الكاتب الصادق فعلًا يخشى كتابة الرواية التاريخية، لأنها تحتاج لمجهود وبحث كثير، والقارئ يستطيع  الفرز بين الاستسهال والترند وبين الكتابة الصادقة.

حوار مع أحمد المرسي

أجرى الحوار: محمد يحيى

نُشر الحوار في أخبار الأدب، مارس 2024


غلاف الرواية

"لو كانت الأمنيات خيولًا لامتطاها الفقراء".

شعر إنجليزي

بين  طموح الأمنيات ورهانات الحياة وقسوة الموت، تدور أحداث رواية "مقامرة على شرف الليدي ميتسي"، في مدينة "القاهرة" عبر عشرينيات القرن العشرين، والتي ترشحت لجائزة البوكر العربية عبر وصولها للقائمة القصيرة، وهي الرواية الثالثة للكاتب الشاب أحمد المرسي الذي حاورته في القاهرة.

يحيى: كتبت الرواية وقت انتشار وباء كورونا، وتقع أحداثها عقب وباء الأنفلونزا الأسبانية، هل كان هذا التشابه مقصودًا؟

المرسي: لم أرجع بالزمن خصيصًا من أجل ذلك، ولكن الظروف الأساسية كانت متشابهة، ليس فقط في وجود وباء، ولكن أيضًا في الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تأثرت بها مصر والعالم كله بعد الحرب العالمية الأولى، يذكر الكاتب الكبير "صلاح عيسى" في كتابه "ريا وسكينة"، أن المصريين كانوا يأكلون ما سُمي بـ "لحم الإنجليز" وهي لحوم الخيول العائدة من الحرب العالمية، التي كان يذبحها الإنجليز في مجازرهم، وهي خيول مجهدة ومصابة بأوبئة وأمراض، لعدم قدرتهم على أكل اللحوم من مصادرها المعتادة، وهو الوضع الاقتصادي الذي عاش فيه بطل الرواية "سليم حقي"، وأشعلت القصيدة الإنجليزية "لو كانت الأمنيات خيولًا" الربط بين الخيول وسباقها في حي مصر الجديدة وبين الأمنيات في ذلك العصر.

في رأيك ما السبب في انتشار الروايات التاريخية حاليًا، هل هروب القارئ من الواقع الحالي، أم هروب الكاتب من بعض قيود الكتابة عن الزمن المعاصر ؟

لدي فرضية ثالثة، مع بدايتي في الكتابة عام 2015، كان توجه القارئ في أغلبه نحو روايات الرعب والتشويق، ولكن منذ 3 سنوات بدأ التوجه نحو الرواية التاريخية، هناك كتاب يستسهلون الكتابة عن أحداث تاريخية باعتبارها حبكة جاهزة، أما القارئ فاعتقد مع وجود منصات فنية مختلفة مثل نتفلكس وغيرها، وصل لحالة من التشبع البصري، بينما تتيح الرواية التاريخية له فرصة لخيال في عالم مختلف، وأعتقد أن هذا الانتشار سيخفت خلال عامين أو ثلاثة ثم يظهر غيره، لكن الكاتب الصادق فعلًا يخشى كتابة الرواية التاريخية، لأنها تحتاج لمجهود وبحث كثير، والقارئ يستطيع  الفرز بين الاستسهال والترند وبين الكتابة الصادقة.

تميزت الرواية بمفردات حوارها المرتبطة فعلًا بزمانها، دون الشعور بإقحامها، وابتعدت عن خطأ يتكرر، وهو استخدام مفردات حالية وحديثة في أزمنة قديمة، كيف استطعت الوصول لمفردات حوار الناس في العشرينات، أي قبل دخول السينما والراديو لمصر؟

ابتعدت عن ما وقع فيه بعض الكتاب من الانبهار بمفردات وعالم تاريخ مضى، ورأيت الأفضل أن يألف الكاتب هذا العالم كأنه عاشه، لدرجة أني في مرة سألت سائق تاكسي عن ميدان فيكتوريا في مصر الجديدة، وهو الاسم القديم لميدان البازليك، وبالنسبة للغة البدو استفدت من "المجاريد"، وهي أبيات شعرية بدوية تراثية، وقمت بعمل قاموس خاص بي للهجة البدوية واللغة الفصحى.

واستفدت من نشوء تيار فكري في بدايات القرن العشرين يدعو لاستخدام العامية المصرية في الكتابة، فاطلعت على مسرح تلك الفترة وحوليات كانت تنشر في الصحف، مثل "مذكرات عربجي"، "مذكرات نشال"، "مذكرات فتوة"، وأنا محب للغة الشعب المصري الثرية فهي تعبر عنه وتحكي تاريخه المتأثر بثقافات عديدة.

كذلك اهتممت بالمكان وتفاصيله فالمكان يروي قصته، عندما أذهب للقاهرة القديمة وأتخيل أن لمسي للأحجار القديمة يجعلني متواصلًا مع الزمن الماضي وتفاصيله.

فضاحية مصر الجديدة التي تدور فيها أحداث الرواية يدمج معمارها بين الشرق والغرب، ويؤكد فكرة تمازج الحضارات، كما كانت الإسكندرية في رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" للكاتب الكبير ابراهيم عبد المجيد.

ربما يرتبط انتشار الرواية التاريخية أيضًا، بحالة النوستالجيا والحنين للماضي المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي التي يتحسر فيها الناس على "الزمن الجميل" الذي كان فيه الأجانب الرائعون يعيشون في مصر، بينما يظهر الأجانب في الرواية في صورة البلطجي والمستغل والمرابي.

لا يمكن النظر لفترة تاريخية على أنها زمن جميل أو قبيح في المطلق، لا بد من التعامل بحيادية، لا يمكن أن نقول إن الملكية كانت زمنًا جميلًا فقط أو أن عبد الناصر أفسد البلد بهذه العمومية، كل زمن فيه الخير والشر، التاريخ مليء بالتعقيدات ويجب أن ننظر له بواقعية، لا يمكن أن نحكم على مصر قبل ثورة 1952 بشكل عام، هناك اختلاف بين عهود فاروق وفؤاد ومصر الخديوية والسلطانية، وبين خديوي وآخر وهكذا.

لم يعش المصريون في رخاء في عهد الملكية، كانت هناك مميزات، مثل قيمة التعليم وقيمة الوظيفة الحكومية، كذلك كان هناك ظلم وقهر اجتماعي، ولم تكن ثورة يوليو هي التي قضت عليه بل التطور الطبيعي للتاريخ. أنا من مواليد قرية في دمياط، عندما أجلس مع كبار السن فيها، يحكون لي، لم يحدث تغيير مع ثورة يوليو، ظلت القرية مسحوقة في العهدين، لا أؤيد بقاء الملكية. في كتاب "ساعة عدل واحدة" الذي تدور أحداثه عن مستشفى القصر العيني في عهد الملكية، تجد كل السيئات الحالية من رشوة وسوء معاملة وسرقة، الألم الإنساني سيظل موجودًا، في كل العهود. كثير من الأجانب الوافدين لمصر في بدايات القرن العشرين  كانوا "حثالة البحر المتوسط"، أكبر مهربين مخدرات وقواد للدعارة كانوا أجانب وأدخلوا على المصريين جرائم جديدة، مثل تزوير العملة والوثائق، كانت أكبر جرائم المصريين قبلهم هي النشل، بينما كَوَّن الأوروبيون مافيا في الاسكندرية وشارع عماد الدين في القاهرة، كذلك لهم دور ايجابي في  تطور العمارة والطب والجيش. سليمان باشا الفرنساوي طوَّر الجيش في عهد محمد علي وأكبر مهرب آثار في ذلك العهد كان إيطاليًا.

يربط الموت الأبطال الأربعة للرواية، فقد الزوجة أو الابن أو الأب أو إنقاذ الزوجة منه، هل فرض ذلك العصر نفسه أم كانت تيمة مقصودة للرواية؟

لا علاقة للعصر نفسه، فالموت موجود في كل العصور وهو مأساة الإنسان منذ بداية وجوده ووعيه، وفي روايتي الأولى "ما تبقى من الشمس" أبدأها بمقولة "يعيش الإنسان على أمل أن يصبح ذكرى"، وتدور عن محاولة إنسان الوصول للخلود عن طريق صورة، الموت حاضر لديَّ شخصيًا وفكرة أصيلة عندي.

يمكن تصنيف الرواية بأنها واقعية باستثناء شخصية يمكن أن ينتمي ظهورها للواقعية السحرية، هل قصدت إضفاء لمسة واقعية سحرية للرواية؟

أنا عاشق للواقعية السحرية، لكني لا أجرؤ على كتابة رواية واقعية سحرية، فأنا عاشق لماركيز وكتاب أمريكا اللاتينية، وأتذكر عندما أغفل أحد أساتذتي للنقد في جامعة الإعلام ذكر الواقعية السحرية ضمن المدارس الأدبية، لحقت به وهو يركب السيارة وسألته عن رأيه في الواقعية السحرية، فأجابني "هي مدرسة رائعة جدًا بس مش هنفهمها هنا في مصر"، أخذت كلمته باعتباره أستاذًا يعرف أكثر مني، لكن عندما بدأت في قراءة أدب خيري شلبي، قلت لنفسي، هناك واقعية سحرية في مصر، ويمكن تقبلها في مصر إذا كُتبت بشكل صحيح، في رواياتي الثلاث استخدمت الأحلام، وفي روايتي الثانية "مكتوب" كانت جزءًا من السرد.

تبدو الرواية كسيناريو فيه مشاهد وصراع وحبكة، هل كان ذلك في ذهنك أثناء الكتابة، وهل تفضل تحويلها لفيلم أم مسلسل تليفزيوني؟

لم يكن ذلك في ذهني وأنا أكتب، القصة تختار الطريقة التي تُكتَب بها، أُفضل تحويلها لعمل درامي قصير، فيلم أو مسلسل في 10 حلقات على الأكثر، المط يفسد أعمالًا درامية كثيرة، ومن الممكن أن أشارك في السيناريو لا كتابته بشكل كامل، وهناك عروض جاءتني بالفعل.

لم أعمل على كتابة رواية تنتهي بمشهد حاسم يحمل نهاية سعيدة للجميع، ففكرة الرواية أن تكتشف بعد وصولك لما تتمناه أنه كان فارغًا، ستفوز لكن ذلك الفوز سيكون فارغًا، وكما تقول الليدي ميتسي في الرواية "أقصى ما يمكننا الوصول له هي عتبات الأمنيات"، فالفائز في القصة هو من مات بلا أمنيات، فنحن نُسقط نمط حياتنا على أبطال الروايات.

في رواية فرنسية يصف الكاتب الجائزة المتأخرة، بإحضار المطعم للمستردة التي طلبتها بينما تتناول التحلية، هل الأفضل أن يحصل الكاتب على جائزة مثل البوكر وهو في مقتبل حياته الإبداعية، أم كتتويج لمشواره الأدبي؟

هذا سؤال قد يكون مُحيرًا ولكنه لم يحيرني بشكل شخصي، أعتقد أن الجائزة عندما ستأتي سيكون هذا وقتها المناسب، فإذا جاءت لشاب ستكون دفعة كبيرة له للأمام من أجل مشروعه الهادف، بل ستساعده على التركيز أكثر على هذا المشروع، وستسلط الضوء على هذا المشروع من البداية أمام القراء، مما سيجعله أكثر تأثيرًا، وإذا جاءت في وقت متأخر فلا مشكلة في ذلك، وسيكون تقديرًا له عن هذا المشروع الذي سيكون قد اكتمل بالفعل. في كلا الحالتين الجائزة فرصة كبيرة ودافع كبير لأي كاتب، أيًا كان سِنه والتوقيت الذي ينالها فيه.

مشروعاتك القادمة؟

لن أنشر رواية كل سنة، ستحتاج مني الرواية ما بين عامين وثلاثة، أكتب رواية تدور في زمن ماض، عن تقبل الآخر وكيف يمكن أن نتقبل حتى العدو لو اقتربنا منه بشكل كاف ورأينا وجهة نظره.