تقسيم المحسوس

مقال لشهاب الخشاب وحسين الحاج

المقال خاص بـBoring Books

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.


ناشطة الحقوق المدنية اﻷمريكية السوداء روزا باركس تجلس في المقعد اﻷمامي من الحافلة

هل الشارع لنا؟ إحنا لوحدنا؟ طيب والناس التانيين، الناس الأنانيين، هم ليه مش مننا؟ كلمات الأغنية دي مالهاش دلالة مباشرة، وكأن فيه صراع ما بين ناسنا وناس تانية، وواضح إن الناس بتطالب بالشارع، بس مش واضح مين اللي بيطالب بإيه وفين، وإيه الغرض النهائي. الناس اللي بتنزل الشارع في الظروف العادية بتنزل رايحة مكان محدد، أو بتنزل تتمشى وتتسكع، والشارع في الحالة دي بيتحول إلى أنبوبة فارغة بين مكان والتاني جوه المدينة. أما التجار اللي عندهم فاترينات في الشوارع التجارية، فبيعتبروا الشارع مصدر الرزق، وكلما الشارع جاب رجل كلما زاد الرزق. التجار بيشوفوا الشارع غير أمناء الشرطة، اللي بيمسكوا كل ناصية عشان يتأكدوا إن الناس ماشية عِدِل ومش عاملالهم صداع، واللي مش ماشي صح أو بيهدد الأمن العام بيتاخد على القسم. 

التصورات دي كلها جاية من رؤية مُحكمة للسياسة، رؤية نقدر نسميها «البوليس» (police) حسب تعبير المفكر جاك رانسيير (Jacques Rancière). رانسيير مش قصده بس البوليس بمعنى جهاز الشرطة، وإنما قصده باختصار إزاي الواحد بيشوف الشارع وكأنه دولة بتحكم من فوق. البوليس هي الإستراتيجية العامة لتقسيم المكان (حسب تعبير ميشيل دي سيرتو)، كأن الشارع اتحول إلى فضاء تجريدي تحت سيطرة دولة بتقرر تسيب أو تمنع الناس من المرواح والمجي، وكأن الشارع مجرد جزء من تقسيمة هرمية تحت إدارة القسم ثم المديرية ثم الوزارة.  

رانسيير شايف إن «البوليس» بيختزل مفهوم السياسة تمامًا، لأنه بيعتمد على تقسيم كامل ومتكامل للمحسوس. يعني من وجهة نظر البوليس، لازم كل حاجة بتحصل في الشارع يبقى لها سبب وتعريف واضح، ولازم الناس تحس إنها ماشية جوه خانات واضحة، سواء كانت طالبة رايحة الجامعة، أو تاجر فاتح كشك، أو أمين شرطة واقف قدام مصلحة حكومية. أما السياسة بجد، السياسة بمعناها الجوهري حسب رانسيير، دايمًا بتستدعي تقسيم غير متكامل للمحسوس، وكأن فيه حاجة زايدة بره نظام البوليس. الحاجة الزايدة دي حسب رانسيير هي حق اللي مالوش حق (part des sans-parts)، وهي لحظة رفض التقسيم المحكم المحكوم لنظام البوليس.

السياسة عند رانسيير عبارة عن تمزق في منطق الحكم، والتمزق دا مش هو التوزيع «المعتاد» للأدوار بين اللي بيحكموا واللي بيتحكموا. السياسة بتطلب كمان إننا نبعد عن فكرة إن فيه توزيع «مناسب» في التقسيم دا. رانسيير بيرفض فكرة أفلاطون في كتاب الجمهورية عن إن فيه ناس «بالطبيعة» متقدر لهم حكم الباقيين (إما عشان السن، الثروة، المعرفة.. إلخ). دا الترتيب الطبيعي للنظام اﻹلهي ومبدأ الحكم أو اﻵرخي (arche)، ودول أرباب الحكم اللي دافع عنهم أفلاطون. ولكن رانسيير شايف العكس: اللي بيميز الديمقراطية هو قانون الحظ والغياب التام ﻷي ميزة للحكم. الديمقراطية ما فيهاش مبدأ أساسي أصولي محدد لتوزيع اﻷدوار في المجتمع. 

رانسيير شايف إن الديموقراطية صعب إنها تتطابق مع أي شكل دستوري (جمهوري أمريكي ولا برلماني بريطاني ولا حتى شيوعي سوفيتي). صحيح ممكن فكرتها وممارستها تكون ملهمة ومحفزة للأشكال الدستورية دي، وإنما ولا شكل منهم يقدر يجسد الديمقراطية بالتمام والكمال، ﻷن الديموس demos (الشعب) شايل معنيين عند رانسيير. من ناحية، الشعب هو المجموع اللي بتيجي منه مشروعية السلطة، ولذلك الديمقراطية بتشاور على الهيئة اللي بتفعّل سلطة الشعب في النصوص والمؤسسات في كل شكل دستوري (بحسب المقولة الشهيرة "نحن الشعب"). ومن ناحية تانية، الشعب مش بس صاحب سيادة من نوع مختلف عن سيادة «اﻷفضل»، بل إنه بيدمر السيادة دي بإنه بيمحي أي ميزة نوعية مقصورة على فئة بعينها في الحكم: فلا هما المواطنين من غير اللاجئين ولا هما الطبقة العاملة بدون الفلاحين ولا هما اﻷغلبية من غير اﻷقلية.

وبالتالي اللي بيفضل في الديمقراطية هي ممارستها، ﻹن الفعل الديمقراطي المساواتي بيدخّل فئات في مساحات ما كانش عندها حق إنها تدخل فيها قبل كدا، زي ما اﻷمريكان السود قعدوا في الكراسي اﻷمامية من اﻷتوبيس في الولايات الجنوبية لما كانت القوانين العنصرية بتحرمهم من إنهم يقعدوا فيها، هنا الفصل العنصري كان تقسيم بوليسي للمحسوس بشكل واضح. والمنطق الدولتي طول الوقت بيحاول يقيد التدخل الديمقراطي على مسرح السياسة بأي طريقة، فتخصخص الشأن العام والشارع «السياسي» حسب رؤيتها. وبالتالي الدولة عند رانسيير هي ساحة صراع، بس مش صراع على السلطة في المطلق، لكن الصراع على توكيد سلطة الشعب في كل شيء محسوس، والصراع دا بينتج عنه إعادة تعريف الحقوق وتحولات في مؤسسات السلطة.

الديموقراطية مش نظام سياسي ضمن أنظمة سياسية تانية، وإنما الديموقراطية هي السياسة في حد ذاتها. حسب رانسيير، أي تعريف تاني للسياسة ممكن يختزلها في مفهوم «الدولة»، ويساوي بين نشاط الموظفين والمحاميين والمفكرين ونشاط الناس اللي بتطالب بحقها، ودا تحديدًا موضع تشكيل السياسة. السياسة مالهاش علاقة بشغل السياسيين وأرباب الحكم، اللي همَّا بيحكموا العالم وكأنهم يقدروا يقسّموه بين بعضهم، وكأن باقي البشر مش قادرين يحسوا بحاجة إلا بالتقسيمة دي. أما السياسة فهي لحظة مطالبة حق اللي مالوش حق في التقسيمة العادية، واللحظة دي بتبدأ بمطلب واحد: الشارع لنا. واللي يسأل أنتم مين، وجايين منين، وعايزين إيه، وعايز يرجّع الناس في أماكنهم جوه تقسيمة الناس الأنانيين، اعرف إنه مش مننا.