هذا الوهم –الأنانيٌ الشبيه-بالآلة الذي يسعى دوما لتعظيم فائدته– أصبح نموذج البشرية الخفي، لكنه كلّي-النفوذ

اقتصاد التبديد: بيولوجيا المشاعات

أندرياس ﭬـيبر

ترجمة أحمد حسّان

نشر المقال في كتاب "ثروة المشاعات: من أجل عالم متجاوز للسوق والدولة"، من تحرير ديفيد بوليه وسيلكه هلفريش (2012).

أندرياس فيبر Andreas Weber عالم بيولوجيا وفيلسوف ألماني. بؤرة تفكيره وكتاباته هي العلاقة بين فهم الإنسان لذاته وبين الطبيعة. يعيش في برلين بألمانيا وفاريزى ليجورى بإيطاليا. يمكن متابعة أنشطته على: autor-andreas-weber.de.


Photo by niko photos on Unsplash

ثمة اقتصادُ-مشاعةٍ يشمل كل شيء وظل ناجحا لمليارات السنين: هو المجال البيولوجي. وإيكولوجيا هذا المجال هي التدبير المنزلي الأرضي للطاقة، والمادة، والكائنات، والعلاقات، والمعاني التي تشمل أي اقتصادٍ من صنع الإنسان وتتيح وجوده. ضوء الشمس، والأوكسيجين، وماء الشرب، والمناخ، والتربة، والطاقة –نواتج وسيرورات هذا التدبير المنزلي– تغذّي أيضا الإنسان الإقتصاديhomo economicus 1 لعصرنا الذي، رغم كل تقدمه التكنولوجي والاقتصادي، ما زال يتغذى على نواتج المجال البيولوجي.

أود أن أجادل بأن الطبيعة تجسّد بامتياز النموذج المعياري للمشاعة. بهذا التعريف لا أعني فقط أن الإنسان والكائنات الأخرى كانوا يحيون معًا طبقا لمبادئ المشاعة طوال الغالبية الساحقة من الزمن. فأطروحتي أعقد من ذلك: أنا مقتنع بأن العلاقات الإيكولوجية داخل الطبيعة تتبع قواعد المشاعة. ومن ثم، يمكن للطبيعة أن تزوّدنا بمنهجية قوية للمشاعة باعتبارها إيكولوجيا طبيعية واجتماعية. وغرض هذا الفصل هو رسم مخطّط موجز لـ"إيكولوجيا المشاعة الوجودية" هذه.

الليبرالية باعتبارها ميتافيزيقا خفيّة للحياة

لكن عن أية طبيعةٍ نتحدث؟ إننا كي نحلّل التدبير المنزلي للطبيعة بدون التحيّز الذي تُضيفه الاستعارات الليبرالية للطبيعة باعتبارها ساحة سوقٍ رأسمالية سيكون علينا أن نُعيد دراسة الإيكولوجيا والاقتصاد الكامنين لتدبير المنزل الطبيعي خطوةً خطوة. وبوجهٍ خاص، سيكون علينا أن نطرح للتساؤل النظرة السائدة للتفاعلات الإيكولوجية باعتبارها سيرورات منافسة وoptimization [تحقيقٍ للتوازن الأمثل] بين فاعلين ميكانيكيين (أو "جينات") نتيجةً لضغط قوانين خارجية، الاختيار مثلا. سنكتشف في الطبيعة بالأحرى تاريخا عميقا للتطور صوب المزيد من الحرية، حيث يكون اللاعبون ذواتا مستقلة-ذاتيا ترتبط معا في تبعيةٍ متبادلة. إلّا أن هذه الفكرة تتعارض مع النظرة الراهنة للمادة والتبادل المعلوماتي في النظرية البيولوجية والاقتصادية.

خلال المائتي عام الماضية ظلت قلّةٌ من نماذج الواقع تتبادل التأثير فيما بينها بقدر قوة نظرية التطور الطبيعي ونظرية تدبير الإنسان للسلع والخدمات. وكلا المذهبين اكتسبا شكلهما في إنجلترا الفيكتورية، وكلاهما استعارا وأعادا تطبيق الاستعارات الأساسية لكل منهما. ونتيجة لذلك، جرى إسقاطُ الاكتشافات الاجتماعية على الكون الطبيعي وعلى المعرفة العلمية، وبالتالي جرت إعادة تطبيقها على النظريات السوسيو-اقتصادية. واليوم يشكّل كلا النموذجين المعياريين معا ميتافيزيقا بيو-إقتصادية لا تقدم وصفا موضوعيا للعالم بقدر ما تقدم تقييما للحضارة ذاتها.

في هذا السياق من المهم أن نلاحظ أن عالِم اقتصاد سياسي، هو توماس روبرت مالتوس، قدّم حجر الزاوية المحوري للمفهوم الحديث للبيولوجيا باعتبارها تطوّرا. كان مالتوس مهووسا بفكرة الندرة بوصفها تفسيرا للتغير الاجتماعي –لن تتوفر أبدا موارد كافية لإطعام سكانٍ يتضاعفون باستمرار. وقد عدّل تشارلز داروين، عالم البيولوجيا، هذه النظرية المستمدة بوضوح من ملاحظة المجتمع الصناعي الفيكتوري وطبّقها على نظريةٍ شاملة للتغير والتطور الطبيعيين. وفي أعقابها أصبحت المفاهيم من قبيل "الصراع من أجل الوجود"، و"المنافسة"، و"النمو"، و"تحقيق التوازن الأمثل" ضمنيا أجزاء محورية لفهمنا-الذاتي: فالتقدم البيولوجي، والتكنولوجي، والاجتماعي تدفعه محصّلة الأنانيات الفردية. في تنافس أبدي، تستغل الأنواع الكفؤة (الشركات الكبرى القوية) فُرجات (أسواق) وتضاعف معدل بقائها (هوامش العائد)، بينما تلك الأضعف (الأقل كفاءة) تنقرض (تفلس). إلّا أن ميتافيزيقا الاقتصاد والطبيعة الناتجة، ليست صورةً موضوعية للعالم بقدر كونها رأي المجتمع في فرضياته الخاصة.

بهذا التبادل للاستعارات، أخذ الاقتصاد ينظر إلى نفسه بشكل متزايد باعتباره علما طبيعيا "صلبا". فقد استمد نماذجه من البيولوجيا والفيزياء –حتى وصل في نهاية الطريق إلى المفهوم الرياضي لـلـ"إنسان الاقتصادي". هذا الوهم –الأنانيٌ الشبيه-بالآلة الذي يسعى دوما لتعظيم فائدته– أصبح نموذج البشرية الخفي، لكنه كلّي-النفوذ. وما زال يلقي بظله على مقارباتٍ أحدثٍ سيكولوجيةٍ وخاصة بنظرية-الألعاب. وفي الاتجاه المعاكس، اكتسبت البيولوجيا التطورية الإلهام من النماذج الاقتصادية. فـ"الجين الأناني"، مثلا، ليس سوى إنسانٍ اقتصادي منعكس من جديد على الكيمياء البيولوجية.

يمكننا أن نطلق على هذا التحالف بين البيولوجيا والاقتصاد اسم "إيديولوجيا اقتصادية للطبيعة". واليوم يسود عاليا فهمنا للإنسان والعالم. إنه يعرِّف بعدنا المتجسّد (الإنسان العاقل Homo sapiens بوصفه آلة بقاء محكومة بالجينات) وكذلك جانبنا الاجتماعي (الإنسان الاقتصادي بوصفه أداة تعظيم أنانية للفائدة). وفكرة المنافسة الكونية التي توحد المجالين الطبيعي والاجتماعي نِزالية واستبعادية دائما.3 فعليك تصفية أكبر قدر ممكن من المنافسين والاستئثار بأكبر قطعة من الكعكة لنفسك –إنه ترخيصٌ بسرقة الحياة من الآخرين.

تاريخيا إذن، فإن إعادة اختراع الطبيعة بوصفها سيرورة اقتصادية للمنافسة وإقرار التوازن الأمثل كانت نموذجا تنظيميا لتطويق المشاعة. فقد قام بدور تسييجٍ ذهني سبق انتزاع الملكيات والإزاحات الواقعيين وابتكر سياقا من التبريرات.

جرت أولى التحولات من الملكية المشاعية إلى الملكية الخاصة خلال العصور الحديثة الباكرة (1500- 1800). كانت تلك نفس الحقبة التي سادت فهمنا-لذاتنا خلالها النظرة الثنائية للمفكر الفرنسي رينيه ديكارت. لم يعد العقل مشتبكا بصورةٍ وثيقة بالجسد بل مبدأً عقليا يقف فوق المادة. جرى إدراك الكيانات العضوية، كل تنوّع الطبيعة، وكذلك جسد الإنسان ذاته، باعتبارها آليات ذاتية من مادة حتمية ولا-ذاتية. ويعني هذا الاعتقاد رفضَ أي شكلٍ من الترابط. وتوسّع الفيلسوف البريطاني توماس هوبز في تلك الفكرة وزعم انفصالاً مطلقا للمجتمع والسياسة عن الطبيعة. جرى النظر إلى الطبيعة باعتبارها مجالا للأسباب والتأثيرات العمياء ومن ثم لم تعد نقطةً مرجعية لفهم الإنسان لذاته –بنفس الطريقة التي أصبحت بها الغابة التي شارك فيها النبلاءُ الفلاحينَ ذات حين، ملكيةً حصرية لم يعد الوصول إليها ممكنا. إن فكرة أن القوى غير البشرية لإقرار التوازن الأمثل والاختيار تحكم مجال "الأشياء الخالصة"، ومن ثم أنفسنا أيضا، توازي بشكلٍ وثيق ذلك الاستبعاد التاريخي. فكلاهما يتبعان نموذجا لتغريب وتطويق الوفرة الحية. والأمر الأبرز هنا أن المجال الإنساني، الذي جرى تطهيره من الطبيعة على هذا النحو، لم يكتسب حريةً أكبر. إذ جرى فهم المجتمع، بالأحرى، باعتباره معركةً بين قوى فظّة وقاسية –قوى فقدت أي ارتباطٍ بالقوى الخلاقة والمشروعة للوجود-ضمن-الطبيعة وجسّدت الذاتية. فنموذج هوبز للمجتمع، الذي يظل مؤثرا في زمننا، ينبذ كل ارتباط بالأشياء الطبيعية ويصبح رغم ذلك تجسيدا لعالمٍ تحركه القوة الغاشمة. فهو مبني على فكرة "اللوياثان"، حرب الجميع ضد الجميع بوصفها الحالة "الطبيعية".

إن تطويق الطبيعة التي كانت متاحةً للجميع ذات حين يتغلغل بعمقٍ في عقلنا ومشاعرنا. فقد خضعت للسيطرة باضطراد تلك البيداء الداخلية للإنسان. صار من الصعب فهم المرء لنفسه بوصفه جزءا من كلٍ يتطور. لم يعد الإنسان-بوصفه-جسدا ينتمي إلى مجال الكائنات، كما لم يعد يمكن أخذ مشاعره بصدد كونه حيّاً على محمل الجد. وبدلا من ذلك، صارت خبرات ومشاعر الإنسان معزولةً عن بقية الواقع. وتبلغ هذه النظرة ذروتها في فكرةٍ شائعة اليوم، هي أن "الطبيعة" ليست واقعيةً على الإطلاق بل توجد كمجرد مفهومٍ ذهني، لا يترك مجالا للاهتمام بما ليس موجودا. استبعدت الإيديولوجيا الاقتصادية للطبيعة أي بيداءٍ من روحنا؛ فالطبيعة غير-المطوَّقة التي تحقِّق ذاتها بذاتها ولا يمتلكها أي كائن، لم يكن لها معنى بالنسبة للعقل الليبرالي. ولا يمكن لأي فهم لأنفسنا وللعالم يتجاوز مبادئ المنافسة وإقرار التوازن الأمثل أن تكون له الآن صلاحية عامة. إنه "ليس سوى" وهمٍ لطيف لا يعدو "في الواقع" أن يكون برهانا على القوى الكامنة في الصراع من أجل الوجود. يختزل الحبُ نفسه في اختيار القرين الأصلح؛ والتعاون هو أساسا خدعة في التنافس على الموارد؛ والتعبير الفني يُبيّن اقتصادَ الخطابات.

ومن ثم يمس تطويق الطبيعة أخيرا الإنسان المنبوذ Homo sacer، اللبّ الأعمق لذاتنا المتجسِّدة والشعورية، التي تحتوى الوجود الهش بلحمه ودمه، الوجود العاري، الوجداني، الحي. إذا كنا نفضل التفكير في أنفسنا باعتبارنا جزءا من الحياة الحية، فإننا قد عزلنا أنفسنا عن مجال الأحياء. وكنتيجةٍ نهائية، فإن تطويق المشاعات يتبدّي باعتباره سياسة-بيولوجية –محاولة لامتلاك الحياة وإكسابها طابع النقود.

مناهضة الرأسمالية الطبيعية

يمكن لاقتصادٍ جديد أن يصبح بديلا واقعيا لو استطعنا تحدي النظرة البيولوجية السائدة التي ترى الحياة باعتبارها سيرورةً لا تنتهي لإقرار التوازن الأمثل. وقد أصبحت صورة جديدة للحياة واجبة بالفعل منذ أمد طويل –خصوصا في البيولوجيا ذاتها. هنا، في الحقيقة، يجري التغلب على النموذج المعياري لـ"حرب الجميع ضد الجميع" لدى هوبز. فالنظرة البيولوجية للعالم العضوي –وصورة الإنسان داخلها– تأخذ في التغير من فكرة ساحة معركة بين آلات-بقاءٍ متناحرة إلى صورة تفاعلِ فاعلين ذوي أهدافٍ ومعانٍ. يبدأ النظر إلى الكيان العضوي على أنه ذاتٌ تُفسِّر المثيرات الخارجية والتأثيرات الجينية بدل كونه محكوما بها سببيا، ويفاوض على وجوده مع الآخرين في شروط منافسة محدودة و"سببية ضعيفة".

هذا التحول في مُسلّمات "الليبرالية البيولوجية" يؤدي إلى صورة ناشئة للعالم العضوي باعتباره عالماً تتطور فيه الحرية. ويبدو هذا واضحا بوجهٍ خاص في المسائل التالية:

  1. الكفاءة: المجال البيولوجي ليس كفؤاً. فالحيوانات ذات الدم-الحار تستهلك أكثر من 97 بالمائة من طاقتها لمجرد الحفاظ على تمثيلها الغذائي. والتخليق-الضوئي يحقق معدّل كفاءة هزلية يبلغ 7 بالمائة. والأسماك، والحيوانات البرمائية، والحشرات يكون عليها أن تضع ملايين البيض لمجرد إتاحة بقاء ذريةٍ بالغة الضآلة. الطبيعة مسرفةٌ جدا، بدل أن تكون كفؤة. إنها تُعوِّض الخسارة المحتملة من خلال تبديد لا يُصدَّق. السيرورات الطبيعية ليست مُقَتِّرة بل تقوم بالأحرى على السخاء والتبديد. المجال البيولوجي يقوم في الحقيقة على الهبة، لكنها ليست متبادلة: فأساس كل عمل بيولوجي –الطاقة الشمسية– يسقط كمنحة من السماء.
  2. النمو: المجال البيولوجي لا ينمو. كمية الكتلة-البيولوجية لا تزداد. كمية المدخلات لا تتسع –الطبيعة تدير اقتصاد-حالةٍ-ثابتة– أي اقتصادٍ تظل فيه العوامل ذات الصلة ثابتة تجاه بعضها البعض. كذلك لا يزيد عدد الأنواع بالضرورة. بل يرتفع في بعض الفترات ويهبط في أخرى. والبعد الوحيد الذي ينمو هو تنوّع الخبرات: طرق الشعور، أنماط التعبير، تنويعات التبدّي، أوجه جدّة المنظومات والأشكال. ومن ثم، لا تكتسب الطبيعة وزنا، بل عمقا بالأحرى.
  3. المنافسة: لم يمكن أبدا البرهنة على أن نوعا جديدا نشأ عن المنافسة على موردٍ بمفردها. الأنواع بالأحرى تولد بالصدفة: تتطور من خلال تحوّرات غير متوقعة ومن خلال انعزال مجموعة عن بقية التعداد من خلال تكافلات وتعاونات جديدة (كما فعلت خلايا جسمنا، على سبيل المثال). المنافسة بمفردها، مثلا، على غذاءٍ محدود، تسبّب رتابةً بيولوجية: سيادة أنواعٍ قليلة نسبيا على نسق-بيئي.
  4. الندرة: مورد الطاقة الأساسي للطبيعة، ضوء الشمس، يوجد بوفرة. والمورد الحاسم الثاني –عدد العلاقات الإيكولوجية والفرجات الجديدة– ليس له حدٌّ أعلى. العدد الأكبر من الأنواع وتنوع العلاقات فيما بينها لا يؤدي إلى منافسةٍ أعنف وسيادةٍ لنوعٍ "أصلح"، بل إلى انتشار العلاقات بين الأنواع ومن ثم إلى زيادةٍ في الحرية، التي هي في نفس الوقت زيادة في التبعيات المتبادلة. كلما زاد التبديد، كلما زاد الثراء المشترك. وفي الأنساق-الإيكولوجية التي لا تتوفر فيها سوى مُغذّيات قليلة بحرّيةٍ، مثلما في الغابة المدارية المطيرة، يجلب هذا التقييد فرجاتٍ أكثر وبذلك يجلب تنوعا كليا أعلى. وهذه نتيجة زيادةٍ في التكافلات ومحدودية في المنافسة. الندرة على مستوى بيولوجي لا تؤدي إلى إزاحة، بل إلى تنوّع.
  5. الملكية: لا توجد مقولة مِلكيةٍ في المجال البيولوجي. فأي فرد لا يملك حتى جسده ذاته. فمادته تتغير دوما وباستمرار بينما يحل محلها الأوكسيجين، وثاني أكسيد الكربون، وغيرهما من مدخلات الطاقة والمادة. لكن ليس البعد الفيزيائي للذات وحده ما يصير ممكنا من خلال المشاركة الحميمة مع العناصر الأخرى، بل إنه الرمزي كذلك: فاللغة تنشأ بواسطة جماعة المتكلمين الذين يستخدمونها. العادات داخل نوع تُكتسب بمشاركتها. وفي أيٍ من هذه الأبعاد فإن بيداء العالم الطبيعي –التي أصبحت، ولم تُصنَع، ولا يمكن أن يمتلكها أحد حصريا– ضروريةٌ للفرد كي يطور هويته الأعمق. الفردية –الفيزيقية والاجتماعية/الرمزية– لا يمكن من ثم سوى أن تنبثق من خلال مشاعة بيولوجية وعلى أساس الرمز.

سمات المشاعة للمجال البيولوجي 

في الغابة المعتدلة المناخ ثمة قواعد للازدهار تختلف عن الصحراء الجافة. كل نسق إيكولوجي هو محصلة قواعد عديدة، وتفاعلات، وتدفقات مادة، تشترك في مبادئ مشتركة لكنها فريدةٌ محلياً. هذه المحلية الصارمة تنتج من حقيقة أن الكائنات الحية لا تستخدم المشاعة التي تقدمها الطبيعة فحسب، لكنها جزءٌ منها فيزيائيا وعلائقيا. فالوجود الفردي مرتبط بصورةٍ لا تنفصم بوجود النسق الكلي. ونوعية هذا النسق، عافيته (وجماله) تقوم على أساس توازنٍ مقلقل يجب التفاوض عليه من لحظةٍ إلى أخرى. إنها توازنٌ بين استقلالٍ ذاتي مفرط للفرد وبين ضغطٍ مفرط للضرورة يمارسه النسق. وقد طوّرت الأنساق المزدهرة تاريخيا حشدا من منظومات التوازن تؤدي إلى إحكامٍ استثنائي ومستوياتٍ عالية من الجمال الفني. ومن ثم، يمكننا أن نخبَر أشكال موجودات الطبيعة باعتبارها حلولا تحافظ على توازنٍ دقيق في مجتمعٍ معقّد. والحلول المتجسّدة للوجود-الفردي-في-ارتباط هي ذلك الجمال الخاص للكائنات الحية الذي يملأ أغلب البشر بالشعور بالمعنى والانتماء.

الطبيعة بوصفها كذلك هي النموذج المعياري للمشاعة. لا شيء فيها يخضع للاحتكار؛ فكل شيء مفتوح المصدر. جوهر المجال العضوي ليس الجين الأناني بل شفرة مصدر المعلومات الجينية المفتوحة للجميع. وحتى الجينات التي يجري اليوم تسجيلها من جانب الشركات البيولوجية الكبرى ليست في الحقيقة متخاصِمة ولا استبعادية بالمعنى البيولوجي. وبكونها كذلك فحسب يمكنها تقديم جِدّة بيولوجية وخبراتية. فلم يكن بإمكان الحمض النووي الريبي DNA أن يتفرع إلى كل هذا العدد من الأنواع إلّا لأن الجميع كان يمكنهم استخدامُ شفرته، تناولهُا بلا براعة واستخلاص أكثر التوليفات معنىً منها. هذه هي الطريقة التي جاء بها الإنسان العاقل ذاته: بتلاعب الطبيعة بالشفرة المفتوحة المصدر. ونحو 20 بالمائة من خريطتنا الجينية [الجينوم] وحدها كان ذات حينٍ جينات فيروسية أعيد تدويرها بصورة إبداعية. ولما لم يكن في الطبيعة ملكية –فليس بها تبديد. كل النواتج الجانبية للتبديد هي طعام. وكل فرد عند موته يقدم نفسة هبةً ووليمة لآخرين، بنفس الطريقة التي تلقّى بها وجوده بهبة ضوء الشمس. ثمة ارتباطٌ غير مُستَكشفٍ إلى حدٍ كبير بين المنح والأخذ تكون فيه الخسارة هي الشرط المسبق للإنتاجية.

في المشاعة الإيكولوجية يدخل حشدٌ من الأفراد المختلفين والأنواع المتباينة في علاقات متنوعة أحدها بالآخر –منافسة وتعاون، مشاركة وافتراس، إنتاجية وتدمير. إلّا أن كل تلك العلاقات تخضع لقانونٍ واحد أعلى: على المدى الطويل لا يجري تضخيم سوى السلوك الذي يتيح إنتاجية النسق الإيكولوجي بمجمله ولا يعيق إنتاجه-الذاتي. لا يتمكن الفرد من تحقيق ذاته إلّا إذا استطاع الكل تحقيق ذاته. والحرية الإيكولوجية تتبع هذا الشكل من الضرورة. وكلما تعمقت الارتباطات في النسق، كلما أتاحت فرجاتٍ خلاقة أكثر لأعضائه الأفراد.

المشاعة بوصفها علاقاتٍ للأحياء

يمكن للتحليل الشامل لاقتصاد الإيكولوجيا أن يقدم منهجيةً قوية للمشاعة. فالسيرورات الطبيعية قادرة على تحديد مسوّدة لتحويل تناولنا للجانب المتجسّد، المادي لوجودنا إلى ثقافةٍ لوجودنا أحياء. ويقدم مصطلح "المشاعة" العنصر الرابط بين العالمين الطبيعي والاجتماعي أو الثقافي. وفهم الطبيعة في خاصيتها الأصيلة بوصفها مشاعة يفتح الطريق لفهم جديد لأنفسنا –في حياتنا البيولوجية مثلما في حياتنا الاجتماعية.

إذا كانت الطبيعةُ مشاعةً فعلا، ينتج من ذلك أن الطريقةَ الوحيدة لتحقيق علاقةٍ منتجة معها ستكون هي اقتصاد المشاعة. إذ يمكن إنجاز التحقق-الذاتي للإنسان العاقل بأفضل طريقةٍ في نسقٍ من السلع المشتركة لأن مثل تلك الثقافة –ومن ثم أي تدبير منزلي أو نظام سوق– هي تحقيقُ نوعِنا-النوعيُ لتجسيدنا الخاص لكوننا أحياءً ضمن نسقٍ مشترك مع ذواتٍ حية أخرى.

رغم أن التأملات التي قادتنا إلى هذه النقطة تنبع من تحليلٍ شامل للبيولوجيا، فإن نتائجها ليست بيولوجية النزعة. بل العكس بالأحرى. كشف التحليل الشامل هنا أن المجال العضوي هو النموذج المعياري لتطور الحرية. ومن ثم، فحتى لو حسمنا أن المشاعة هي القانون الأساسي للطبيعة، فإن الضرورات الناشئة عن ذلك القانون الأساسي ليست حتمية –على نقيض الأفكار السائدة عن إقرار التوازن الأمثل والنمو. الفكرة الأساسية للمشاعة تقوم بالأحرى على أساس فهمٍ دقيق للحرية المتجسدة وعلاقتها بالمجموع: فالفرد يتلقى خيارات تحققه-الذاتي من خلال ازدهار الأنساق الحياتية/الاجتماعية التي ينتمي إليها. وتنظيم مجتمعٍ نوعي بين فاعلين بشريين و/أو غير بشريين طبقا لمبادئ المشاعة يعني على الدوام زيادة الحرية الفردية بتوسيع حرية المجتمع المحلي. (انظر القائمة رقم 1).

النيوليبرالية الداروينية المشاعات (الإيكولوجية والاجتماعية معا)
التركيز الإزاحة التنوع
الاعتمادية الاعتماد على المصادر الحرية في الارتباط
التشظي والتفتت تحقيق الحد الأمثل المتتابع التكامل
الزبائن الناجين ذات في جماعة
المحلية مقابل العالمية المحلية المحلية والعالمية (متكاملة كليًا)
الاستدامة تساوي الانتصار الاستدامة تساوي الانتصار الاستدامة تساوي العلاقة والإلتزام
امتيازات آليات الافتراس والدفاع مصدر مفتوح
الفائزون يحتكرون أغلب المصادر الفائزون ينقلون معظم الجينات الفائزون منسوجين بعمق ما يمكن في الجماعة
الكفاءة الكفاءة تنوع التعبيرات
الاحتكار السيطرة تعبير عن الذات كثقافة
ذوات في بيئة عدائية الأنواع تحت ضغط الانتقاء إعادة الخلق الدائم للجماعة
الانفصال التشارك
القائمة رقم 1: العواقب الوجودية لمختلف أنماط تدبير المنزل

على نقيض ما تفترضه ثقافتنا الثنائية، فإن الواقع ليس مقسما إلى جواهر من المادة (الفيزياء البيولوجية، المقاربة الحتمية) وثقافة/مجتمع (لا-مادة، المقاربة اللاحتمية أو المقاربة الذهنية/السيميوطيقية). بل يعتمد الواقع الحي على توازنٍ مقلقل بين الاستقلال الذاتي والارتباط على كل مستوياته. إنه سيرورة إبداعية تنتج قواعد لزيادة المجموع من خلال التحقق-الذاتي لكل واحدٍ من أعضائه. هذه القواعد تختلف في كل مرة وفي كل مكان، لكننا نجدها حيثما وجدت حياة. وهي سارية ليس فقط بالنسبة للتولّد-الذاتي –الإبداع-الذاتي للأشكال العضوية– لكن كذلك بالنسبة للعلاقة الإنسانية الجيدة-التحقق، بالنسبة للنسق الإيكولوجي مثلما بالنسبة لاقتصادٍ في تناغم مع التدبير المنزلي للمجال البيولوجي. وهذه القواعد هي قوانين المشاعة.

هكذا تقدم فكرة المشاعة مبدأً مُوَحِّداً يُذيب التعارض المفترض بين الطبيعة وبين المجتمع/الثقافة. تلغي الانفصال بين ما هو إيكولوجي وما هو اجتماعي. في أي وجودٍ يلتزم بالمشاعة، تكون المهمة التي يجب أن نواجهها هي تحقيق رفاهية الفرد بينما لا نخاطر بتوسيع المجموع المحيط والشامل. هنا أيضا، تدمج فكرةُ المشاعة مجالي النظرية والتطبيق. فالتأملات حول النظرية ليست معزولة في مجالٍ منفصل، بل تعود بعنادٍ إلى الممارسة، إلى الطقوس والخصائص المميِّزة للتوسط، والتعاون، وتوقيع العقوبات، والتفاوضات، والموافقات، إلى أعباء ومُتع الواقع الخبراتي. هنا تكشف ممارسةُ المشاعة أنها ليست أقل من ممارسةٍ للحياة.


الهوامش:

1. فيما يخص مفهوم الإنسان الاقتصادي، راجع مقال فريدريكه هابرمان في الكتاب.

2. راجع Dawkins, Richard. 1990: The Selfish Gene: Oxford University Press

3. لشرح لهذه المصطلحات راجع مقال سيلكه هلفريش Silke Helfrich في الكتاب.

4. راجع

Agamben, Giorgio. 1998. Homo sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford: Stanford University Press: