم المادية.

كتب شميت أن "الأرض باتت تُعرف بأنها أم القوانين" وفي مفهوم الناموس تشترك "جيو-فلسفة" جيل دولوز مع "الجيوسياسة" الشميتية وبات يغمر العديد من النقاشات النظرية عن العولمة. وأما "القانون الدولي" فيتلخص في النهاية في مسألة كيفية تقسيم الهبات الطبيعية والمنتجات المادية وتنظيمها، وتنسيق المكونات المُنتجة وتوزيعها، ومخرجات هذه العملية الكبيرة التي تُدعى الملكية (أي ما هو "ملك لمن؟") التي يمكن أن تكون فردية أو جماعية أو غير محددة الملكية بشكل عام.

بعبارة أخرى، يمكن تحليل التصنيفات القانونية والتشريعية إلى عناصر الاقتصاد السياسي بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. كان الناموس الدالة المباشرة للإيكونوميا الأرسطية وقد توسعت وتمددت بعيدا عن مفردة "رب المنزل"[3]. أما ناموس الأرض فهو مجاز جامع للمخيال المقنع أخلاقيًا والدال قانونيًا الذي به تُعرّف الشعوب، وتعلّم مناطقها عن طريق وسائل رمزية تناسب طبيعة حياتهم وسبل معاشهم.

يستحوذ السؤال كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم على نصيب الأسد في كتاب ناموس الأرض. يتضح في الفصل الأول أنه لم يكن ثمة ناموس للأرض في العالم القديم قبل عهد الإمبراطورية الرومانية. وانتظم ترتيب المساحات على أساس معالم الإمبراطورية المناطقية والإدارية. ويُتصور انتشار الإمبراطورية في أغلب أجزائها باعتبار التوسع العسكري لسيادة غامضة وكيانات سياسية متفوقة.

وعلى سبيل المثال كان الرومان هم من جاءوا بفكرة اعتبار إمبراطوريتهم مثل المدينة اليونانية polis مع كل امتيازاتها القانونية والمدنية ولكن على نطاق عالمي – ومن هنا جاء مصطلح كوزموبوليتاني cosmo-politan أو "المواطن العالمي". فالشعوب القديمة لم تكن تعترف بشرعية أي تشكيلات منافسة لإمبراطورياتها. وحسب شميت كان هذا السبب وراء عدم تعايش إمبراطوريات كالروم والفرس أو الآشوريين والبابليين من قبلهم بل سعت كل واحدة منهم "لإبادة" غيرها.

يناقش الفصل الثاني تشكل بدايات القانون الدولي – ومن ثم ناموس أرضي جنيني - باعتباره مساعدًا للفكرة اللاهوتية ريبوبليكا كريستيانا respublica Christiana أو ما بات يعرف "بالعالم المسيحي". وكما يعلم الباحثون في عصور الظلام جيدًا، فلا يمكن وصف "الغزوات البربرية" المكثفة (حرفيا: Völkerwanderung أو هجرات الشعوب[4]) من أوائل القرن الخامس حتى القرن العاشر والتي أدت إلى انهيار السلطة المركزية في الغرب، إلا باعتبارها حربًا أهلية طويلة ومعقدة داخل حدود المجال الروماني Romanitas  نفسه وليس محاولةً للتخلص من الفكرة الإمبراطورية. وبالتالي وكما كتب شميت فإن "تاريخ العصور الوسطى هو تاريخ النضال من أجل روما وليس ضدها".

ينسب شميت نشأة "ريبوبليكا كريستيانا" إلى تحول في المخيال الإمبراطوري حدث منذ القرن الرابع وما بعده بعد اعتناق قسطنطين المسيحية. أبقى الاقتناع بأن روما كانت "أبدية" على الإمبراطورية الأصلية، وهذا هو السبب في أن الخيال الإمبراطوري العالمي القديم لم يتلاشَ حتى عام 1918 (على الرغم من أنه يمكن للمرء أن يزعم في أنه استمر أثناء انهيار "ألف عام من الرايخ" عام 1945، أو حتى انهيار الشيوعية العالمية عام 1991، أو حتى بعد ذلك في حلم فوكوياما "بنهاية التاريخ" والانتصار النهائي لرأسمالية السوق بالشكل الذي يُعرف الآن باسم "النيوليبرالية").

لم تعد "الإمبراطورية" كوزموبوليتانية صاحبة دور إيجابي في إرساء النظام وتحديد ما يعنيه أن تكون "إنسانًا- هيومان" في المقام الأول كما فعل القانون الروماني ، ولكنها أصبحت ترتيبًا مؤقتًا طارئًا سمح الله به حتي يمنع العالم من الانهيار في يد المسيح الدجال قبل المجيء الثاني. فيقول شميت:

"لم تكن الإمبراطورية المسيحية أبدية. كانت لها نهايتها دائمًا ونهاية الدهر الحالي في الأفق. لكنها كانت قادرة على أن تكون قوة تاريخية. كان الفكرة التاريخية الحاسمة لهذه الاستمرارية هي فكرة مانع المسيح الدجال "الكاتيخون"".

تناولت الفصول اللاحقة عصر الكشوفات بداية من القرن السادس عشر وإخضاع القوى الأوروبية للشعوب الملونة من خلال نظام عدم المساواة القسري والاستغلال الاقتصادي الذي أصبح يُعرف باسم "الاستعمار" و "الإمبريالية"، ويبدو أن شميت كان يدفع ضمنيًا وليس صراحة بالرأي القائل بأن نموذج الكاتيخون في العصور الوسطى يعيننا في تفسير أغلب التاريخ الغربي الحديث.

فقد كان الدافع الأساسي لكولومبوس حتى يبحر إلى العالم الجديد هو إيجاد طريق إلى الشرق الأقصى يمكنه حماية أجنحة المسيحية من انتهاكات الإسلام، والتي لم تكن مرتبطة بجلاء في أذهان الكنيسيين والزعماء العلمانيين كليهما بملكوت المسيح الدجال.

وبحسب شميت فإنه عند اكتشاف السكان الأصليين للعالم الجديد، كان على العلماء الكنسيين إسباغ هوية على هذه الشعوب الجديدة الغريبة تتناسب مع صورة عالم العصور الوسطى. لقد أصبحوا "برابرة" يحتاجون إلى ضبط النفس حتى ينتهي بهم الحال "متحضرين". كان استغلالهم - وفي الواقع تصفيتهم في كثير من الحالات - هو الضرر الجانبي المؤسف، لكنه الضروري، من "المهمة الحضارية" التي سارت جنبًا إلى جنب مع الأداء الإمبراطوري للكاتيخون.

تكذّب الأدلة التاريخية السردية التقدمية المعاصرة التي ترى أن التوسع الأوروبي واستراتيجية الغزو conquista كانا منذ البداية يدوران حول العرق والهوية العرقية؛ "فالعرق" بمعنى اختلاف الهوية الذي يعتمد أساسًا على لون الجلد هو اختراع حديث لا يتجاوز القرن الثامن عشر؛ فالأوروبيون كانوا حتى أواخر العصور الوسطى على معرفة تامة بالشعوب ذات البشرة الداكنة من العرب إلى الغجر في وسط أوروبا إلى الصينيين، ولم يعتبروا مظهرهم الجسدي علامة تستحق الالتفات بقدر ما كانت قيمهم الأخلاقية والدينية.

وحقيقة أن هؤلاء الناس لم يكونوا "مسيحيين" هو ما كان محل النظر. كما ذهب والتر مينيولو بشكل مقنع في كتابه "الجانب المظلم من الحداثة الغربية"[5]، فقد ظهر تحديد الهوية والتماثل العرقي مناورةً "تصنيفيةً" من التنوير العلماني باعتباره وسيلة لعقلنة أشكال الهيمنة الواقعة فعلًا وعدم المساواة الاجتماعية ودعم تميز "دين العقل".

في آخر أجزاء كتابه، يطرح شميت السؤال المحير "ما هو ناموس الأرض الجديد؟" من السهل إدراك الإجابة من الطريقة التي يطرح بها شميت السؤال وكيفية تعثره في الكتابة في الفترة المربكة بعد الحرب العالمية الثانية وخطر الحرب النووية المحدق- وهو يدرك تمامًا أن فجر حقبة ما بعد الكولونيالية قد بدأ كما أتى مغرب عصر أوروبا؛ لذلك فإن عصر ما بعد أوروبا ينهي كل من المثالية الكوزموبوليتانية القديمة ونسخة العصور الوسطى والنسخة الحديثة من الكاتيخون، هكذا تراها أي وجهة نظر ترى العالم من زاوية الأطروحة الناموسية nomothesis.

يغلب على حديث شميت في كتابه ناموس الأرض وكتاباته السابقة الحديث عن إنتاج القوانين دون أي تحليل شامل للعمليات الاقتصادية من إنتاج للمواد الطبيعية والاستيلاء عليها التي شرعنتها هذه الأجهزة القانونية طوال هذا الوقت. ومع ذلك فإن شميت كان من أوائل من أدركوا أن "الديمقراطية الليبرالية كانت في حقيقتها شكلًا من أشكال جعل الدولة والسياسة اقتصادًا" كما لاحظت ويندي براون في كتابها المعبر والمهم الذي صدر مؤخرًا بعنوان "التراجع عن الديمقراطيات: ثورة التخفي في النيوليبرالية"[6] وهي تشبه الحجة التي قدمتها في كتابي "قوة الله: اللاهوت السياسي وأزمة الديمقراطية الليبرالية"[7].

ربما تكون النيوليبرالية هي "ناموس الأرض" الجديد بالمعنى الشميتي المثير، لكنها خلافا للفهم الشائع أمكر من مجرد الهيمنة والنهب والاستغلال وأخفى وأدق من ذلك، فكما ذكرت في موضع آخر، إنها شكل جديد نافذ من إعادة ترتيب "ناموسية nomothetic" تنبني على صياغة إيجابية للإنسان (كما ترى براون) باعتباره "رأس مال بشري human capital" يمكن استغلاله بلا حدود من خلال آلة ضخمة من العلامات تعمل مع التناقض العابر مع مثلنا العليا ورغباتنا وتصوراتنا.

في كتابه "نوموس الأرض" يحْرف شميت بمهارة مسألة السياسة عن مفهوم "السيادة" (التي اشتهر بربطه بها) إلى التوزيع والاستيلاء والتقسيم "الاقتصادي" لكامل مجال النفوذ البشري. فإذا كان لا يمكن فصل السيادة عن الديني في أعمال شميت السابقة (أعني معادلته: جميع المواقف السياسية هي في النهاية مواقف لاهوتية)، فربما نفس الشيء ينطبق على الناموس.

لكن الناموس هو دائمًا آلية ما أسماه فوكو "التحقق veridiction " -أي تقديم ما يتم تمييزه عن المجموع على أنه الحقيقي والصحيح، و"حقيقة" الناموس قد "يضعها" الله كما فعل في الوصايا العشر. أو تتم عملية التحقق في ظل النيوليبرالية كما تشير براون من خلال جهاز "السوق" غير الذاتي.

إذا كانت نهاية الكاتيخون الذي كان العالم المسيحي يتحد معه تعني ظهور جهاز "ناموسي" عالمي واسع الانتشار يقوم بتجريد الإنسان بالكامل و"جعله اقتصاديًا" كرأسمال، وبالتالي يجعل كل ما هو إنساني "آليًا" قابلًا للاستخدام لأغراض إنتاجية متنوعة ولا يفرق بين ما هو محايث وما هو متعالٍ، أو ما هو صالح وما هو غير مقدس، فنحن نعرف حقيقة العصر الذي دخلناه.

يذكرنا شميت الذي ابتكر مفهوم "اللاهوت السياسي" أنه من السهل على الهلوسة العلمانية العالمية عن سلام نيوليبرالي عالمي مؤسس على مبادئ التوزيع الزائفة للهوية الشخصية والرغبة الفردية أن تغرينا. كما يذكرنا أنه على اللاهوت السياسي أن يتعامل دائمًا مع مسألة الناموس انطلاقًا من ضربٍ من التفرد السيادي. وهو ما يسري على "ناموس الأرض" بالضرورة.


[1] The Nomos of the Earth in the International Law of the Jus Publicum Europaeum,

[2] Italian philosopher Maurizio Lazzarato

[3] تعود أصل كلمة إيكونومي الحالية إلى إيكونوميا اليونانية oikonomia التي تتكون من مقطعين، oikos التي تترجم إلى رب المنزل، والفعل nemein أصل كلمة ناموس الذي يعني تقسيم الأرض وتوزيعها أو رعيها (المترجم)

[4] وهو عصر هجرات الشعوب الجرمانية والسلافية في القرون الوسطى (المترجم)

[5] The Darker Side of Western Modernity

[6] Undoing the Demos: Neoliberalism’s Stealth Revolution

[7] Force of God: Political Theology and the Crisis of Liberal Democracy


* الترجمة خاصة بـ Boring Books

** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه