لقد مررنا جميعا بتلك الأوقات التي يريد فيها الواحد منّا أن يقرأ لكنه لا يقدر على ذلك―تلك اللحظات التي نصّر فيها بعناد على تقليب صفحات أحد الكتب، لكنه يسقط، حرفيًا، من بين أيدينا.

في عُسْر القراءة

مقال جورجيو أجامبِن

ترجمة طارق عثمان

Giorgio Agamben, “On the Difficulty of Reading,” Idem, The Fire and The Tale, translated by Lorenzo Chiesa (California: Stanford university press, 2017), PP. 77-82.


أجامبن، عن Zeit

لا أود أن أتكلم هنا عن القراءة والمخاطر الجلية التي تنطوي عليها وإنما عن خطر أساسي خفي وهو عُسْر أو استحالة القراءة؛ لا أود أن أتكلم عن القراءة وإنما عن عدم القابلية للقراءة.

لقد مررنا جميعا بتلك الأوقات التي يريد فيها الواحد منّا أن يقرأ لكنه لا يقدر على ذلك―تلك اللحظات التي نصّر فيها بعناد على تقليب صفحات أحد الكتب، لكنه يسقط، حرفيًا، من بين أيدينا.

تطلعنا الرسائل المصنفة في حياة الرهبان على أن هذا هو الخطر بحق الذي يستسلم الراهب لغوايته: إن أفظع فتنة تتهدد الناسك أو المتعبد، أي فتور الهمة (الكسل، شيطان الظهيرة)، لتتجلى على وجه الخصوص في استحالة القراءة. وإليكم الوصف الذي قدّمه القديس نيلوس السيناوي (ت. 430 م):

"حينما يحاول الراهب الكسلان أن يقرأ، يتوقف متقلقلًا، وعاجلًا ما تأخذه سِنة؛ فيفرك وجه براحتيه ويَمُطّ أصابعه، ويقرأ سطرين، مغمغمًا بآخر كل كلمة يتلوها؛ وفي أثناء ذلك يملأ رأسه بحسابات فارغة، عادًّا للصفحات التي لا يزال عليه أن يقرأها ولأوراق الكراسات؛ إنه يمقت الحروف والرسومات التوضيحية المليحة التى تقع عليها عينيه، إلى أن يغلق الكتاب، في نهاية المطاف، ويتوسده ليخلد إلى نوم قصير وعميق".

هنا تتطابق عافية الروح مع قابلية الكتاب للقراءة (والعالم أيضًا الذي كان يُعدّ كتابًا، في العصر الوسيط [باعتباره آيات على عظمة الخالق]) وتتطابق المعصية مع استحالة القراءة، مع غدو العالم غير قابل للقراءة.

وبهذا المعنى، تكلمت سيمونَ فاي عن مقروئية العالم وعدم مقروئيته، عن استغلاق يناهض جميع التفسيرات والتأويلات. وأنا أدعوكم إلى أن تنتبهوا إلى لحظات عدم المقروئية والاستغلاق هذه، عندما يسقط كتاب العالم من بين أيديكم، لأن استحالة القراءة لا تقل أهمية عن القراءة، بل لعلها مفيدة مثلها أو أفيد منها حتى.

يوجد ضرب من استحالة القراءة أشد جذرية من هذا، كان شائعًا حتى عهد ليس عنا ببعيد. أقصد الأميين، هؤلاء الذين طواهم النسيان عاجلًا، على الرغم من أنهم قد كانوا أغلبية الناس―في إيطاليا على الأقل―منذ ما لا يزيد عن قرن خلى. قال شاعر بيروفي عظيم من القرن العشرين [قيصر بايخو] في واحدة من قصائده: "لـلأمي الذي أكتب له". ومن المهم أن نفهم معنى هذه الـ "لِـ" (for): لا ينبغي أن نحملها على معنى: "أنا أكتب للأمي لعله يقرأ لي"، نظرًا لأن الأمي، بما هو أمي، لن يقدر على ذلك أبدًا، وإنما على معنى: "أنا أكتب نيابة عن الأمي"―مثلما اعتاد پريمو ليفي أن يقول إنه يشهد نيابة عن الذين كانوا يُسمّون بـ"المسلمين" في لغة أوشفتز، أي أولئك الذين لم يكن بمقدورهم أن يشهدوا، لأنهم فقدوا، بُعيد إدخالهم إلى المعتقل، وعيهم وحِسّهم كله.[1] 

وأنا أدعوكم إلى التفكر في شأن كتاب موجَّه إلى أعين لا تقدر على قراءته وخطته يد لا تعرف، بمعنى ما، كيف تكتب. إن الشاعر الذي يكتب للأميين والأديب الذي يكتب لمسلمي أوشفتز يحاولان أن يكتبا ما لا يمكن قراءته؛ إنهما يخطان على الورق ما لا يقبل القراءة. وهذا تحديدًا ما يجعل كتاباتهما أمتع من تلك التي كُتِبت لأولئك القادرين على القراءة.

توجد حالة أخرى لعدم المقروئية أودّ أن أتكلم عنها. أقصد تلك الكتب التي لم تجد ما يسميه فالتر بنيامين بزمن مقروئيتها، تلك التي خُطت ونُشرت لكنها تنتظر―إلى الأبد ربما―أن تُقرأ. أنا أعرف كتبًا جديرة بالقراءة لكنها لم تُقرأ قط أو لم يقرأها إلا نذر يسير من القراء (وأظن أن بوسعكم جميعًا أن تذكروا كتبًا من هذا النوع). ما هو شأن هذه الكتب؟ لو أن هذه الكتب جيدة حقًا، أرى أنه ينبغي علينا ألا نتكلم هنا عن الانتظار وإنما عن الطلب. إن هذه الكتب لا تنتظر أن تُقرأ وإنما تطلب أن تُقرأ، حتى لو أنها لم تُقرأ، ولن تُقرأ، قط. إن الطلب مفهوم شيق للغاية، فهو لا يشير إلى نطاق ما هو واقع وإنما إلى نطاق أشد سموًا وحسمًا، تعيين طبيعته أمر متروك لكم.[2]

وعلى ذلك، أود أن أسدي نصيحة إلى الناشرين وتجار الكتب: توقفوا عن النظر في القوائم الشائنة―أجل، الشائنة―الجامعة لأروج الكتب، وحاولوا عوضًا عن ذلك أن تضعوا، في أذهانكم، قائمة بالكتب التي تطلب أن تُقرأ. فصنعة النشر المبنية على أساس هذه القائمة الذهنية هي وحدها التي يمكنها أن تخلّص الكتب من الأزمة―أجل، الأزمة―التي تعصف بها في أيامنا هذه.

أوجز شاعر [هوجو فون هوفمانستال] نظريته الشعرية، ذات مرة، بقوله: "أن تقرأ ما لم يُكتب قط". وكما ترون، هذه حالة مناظِرة، بطريقة ما، لحالة الشاعر آنف الذِكر الذي يكتب للأمي الذي لا يقدر على قراءته. فهاهنا كتابة بلا قراءة في مقابل قراءة بلا كتابة؛ كتابة لا تعقبها قراءة في مقابل قراءة لا تسبقها كتابة. 

لكن لعل ما على المحك في هاتين المقولتين هو نفس الشيء تقريبًا: تجربة للقراءة والكتابة تنقض تصورنا المعتاد عن هذين الفعلين وثيقا الصلة، تجربة تناهض، وتعين في الوقت عينه، شيئًا يستعصي على القراءة وتستحيل كتابته، يسبق القراءة والكتابة ولا ينفك يلازمهما [فما هو؟].

لعلكم خمنتّم، على الأرجح، ما أرمي إليه: إنه الشفهية. لقد ولِد أدبنا [الإيطالي] المكتوب مرتبطًا على نحو وثيق بالشفهية. فما الذي كان يفعله دانتي عندما عزم على الكتابة بالعامية الإيطالية إن لم يكن كتابة ما لم يُقرأ قط، وقراءة ما لم يُكتب قط، أي "لسان الأم" الأمي، الذي لا يوجد إلا شفهيًا؟[3] إن سعيه لتقييد لسان الأم بالكتابة لم يُلزمه بتدوينه أو نسخه فحسب وإنما ألزمه أيضًا―كما تعلمون―بابتداع تلك اللغة الشعرية، تلك العامية الباذخة، غير الموجودة في أي مكان لكن أريجها―كأريج الفهد في كتب الحيوانات الرامزة التي اشتهرت في العصر الوسيط―" يُشم في كل مكان من دون أن تُرى في أي مكان".[4]

أرى أنه لن يتسنى لنا أن نفهم ازدهار الشعر الإيطالي في القرن العشرين ما لم ننصت فيه إلى صدى هذه الشفهية المستعصية على القراءة، التي قال عنها دانتي إنها "وحدها أول ما يدخل العقل"―أي ما لم نعِ أن هذا الازدهار كان مصحوبًا بازدهار لا يقل استثنائية للشعر المكتوب باللهجات العامية. لعل الأدب الإيطالي في القرن العشرين متخلَل بالكلية بتذكر غير مقصود للأمية، بإحياء شبه مضنٍ لذكراها. إن مَن يمسك بواحدٍ من تلك الكتب الشعرية التي تكون فيها الصفحة مكتوبة―أو بالأحرى مدونة أو منسوخة―بالعامية ومترجمة إلى الإيطالية في الصفحة المقابلة لها، لا يسعه―وهو يقلب نظره بلا انقطاع بين الصفحتين―إلا أن يتساءل عمّ إذا كان الموضع الحقيقي للشعر ليس في هذه الصفحة أو تلك المقابلة لها وإنما في الفراغ الفاصل بينهما.

أود أن أختم هذه الملاحظات الموجزة على عُسر القراءة بأن أطرح عليكم هذا السؤال: أليس ما ندعوه شِعرًا هو شيء يسكن اللغة المكتوبة ويستعملها ويؤسسها لكي يردّها إلى [الشفهي] المستعصي على القراءة الذي أتت منه وإليه تذهب.                               


[1]   استعمل النازيون اسم "مسلمين" لوصف معتقلي أوشفتز الذين تردت أوضاعهم الصحية والعقلية والنفسية إلى الحضيض، بحيث صاروا أشبه بجثث مترنحة، موميات، موتى أحياء (زومبي). ويروى أن سبب هذه التسمية هو أن المرء عندما يرى الواحد منهم من بعيد يبدو له―من فرط هزاله―كما لو كان ساجدًا كسجود المسلمين في الصلاة. ولقد فصّل أجامبِن القول في شأنهم في الفصل الثاني من كتابه  The Remnants of Auschwitz. (جميع الحواشي من المترجم).

[2]   يقول أجامبِن في موضع آخر: "نقول إن شيئًا يطلب شيئًا آخر إذا كان الشيء الأول موجود والشيء الثاني سيوجد أيضًا، لكن وجود الأول لا يقتضي لزامًا وجود الثاني ولا يدفعه إلى الوجود. إن ما يطلبه الطلب، في واقع الأمر، ليس وجود شيء وإنما إمكان وجوده. لكن هذا الإمكان المطلوب أقوى من أي وجود متحقق". (أجامبِن، "باسم..ماذا؟" ترجمة، طارق عثمان). لا ينتمي الطلب إذن إلى نطاق التحقق وإنما إلى نطاق الإمكان.

[3]   أي العامية الإيطالية المشتقة من اللاتينية، التي يُتكلم بها لكن لا يُكتب بها قط. إنها لسان، كلام، وليست لغة بحق (بقواعد ونحو). في الكوميديا، وصف دانتي الشاعر الغنائي الطربادوري الفرنسي أرتو دَنيال (ت. 1210) بأنه "أبرع من تغنى بلساننا الأم" (المطهر، الأنشودة 26 ).

[4]  في الأساطير الإغريقية، وحده الفهد من بين جميع الحيوانات تفوح منه رائحة طيبة مغوية. لا يطارد الفهد فريسته وإنما يكمن في مكان خفي عن الأعين وهي التي تأتيه مفتونه برائحته (ولذلك نجد اسم الفهد وصورته على أغلفة بعض العطور المعاصرة).