مأساة كافكا العبثية: تحقيقات كلب متفلسف

2025-09-08 - Ahmed Nabwy

في الواقع، من يدري؟ فلعل الفيلسوف ليس إنسانًا، بل كلب.

مأساة كافكا العبثية: تحقيقات كلب* متفلسف

مقال آرون شوستر**

ترجمة: أحمد نبوي

* تحقيقات كلب (Investigations of a Dog): قصة قصيرة كتبها فرانز كافكا عام 1922 ونُشرت بعد وفاته عام 1931. وتتبع القصة كلبًا فيلسوفًا يحاول فهم العالم من حوله عبر البحث والتأمل، مستخدمًا منهجًا أشبه بالتحقيق العلمي. وتعكس القصة موضوعات كافكا المعتادة، مثل العزلة، والمعرفة المستحيلة، والبحث العبثي عن الحقيقة، وتُعد من أبرز أعماله التي تدمج الفلسفة بالسخرية الوجودية. (المُترجم)

** آرون شوستر: فيلسوف وكاتب مقيم في أمستردام. من مؤلفاته The Trouble with Pleasure: Deleuze and Psychoanalysis وHow to Research Like a Dog: Kafka’s New Science، الذي اقتُبست منه هذه المقالة.


كُتبت قصة "تحقيقات كلب" في أواخر حياة فرانز كافكا، وهي واحدة من أعماله الأقل شهرة والأكثر غموضًا. ولم يضع كافكا للقصة عنوانًا، إذ كتبها في خريف عام 1922 لكنه لم ينشرها أو يُتمّها. وقد نُشرت لاحقًا بعد وفاته عام 1931 ضمن مجموعة حرّرها صديقه وكاتب سيرته، ماكس برود، الذي أطلق عليها اسم "Forschungen eines Hundes"—وهو عنوان يمكن ترجمته أيضًا إلى "أبحاث كلب" لنضفي عليها طابعًا أكاديميًا.

يرتبط اسم كافكا عند عامة الناس بفظائع نظام قانوني متاهي وسحيق الغور على نحو عجيب، لكن هناك جانبًا آخر لأعماله يتعلق بالمعرفة. تُقدم "تحقيقات كلب" محاكاة ساخرة (باروديا) بارعة، وأحيانًا مرحة، من عالم إنتاج المعرفة، الذي أطلق عليه المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان مصطلح "خطاب الجامعة".1 ويمكن بسهولة وصف الأكاديميا المعاصرة بأنها تتسم بتصنيفاتها العبثية وتقييماتها الاعتباطية، وإملاءاتها التي يحركها السوق، وجهازها الإداري المتضخم باستمرار.

لكن مصطلح لاكان لم يكن يهدف فقط إلى انتقاد سوء إدارة الجامعة الحديثة، بقدر ما يسلط الضوء على التحول الأوسع في بنية السلطة—حيث تتحد المعرفة والسلطة لإنشاء أنظمة إدارية تعمل باسم العقل والتقدم التقني. وهنا يأتي دور كلب كافكا، ليساءل هذا النظام الجديد، وينقب في الجانب الخفي لحياده المزعوم، بل ويقترح طريقة أخرى للتفكير، وربما حتى، مخرجًا منه.

تُحكى القصة على لسان الكلب نفسه، وتتبع مغامراته الفكرية المتعددة. فيروي كيف استُثير فضوله وغريزته التحقيقية لأول مرة عبر حفلة موسيقية ذات طابع هلوسي، وهو عرض غنائي راقص تؤديه كلاب موسيقية. ثم ينتقل إلى أعظم لغز يشغل عالم الكلاب—من أين يأتي الطعام؟—فيضع سلسلة من التجارب الغريبة لاختبار مصدر الغذاء. يتأمل في سلالة غامضة من الكلاب يُشاع أنها تطفو في الهواء بطريقة إعجازية. يطرح الكلب أسئلة بلا توقف، لكنه لا يتلقى أي إجابات. يتحدث عن بحثه عن زملاء يشاركونه سعيه، لكنه يواجه في كل مكان عقبة كؤود: صمت الكلاب. الكلمة التي قد تُحدث تحولًا جذريًا في عالم الكلاب غائبة، وهو ما يأسف له الكلب متحسرًا.

لاحقًا، يشرع الكلب في مشروع بالغ الجذرية: فلكي يحل لغز التغذية، يقرر أن يصوم. غير أن هذه التجربة تنتهي بنهاية سيئة، إذ يوشك الباحث على الهلاك. لكنه يستيقظ على نوع من الرؤى، يرى فيها كلب صيد جميلًا يغني له؛ أو بالأحرى، يبدو اللحن وكأنه يطفو في الهواء من تلقاء نفسه. تختتم القصة بموجز لاكتشافات الكلب الفلسفية، وهو ما يمكن أن يُطلق عليه —على نحو لا يخلو من مفارقة— "نسق كافكا العلمي"؛ نظامٌ يتربع على قمته عِلم الحرية، وتلك هي الكلمة الأخيرة للقصة.

يقول المدخل الخاص بكلمة "كلب" في "قاموس الأفكار الشائعة" لجوستاف فلوبير: "خُلق خصيصًا لإنقاذ حياة سيده. إنه أفضل صديق للإنسان". لكن كافكا، بوصفه تلميذًا حقيقيًا لفلوبير، يقلب هذا الكليشيه رأسًا على عقب، متحديًا الصورة النمطية عن ولاء الكلاب للسلطة. فكلب كافكا ليس صديق الإنسان، بل صديق الحقيقة؛ وهو لا ينقذ حياة سيده، بل يخاطر بحياته في سبيل التحرر من الهيمنة وكشف القوى الخفية التي تحكم عالمه. وخلال رحلته المضطربة، سيواجه الكلب أسئلة جوهرية، منها: هل يمكن للمرء أن يصادق الحقيقة حقًا؟ وما شكل العلم المُنشق الذي يمكن أن يُبنى حولها؟ ومن هم رفاقه في هذا النضال؟

لم تكن "تحقيقات كلب" يومًا واحدة من أكثر قصص كافكا شهرة، وعلى الرغم من الاهتمام الذي حظيت به، أعتقد أنها لا تزال بانتظار أن تُكتشف بحق. وقد جاءت الأحكام النقدية بشأنها متباينة، وأحيانًا متحفظة؛ إذ وُصفت بأنها "إحدى أطول قصص كافكا وأكثرها استطرادًا وأقلها وضوحًا من حيث الوجهة". كما أنها شكلت لغزًا حقيقيًا للمفسرين والنقاد.

إحدى الألغاز التي تطرحها القصة هي طابعها الكوميدي. إذ تُعد "تحقيقات كلب" مثالًا فريدًا على حس الفكاهة لدى كافكا، فهي أكثر أعماله طرافة؛ بل إن القصة بأكملها، في جوهرها، ليست سوى نكتة طويلة ممتدة. تشبه إلى حد بعيد قصص طرائف الكلب الأشعث المملة shaggy-dog — حتى إن الراوي نفسه من فصيلة "صوفية"—حيث تستمر القصة في سحب القارئ من مغامرة عاثرة إلى أخرى، دون أي ذروة أو خاتمة واضحة، إلى أن تنتهي ببساطة. وإذا كانت ذروة النكتة (الإفيه أو القفشة) لا تُقال صراحة، فبمجرد أن يدركها المرء يجدها ظاهرة في كل مكان: في لقاءات الكلب المختلفة، والألغاز التي يواجهها، بل وفي برنامجه البحثي كله. وذروة النكتة هي: الكلاب لا ترى البشر. البشر، إن جاز التعبير، هم "الفيلة في الغرفة"، السادة غير المرئيين لعالم الكلاب، وهذه الفجوة الهائلة في الإدراك الكلبي هي ما يجعل الكلب يقع، من منظور القارئ البشري (على الأرجح)، في شتى أنواع الفخاخ المرحة والمشكلات الزائفة. يقول الكلب: "مؤخرًا، بتُّ أكثر ميلًا إلى استرجاع ماضي حياتي، باحثًا عن الخطأ الحاسم، الأساسي، الذي لا بد أنني قد ارتكبته؛ ولكنني لا أجد شيئًا". إن هذا العمى هو الخطأ الجوهري الذي تقوم عليه تحقيقاته.

وهكذا، يُفسَّر لغز الحفل الموسيقي العجيب بمجرد أن ندرك أن الكلب قد صادف عرضًا تقدمه كلاب سيرك مدرَّبة؛ فوقفها منتصبة على قائمتين، وهو ما أثار استهجانه الشديد، ليس سوى جزء من العرض، والموسيقى الصاخبة لا تصدر عنها، بل من آلة أورغن يدوية أو من عازفين بشريين، أما المتاهة الخشبية التي يجد الكلب نفسه محاصرًا فيها، فما هي إلا سيقان الكراسي، التي تظهر من مستوى الأرض كمتاهة بعيدة الغور. وبالمثل، فإن لغز التغذية يُحَل بسهولة عندما ندرك أن هناك يدًا بشرية تُلقي بقايا الطعام للكلاب الجائعة. أما الكلاب الطائرة (Lufthunde)، فهي في الحقيقة كلاب الطبقة البورجوازية المدللة، تحملها سيداتها الثريات بين أذرعهن، أو—وفق موضة اليوم—في حقائب أنيقة مخصصة للكلاب الفاخرة. وأما في مشهد كلب الصيد، فيبدو الأمر كما لو أن لاسكا قد شقت طريقها إلى القصة قادمة من رواية "آنا كارينينا"، لكي تحذِّر كلبَ كافكا كي يخلي الساحة، لأن ليفين وبندقيته في الطريق—ذلك أن "آنا كارينينا" تحتوي على مشهدين جريئين (محكيان من منظور كلب الصيد).

كل هذا مُحكم البناء إلى حدٍّ بعيد، لكن تبقى المشكلة: كيف ينبغي لنا أن نفسِّر هذه النكتة؟ هل "تحقيقات كلب" ليست سوى مزحة فكرية مطوَّلة؟ هل القصة في جوهرها هجاءٌ للفلسفة، سخرية من سخافات التأملات الميتافيزيقية؟ هل قد يخاطر كاتب مثلي بأن يبدو ساذجًا إذا أخذ السعي الفلسفي للكلب على محمل الجد؟ القصة تمرينٌ بارع فيما أطلق عليه "فيكتور شكلوفسكي" مفهوم "التغريب" أو "إعادة إضفاء الغرابة" الغَوْرَبة (остранение \ ostranenie).2 لكن ما الذي يجري تغريبه هنا؟ من منظور معين، فإن ما تُسلِّط القصةُ الضوء عليه هو البنية ذاتها التي تقوم عليها أعمال كافكا.

في رسالة إلى ميلينا يسينسكا، يضع كافكا ما يمكن اعتباره الصيغة الأساسية لأدبه، إذ يتحدث عن "ثلاث دوائر: دائرة داخلية A، تليها B، ثم C." تمثل C الذات التي تعيش تحت وطأة أمر غامض يصدر عن A، مما يجعل حياتها مستحيلة. وتحاول هذه الذات التفاوض مع هذه الاستحالة عبر التعامل مع مختلف الحراس، والوسطاء، والمديرين، والرسل الذين يشكّلون B—أي "الآخرين الصغار" الذين يقومون مقام A البعيد الذي يتعذر الوصول إليه ، أو ما يُعرف بـ الآخر الكبير (le grand Autre ، أو Andere بالألمانية)3.

إذا نظرنا إلى تحقيقات كلب في ضوء هذه الصيغة، يبرز أمران أساسيان: أولًا، تدفع القصة بفكرة ابتعاد السلطة المركزية A أي الأخ الكبير وانسحابها إلى أقصى حد، حتى تكاد تتلاشى تمامًا. فلم يعد هناك قلعة غامضة، ولا قانون عصيٌّ على الوصول، ولا إمبراطور بعيد المنال. 4 لقد اختفت A فعليًا من المشهد. في المقابل، تزدهر B، ممثلةً بالتقدم المتسارع للمعرفة العلمية التي تحكم عالم الكلاب—جامعة الكلاب، إن صح التعبير.  ومع ذلك، فقد اكتسبت B بعضًا من غموض A بسبب نجاحها ذاته، إذ أصبحت المعرفة تتراكم بلا حدود، حتى بات من المستحيل الإحاطة بها أو السيطرة عليها. لكن ماذا عن C، أي الذات؟

هنا يزيد كافكا هذه الصيغة تعقيدًا. فكلما ازدادت الهيمنة استعصاءً وخفاءً، بات السعي إلى الحرية أكثر إلحاحًا. في الصيغة الأصلية، يعاني C من أمر مبهم يجعله عاجزًا عن العيش. الكلب، بدوره، يعيش دعوته بوصفها أمرًا غامضًا، بل مهمة وحشية ومستحيلة الإنجاز، لكنه أقل خضوعًا لسلطة خارجية مقارنةً بمعظم أبطال كافكا المعذبين. فهو لا يسعى إلى إذن رسمي أو اعتراف بمكانته، بل يمنح نفسه الشرعية لمباشرة تحقيقاته. كما يبحث عن آخرين لينضموا إليه في مسعاه الفلسفي لإحداث تحوُّل جذري في عالم الكلاب. في الواقع، هذا الكلب هو حامل الطاعون، تمامًا كما يُقال إن فرويد وصف نفسه أمام كارل يونغ أثناء رحلتهما إلى أمريكا. أو بالأحرى، هو ذلك العميل الكافكاوي الذي يحاول إدخال الاضطراب الكافكاوي إلى عالم يفضِّل أن يظل جاهلًا به. إنه الباحث الجريء الذي يُفتش في شقوق صرح المعرفة، تلك الشقوق التي تفضح السر المروِّع والمسكوت عنه: استئناس الكلاب.

نحن بحاجة إلى مصطلح جديد يصف طابع كافكا المميز في المزج بين العبث والمأساة: المأساة العبثية (screwball tragedy). فـ"تحقيقات كلب" أشبه بعرض فكري ساخر، يصبح البحث العلمي فيه ضربًا من العبث: الغناء داخل حفرة، والرقص مع الأرض، والتكهن بوجود كلاب طائرة،  ومكابدة الصوم لفترة طويلة. إنها تجسيد حي لما وصفه الفيلسوف الألماني هانز بلومنبرغ (Hans Blumenberg) بـ"النظرية كسلوك غريب الأطوار"، في دراسته لأقدم نكتة عن الفلسفة، تلك التي تروي قصة طاليس والجارية التراقية.

منذ بدايتها، بدت الفلسفة ممارسة غريبة، "دخيلة"، بعيدة عن شواغل الحياة اليومية وهمومها العملية الملموسة. والمشهد الكلاسيكي لطاليس، الذي يُعد الفيلسوف الأول، وهو منشغل بالتحديق في النجوم حتى يسقط في بئر وسط ضحكات جارية تسخر منه، يُجسّد النكتة النموذجية عن الفلسفة.

تلك النكتة التي تسخر منها الفلسفة بقدر ما تسخر بها من ذاتها، تُجسّد غرابتها وتباعدها عن الحياة. وكما يقول بلومنبرغ: "لقد أصبحت التفاعلات بين الفيلسوف الأول والجارية التراقية النموذج الأكثر استدامة لكل التوترات وسوء الفهم بين الواقع والنظرية". وكما يُظهر بلومنبرغ، فإن تاريخ هذه النكتة، بما يحمله من تنويعات وتفسيرات متعددة—حيث يتحيز بعض رواتها لطاليس، بينما ينحاز آخرون للجارية—يتداخل مع تاريخ الفلسفة ذاته. ويمكن اعتبار قصة كافكا (تحقيقات كلب) جزءًا من هذا التاريخ، بل إنها، بطريقة ما، تُشكل رواية جديدة لهذه النكتة. لكن إذا كانت التحقيقات الغريبة للكلب تُجسّد حرفيًا طابع النظرية الغريب وبُعدها عن الحياة اليومية، فإن قصة كافكا تُجسّد أيضًا، وبالمعنى الحرفي، رد سقراط على هذه النكتة.

يُحكى، يا ثيودوروس، أن طاليس كان منشغلًا بدراسة النجوم، محدقًا في السماء حين سقط في بئر؛ فسخرت منه جارية تراقية ذكية ومتهكمة، لما رأته من سذاجته، قائلة إنه متلهف لمعرفة ما يجري في الأعالي لكنه عاجز عن رؤية ما هو أمامه وتحت قدميه. وهذه النكتة تصدق على كل من ينذر حياته للفلسفة، إذ إن الفيلسوف لا يلتفت حتى إلى جاره القريب، ولا يكاد يدرك أفعاله، بل إنه بالكاد يعلم إن كان هو نفسه إنسانًا أم كائنًا من نوع آخر.

في الواقع، من يدري؟ فلعل الفيلسوف ليس إنسانًا، بل كلب.

إن المثير في تصوير أفلاطون لهذا الموقف هو كيف أن سقراط، بدلًا من الدفاع عن الفلسفة في وجه السخرية، يرفع الرهان إلى مستوى جديد تمامًا. فهو لا يحاول إثبات فائدتها أو جدواها. (هذا النهج بدأ مع أرسطو، الذي يروي كيف نجح طاليس في تحقيق مكاسب مالية من تأمله في النجوم عبر التنبؤ بمحاصيل الزيتون، واستمر حتى يومنا هذا مع تسويق الفلسفة بوصفها مهارات تفكير نقدي قابلة للاستثمار التجاري). على العكس من ذلك،  يعمد سقراط إلى دفع تبعات سقوط طاليس إلى مداها الأقصى؛ فيذهب أبعد من مجرد السقوط الجسدي لطاليس في البئر، ليجعل منه سقوطًا وجوديًا ومعرفيًا؛ فالفيلسوف لا يفقد الأرض التي يقف عليها فحسب، بل يفقد أيضًا الأساس الميتافيزيقي للوجود والتفكير ذاته: لم يعد يعرف من هو، بل ولا حتى إلى أي نوع من الكائنات ينتمي. فماذا لو كان الكوجيتو في عالم كافكا ليس (كوجيتو \cogito) "أنا أفكر"، بل (دوجيتو \dogito) "أنا كلب يفكر"؟

يقربنا هذا أكثر من صميم روح الدعابة الكافكاوية. لكن ما هو ملتبس في تحقيقات الكلب—وما أعنيه بمصطلح "المأساة الهزلية"—يتعلق بمسارها المتعثر، وبطابعها الذي يُحبط باستمرار لكنه يستعيد زخمه بلا انقطاع، بذلك المزيج الكافكاوي بين الضرورة والاستحالة، بين الحتمية واليأس، وبين الإصرار الذي يبدو في أنقى أشكاله وأشدها خواءً. فعلى امتداد مغامراته النظرية، يواصل الكلب التعثر بنفسه، فهو في آنٍ واحد مدفوع إلى الأمام ومعرقلٌ من قِبَل عائق داخلي لا يمكن تجاوزه—لكن ما هو هذا العائق تحديدًا؟ ربما نجد التجسيد الأكثر نقاءً لفكرة "المأساة الهزلية" في إحدى تنويعات كافكا على قصة دون كيخوتي.

الانتحار أحد الأفعال الأشد كيخوتيه، إنه أشد كيخوتيه حتى من قتال طواحين الهواء.. فدون كيخوته الميت يسعى لقتل دون كيخوته الميت؛ لكنه، ولكي يُنفِّذ ذلك، يحتاج إلى موضع نابض بالحياة لكي يسلبها منه، فيبحث عنه بسيفه بلا هوادة، ولكن بلا جدوى. وفي خضمّ هذه المغامرة العبثية، يظل هذان الميتان متشابكين في رقصة جنونية، يتقلبان عبر العصور، ممتلئين بالحياة إلى حد يكاد يجعلهما يتقلبان في الهواء.

يطرح كافكا هنا تصورًا فريدًا للحياة بوصفها انتحارًا مستمرًا لكنه محكوم بالفشل. ففي هذا الانتحار الكيخوتي، يعود الشخص الميت إلى الحياة من جديد، لكن فقط عبر محاولاته العقيمة لإخماد آخر أثر متبقٍّ منها. وهكذا، يصبح هذا الإخفاق المتكرر هو "الموضع النابض بالحياة" المفقود، المنبع الخفي لحيوية متدفقة وغريبة. إن دون كيخوته، المنقسم على نفسه، يتقلب عبر العصور بسيفه المسلول، لكنه لا يفلح أبدًا في إصابة هدفه غير الموجود، وكأن حركته الدائمة تجسد نفيًا مزدوجًا، أو بالأحرى، نفيًا يتكرر فشله بلا نهاية. وهذه "النكوصية الفاشلة" هي في جوهرها التعبير الكافكاوي عن الإيجابية والحياة، وهي أيضًا مصدر لفكاهة ميتافيزيقية ملتوية. كما يكتب كافكا في دفاتره لاحقًا: "لا يمكن للمرء ألا يحيا، في نهاية المطاف". لكن هذه "لا يمكن ألا" لا تعادل ببساطة "يمكن"، كما في منطق الصوريين؛ بل تشير إلى أن فعل "الإمكان" لا يستطيع أن يُؤكِّد نفسه إلا عبر الالتفاف حول استحالة أولية، تدفعه إلى الأمام وفي الوقت ذاته تقوّضه. فدون كيخوته الكافكاوي لا يستطيع أن يحيا إلا من خلال فشله الدائم في قتل نفسه؛ وعلى الوجه الآخر، فهو عصيٌّ على القتل لأنه ميت أصلًا، ولهذا يستمر في "التقلب عبر العصور". وهكذا، فإن النفي الفاشل إلى الأبد، ذاك الذي يفوق حتى قتال الطواحين عبثيةً، هو ما يجعل دون كيخوته خالدًا في سقوطه المستمر.

يُجسِّد نزال دون كيخوته مع الطواحين، بلا شك، الصورة السرفانتية النموذجية لمقاتلة أعداء لا وجود لهم، وهي الحادثة الأشهر التي تلخص حياته بوصفها كائنًا أدبيًا، يعيش داخل عالم استمده من محاكاة أدب الفروسية الذي فقد بريقه ("مات") منذ زمن. لكن كافكا يدفع بهذا الوجود المُتخيل إلى مستوى آخر أكثر راديكالية، فتغدو الحياة الخيالية أو الرمزية عدوًا هذيانيًا بحد ذاتها، يجب مقاتلته: فدون كيخوته الكافكاوي يخوض معركته ضد ذاته.

شخصيات كافكا، على اختلاف تجلياتها، ضحايا لذواتهم، فهم الخصوم المتخيَّلة الأشدّ ضراوة لذواتهم. غير أنّهم، للمفارقة، لا ينبثقون إلى الوجود إلا من خلال إخفاقهم في محو أنفسهم، إذ يدورون في فلك استحالتهم الخاصة أو يتهاوون تحت وطأتها، عاجزين عن فعل العيش. وليس من قبيل المصادفة أنّ الحيوانات، والكائنات الهجينة، وغير الآدميين الغرباء يكثر تكرارهم في أعمال كافكا—وأن يتجسد المفكر، في أحيانٍ، في هيئة كلب—فذلك لأنّ هذه الكائنات تمثل أبلغ تعبير عن ذلك الوجود المنقسم على ذاته، ذلك الذي لا يتوهّم تفوقه وسيادته إلا بظنّه نفسه كائنًا "إنسانيًا".

يحمل أبطال كافكا في داخلهم دافعًا جارفًا يتجاوز حدود الإرادة، وتكشف «تحقيقات كلب» عن هذا النزوع إلى التفلسف، ذلك الاندفاع النظري—لكن مع بعد إضافي، حيث يصبح الفيلسوف واعيًا، بطريقة انعكاسية، بالبنية العميقة لهذا الاندفاع. لهذا السبب، تحمل القصة مفاتيح لفهم بقية أعمال كافكا، وللشكل العام لأدبه السردي. كلب كافكا لا يستطيع ألا يفكر؛ فعلى الرغم من جهوده الجماعية، يعجز هذا الفيلسوف الكلبي عن استيعاب ذاته وعالمه، ويفشل في اختراق جدار الصمت (وهذا هو البعد التراجيدي للقصة). ومع ذلك، فهو أيضًا لا يستطيع ألّا يفكر في هذه الأمور (وهنا يكمن البعد العبثي)، فيواصل اندفاعه في تحقيقاته الغريبة وأساليبه المحطِّمة للأصنام، مُصِرًّا على ما يسميه "تحقيقاتي الصغيرة، اليائسة، ولكن التي لا مندوحة عنها."

يمضي الكلب قدمًا، كما لو أن الطريق الحق ليس مسارًا يُسلك، بل عثرةٌ ينبغي التعثر بها. يردد هذا المشهد صدى إحدى شذرات كافكا: "الطريق الحق يمتدّ على حبلٍ ليس مشدودًا عاليًا في الهواء، بل بالكاد يرتفع فوق الأرض. ويبدو أنه وُضع ليُعثَر به أكثر مما وُضع ليُسلك". (ويمكن قراءة هذا التأمل كردٍّ على نكتة طاليس: فبدلًا من أن يحدّق الفيلسوف في السماء، يركز نظره على الأرض، لكنها تغدو غادرة، أشبه بفخٍّ منصوب للمفكر). وهنا، يمكننا أن نستدعي فرويد مرة أخرى. فمقاله " ما وراء مبدأ اللذة “ يتناول النزعات التدميرية والميول الذاتية لعرقلة النفس—أليس "دافع الموت" لدى فرويد تسمية أخرى للانتحار الكيخوتي؟ ويختم مقاله بالاقتباس: "ما لا نستطيع بلوغه طيرانًا، علينا أن نصل إليه عرجًا... والكتاب يخبرنا أن العرج ليس خطيئة".  تحفل "تحقيقات كلب" بصور متعددة عن الطيران والتحليق في الهواء، عن تعالٍ مُشتهى، لكنّ ما يعبّر حقًا عن مسار تحقيقات الكلب هو هذا التعثر الداخلي، هذه الحركة المعيقة أو المشلولة. العرج، التعثر، أو حتى—بشكل أكثر بهلوانية— "التقلب بعيدًا عبر العصور": كلّها صور جسدية للفكر وهو يصارع استحالته الخاصة، وهي كلمة تحمل دلالة خاصة في عالم كافكا.

"وفقًا للموروث القديم، يُفترض أن الكلاب قادرة على إدراك الحضور الملائكي قبل أن يتمكن البشر من رؤيته"، هكذا يكتب ألبرتو مانغويل في مقال بارز حول كلاب دانتي. لكنّ كلاب كافكا ليست كذلك. فهي محرومة من هذه الهبة الإدراكية الخارقة، ولا تمتلك أي حسٍّ خاص تجاه العوالم الماورائية؛ بل إنها تعجز حتى عن إدراك الواقع القابع أمام أعينها. يقارن مانغويل بين لغز الإله بالنسبة إلى البشر،  ولغز البشر بالنسبة إلى الكلاب: "تنتمي إلى هذا الإطار العقائدي أمثلة العقاب الإلهي القاسي، والعطايا الإلهية المجانية، درجات النعيم، ودركات العذاب الجهنمي—كلّها تظلّ عصية على الفهم البشري، تمامًا كما يبدو سلوكنا المتقلب عصيًا على فهم الكلاب". فالإله بالنسبة للإنسان، كما الإنسان بالنسبة للكلب. (بل إنّ فرانسيس بيكون كتب في القرن السابع عشر: "تأمل الكلب، وانظر إلى تلك الشهامة والشجاعة التي يُبديها حين يجد نفسه مُعالًا من قبل إنسان، ذلك الذي يمثّل له إلهًا".) لكن الإنسان ليس إلهًا عند كلاب كافكا. فهي تحتلّ قمة هرمها الخاص. تتسيد عالمها حيث يسود مبدأ المعرفة فوق كل شيء. وقد لخّص ماكس برود القصة بوصفها "محاكاة ساخرة كئيبة للإلحاد."

لكن هناك وجهًا آخر لتأويل الأمر. فكافكا يقلب فكرة مانغويل حول قدرة الكلاب على إدراك الحضور الملائكي؛ فكلبه لا يملك أنفًا لالتقاط أثر رسل العالم الآخر، بل حاسة شمّ تتبع التصدّعات داخل هذا العالم. فهو، وإن خضع لسلطة العلم وللمعرفة المعتمدة في مجتمعه الكلبي، إلا أنه يقتفي أثر تناقضاتها وتشوهاتها، يبحث في شقوقها وثغراتها. "أقرّ بمعرفتهم وأحني رأسي إجلالًا لها... لكني أفضّل التسلّل عبر الثغرات، كوني أمتلك حاسة شمّ حادة لاكتشافها". وبحسب منطق النكتة العبثية عن الكلب الأشعث، قد تكون هذه الفجوات هي العلامات التي تنمّ عن "عالم آخر" —السادة الخفيون، المالك البشري غير المرئي، الآلهة التي لم تدركها الكلاب. لكن ماذا لو كانت فكرة السادة الخفيين ذاتها خدعة  كوميدية؟ وماذا لو لم تكن هناك قوى غامضة تتحكم بنا من الخارج، بل كنّا نحن من يصنع قيودنا بأنفسنا؟

نحن، البشر، كائناتٌ تدجِّن ذاتها، مهندسون بارعون لأقفاصنا الخاصة، نصوغ بأيدينا حدود قيودنا، مستمدّين من وحشيتنا ذاتها براعة الترويض. لكن— ويا للمفارقة — تكمن في هذا الترويض الوحشي بقايا حريةٍ تأبى الخضوع، تظلّ جامحة لا تُروَّض. ولهذا، فإن سعينا وراء الحرية هو ضربٌ من الضرورة المستحيلة، بحثٌ لا مفرّ منه، لكن لا مندوحة عنه.


هوامش:

  1. يشير لاكان إلى أن الخطاب يشكل رابطًا اجتماعيًا، ويقسمه إلى خمسة أنواع رئيسية: خطاب السيد، خطاب الجامعة (أو الأستاذ)، خطاب المحلِّل، خطاب الهستيري وخطاب الرأسمالي.
  2. فيكتور شكلوفسكي (Viktor Shklovsky): ناقد أدبي روسي وأحد مؤسسي الشَّكْلانية الروسية، اشتهر بمفهوم "التغريب" أو " الغَوْرَبة " (Ostranenie) الذي يهدف إلى جعل الأشياء المألوفة غريبة ما يدفع بالقارئ إلى إعادة التفكير فيها. (المُترجم)
  3. الآخر الكبير (le grand Autre): مفهوم ظهر عند جاك لاكان، يشير إلى البنية الرمزية أو المرجع المطلق الذي يمنح للأفراد المعنى. (المُترجم)
  4. يُحيل المؤلف هنا إلى ثلاثة أعمال أدبية لكافكا على التوالي: رواية القلعة، رواية المحاكمة، وقصة رسالة إلى الإمبراطور، المضمنة ضمن قصة سور الصين العظيم. (المُترجم)

  • الترجمة خاصة بـ Boring Books
  • يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية