هانس فالادا: الرسام (قصة)

2025-09-30 - Jasmin Waleed

-"هل يحزنك أنك مجنون؟"

-"لا على الإطلاق، أنا بخير، ولكنني فقط عندما أشك في جنوني، يصبح الأمر سيئًا بالنسبة لي.

الرسام

قصة هانس فالادا

ترجمة: جاسمين وليد

هانس فالادا (1893-1947) اسم شهرة لكاتب ألماني من النصف الأول للقرن العشرين، ينتمي أدبه إلى تيار "الموضوعية الجديدة" وهو أسلوب أدبي يتميز بتصويره الجاف والمحايد للمشاعر والواقع. من أهم أعماله "أيها الرجل الصغير، ماذا الآن؟" و"وحيدًا يموت الإنسان". نُشرت هذه القصة في صحيفة "دي فيلت" وهي من القصص التي نشرت بعد موت الكاتب وجمعت في المجموعة القصصية "حب شاب بين الأنقاض" وتعكس كثير من هذه القصص الحياة الشخصية لكاتبها.


هانز فالادا، عن deutschlandfunkkultur

استيقظ كورت عندما توقفت الشاحنة عن السير، كان يرقد مباشرة تحت الغطاء، نصف محشور بين الحقائب ومرتجفًا من البرد، ثم أوقد لنفسه مصباح يد ونادى صوت عميق: "انزل من عندك، يمكنك مساعدتنا قليلًا، هناك عطل".

وقفوا في منتصف الطريق الزراعي المفتوح ولم يكن هناك أي ضوء، هبت ريح نوفمبر الباردة والرطبة على دفعات على الأرض الواسعة دافعةً الأوراق الجافة بلا انقطاع، شاهد كورت تحت الضوء الساطع للمصابيح الأمامية الأوراق الجافة التي تشبه الذهب الباهت تتراقص، وتسقط على الأرض، ثم تطير مرة أخرى، وحيث كان يقف في الظلام على المقطورة، لم تحدث الأوراق سوي صوت خشخشة. نادى الصوت العميق: "هيا، تعال هنا، يمكنك أن تضخ القليل من الهواء، هذا سيجعلك تشعر بالدفء". 

وقف الرجلان في المقدمة عند المحرك، تقدم كورت نحوهما مترددًا، لم يثق بهما، ولكن الجو كان باردًا للغاية، حتى إنه لا يستطيع أن يحاول الهروب الآن في منتصف الليل، وبالطبع لم يكن هناك عطل، كان الرجلان واقفين فقط وفي انتظاره، سأل الرجل الأسود الضخم ذو المعطف الجلدي: "من أي مكان صعدت إلى شاحنتي؟"

- "من محطة وقود في أورانينبورج".

- "وإلى أين تريد الذهاب إذن؟"

- "إلي منطقة شفيرين، رأيت أن شاحنتك من شفيرين".

- "ولماذا لا تذهب بالقطار، سيكون الجو أكثر دفئًا بالقطار".

- "ليس لدي المال، لقد سرقت مني كل أغراضي ومالي في برلين".

قال السائق الأسود: "حسنًا!"، سدد لكمة قوية بقبضة يده نائتة العظام فأصابت كورت في عينه مباشرة، ترنح ورأى الشرر يقدح من عينيه، ثم صرخ الرجل الأسود: "وهل تعتقد أيها البرليني اللعين المشاغب أنك تستطيع ركوب شاحنتي دون مقابل؟! صبرًا علي أيها الخنزير"، ثم انطلقت القبضة للمرة الثانية وأصابت كورت براش تحت الذقن مباشرة، سقط إلى الوراء بصرخة صغيرة وبقي جالسًا.

صرخ السائق الاحتياطي بسرعة: "أوه"، قال الرجل الأسود بارتياح: "لقد أخذ كفايته، لن يركب شاحنتي مرة أخري بهذه السهولة! منذ أن قام وغد كهذا مرة بتمزيق كل حقائبي كشكر، أصبحت أشم رائحة أمثاله من على بعد خمسمائة متر حتى ضد الريح".

قال السائق الاحتياطي الصغير متملقًا: "كيف شعرت يا أوسكار أن أحدًا فوق المقطورة!".

-"دائمًا! دائمًا ما يكون برلينيًا مشاغبًا، لا يستطيعون سوى إثارة المشاكل وإطلاق النار على السائقين المحترمين، اسحبه إلى الحفرة يا إرنست، حتي لا يُدهس، لا أريد أية مشكلات من تحت رأس برليني لعين. انتبه أكثر المرة القادمة عندما تملأ خزان الوقود". اعتدل كورت براش في جلسته بصعوبة، كانت عينه تؤلمه بشدة وشعر بتورم كبير في حاجبه وبدا فك ذقنه كما لو كان مخلوعًا وكان بالكاد يستطيع تحريك فمه. 

تابع الزحف ببطء على جانب الطريق الزراعي مرتجفًا في بدلته المبتلة من البرد وانتابه شعور بالغثيان، أحيانًا كانت تمر بجانبه السيارات وتأتي من الجانب الآخر، كان يختبئ منهم خلف الأشجار، لم يأخذه أحد بسبب مظهره، ظل ورم حاجبه منتفخًا وكانت عينه الآن مغلقة بالكامل. بينما كان يمشي لفترة طويلة، وصل إلى إحدى القرى، لم يعد هناك ضوء في أي مكان، لكنه لم يستطع الدخول إلى الفناء، فبمجرد أن أراد الذهاب إلي الفناء، بدأت الكلاب تنبح، في النهاية أصبحت القرية كلها كلبًا ينبح بغضب، خرج ثم أصبح وحيدًا مرة أخري علي الطريق الزراعي اللامتناهي مع رياح نوفمبر الباردة والرطبة.

عندما رأى ضوءًا على يساره لم يكن قد ابتعد كثيرًا، تسلق عن طريق خندق الشارع وذهب باتجاه الضوء، لم يكن هناك أي شيء يهمه الآن، ذهب عبر حديقة صغيرة ونظر من خلال النافذة إلى الغرفة المضاءة، كان هناك رجل يجلس إلى طاولة سوداء، بدا كأنه رجل من لوحة قديمة. كان الرجل ذا شعر أبيض منسدل، وشارب ولحية مدببة بيضاء، كانت يده البيضاء الطويلة تمسك بقاع كأس جميلة مصقولة، مترعة بالنبيذ الأحمر.

بدا الجو دافئًا في الغرفة، طرق كورت براش زجاج النافذة، رفع الرجل نظره، قابل كورت النظرة الفارغة للعينين الكبيرتين السوداوين، ثم نهض الرجل وخرج من الغرفة، ثم فُتح باب مقابل للحديقة ونادي صوت مهذب: "هلا أتيت هنا من فضلك؟"، تقدم الرجل كورت، كان يرتدي معطفًا مخمليًا، "تفضل هنا"، وقف كورت في الغرفة التي رآها للتو، كان الجو فيها دافئًا ولطيفًا، قال الرجل: "تفضل بالجلوس" وعندما طالع ضيفه بنظرة سوداء فارغة: "أوه، هل تشاجرت؟"، قال كورت متجهمًا: "تعرضت للضرب على يد سائق كنت مختبئًا في شاحنته"، ضحك العجوز صاحب السكسوكة: "لقد ضربك ضربًا مبرحًا! لماذا اختبأت إذًا؟ هل كنت تريد أن تسرق؟"

-"ظننت أنني أستطيع الذهاب إلى المنزل مجانًا، ليس لدي مال".

قال الرجل بهدوء مرح: "يا له من سائق خنزير، إذا رأيته المرة القادمة، اغرس سكينًا في جسده، مفهوم؟"، أجاب كورت براش مندهشًا إلى حد ما من تعطش رب البيت للدماء: "عندما أراه المرة القادمة، أتمنى أن أكون بحال أفضل قليلًا، وعندها سيرى ما سيحدث له". ثم قال الرجل ضاحكًا: "سكين، لا شيء سوى السكين. هل ترغب ربما في أن تشرب كأسًا من النبيذ؟"

-"بكل سرور".

ذهب الرجل العجوز إلى خزانة زجاجية وأخرج منها زجاجة نبيذ كبيرة ووضعها ممتلئة أمامه. قال كورت: "شكرًا".

- "هل ترغب ربما أيضًا في أن تأكل شيئًا؟"

- "بكل سرور، أنا أتضور جوعًا، لأكون صريحًا".

- "انتظر لحظة".

خرج الرجل من الحجرة. شرب كورت براش نبيذه في رشفات صغيرة، كان يشعر بالدفء يملأ جسده، كان يجلس بارتياح مع هذا العجوز المرح. صب له الرجل كأس النبيذ الأحمر وهو ينظر إليه: "تقوم زوجتي بإعداد الطعام لك حالًا، هل تعرفها؟"

- "لا".

- "فكر في الأمر، هيلين فورمنت، فكر في الأمر".

- "يبدو لي الأمر كما لو أنني سمعت الاسم من قبل".

- "بالطبع تعرفها، لقد رسمتها أكثر من عشرات المرات، وربما سأرسمها أنا أيضًا".

- "ولكن ليس بالطريقة التي أبدو بها الآن".

- "كما تبدو الآن! رسم رامبرانت أخيه بخوذة ذهبية. وسأرسمك بقبعة المهرج".

قال كورت بكآبة: "ستكون قبعة المهرج الخيار الأمثل لي حاليًا".

للحظة رمقَه الرسام بنظرة منقبضة. انحني فوق الطاولة وهمس بنبرة مفعمة بالغموض: "لعلك لاحظت أنني مجنون".

 قال كورت براش مصدومًا: "أوه لا، لا تقل هذا، أنت لست مجنونًا بالتأكيد". قال الرجل العجوز بقوة:" أنا بيتر باول روبنز، هل سمعت عني من قبل؟"

- "روبنز؟ لقد كان رسامًا، أليس كذلك؟"

- "أنا رسام وأدعي روبنز، في أي قرن نعيش؟"

- "في القرن العشرين".

- "نعم وعاش روبنز في القرن السابع عشر. أنا أدعي روبنز، وهكذا لا بد أنني مجنون، أليس كذلك؟ الكل يقول هذا".

- "هل أنت متأكد حقًا من أنك روبنز؟"

قال الرجل مفكرًا: "بالطبع، بالمناسبة سترى بعد قليل زوجتي الثانية هيلين، رسمتها كثيرًا، ستتعرف عليها على الفور. أحيانًا، زوجتي الأولي، إيزابيلا برانت، هنا أيضًا، ولكن هذا يضايقني، لأنني أذكر جيدًا أنني دفنتها في أنتويرب عام 1626".

- "هل يحزنك أنك مجنون؟"

- "لا على الإطلاق، أنا بخير، ولكنني فقط عندما أشك في جنوني، يصبح الأمر سيئًا بالنسبة لي. هيلين، كنت أحكي لضيفنا عنك".

دخلت امرأة شابة شقراء طويلة القامة، ترتدي فستانًا أبيض، أومأت إلى الضيف إيماءة قصيرة، ووضعت صينية عليها خبز أمامه. قال الرجل متلهفًا: "هل تتذكرها؟"، ألقت المرأة نظرة سريعة على كورت، وظهر طرف لسانها للحظة في زاوية فمها. قال كورت براش: "بالطبع أتذكرها"، صاح الرجل منتصرًا: "أرأيت، ولهذا أنا لست مجنونًا! تزوجت هيلين عام 1630، واليوم تقف أمامك، بالتأكيد لست مجنونًا".

قالت المرأة بلطف: "بالطبع أنت كذلك، بيتر باول، والسيد يعتقد بهذا أيضًا".

قال بول براش: "بالطبع". قال الرجل العجوز: "ربما أنا أحلم ليس إلا. لقد غفوت وأحلم بكم، أحلم بهذه الغرفة وبالكؤوس على الطاولة. صبِ له النبيذ يا هيلين، إنه يأكل بنهم، أليس كذلك؟ إنه جائع حقًا. أحيانًا ما أكون على وشك الاستيقاظ ويصبح الحلم رقيقًا جدًا، ثم ألاحظ أن شخصًا ما يستيقظ بداخلي، شخصًا لا أريد أن أكونه، إنه من المؤلم أن تكون شخصًا آخر". 

قالت المرأة بسرعة: "لا لا، أنت بيتر باول روبينز، الرسام الهولندي الكبير، الكل يعرف هذا". قال الرجل العجوز بحزم: "بالطبع أنا روبينز، سأرسمه، تعرض ضيفنا للضرب وترين كم هو مصاب، سوف أرسمه معتمرًا قبعة مهرج ملونة على الرأس، انتظرا سأذهب حالًا لإحضار أدوات الرسم". 

نظرت المرأة إلى الشاب بنصف ابتسامة وقالت: "إنه بريء للغاية، لا يجب عليك أن تسخر منه". 

- "بالطبع لا، هل هو على هذا الحال منذ وقت طويل؟"

- "لا أعلم بالتحديد، بضع سنوات. أنا أعتني به وحسب، أتفهمني، أنا لست زوجته".

- "هل تعلمين كيف أصبح هكذا؟"

- "كان لديه محل طلاء كبير، محل طلاء للغرف، أتفهمني؟ كان رجلًا فاحش الثراء ولا يزال لديه المال، تزوج من حبيبة شبابه، ولكن مع مرور الوقت لاحظ أنها كانت تخونه، طلقها ثم تزوج لاحقًا مرة أخرى. في بلدة صغيرة تكشّف كل شيء مباشرة، كانت الزوجة الثانية تخونه أيضًا، في ذلك الوقت بدأ في رسم لوحات صغيرة وغريبة تمامًا مثل التي يرسمها الأطفال. لاحقًا تزوج مرة ثالثة، ولكن الحظ لم يحالفه معها أيضًا، كان موضع سخرية المدينة كلها، لا أفهم حقًا لماذا تعرض للخداع في كل مرة، فهو رجل ودود ومثقف، وأنا أعتني به عن طيب خاطر". 

- "أفهم هذا. يبدو أن الحظ لم يحالفه أبدًا، فبعض الناس لا يحالفهم الحظ مطلقًا".

- "أوه، لا تقل هذا، إنه سعيد الآن تمامًا، طالما أنه بيتر باول روبينز".

- "وعندما لا يكون هو؟ أليس هو روبينز طيلة الوقت؟"

- "لا، حينها يتناول أدوية منومة حتى يستيقظ هادئًا ويعيش حلمه من جديد".

- "ألا تجدين أن هذه حياة مجنونة؟"

نظرت إليه مرة أخري نظرة سريعة وظهر طرف لسانها مرة أخري على زاوية فمها وقالت: "نعم، هذه حياة لا يستطيع العيش فيها بسعادة سوى المجانين. المجانين، والمجانين الآخرون، العشاق".

وقف بسرعة وألقي ذراعيه حولها وقبّلها بنهم، قال لاهثًا: "أنتِ، أنتِ". دخل الرسام العجوز، ووضع على رأسه قبعة ملونة ذات أجراس رنانة، ووضع على الطاولة علبة التلوين، مثل التي يملكها الأطفال، وضع أمامه دفتر رسم وقال: "صبِ له النبيذ ثانيةً، يجب أن يكون وجهه ملونًا، يجب أن يكون ملونًا أكثر من قبعة المهرج". 

مالت المرأة عليه وهي تصب النبيذ، لمست ذراعه بيد واحدة، وهمست من بين أسنانها وتحرك طرف لسانها بسرعة بين شفتيها: "أنت، أنت". رمى الرسام الفرشاة، ورفع رأسه وسأل بحدة: "عم كنتما تتحدثان منذ قليل؟ عم كنتما تتحدثان، عندما كنت غائبًا؟"

قالت المرأة بسرعة: "لا شيء، قال إنه يمكنه أن يأكل المزيد، وقلت له إنه لم يعد هناك المزيد من الخبز، وإنه يجب عليَّ إحضار بعض الخبز الطازج غدًا صباحًا".

صرخ الرسام: "أنت تكذبين! لقد رأيتك، خدعتماني، أشم هذا، كنتما تتبادلان القبل".

صرخ كروت براش واقفًا: "لا لا، كيف سترغب في تقبيلي، ألا ترى مظهري".

صرخ الرجل العجوز: "لا يهمهم المظهر، عندما يستطيعون الخداع فقط، أنا دائمًا أتعرض للخداع، والآن أعرف هذا ثانيةً. يأتون إلى بيتي ويشربون نبيذي ويأكلون خبزي وفي أول ساعة يغوون زوجتي، قلت لك، السكين، سأقوم بغرس السكين في جسدك، هناك، أريد الحصول على السكين من على الطاولة".

أمسكته المرأة الشابة بذراعيها القويين ونادت: "اذهب، اخرج من البيت، لا أستطيع تهدئته"، وقالت للعجوز الذي حاول التملص من ذراعيها: "لقد ذهب فعلًا، ليس سوى حلم سيء، بيتر باول. ستستيقظ حالًا، أنت الرسام الكبير روبينز".

خرج كورت من البيت، كان الوقت لا يزال ليلًا، هبت رياح نوفمبر الباردة والرطبة على السهل الواسع. ارتجف، تسلل إلى النافذة، كانا جالسين متقابلين على الطاولة، التقط الرسام الفرشاة مرة أخرى وحرك اللون في علبة التلوين، ألقت المرأة نظرة سريعة على الشباك وهزت رأسها رافضةً، كانت الشفتان مطبقتان بإحكام. 

تسلق براش عبر خندق الشارع وأصبح على الطريق مرة أخرى. وقف للحظة ونظر للضوء، ثم عاود طريقه من جديد، في البرد، بدأ ألم عينه المغلقة يزداد، مشي لفترة، ثم ذكره الرنين بأنه لا يزال يرتدي قبعة المهرج، مزقها على مضض وألقاها في الخندق، ولكن بعد بضع خطوات عاد ثانية وبحث بيديه عن القبعة في الخندق المظلم. عندما وجدها، وضعها في جيبه واعتدل ونظر إلى الوراء، لم يعد هناك أي أثر للضوء، بدأ يمشي وكان يرتجف من البرد بشدة. 




2 ردود على “هانس فالادا: الرسام (قصة)”

بجد الترجمه ممتازه و القصه شيقه ✨

رد

جميلة جدًا وممتعة والترجمة أكثر من رائعة

رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية