مِلادن دولار: نِعمَة ألّا نُولَد أو وجه أوديب الآخر

2025-07-09 - Tareq Osman

"من الأحسن ألا نولد" مجرد شكوى عبثية، فهذا شيء يمكن لنا أن نتمناه لكن سُدى، فقد ولدنا بالفعل وقضي الأمر. وهكذا يرد عليها بِكيت: ليست المشكلة أننا قد ولدنا، وإنما أننا لم نولد بحق. ليست المشكلة أننا ارتكبنا الخطيئة الأصلية: الولادة، وإنما أننا لم نقدر حتى على ارتكابها: لم نولد كما ينبغي.          

نِعمَة ألّا نُولَد أو وجه أوديب الآخر

مقال: مِلادن دولار

ترجمة: طارق عثمان

Mladen Dolar, “Not even: The politics of Oedipus,” in Samo Tomšič and Andreja Zevnik (eds.) Jacques Lacan Between Psychoanalysis And Politics (New York: Routledge, 2016), 62-71.

مِلادن دولار: فيلسوف سلوفيني معاصر، من أعلام مدرسة ليوبليانا في التحليل النفسي.

جان-أنطوان جيروست، أوديب في كولونوس (1788) زيت على قماش، 164x194 سم،  متحف دالاس للفنون. تصور اللوحة أوديب الأعمى وابنتيه، أنتيجونا (جاثية وممسكة بذراعه) وإسمينا، وثيسيوس، ملك أثينا.

أوديب―يا لها من فكرة عجيبة.(1) ولعل أعجب ما فيها، أنها قد بدت، حين طرحها فرويد، صادمة وشائنة وسخيفة وغريبة تمامًا، ومع ذلك، أضحت مُستأنَسة ومستساغة تمامًا في الـZeitgeist   [روح العصر]. ولقد احتاجت إلى جهد مضنٍ لكي تسترد مقامها المشين والفاضح. خطرت هذه الفكرة على بال فرويد، لأول مرة، في مراسلاته مع فلهِلم فليس (في رسالة مؤرخة بالخامس عشر من أكتوبر من سنة 1897)، في خضم تحليله لنفسه، الذى أنجزه في معية صديقه المُبجّل، يقول:

لم أجد، حتى الآن، أي شيء جديد بالكليّة، سوى جميع التعقيدات التي أعرفها...خطرت لي فكرة واحدة ذات قيمة عامة. لقد تبينتُ حُب الأم والغيّرة من الأب في حالتي أيضًا، وأعتقد الآن أنّ هذه ظاهرة عامة في الطفولة المبكرة...ولو صح ذلك، لأضحت القدرة الأخّاذة التي تتمتع بها مسرحية "الملك أوديب" مفهومة...إنّ هذه الأسطورة الإغريقية ترتكز على دافع نفسي يمكن لأي أحد أن يتبينه لأنه قد استشعر آثارًا منه في نفسه. فكل واحدٍ من المتفرجين على المسرحية قد كان، ذات مرة، أوديبًا ناشئًا في خياله، ورؤية هذا الحلم متحققًا ومعروضًا أمام عينيه جعلته يجفل مرتاعًا، نظرًا لقدر الكبت الذي يفصل حالته الطفليّة عن حالته الحاضرة.(2)

هذا هو الموضع الذي نبتت منه ملحمة أوديب الحديثة، الطبعة الجديدة من الملحمة القديمة، والتي تبدو بالغة السذاجة والبساطة: كلنا أوديب ناشيء، كلنا يقدر، عن غير قصد، على أن يتبين نفسه في القصة، كلنا نعيش، بالطبع، لنقتل الأب ونضاجع الأم―فأي شيء آخر قد يريده الإنسان في نهاية المطاف؟! إنّ القصة برمتها تُردّ إلى عدد من الافتراضات: إلى تحريم غِشيان المحارم بحسبانه الركن الذي تقوم عليه الثقافة، إلى اسم الصراع الكامن في قلب الثقافة، إلى ولادة الرغبة من رحم التحريم، إلى مصير طفولتنا الوبيل، إلى دراما تَشكّل الذات، تلك الدراما المعقدة والعصية على الحل، إلى نموذج الوجود البشري ومَثَله.

لم تبرح هذه الفكرة عقل فرويد طوال ما تبقى من مسيرته. إذ لم ينفك يعود إليها، مرارًا وتكرارًا، بصفتها لُبّ التحليل النفسي. ولقد أسهب الكلام عنها، لأول مرة، في كتاب "تأويل الأحلام"، قائلًا:

إذا كانت مسرحية "الملك أوديب" تؤثر في المتفرج الحديث كما أثرت في المتفرج الإغريقي، فإن ذلك يرجع، لا محالة، إلى أن تأثيرها لا يكمن في مجرد التعارض القائم بين القدر والمشيئة البشرية، وإنما ينبغي البحث عنه في طبيعة الأرضية التي يتجلى عليها هذا التعارض. فلا بدّ من أنّ فيها شيئًا يمكّن صوتًا بداخلنا من أن يتبيّن بيسر القوة القاهرة للقدر في المسرحية...إنّ قدر أوديب لا يؤثر فينا إلا لأنه قد يكون قدرنا―لأنّ العرّافة قد ألقت علينا قبل مولدنا نفس اللعنة التي ألقتها عليه. فلعل قدرنا جميعًا أن نوجه أول بواعثنا الجنسية نحو الأم، وأول كرهنا وتمنينا لموت أحد نحو الأب. وتشهد أحلامنا على أنّ ذلك كذلك. إنّ الملك أوديب، الذي قتل أبيه لايوس، وتزوج أمّه جوكاستا، يبدي لنا تحقق أمانينا الطفلية، ليس غير.(3)

وهكذا قد نظن أننا قد أحطنا عِلمًا بالرغبة البشرية! لقد كانت هذه الفكرة الأشد شينًا وفضحًا في التحليل النفسي عند نشأته،(4) لكن على الرغم من استنكارها واستشناعها في أول الأمر، عاجلًا ما أضحت أشد أفكار التحليل النفسي انتشارًا واشتهارًا بين عامة الناس، لدرجة أنها ترقّت إلى مقام بداهة، كليشيه، سخافة قابلة للتحريف والتشويه بيسر.

لا أود أن أطيل النفس في الكلام عن هذا الفهم لأوديب أكثر من ذلك، وإنما أود، عوضًا عن ذلك، أن أتكلم عن أوديب آخر، يبدو أنه مخفي تمامًا عن هذه الرواية المعروفة للقصة. لكن لعله يجدر بي أن أعقب، قبل ذلك، بهذا التعقيب المقتضب. بإيجاز شديد، ليس أوديب جوابًا وإنما سؤالًا؛ ليس جوابًا عامًا على مأزق الرغبة البشرية، مفتاح مفاتيحها، ولا الكاشف عن مرامها السري (قتل الأب ومضاجعة الأم)، وإنما يُساءِل أوديبُ انخلاع الرغبة البشرية وانفكاكها، أي استحالة تعيين موضعها وجذرها، أصلها وفصلها. فلقد كان أوديب ذاتًا مخلوعة انخلاعًا تامًا في واقع الأمر، إذ خُلع من بلده عند ولادته، ونفى نفسه طواعية من قورنِثوس، وأُخرِج من طيبة، وطُرد من المجتمع البشري في كولونوس، وفي النهاية شُرّد عند موته بحرمانه من قبر.(5) إنّ أوديب لا يقدّم نفسه كحل سهل، وإنما كحقل توترات ونزاعات، تمنعنا من تبني أي افتراضات بسيطة عن رغبتنا وعن مقامنا الرمزي أو الاجتماعي [هويتنا الرمزية أو الاجتماعية]. أو كما قالت شوشانا فيلمان: أوديب دال وليس مدلول. ليس أوديب معنى صحيحًا وعامًا للرغبة، وإنما طريقة الرغبة في مراوغة المعنى والتملص منه.(6) والحال أنّ هذا الفهم المغلوط لأوديب [بحمله على أنه جواب على مسألة الرغبة] هو ما فتح الباب لنقد التحليل النفسي القائم على نقض أوديب، ذلك النقد الذي يرى، على وجه العموم، في هذا التأويل الذي يطرحه التحليل النفسي اختزالًا لمجمل الحقل السياسي-الاجتماعي المُشَكِّل للذات في دراما أسرية، في قصة "ماما وبابا"، وبذلك يجرّد الرغبة البشرية، على ما يظهر، من طبيعتها البدوية الرحالة.(7) لكن يشق على المرء أن يرى في أوديب―أحد أفراد الأسرة الأشد خللًا واضطرابًا في التاريخ―نصيرًا لهذا الاختزال الأسري، وإنما هو يُجلّي، عوضا عن ذلك، استحالة هذا الاختزال، بتقويضه لأي افتراضات عن الأدوار الأسرية. أو بكلمات إيتان باليبار الموفقة: 

...لا تتأسس بنية الأسرة على أوديب، وإنما على النقيض من ذلك، يختم أوديب على لُبّها بخاتم النزاع وتقلب مواضع الذوات، وبذلك يحول بين الأسرة وبين فرضها على أفرادها أدوارًا أو وظائفًا معينة يلزمهم القيام بها على نحو "طبيعي".(8)

وعليه، ليس أوديب اختزال في الأسرة، وإنما هو اختلالها وتمزقها الداخلي. لكن الأمر الأشد أهمية من ذلك، والأوثق صلة بمرامنا من هذه الدراسة، هو أنّ أوديب ليس القاعدة وإنما الاستثناء. وهذا تحديدًا ما يجعله فاتنًا في عين نظرية التحليل النفسي. فإذا كان من المفترض أن نكون جميعًا مُثقلين بذنب لاواعٍ ناجم عن رغبتنا في مسافحة الأم وقتل الأب، فإنّ أوديب يُعدّ شخصًا فريدًا من هذا الوجه، وذلك لأنه قد رفض الاعتراف بهذا الذنب والبوء به. إنّ الشخص الوحيد الذي فعل ما يُفترض أنّ جميع الناس يرغبون في فعله هو الشخص الوحيد الذي أصر على التبرؤ منه، على الإقامة في مقام "النفاية" والهجر، رافضًا لقدره، وراضيًا بأن يكون أداة إنفاذه غير الطوعيّة.

فولكران-چان هارييت، أوديب في كولونوس (1798)، زيت على قماش، 157x134سم، متحف كليفلاند للفنون. تصور اللوحة أوديب الأعمى وابنته أنتيجونا.

لكي نرى أوديب من هذا المنظور الفريد، لكن المهجور، علينا أن نيمم وجهنا شطر مسرحية "أوديب في كولونوس". لكن إليكم تمهيد تاريخي موجز قبل الخوض فيها: تتألف ملحمة أوديب لسوفُكليس (ت. حوالي: 406 ق.م) من ثلاث مسرحيات: الملك أوديب، وأوديب في كولونوس، وأنتيجونا. كتب سوفُكليس "أنتيجونا" أولًا (حوالي سنة: 442 ق.م)، على الرغم من أنها الجزء الأخير من الملحمة، بحسب الترتيب الزمني للأحداث. أبطال مسرحية "أنتيجونا" هم ذرية أوديب: إيتوكليس، وبولينيس، وأنتيجونا، وإسمينا. قتل إيتوكليس وبولينيس بعضهما. وأمر كريون، حاكم طيبة، أن يُدفن إيتوكليس وأن يُحرم بولينيس من الدفن. فعصت أنتيجونا الأمر ودفنت أخيها الملعون (يجدر بنا أن ننص هنا على أن أنتيجونا، وعلى خلاف أوديب، كانت على علم تام بمغبة ما عقدت العزم على فعله، ومع ذلك فعلته بشجاعة بطولية وتكبدت عواقبه كلها). ثم كتب سوفُكليس الملك أوديب (حوالي سنة: 429 ق.م)، وهي الجزء الأول من الملحمة، بحسب الترتيب الزمني، وفيها حكى تلك الأحداث الشهيرة الشائنة والشنيعة. وأخيرًا، كتب سوفُكليس "أوديب في كولونوس"، في حوالي سنة 406 ق.م، في مدينة كولونوس، مسقط رأسه، التي عاد إليها ليموت فيها، في نفس السنة، قبل أول عرض لها على خشبة المسرح (في سنة 401 ق.م، أي قبل سنتين من محاكمة سقراط وإعدامه في سنة 399 ق.م.).(9) وحسب الترتيب الزمني للأحداث، "أوديب في كولونوس" هي الجزء الثاني من الملحمة، وفيها يحكي الأحداث التالية على طرد أوديب من طيبة والسابقة على فِعلة أنتيجونا. مسرحيتا "الملك أوديب" و"أنتيجونا"، أي جزء الملحمة السابق على "أوديب في كولونوس" وجزؤها اللاحق عليها، شهيرتان للغاية، بل إنهما أحد مكونات الثقافة العامة ومقررات التعليم الأساسي، لكن قلما نجد مَن يعرف مسرحية "أوديب في كولونوس"، فأنى ذلك؟ يبدو الأمر كما لو أنّ هذا الجزء الثاني الهام من قصة أوديب قد سقط من الذاكرة العامة، قد طواه النسيان. ومع ذلك، شدد چاك لاكان، طوال دروسه، على أساسيّة هذا الجزء من القصة لإدراك أهمية أوديب ومدى أثره.

ما الذي حدث في كولونوس؟ أوديب الأعمى المُشرّد، هائمٌ على وجه بحثًا عن مأوى، برفقة سنده الوحيد في هذه الدنيا، ابنته-أخته الوفيّة، أنتيجونا.(10) جميع الناس يعرفونه، لاشتهار مصيره المروع والمشين، لكنه مجلبة للخزي والعار، ولذلك لا يريد أي أحد أن يضيّفه ويجيره. بيد أنّ العرّافة قد تنبأت بأنّ الموضع الذي سيُدفن فيه أوديب المنبوذ سيجلب السلام والرخاء على المدينة برمتها، ولذلك هو أيضًا مورد سياسي نافع، ومرغوب في حضوره. وفي نهاية المطاف، سيرافقه ملك أثينا، ثيسيوس، إلى مثواه الأخير في كولونوس، ولأنها كانت تابعة سياسيّا لأثينا، سيجلب دفن أوديب فيها الخير والبركة على أثينا نفسها. لكن ما يهمنا من أحداث المسرحية، أنّ أوديب لم ينفك يشدد على برائته، لكنه لم ينفك أيضًا عن شَغل مقام منبوذ القدر وشريده، مقام الشخص المسلوب سلبًا تامًا، المُجرَّد من كل شيء. فحينما لامته الجوقة على مسافحة أمه، ردّ على النحو التالي:

الجوقة: لكنك فعلت فعلتك التي فعلت...
أوديب:  أنا لم أفعل شيئًا!
الجوقة:  لم تفعل شيئًا؟
أوديب: لقد قبلت هبة وهبتنيها المدينة
           آه، لماذا وهبتنيها،
           أيتها المدينة التي أنقذتها؟
(الأبيات: 539-541)(11)

لقد أنقذ المدينة [طيبة] من [وحش السفنكسة أمّ الهول؛ بحله للغزها]، ولكي تشكره المدينة على صنيعه وتُعرب عن امتنانها وهبته الملكة الأرملة زوجة له. وحينما لامته الجوقة على قتل أبيه، ردّ على النحو التالي:

الجوقة: ألم تقتل؟
أوديب: لقد قتلت. لكن على ذلك
           أجاب فؤادي البريء أيضًا
الجوقة: أي جواب؟
أوديب: لقد كان قتلًا عادلًا
الجوقة: أنى ذلك؟
أوديب: باختصار، لقد بسط الرجل الذي قتلته يده إلي ليقتلني.
           لقد فعلت ما وجب عليّ فعله، ولا تثريب عليّ في ذلك أمام ضميري وأمام القانون
(الأبيات: 545-548)

بل قال أكثر من ذلك:

لو أنّ غريبًا جاءك الآن عازمًا على قتلك، أنت، أيها الرجل الحصيف والحازم
فهل ستتساءل: «هل هذا الرجل الغريب أبي، بمقتضى إحدى الصدف؟» أم ستعاجل بضربه دفاعًا عن نفسك.
أظن أنك ستبطش به في الحال لو أنك لا تزال محبا للحياة،
ولن تتلفت يمنة ويسرة بحثا عن حكم الشرع
وهذا هو عين المسلك الذي سلكته ذاهلًا بتدبير الآلهة
وأظن أنّ أبي لو بُعث من مرقده فسيعذرني، هو نفسه، على ما فعلته
(الأبيات: 991-998)

ليتخيل كل منكم أنه وقع بين يدي قاطع طريق، غريب وخطير، يريد أن يفتك به، من ذا الذي سيسأله حينها: هل أنت أبي؟ حتى روح الأب المقتول نفسه من شأنها أن توافق أوديب على هذا الرأي.

إنّ التعارض صارخ بين مَقام أوديب هنا ومَقامه في مسرحية "الملك أوديب". فهناك، كان الملك، الذي ملك كل شيء وامتلكه، لقد كان في أوج سطوته وقدرته، أما هنا، فهو في الدرك الأسفل، مُجرَّدًا من كل شيء، وراضيًا بأن يقبع في مقام الحُثالة البالية والعاجزة والمقززة. إنّ "الملك أوديب" هي مأساة (تراجيديا) التملك، والثمن الذي يتحتم على المرء دفعه في مقابله، أمّا "أوديب في كولونوس" فهي مأساة انتزاع المُلك من المرء نزعًا تامًا ومطلقًا، والصبر على مكابدة ذلك.

لكن السمة الفريدة التي يتمتع بها أوديب هي امتناعه العنيد عن تذويت (subjectivize) ذنبه، أي عن البوء به، إصراره على انخلاعه الذاتي، بحيث يجوز للمرء أن يقول عنه إنه ليس ذاتًا وإنما موضوعًا، موضوعًا وضيعًا. كذات، يبدو أوديب ذاتًا عقلانية وجلية تمامًا، بل حديثة حتى، فهذا موقفه: أنا لست مسؤولًا عن مشيئة الآلهة، لقد فعلتُ فعلة نكراء، لكن لا يجوز لأي أحد أن يحاسبني عليها، إنّ الآلهة هي التي مكرت بي. إنه لم يكتف بسوق الحجج القانونية على برائته، وإنما راح يشدد على انبتات الصلة بين رغبته―سواء كانت واعية أو لاواعية―وبين ما وقع منه. إنه غير متواطئ―بوعي أو بلا وعي―مع ما جرى. إنه لم يكن يعلم، بل إنه لم يكن يرغب أيضًا. فبمحض الصدفة، قتل رجلًا غريبًا، تبين أنه أبيه، وبمحض الصدفة، تزوج امرأة فرضتها عليه المدينة، تبين أنها أمه. إنّ أوديب هو الاستثناء (من عقدة أوديب)، وكل من سواه هو القاعدة.(12)

بيد أنّ سلامة طويته لا تجعله بطلًا قط. فكما قال هيجل، في معرض حديثه عن المآسي الإغريقية: تتشرف الشخوص المسرحية العظيمة بالذنب، وتُهان بتبرئتها منه.(13) إنهم يفعلون فعلة معينة، فيترتب عليها―بمقتضى عيب مأسوي (hamartia) فيهم، عمى موبق―عواقب وخيمة غير مقصودة، ولا يمكنهم أن يبرهنوا على أنهم أبطال بحق إلا بالبوء بالذنب ببطولة ومواجهة العواقب بشجاعة. وعلى ذلك، ليس أوديب بطلًا وإنما نقيض-بطل. إنّ أفضل وصف لوضعه هو الآتي: لقد ارتكبت جريمة شنعاء، لكن الأنكى، أنني لا أقدر حتى على حمل وزرها. لقد سُلِبتُ حتى من شرف البوء بذنبي.(14) وسأعود إلى هذه الصيغة، "لكن الأنكى..حتى"، فيما يلي.

ولهذا، لم ينفك جاك لاكان يشدد، من البداية―من السيمنار الثاني (1954-1955)―على أنّ مسرحية "أوديب في كولونوس" هي مفتاح فهم أوديب. فلو شئنا أن نفهمه بأحسن الفهم، يجب علينا أن نمضي إلى ما وراء أوديب [بطل الملك أوديب]، وما وراء أوديب هو أوديب نفسه، أي أوديب في كولونوس. إنّ أوديب نفسه هو نقيض-أوديب.(15) إذا كان فرويد قد طرح فكرة أوديب في كتاب "تأويل الأحلام" ضمن إطار مبدأ اللذة في صراعه مع مبدأ الواقع (مبدأ اللذة: سعي الرغبة السفاحيّة إلى نيل اللذة والإشباع بغض النظر عن العواقب. مبدأ الواقع: تحريم الأب الذي يحول دون هذه الرغبة وبلوغ مرامها)، فإنّ أوديب في كولونوس متموضع على وجه التحديد في «ما وراء مبدأ اللذة»(16) (وبالتالي وراء مبدأ الواقع أيضًا، وراء الصراع الظاهر بينهما)، أي في نطاق ما أسماه فرويد بدافع-الموت. فليس دافع-الموت سعي إلى إنهاء الحياة، وإنما إلى إدامتها في ما وراء إطار اللذة.

وهذا عين ما يرمي إليه أشهر مقطع في مسرحية "أوديب في كولونوس"، تلك الأبيات ذائعة الصيت التي قالتها الجوقة وهي تشهد ختم القدر على مصير أوديب:

ألّا يُولد المرء، هذه هي أحسن نعمة على الإطلاق
لكن لأنه ولج هذا الباب وأتى إلى الدنيا،
فإنّ النعمة التي تليها هي أن يعاجل بالخروج منه،
أن يعود إلى حيث أتى―سريعًا، آه سريعًا!
(الأبيات: 1223-1227)

إنّ أحسن شيء هو ألّا يولد المرء، وثاني أحسن شيء هو أن يعود، بمجرد ولادته، إلى حيث آتى (أن يلغي المرء ولادته ويبطلها؟ يبدو أن فعل ذلك أشد استحالة من الأول: ألّا يولد مطلقًا). أول ما يجدر بنا ذكره هو أنّ سوفُكليس لم يأت هنا ببدع من القول، وإنما انتحل، في واقع الأمر، الأبيات الشهيرة التي كتبها الشاعر تيوجنيس من قبله بقرن ونص، في حوالي سنة 550 ق.م:

أحسن شيء للبشر الفانين هو ألّا يُولدوا أبدًا
ألّا يروا بأعينهم نور الشمس قط
لكن بما أنّ الإنسان قد ولِد، يجب عليه أن يعاجل بالمرور بأقصى سرعة من باب الموت
ثم يرقد، ليُهال عليه التراب.

لقد استعمل تيوجنيس هنا نفس العبارة الهامة التي سيستعملها سوفُكليس من بعده: me phynai، "ألّا نولد" ("ألا نكون ولدنا"، حرفيّا). وترجع شهرة أبيات تيوجنيس هذه إلى أنها غالبا ما عُدّت لُبّ النظرة الإغريقية المأساويّة (التراجيدية) إلى العالم. ويمكن للمرء أن يجد أبياتًا مماثلة عند شعراء مثل بقيلدِس ويوربيدس، وكلاهما سابقان على تأليف مسرحية أوديب في كولونوس.

إنّ أحسن شيء هو ألا نولد―كيف يتسنى للمرء أن يقول ذلك؟ أي شيء في الحياة قد يجعل المرء ينقلب على الحياة، فيشكك في قدرها، وينكر قيمتها، ويحط من شأنها، ويجعلها في مرتبة أدنى من الموت، بل من العدم؟ كيف يمكن للمرء أن يقلب هذه التراتبية بين الحياة والموت، هذه المُسلّمة الفطرية والبديهية؟ إنّ ما تقوله الجوقة هنا هو الآتي: إنّ الحياة، بحد ذاتها، لا تستحق أن تُعاش.(17) من الأحسن للمرء ألا يولد. تبدو هذه كالشكوى القصوى، شكوى الشكاوي، أشد تظلّم متصور للمرء ضد وجوده. إذ تبدو جميع الشكاوى الأخرى من العالم، من شتى مظالمه ونكباته، تافهة، مقارنة بهذه الشكوى. فالمُشتكى منه هنا ليس هذا الضُر أو ذاك، وإنما الولادة نفسها. تدور جميع الشكاوى الأخرى على مصائب وبلايا بعينها، سواء كانت شخصية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى كونية، لكنها تظل، في نهاية المطاف، مجرد كنايات جزئية ومحدودة ومتشظية على هذه الشكوى الأسمى. فأي شيء هي جميع الكوارث مقارنة بالطامة الكبرى: أن نولد. ونجد أفضل تعليق على ذلك عند آرون شوستر، أجلّ مَن نظّروا حول الشكوى، يقول: «لقد تأخر القطار...يا ليتني لم أوجَد. فواتير غير مدفوعة...يا ليتني لم أوجَد. لقد قتلت أبي بالصدفة وضاجعت أمي...يا ليتني لم أوجَد».(18) يا ليتني لم أولد!―هذه هي أكبر شكوى من ضُرّ يستحيل إصلاحه، لكنها شكوى لا يمكن أن يتفوه بها إلا شخص قد كابد هذا الضُرّ بالفعل، وقضي الأمر، بحيث يستحيل عليه إصلاحه، ولو بقتل نفسه حتى، فكما يرى شوستر، الانتحار فعل صادر عن مجرد العجز، إذ لا يمكنه إلا أن ينهي الحياة فحسب، لكن لا يمكنه قط أن يُصلح رزية الولادة نفسها.

يوجد شيء فُكاهي (كوميدي) في هذا القول الأشد مأسوية (تراجيدية) من بين جميع الأقوال، وما أرمي إلي بيانه هنا هو هذا المسار الممتد من أوديب إلى الفكاهة. لقد علّق جاك لاكان على هذا القول، لأول مرة، في السمينار الثاني، ثم في بعض المواضع اللاحقة، مشيرًا، في كل مرة، إلى هذا الوجه الفكاهي، يقول:

مِن الأحسن ألا نولد. بالطّبع! هذا يعني هنا أنّ حالة غير متصورة [أي: نحن غير المولودين]، لا يمكن أن يُقال عنها أي شيء قبل أن تصير إلى الوجود. حالة يمكن لها أن تصير إلى الوجود فعلًا، لكن يمكن للمرء أن يتخيل أنها لا تصير إليه، فيلج كل شيء في سكون النجوم وصمتها، بعبارة باسكال. هذا صحيح، فقد يكون ذلك كذلك في اللحظة التي يتفوه فيها المرء بها: من الأحسن ألا نولد. لكن من المضحك أن يقولها المرء. إذ سيدخل بعدها في حساب الاحتمالات. إنّ الروح [الظرف] ليست كذلك إلا لأنها شديدة القرب من وجودنا بحيث يمكنها أن تلغيه بالضحك.(19)

 إنّ مصدر الفكاهة في عبارة "من الأحسن ألا نولد" هو استحالة عقد مقارنة بين حالنا إذ لم نولد وحالنا بعدما ولدنا―فأنى للمرء أن يتدبر في ذلك، أن يزن محاسن كل حالة ومثالبها؟ ما هي احتماليّة أن ينعم المرء بتلك السعادة القصوى: ألا يولد؟ إنّ الروح التي يقصدها لاكان هنا هي الظرف، الكلمة الظريفة، روح النكتة، قدرة كلمة مضحكة على أن تمحي وجودنا، أن تلغي حدوثه، إن جاز القول.

وهذه هي عين الروح التي علّق بها فرويد على هذا القول. فمن وجه، تدبر فرويد في "الملك أوديب" بكل جديّة وصرامة في كتابه "تأويل الأحلام" (وفي غيره من المواضع)، لكنه من وجه آخر، أتى على ذكر هذا القول الشهير من "أوديب في كولونوس" في كتابه عن النِكات! قائلًا:

أحسن شيء للبشر الفانين ألا يولدوا قط، «لكن هذا لا يقع إلا نادرًا، لشخص من بين مائة ألف شخص»―كما يضيف التعقيب الفلسفي من جريدة Fliegende Blätter [الصفحات الطائرة].(20)

لقد ذكر فرويد العبارة الشهيرة، مشفوعة بذيل مأخوذ من جريدة ساخرة تصدر في ميونخ، كمثال على واحدة من طرائق عمل النِكات: أن تفضي زيادة معقولة، على ما يبدو، إلى قلب ما قيل قبلها، والكشف عن طبيعته الواهية. وإليكم تعقيب فرويد على هذه النكتة:

هذه الزيادة الحديثة على الحكمة العتيقة لغو صريح، وقد أضحت أشد بلادة باستعمال كلمة «نادرًا» التي تفيد التحوط على ما يظهر. أضيفت هذه الزيادة إلى ما قبلها كتقييد صائب لا مراء فيه. وبذلك يمكنها أن ترينا أنّ هذه الحكمة المبجلّة لا تكاد ترقى على مقام اللغو. فكل مَن لم يولد ليس ببشر على الإطلاق، ولذلك لا يمكن أن يقال هذا خير له أو أحسن له. وهكذا يكشف اللغو في هذه النكتة عن لغو آخر ويجلّيه.(21)

 باختصار، ليست هذه الحكمة الإغريقية العتيقة سوى هُراء في نهاية المطاف. وذلك لأنها ملفوظة من مقام تلفظ مستحيل، إنها تنطوي على تناقض تداولي (أو مفارقة تداوليّة، بالمعنى اللساني للمصطلح): إذ يقتضي تحققها استحالة قولها، لأنه لا يمكن لمَن لم يولد أن يتفوه بأي شيء، فضلًا عن أن يقول إنه قد نال أحسن شيء. ويقتضي قولها استحالة تحققها، لأنه لا يمكن قولها إلا على لسان شخص قد ولِد وانقضى الأمر، وبذلك فاته أحسن شيء.

لكن لعل هذه النكتة ليست بسيطة وسطحية كما يبدو، فهي تحدد أحد المآزق الأساسية في الحياة البشرية. فهنا، ننظر إلى الحياة من هذا المنظار: أن يفوتنا عدم ولادتنا، ومن خلال هذا الفوت تحديدًا، ننظر إلى الوراء، ونحكم على عدم الولادة بأنها أحسن شيء. أو بعبارة موجزة تصلح كشعار: الوجود هو عدم-وجود فاشل [عدم فشل في أن يظل عدمًا فصار وجودًا]. قد نعلم تمام العلم أنه من الأحسن لنا ألا نولد، أنّ عدم الوجود أفضل من الوجود عامة، لكننا نفشل في تحقيق ذلك. ومن هذا الوجه، لعله يجدر بنا أن نعدّ الحياة (في صيرها حياة) زلّة أو سقطة فرويدية: لقد كان من الأحسن ألا نوجد، لكن أه!!، لقد فشلنا، سقطنا في الوجود. لقد وجدنا بفضل زلّة، زلّة فرودية وقعت عند ولادتنا. لقد كانت ولادتنا أشبه بزلة وقع فيها عدم-الوجود، بسقطة أتت بنا إلى هذا العالم.(22) أو بعبارة شوستر الألمعية: «الكائن البشري هو الحيوان السقيم الذي لا يعيش الحياة وإنما يعيش فشله في ألا يأتي إلى الحياة».

أو بعبارة أشد عمومية: الوجود هو زلّة عدم-الوجود. وينبغي علينا أن نحمل كلمة زلّة هنا على معنى أصلها اللاتيني، lapsus، أي سقوط، سقوط العدم في الوجود. لقد سقطنا في الوجود، إننا نتيجة سقطة، عثرة، تعرض لها عدم-الوجود الذي كان أحسن شيء يمكن أن يقع لنا. لا بدّ أنّ عدم-الوجود كان ساهيًا بعض الشيء، وفي لحظة شرود، زلّ فسقط في الوجود.(23) وأخيرًا، هذه هي نفس بنية أحد أشهر أسئلة الفلسفة قاطبة (من لايبنتز إلى هايدجر): لماذا الوجود عوضًا عن العدم؟ فعلى غرار نكتة فرويد، يمكن للمرء أن يقول: كان العدم ممكنًا، لكن ذلك نادرًا ما يقع، مرة من بين كل مائة ألف مرة. إنّ الحظ لم يسعفنا، للأسف.

والآن، دعوني أضرب أمثلة أخرى على صيغة "لكن الأنكى..حتى"، التي أتينا على ذكرها في حالة أوديب: "لقد ارتكبت أشنع جريمة، لكن الأنكى أنني لا أقدر حتى على البوء بذنبها".

نجد مثالًا ثانيًا في كتاب ألينكا زوبانجج عن الفكاهة، وذلك في معرض نقضها للرأي الشائع القائل إنّ الفكاهة مبنية على انتقام تناهينا من المُثل العليا والسعي إلى اللاتناهي، أنّ الفكاهة تعارض المُثل بتناهينا البشري وتفاهتنا، إنها تستخف بالمُثل العليا وتنزع عنها الأقنعة، وتطيح بها من على عرشها (الفكاهة هي انزلاق المُثل على قشرة موز). وفي مقابل هذا الرأي، أتت ألينكا بهذه العبارة البديعة: "لسنا لامتناهين لكن الأنكي أننا لسنا متناهين حتى".(24) إنّ تناهينا مشفع بإخفاق، بزلّة، إنه تناهٍ فاشل، بداخله فجوة، يسرّب منها بعض الشيء، وهذا هو تحديدًا مصدر الفكاهة ومحركها. إنّ مغزى الفكاهة ليس استعراض تناهينا أمام اللاتناهي وإنما فضح عجزنا عن مجرد التناهي حتى.

وإليكم مثال ثالث، من نطاق الفكاهة أيضًا، وهو القول المُقترَح للتعبير عن فحوى أفلام المُعلّم الكبير إرنست لوبتش (ت. 1947) الفكاهية: "يفعل البشر كل ما في وسعهم لتخريب سعادتهم، لكن الأنكى أنهم يفشلون حتى في ذلك". أي أنّ السعادة ليست سوى زلّة التعاسة، هفوتها، عثرتها، سقطتها. إننا نبذل قصارى جهدنا لكي نكون تعساء―ويقدم لنا التحليل النفسي شواهد جلية على ما لا يحصى من الخطط والوسائل التي ابتكرها البشر، بإبداع غير محدود، لعرقلة سعادتهم وتخريبها―لكننا لا نقدر حتى على فعل ذلك دائمًا، وإنما نتمكن، من حين إلى آخر فحسب، من إفساد سعادتنا، على نحو رديء مفتقر إلى الإتقان.(25) إننا نسعى إلى التعاسة لكننا نزلّ في أثناء سعينا، فنسقط في السعادة. وهكذا تنتج السعادة عن فشل. هذا الالتباس بين السعادة والفشل قائم في قلب الوجود البشري ولبّه: فدائمًا ما تفشل السعادة، أو هي تعاسة فاشلة. ويمكننا أن نحمل علاقة السعادة بالفشل على أحد معنيين، معنى سطحي دارج: نحن لا ننفك نكدّ في السعي إلى السعادة، لكن يضل سعينا، بطريقة أو بأخرى، دائمًا. ومعنى تحليلي نفسي أقل سطحية: نحن نسعى إلى التعاسة فنفشل في بلوغها، وهذا الفشل هو ما ينتج كسرات السعادة التي نحظى بها من حين إلى آخر.

ونجد مثالًا رابعًا عند نيتشه، في كتابه "العلم المرح"، في معرض حديثه عن ضرورة قناع الأخلاق. لماذا يحتاج الأوروبي إلى قناع الأخلاق كما يحتاج إلى الثياب؟ ما الذي يريد تغطيته بهذا القناع؟ لعلنا نظن أنه يريد إخفاء الحيوان المتوحش الرابض بداخله. لكن نيتشه يرى عكس ذلك: إنّ ما يريد الإنسان تغطيته بقناع الأخلاق هو الحيوان المدجن السقيم، يقول: "يتنكر الأوروبي تحت قناع الأخلاق لأنه أصبح حيوانًا مريضًا هزيلًا ومعاقًا، له مبرراته لكي يغدو مدجنًا، إنه أشبه بطِرح، بشيء غير مكتمل التكوين، ضعيف وأرعن. ليست فظاعة الحيوان الوحشي هي التي تحتاج إلى قناع أخلاقي وإنما حيوان القطيع برداءته وخوفه وضجره من ذاته".(26) أو بعبارة أخرى: الإنسان حيوان فاشل. ليس الإنسان حيوان فحسب وإنما حيوان فاشل علاوة على ذلك. إنّ ما يخجله ليس أنه حيوان وإنما أنه حيوان ناقص، معيوب. إنه لا يحتاج إلى الأخلاق لتغطية حيوانيته، وإنما لتغطية فشله في أن يكون حيوان بحق. لقد فشلنا في ألا نكون حيوانات، لكن الأنكى أننا قد فشلنا في أن نكون حيوانات حتى.

والمثال الخامس، هو الشكوى القصوى: "من الأفضل ألا نولد، لكن الأنكى أنّ حتى ذلك يفشل"، إنه فاشل دائمًا وأبدًا، أو هو لا يحدث إلا لقلة قليلة من سعداء الحظ. لكن قولنا ذلك―التشكيك في حياتنا ووجودنا، تفنيدهما من منظور عدمهما―له عواقب ضخمة على حياتنا. فهذه حياة يمكنها أن تنتصب في وجه الحياة نفسها، وأن تمكننا من عيش حياتنا على أساس عدم-الوجود الثاوي في لُبّها، الذي يتجلى في صورة فائض، والذي يتطابق مع دافع-الموت الفرويدي، ليس بحسبانه نظرة مأساويّة إلى الموت الذي يقوض الحياة أو يمثل غايتها القاتمة، والذي تُعد الحياة مجرد منعطف في الطريق الموصلة إليه، وإنما بحسبانه نظرة فكاهيّة إلى فشلنا في بلوغ أحسن شيء: ألا نوجد، لكنه الفشل الذي يفتح لنا الباب الذي نلج منه إلى الوجود.

والحق أنه يوجد شيء في لُبّ التحليل النفسي برمته يجوز للمرء أن يسميه "فشل النفي (negation)". على سبيل المثال، أي شيء هو الكبت (repression) إن لم يكن محاولة لنفي مضامين نفسية مشكلة، لكنها تفشل فيتمكن المكبوت من العودة [في شكل أعراض مرضية]، وبذلك يتطابق الكبت مع عودة المكبوت؟(27) بل أي شيء هو مفهوم اللاوعي نفسه إن لم يكن نفي للوعي، لكنه يفشل فيتجلى في شكل زلات لسان وأحلام ونِكات، كاشفًا بذلك عن استحالة انغلاق الوعي على نفسه وتحصين حدوده؟ وأي شيء هو دافع-الموت إن لم يكن فشل الموت في نفي الحياة؛ إن لم يكن موت يخفق في نفي الحياة، فلا ينفك يتعلق بها، لازبًا في لُبّها كفائض حياة، أي كشيء في الحياة أكثر من مجرد الحياة، أكثر من مجرد البقاء على قيد الحياة، أكثر من مجرد التناهي؛ إن لم يكن نفي فائض يفتح لنا بابًا نلج منه إلى متعة مختلفة عن مجرد اللذة، متعة في ما وراء مبدأ اللذة؟

ولنختم بمثال مِن عند صَمويل بِكيت. يمكن القول إن جميع أبطال بِكيت يبدأون، ومِن الصفحة الأولى، كأوديب في كولونوس. فالمصير مختوم، والرحلة منتهية، ولا يلوح أي سبيل جديد في الأفق. إنهم يبدأون كنفاية في زمن خاوي لا تنتظر منه إلا النهاية. وإذا كانت مسرحية بِكيت النموذجية تحمل عنوان "نهاية اللعبة"، فإن هذا العنوان يستدعي، على وجه العموم، الحلقة الزمنية المفرغة التي تنفتح في أغلب مؤلفاته. أو كما قال هام في "نهاية اللعبة": "النهاية هي البداية، ومن عندها تمضي قُدمًا". أي أنك تبدأ من عند النهاية، فمن عندها تبدأ القصة. "لقد قضي الأمر، انتهى"، هذه هي أول جملة في نهاية اللعبة. وهكذا، تجد مسرحية "أوديب في كولونوس"، وهي آخر تراجيديات الإغريق قاطبة، تتمتها في "نهاية اللعبة"، بابتدائها من حيث انتهت مأساة سوفكليس.

لقد كان بِكيت على علم تام بالقول العتيق: "من الأحسن ألا نولد"، إذ أورده في مقالته المبكرة عن بروست (1931). فمستندًا على شوبنهاور، استشهد بقول لبيدرو كالديرون (ت. 1681) من مسرحيته الشهيرة "الحياة حُلم"، يقول بِكيت: «تجسّد الشخصية المأسوية التكفير عن الخطيئة الأصلية، الخطيئته الأزلية والأبدية، خطيئة الولادة: "إنّ أنكر خطايا الإنسان هي أنه قد ولد"». لكن بعد ذلك، في "نهاية اللعبة"، سيُدخل بِكتب عَطفة (twist)، غير متوقعة مطلقًا، على هذا القول.

يروى أنّ بِكيت قد حضر في سنة 1935 محاضرة لكارل يونج في لندن. ولقد أثرت فيه هذه المحاضرة تأثيرًا عميقًا، أو بالأحرى، ما أثر فيه، على وجه التحديد، هو عبارة بعينها قالها يونج يومها، لكنها ظلت تلاحق بِكيت حتى موته. ومن حسن الحظ، أنّ مخطوطة محاضرة يونج هذه بحوزتنا، وفيها يقول: "في الآونة الأخيرة، عُرضت عليّ حالة فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها، تراودها أحلام أسطورية عجيبة. واستفتاني أبوها في أمر هذه الأحلام، لكنني لم أقوَ على إخباره برأيي فيها، لأنني كنت أرى أنّ حالة ابنته ستسوء. ولقد ماتت الفتاة بعد عام، من جراء عدوى. إنها لم تولد قط ولادة تامة".

العبارة المقصودة، التي لن ينفك بِكيت يعود إليها، هي العبارة الأخيرة بالطبع: "إنها لم تولد قط ولادة تامة". لقد فارقت الفتاة الحياة وهي ترزح تحت هذا الظل الثقيل: إنها لم تولد ولادة تامة، إنّ ولادتها لم تكن ولادة حقة. وهذا الوصف هو ما أسر لبّ  بِكيت، والشواهد على ذلك كثيرة. إذ نقرأ في روايته "واتّ" watt: "لقد وجدوا أنّ كلماته لم تولد ولادة تامة قط". وكذلك، قال للممثلة التي ستؤدي دور ماي في مسرحيته وقع الأقدام: "إنّ ماي لم تولد وإنما بدأت فحسب". يوجد اختلاف بين الحالتين، إنّ الولادة والبداية غير متطابقتين، فكونها قد بدأت لا يعني أنها قد ولدت بحق. وفي رسالة إلى صديقه آلان شنايدر، قال: "لا أعرف، للأسف، متى تبدأ الحياة حقًا، إنني لم أزل أنتظر". وكذلك سأل كلوف هام في "نهاية اللعبة": "أتؤمن بالحياة الآتية؟" فرد هام قائلًا: "هكذا كانت حياتي على الدوام".(28) وهكذا يتبين أنّ انتظار النهاية عند بِكيت يتطابق مع انتظار البداية الحقة. ويمكن التعبير عن هذا الارتباط بين النهاية والبداية على هذا النحو: إن الأمر لا يمكن أن ينتهي لأنه لم يبدأ بحق قط. هذه هي المشكلة: لا يمكن بلوغ النهاية لأن البداية الحقة لم تقع.

وختامًا، "من الأحسن ألا نولد"، هذا ما قالته الجوقة في "أوديب في كولونوس"، لكننا هنا، في العالم،  لقد فشلنا، ولن ننعم قط بتلك السعادة القصوى، إذ لا يمكننا أن نلغي ولادتنا أو نبطلها. إنّ الوجود هو فشل عدمه. لكن ها هي عَطفة بِكيت: "لقد فشلنا في ألا نولد، لكن الأنكى أننا قد فشلنا في أن نولد حتى". ليست المشكلة أننا قد ولدنا، وإنما في أننا لم نولد حق الولادة. لقد ولدنا لكن ولادة فاشلة. ويقتضي هذا الميلاد الفاشل استحالة الفصل التام بين الوجود وعدم-الوجود. فلأن الميلاد قد فشل، لم يقطع الوجود صلته بعدم-الوجود قطعًا باتًا، وبذلك هو في بقعة رمادية بين الوجود والعدم.(29) ويبدو أن أبطال بِكيت عالقون جميعًا في هذه البقعة الملتبسة: ليسوا موجودين بحق وليسوا معدومين بحق. إنهم ينتظرون النهاية لكنها لا تأتي قط، لأن البداية الحقة، الولادة الحقة، لم تقع قط. وعليه، ليس الوجود عدمًا فاشلًا فحسب وإنما وجود فاشل أيضًا. وجود لم يتمكن من بتْ صلته بالعدم، والخطو إلى الوجود التام الصريح. إنه وجود فاشل عوضًا عن عدم فاشل. وجود فاشل في ذاته لأنه لم يتمكن من قطع الحبل السري الذي يربطه بالعدم.

"من الأحسن ألا نولد" مجرد شكوى عبثية، فهذا شيء يمكن لنا أن نتمناه لكن سُدى، فقد ولدنا بالفعل وقضي الأمر. وهكذا يرد عليها بِكيت: ليست المشكلة أننا قد ولدنا، وإنما أننا لم نولد بحق. ليست المشكلة أننا ارتكبنا الخطيئة الأصلية: الولادة، وإنما أننا لم نقدر حتى على ارتكابها: لم نولد كما ينبغي.            



[1]  يجدر التنبيه هنا إلى أنّ مصطلح "عقدة أوديب"، مصطلح يونجي (نسبة إلى كارل يونج)، لم يستعمله فرويد إلا لمامًا (المترجم).

[2]  Sigmund Freud, The Origins of Psychoanalysis (New York: Basic Books, 1954), 221-224.

[3]  Sigmund Freud, The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (London: Vintage Press, 2001), 4: 262.

[4]  يقول فرويد: «لم تثر أي من استنتاجات البحث التحليلي النفسي عند النقاد قدر الإنكار المرير أو الاعتراض الشرس―أو التحريف المضحك―الذي أثارته الإشارة إلى البواعث الطفلية نحو غشيان المحارم اللازبة في اللاوعي»، انظر:

 Sigmund Freud, The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (London: Vintage Press, 2001), 4: 263.

[5]  وبعبارة دولوزيّة، أوديب هو  الذات البدويّة الرحّالة par excellence.

[6]  تقول فيلمان: «ليست عقدة أوديب عند لاكان مدلول وإنما دال، ليست معنى وإنما بنية. إنّ ما اكتشفه فرويد في أسطورة أوديب ليس جوابًا وإنما بنية سؤال»، انظر:

Shoshana Felman, ‘Beyond Oedipus: The Specimen Story of Psychoanalysis’, in Idem, Jacques Lacan and the Adventure of Insight (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1987), 99-159, in 103.

والحق، أن دراسة فيلمان هذه أحد المصادر التي ألهمتني كتابة دراستي هذه.

[7]  يحيل المؤلف هنا على نقد دولوز وجواتاري الشهير  للتحليل النفسي الأوديبي في كتابهما: Anti-Oedipus (المترجم).

[8]  Étienne Balibar, La crainte des masses (Paris: Galilée, 1997), 337.

[9]  عاد سوفكليس، في التسعين من عمره، إلى كولونوس ليموت فيها مثل أوديب، لكن ليس هذا الشبه الوحيد بينهما. فكما لعن أوديب ابنه بولينيس في هذه المسرحية، يروى أن ابن سوفكليس قد ضاق ذرعا بطول عمر أبيه وأراد أن يرثه في حياته، فزعم أن أبيه قد ذهب عقله، ورفع عليه دعوة قضائية لتجريده من أهليته القانونية. وفي المحكمة، ارتجل سوفكليس، من حفظه، مسرحية أوديب في كولونوس، للبرهنة على أنه لا يزال متمتعًا بكامل عقله، وبذلك دحض دعوة ابنه، فقضت المحكمة بخسارة الابن، لأن العقل الذي يأتي بمسرحية كهذه عقل راجح بلا ريب.

[10]  في آخر عمره، قال فرويد عن ابنته آنا (في رسالة إلى صديقه أرنولد سڨايك)، أنّ الحياة قد وهبته، على سبيل العوض، ابنه تسنده في أحلك الظروف كسند أنتيجونا لأبيها. ها هو فرويد يتماهى مع أوديب المنسي المغمور، أوديب في كولونوس، وليس مع أوديب ذائع الصيت، أوديب الملك.

[11]  أعتمد هنا على ترجمة چورچ موراي المتاحة على الإنترنت ضمن مشروع كتب جوتنبرج كندا للكتب الإلكترونية.

[12]  أو كما قال چاك لاكان: لقد عانى أوديب من عقد نفسيّة كثيرة بلا ريب، لكنه لم يعانِ قط من تلك العقدة التي سُميت باسمه. إنّ أوديب هو الشخص الوحيد الذي لم يعاني من عقدة أوديب.

[13]  Georg Wilhelm Friedrich Hegel, ‘Vorlesungen über die Ästhetik III’. in Werke, Vol. 15. (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1970), 546.

[14] أنا مدين بهذا التأويل لألينكا زوبانچچ، انظر:

Alenka Zupančič, Ethics of the Real (London: Verso, 2000), 175-200.

[15]  أي أنّ نقيض-أوديب (ماكينة الرغبات البدوية الرحالة)، الذي كدّ دولوز وغواتاري في البحث عنه، ليس سوى أوديب نفسه، أوديب في كولونوس وليس أوديب ملك طيبة (المترجم).

[16]  إحالة على عنوان دراسة فرويد الشهيرة، التي طرح فيها مفهوم دافع-الموت، لأول مرة (المترجم).

[17] لعل أبلغ من عبّر عن هذا الموقف العتيق من الحياة، الذي يتردد صداه في شتى الأزمنة والثقافات، هو إميل سيوران، أظرف من هجا الوجود ومدح العدم. ويكفينا هنا أن نذكر عنوان أحد كتبه: مثالب الولادة (المترجم).

[18] من دراسة مخطوطة، وأنا مدين له بالكثير من التبصرات.

 [نُشرت دراسة شوستر المقصودة لاحقا بعنوان "نقد مجرد الشكوى" (على غرار العنوان الكَنطي الشهير: نقد مجرد العقل)، في صدر كتابه عن دولوز والتحليل النفسي (The Trouble with Pleasure)، ولقد ترجمتُ أول جزء منها تحت عنوان "متعة الشكوى"، انظر: آرون شوستر، "متعة الشكوى"، ترجمة: طارق عثمان، موقع كتب مملة،  2022]

[19] Jacques Lacan, The Seminar, Book II, The Ego in Freud’s Theory and in the Technique of Psychoanalysis (New York: W. W. Norton and Company, 1991 [1954-1955]), 233-234. مع تعديل الترجمة

[20] Sigmund Freud, The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (London: Vintage Press, 2001), 8: 57.

يجدر التنبيه على أن المجلة لم تبتدع هذه الزيادة، وإنما هي نكتة يديشية قديمة. الظرف اليهودي إذ يذيل الحكمة الإغريقية.

[21]  المصدر نفسه.

[22]  أو كما عنون سيوران أحد كتبه: السقوط في الزمن (المترجم).

[23]  يمكن لذلك أن يصلح أساسًا لأنطولوجيا قائمة على السلب، وهي أنطولوجيا يمكن إرجاع أصولها إلى الفيلسوف ماقبل السقراطي ديمقريطس (ت. 370 ق. م). يقول هاينز وايزمان (وهو علّامة في فكر ديمقريطس) شارحًا مذهبه: «يجوز للمرء أن يقول أنّ الوجود ليس سوى سلب لعدم-الوجود. إنّ موجبية الوجود، حضوره، محض خدعة. إنه طرح من العدم. إنّ الذرة مجرد تجسيد للخواء«، انظر:

Heinz Wismann, Les avatars du vide (Paris: Hermann, 2010), 65.

[24]  Alenka Zupančič, The Odd One In (Cambridge, MA: MIT Press, 2008), 53.

[25]  للمزيد عن هذه الفكرة انظر، أيضا: شوستر، "متعة الشكوى"، الجزء الثاني المعنون بـ"شيء في التشاؤم أكثر من مجرد التشاؤم" (المترجم).

[26] نيتشه، العلم المرح، الكتاب الخامس، قسم 352 ]نقلت ترجمة على مصباح (بيروت-بغداد: منشورات الجمل، 2017)، ص 286، بتصرف يسير جدا[.

[27]  نحن لا نرى المكبوت، لا نعرف أنه مكبوت، إلا حينما يعود (المترجم).

[28]  ينطوي السؤال على تورية، فكلوڨ يسأل عن الحياة الآخرة، الحياة التي تأتي بعد الموت والبعث. لكن هام حمل سؤاله على ظاهره الحرفي: إنّ حياتي آتية على الدوام، أي حياة منتظرة. إنني لم أعش الحياة، إنها لم تأتي بعد، وها أنا أنتظرها (المترجم).

[29]  في "بقعة التباس أو لاتمايز" بين الوجود والعدم، بعبارة أجامبينية (المترجم).



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية