اليسار

مقال لشهاب الخشاب

المقال خاص بـ Boring Books

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.


دولوز متظاهرًا، عن micciacorta

إنت مالك ومال الناس؟ في مصر زي في كل المجتمعات اللي عايشة تحت الاستبداد، السؤال ده بيمثّل نوع من الحماية للذات والقرايب. ده السؤال اللي سألوه أمهات وأبهات كتير لأولادهم قبل ما ينزلوا المظاهرات في وقت الثورة، والسؤال اللي سألوه أصحاب كتير لصاحبهم قبل ما يخشوا في خناقات سياسية، والسؤال اللي بيسأله الحبيب لحبيبته لما بتقرر تخوض معركة ضد الريس في الشغل. إنت مالك ومال الناس التانية دي؟ ما تحافظ على نفسك وأعز ما عندك يا أخي. وطالما الدنيا مستورة والواحد ماشي جنب الحيط، هتعيش حياتك بما يرضي الله بعيد عن شر الأجهزة والمواطنين الشرفاء.

السؤال ده ربما وقَّف ناس كتير، وربما ما فرقش بالنسبة لناس تانية، بس السؤال نفسه بيستدعي إجابة عن المبادئ اللي بتحرك الواحد للكلام والتفاعل والمشاركة السياسية. إجابة كل واحد مننا بتعبّر عن تطلع مختلف تجاه الحياة، وبتفرّق بين اللي نقدر نسميه بشكل موجز «اليمين» و«اليسار» حسب تعريف الفيلسوف جيل دولوز (Gilles Deleuze).

 الفرق التاريخي بين اليمين واليسار السياسي اتغير مع مرور الزمن واختلاف الظروف. فمثلًا اليمين واليسار البرلماني بعد الثورة الفرنسية كانوا مقسومين حوالين مسألة المَلَكية، بين ناس بتدعم العودة إلى العهد الملكي، وناس بتعترض وعايزة تبني نظام جمهوري جديد. النهارده ورغم إن التيار الملكي ما زال موجود في فرنسا، التيار ده بقى صغير وضعيف لدرجة إن مالوش أي أهمية تُذكر، والصراع بين اليمين واليسار البرلماني بقى حوالين بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية المحددة.

 لذلك التقسيم بين اليمين واليسار البرلماني بيتغير مع مرور الزمن، بما إن نقطة النزاع بين الطرفين مش واحدة وموحّدة، وبما إن الطرفين بيشاركوا في نفس المؤسسات اللي ما تقدرش تحتوي سياسة المجتمع ككل. الفرق بين اليمين واليسار في حد ذاته ما بيعبّرش عن موقف الناس من الحرية الاقتصادية أو حرية الرأي والتعبير مثلًا، وساعات الناس اللي بتأيد الأحزاب اليمينية أو الأحزاب اليسارية بتتفق على المواقف دي حسب مبادئهم وفقًا للبوصلة السياسية.

 في حوار «الأبجدية» اللي أجراه مع كلير پارنيه (Claire Parnet)، دولوز ما اهتمش بتعريف اليمين واليسار السياسي، وإنما بتعريف الحس اليساري بشكل عام. في رأي دولوز، اليسار مالوش علاقة بالحكم خالص. أول ما الأحزاب اليسارية بتبتدي تحكم، بتفقد من يساريتها وتبقى جزء من النظام الحاكم القامع. دي ملاحظة بسيطة نقدر نستنتجها من تاريخ تطور البيروقراطيات الشيوعية في الاتحاد السوفيتي أو تاريخ الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا. فمثلًا الديمقراطيين الاشتراكيين الأوروبيين ساهموا في تأسيس نظم التأمين الاجتماعي والصحة العامة والتعليم العام اللي خففت من سطوة الرأسمالية على العمال الأوروبيين، وإنما كمان ساهموا في دعم التوسع الاستعماري في أحوال كتيرة، وكذلك في دعم أجهزة الدولة القمعية وممارساتها العنصرية.

لذلك دولوز كان شايف إن اليسار دايمًا موجود بره الحكم، وإنه بيمتاز بتصورين أساسيين. التصور الأول هو إن الإنسان اليساري بيهتم بالعالم أولًا قبل ما يهتم بنفسه وقرايبه، وده عكس الإنسان اليميني اللي أهم حاجة عنده هي نفسه وأسرته وناسه. دولوز بيشير إلى إن الحس اليميني أناني ونرجسي. الإنسان اليميني عايز بس ياخد باله من تكية أبوه ويخلي عياله يستفيدوا منها، بعيدًا عن علاقته بالمجتمع الأوسع وبعدم المساواة الشائعة عمومًا. الإنسان اليميني عايز يعيش في بلد مليانة نوادي ومولات وڤلل، وحاسس إن «الجياع» هم اللي بيمثلوا أكبر خطر عليه، لأنهم يقدروا يحرموه من حياة الرفاهية دي. لذلك اليمين بيحاول دايمًا يحتفظ بممتلكاته عشانه وعشان ناسه وبس، والعالم يتحرق وهم مالهمش دعوة.

في المقابل، الإنسان اليساري بيفكّر دايمًا في العالم قبل ما يفكر في نفسه والناس اللي حواليه، وبيبقى حاسس إن الحاجات اللي بتحصل في أماكن بعيدة لها تأثير مباشر على الحاجات اللي بتحصل في حياته اليومية. فمثلًا إذا فكرنا في مشكلة اجتماعية زي العنصرية ضد السُمر، الإنسان اليميني ممكن يحس إنها مشكلة فردية محدودة تخص الناس اللي بشرتهم سمراء وخلاص، وطالما هو نفسه وعائلته مش سُمر يبقى مفيش داعي إن الواحد يوجع دماغه. أما الإنسان اليساري فهو واعي بإن العنصرية عبارة عن نظام اجتماعي وسياسي واسع منتشر عبر العالم، من أول أوروبا وأمريكا إلى آسيا وأفريقيا والعالم العربي، وبالتالي أي حادثة عنصرية في العالم بتمثل إشكالية لازم يتعاطى معاها ويواجهها لأنها زيها زي العنصرية اللي بتحصل تحت بيته.

إذن اليسار أولًا مسألة إدراك للعالم حسب دولوز، وإدراك لأن الظلم العالمي الطاغي ما يقدرش يستمر (عكس التصور اليميني اللي عايز يحتفظ بالحاجة زي ما هي رغم كل الظلم اللي في الدنيا). الانتماء اليساري ده بيشرح إشمعنى دولوز (دونًا عن مفكرين تانيين في فرنسا) كان دايمًا مهتم بقضايا العالم التالت (زي ما كانت الناس بتسميه وقتها)، وكان دايمًا بيحاول يدعم الناس المظلومة في القضايا دي (بما في ذلك في القضية الفلسطينية أو في قضية الآپارتهايد في أفريقيا الجنوبية). دولوز كان حاسس إن القضايا دي أهم للحياة في أوروبا من القضايا اللي بتشغل جيرانه المباشرين في باريس، وده جزء من انتمائه اليساري.

اليسار بيمتاز بتصور تاني حسب دولوز، وهو إننا كلنا عبارة عن أقليات ومحدش فينا بيمثّل الأغلبية. الإنسان اليميني بيحب يحس إنه جزء من نمط غالب في المجتمع: إنه رجل ضمن الرجالة، إنه مسلم ضمن المسلمين، إنه عربي ضمن العرب. النمط الأغلبي ده مالوش هوية مستقلة حسب دولوز، بمعنى إن مفيش حد يقدر يحققه تمامًا في الواقع إلا بإنه يشوف نفسه فيه، بعيدًا عن شخصيته وحياته الحقيقية. بالتالي النمط الغالب عبارة عن معيار فارغ، والإنسان اليميني بيشوف نفسه فيه عشان يحس بقيمته.

في المقابل، الإنسان اليساري مدرك إن الناس مش أنماط فارغة، وإنما إنها بتشارك في اللي دولوز بيسميه «الصيرورات الأقلية» (devenirs minoritaires). الصيرورة معناها إن الواحد «بيصير» حاجة تانية، يعني إن الواحد بيخوض تجارب جديدة في مجرى الحياة اليومية عكس حركة التاريخ وأحداثه الكبرى. الصيرورات الأقلية هي مجموعة التجارب اللي الناس بتخوضها عشان تتحول وتدخل في مناطق تانية من الحياة الإنسانية. أي واحد مننا يقدر يدخل في صيرورة نسائية، أو صيرورة طفولية، أو صيرورة ثورية، مش بمعنى إن الواحد بيتحول حرفيًا إلى ست أو طفل أو ثوري، وإنما بمعنى إن أفعال الواحد بتوديه في مناطق تانية من التجربة الحياتية بعيدًا عن المعايير الغالبة.

في الآخر الإنسان، سواء كان يميني أو يساري، هو نتاج ظروف تاريخية محددة وبيعيد إنتاج الظروف دي في أفعاله اليومية. الإعادة دي ما بتكررش نفس الأفعال بالضبط وإلى الأبد، وإنما بتجبر الواحد على إنه يشتبك في تجارب جديدة كل مرة. الإنسان اليساري بيبقى مدرك إن العالم بحاله أهم من التجربة الفردية، وإن التجربة دي مش بس إننا نتابع القطيع الغالب، وإنما إننا نشارك في تجارب أقلية، بما إن كل واحد فينا أقلي، ومفيش حد فينا هو الغالب. لذلك دولوز كان شايف إن اليسار مالوش علاقة بالحكم، لأن الحكم (وتحديدًا في الدول القومية الحديثة، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية) لا يمكن يشمل نظرة للتعاون العالمي ولا نظرة متعاطفة مع الصيرورات الأقلية.

إذا رجعنا نسأل نفسنا «إنت مالك ومال الناس»، نقدر نشوف الاختلاف اللي بلوره دولوز بين الحس اليميني والحس اليساري. بينما الإنسان اليميني مالوش دعوة بالناس وبيشوف نفسه في التيار الطاغي، الإنسان اليساري بيفكر في الكوكب بحاله وبيدعم البشرية في تجاربها، مهما كانت صغيرة. لذلك اليسار بيهتم بالناس بمعنى أوسع وأعمق من اليمين، اللي ما يقدرش يشوف أبعد من سؤال: «وأنا مالي؟»