هذا المنزل يبدو كأنه من السكر. منذ أن لوّنوه، يلفت انتباه كل العابرين. لكنه كان يروقني أكثر من قبل، بذلك اللون الوردي والرومانسي للمنازل العتيقة.

قصة سيلبينا أوكامبو

ترجمة أحمد حسّان

* سيلبينا أوكامبو (1903- 1993) فنانة تشكيلية وقصاصة وشاعرة من أبرز كاتبات الأرجنتين. نالت الجائزة القومية للشعر عام 1962. تندرج في تيار الكتابة الفانتازية التي تحتل مكانة بارزة في بلدها. بدأت الكتابة عام 1936 ضمن جماعة ضمت خورجى لويس بورخس، وزوجها بيوا كاسارس.

ثمة عالم اسمه عالم سيلبينا أوكامبو، مصنوع من الحنين والدهشة. حنين إلى شيء لم يوجد قط وربما لا يدخل حتى في مجال الممكن. ودهشة إزاء واقع متاخم طول الوقت للفانتازيا والأحلام. يملأ ذلك العالم رجال، ونساء، وأطفال، ويغرقونه في الالتباسات، وعلاقات القوة الشاذة، وأوجه البراءة الزائفة. يتبدّى الحب والكراهية، ما هو تافه وما هو استثنائي، باعتباره مسألة ظلال رهيفة، أكثر من كونها تعارضات. قلّة من الكتّاب هم من تمكنوا من التعبير على هذا النحو عما يستعصي على الإمساك به.


سيلبينا أوكامبو عن electric literature

لم تَدَع التطيُّرات كريستينا تعيش. كانت قطعة عملةٍ بوجه ممسوح، أو بقعة حبرٍ، أو القمر مرئياً عبر زجاجين، أو الحروف الأولى من اسمها محفورةً بالصدفة على جذع شجرة أَرز تُصيبها بلوثة خوف. حين تعارفنا كانت ترتدي فستانا أخضر، ظلت تستخدمه حتى تمزّق، وأخبرتني أنه يجلب لها الحظ وحين ترتدي آخر، أزرق، يناسبها أكثر، لم نكن نلتقي. حاولتُ مصارعة هذه الوساوس العبثية. جعلتُها تلاحظ أن في غرفتها مرآة مكسورة ومهما أكّدتُ على ضرورة إلقاء قطع المرآة المكسورة في الماء، في ليلة مقمرة، لنزع الحظ السيئ، ظلت تحتفظ بها؛ أنها لم تخَف أبداً أن ينقطع نور المنزل فجأةً، ورغم أنه إعلانٌ أكيد عن الموت، كانت تُشعل بهدوء أي عدد من الشموع؛ أنها دائما ما تترك القبعة على الفراش، وهو خطأ لا يرتكبه أحد. كانت مخاوفها شخصية. كانت تُلحق بنفسها حِرماناتٍ حقيقية؛ مثلا: لا يمكنها شراء فراولة في شهر ديسمبر، ولا سماع موسيقات معينة، ولا تزيين المنزل بأسماك حمراء، تروقها جدا. كان ثمة شوارع بعينها لا يمكننا عبورها، وأشخاص معينون، ودور سينما معينة لا يمكننا التردد عليها. في بداية علاقتنا، بدت لي هذه التطيّرات أخّاذة، لكن بعدها بدأت تضايقني وتقلقني جدياً. وحين ارتبطنا كان علينا البحث عن مسكنٍ جديد، فحسب معتقداتها، سيؤثّر مصير السكّان السابقين على حياتها (لم تذكر حياتي في أية لحظة، كأن الخطر يتهدّدها وحدها وكأن حياتينا لا يوحّدهما الحب). ذرعنا كل أحياء المدينة؛ بلغنا أبعد الضواحي، بحثا عن مسكن لا يكون قد سكنه أحد: كانت جميعها مؤجَّرة أو مباعة. وأخيرا وجدتُ منزلاً صغيرا في شارع مونتِس دى أوكا، بدا كأنه من السُكَّر. كان بياضه يلمع بوميضٍ غير عادي. كان به هاتف، وعند الواجهة، حديقة ضئيلة. اعتقدتُ أن ذلك المنزل حديث الإنشاء، لكنني اكتشفت أن عائلة قد شغلته عام 1930، وبعدها، من أجل تأجيره، أجرى به المالكُ بعض الإصلاحات. كان عليّ أن أجعل كريستينا تعتقد أن المنزل لم يسكنه أحد وأنه المكان المثالي: منزل أحلامنا. وحين رأته كريستينا، تعجّبت:

ــ ما أشد اختلافه عن المساكن التي رأيناها! هنا نتنفّس رائحةً نظيفة. لا يمكن لأحدٍ أن يؤثر على حياتينا ويلطخهما بأفكارٍ تلوِّث الهواء.

خلال أيامٍ قليلة تزوجنا وأقمنا هناك. أهدانا والداها أثاث غرفة النوم، ووالداي أثاثَ غرفة الطعام. وسيكون علينا أن نؤثّث بقية المنزل شيئا فشيئا. خشيتُ أن تعلم كريستينا بكذبتي، من الجيران، لكنها كانت لحسن الحظ تقوم بمشترياتها خارج الحي ولا تتحادث معهم أبدا. كنا سعداء، سعداء لدرجةٍ تثير فيّ الخوف أحيانا. بدا أن السكينة لن تتحطّم أبداً في منزل السكّر ذاك، حتى دمّرت وهمي مكالمةٌ هاتفية. لحسن الحظ لم تردّ كريستينا على الهاتف تلك المرة، لكن ربما ردّت عليها ذات مناسبةٍ مماثلة. سأل الشخص الذي هاتفنا عن السنيورة بيوليتا: لا شك أن الأمر يتعلّق بالمستأجرة السابقة. لو عرفت كريستينا أنني قد خدعتها، فسوف تنتهي سعادتنا بالتأكيد: لن تكلّمني بعدها، ستطلب طلاقنا، وفي أفضل الأحوال سيكون علينا أن نترك المنزل لنذهب للعيش، ربما، في بيّا أوركيثا، وربما في كيلمِس، أو كمستأجرين في واحدٍ من المنازل التي وعدونا بمنحنا موضعاً صغيراً فيها نبني فيه، بماذا؟ (بنفايات، فنقودي لن تكفي لموادٍ أفضل) غرفةً ومطبخا. أثناء الليل كنت أحرِص على فصل الهاتف، حتى لا توقظنا أية مكالمة غير مناسبة. ووضعت صندوقَ بريد عند الباب الخارجي: كنتُ أنا مالك المفتاح، ومُوَزِّع الرسائل. 

ذات صباحٍ باكر طرقوا الباب وترك شخصٌ طرداً. من غرفتي سمعت زوجتي تحتجّ، ثم سمعتُ خشخشة الورق المكرمَش. هبطتُ السلم فوجدت كريستينا وبين ذراعيها فستانٌ من القطيفة.

ــ أحضروا لي هذا الفستان للتو ــ أخبرتني بحماس.

صعدَت السلالم جريا وارتدت الفستان المفتوح الصدر جداً.

ــ متى أمرتِ بصنعه؟

ــ من زمن. هل يناسبني؟ سأستخدمه حين نذهب إلى المسرح، أليس كذلك؟

ــ بأي نقود دفعتِ ثمنه؟

ــ أهدتني ماما بعض النقود.

بدا لي الأمر غريبا، لكني لم أقل شيئا، لئلا أسيء إليها.

كنا نحبّ بعضنا بجنون. لكن قلقي بدأ يزعجني، حتى عند عِناق كريستينا ليلا. انتبهتُ أن شخصيتها قد تغيّرت: تحوّلت من مرحةٍ إلى حزينة، من تواصليّةٍ إلى مُتحفّظة، من هادئةٍ إلى عصبية. فقدت شهيّتها. لم تعد تُعِدُّ لي تلك الحلوى الشهية، الدسمة بعض الشيء، من القشدة المخفوقة والشوكولاتة، التي تعجبني، ولا تزيّن المنزل دوريا بحِليات النايلون، في أغطية المرحاض، وعلى أرفف غرفة الطعام، وفي الخزانات، وفي كل مكان، كما كانت عادتها. لم تعد تنتظرني بمخبوزات الفانيليا ساعة تناول الشاي، ولم تعد ترغب في الذهاب إلى المسرح أو السينما ليلا، ولا حتى حين يرسلون إلينا تذاكر هدية. وذات مساء دخل كلبٌ إلى الحديقة وتمدّد أمام الباب الخارجي، يعوي. أعطته كريستينا لحما وشرابا، وبعد حمّامٍ، غيّر لون جلده، أعلنت أنها ستستضيفه وتُعمِّده باسم آمور1، لأنه وصل إلى منزلنا لحظة حبٍ حقيقي. كان حلقُ الكلب أسود، مما يشير إلى نقاء سلالته. 

ذات مساءٍ آخر وصلتُ إلى المنزل على غير توقُّع. توقفتُ عند المدخل لأنني رأيت درّاجة مركونة في الحديقة. دخلتُ في سكونٍ واختبأتُ خلف أحد الأبواب وسمعت صوت كريستينا.

ــ ماذا تريدين؟ ــ كرّرت مرتين.

ــ أتيتُ بحثا عن كلبي ــ قال صوت فتاة ــ مرّ كثيرا أمام هذا المنزل الذي تعلّق به. هذا المنزل يبدو كأنه من السكر. منذ أن لوّنوه، يلفت انتباه كل العابرين. لكنه كان يروقني أكثر من قبل، بذلك اللون الوردي والرومانسي للمنازل العتيقة. كان هذا المنزل غامضا جداً بالنسبة لي. كان يروقني فيه كل شيء: النافورة حيث تأتي الطيور لتشرب؛ التعريشات ذات الأزهار، مثل أبواقٍ صفراء؛ شجرة البرتقال. منذ كنت في الثامنة من عمري تمنيت التعرف على حضرتك، منذ ذلك اليوم الذي تحادثنا فيه هاتفيا، أتذكرين؟ وعدتِ بأنك ستُهديني طيارةً ورقية.

ــ الطيارات الورقية هي ألعاب ذكور.

ــ الألعاب ليس لها جنس. كانت تروقني الطيارات الورقية لأنها مثل طيور ضخمة: كانت تُثير فيّ أمل الطيران فوق أجنحتها. كانت لعبةً من حضرتك أن تعديني بتلك الطيارة الورقية؛ لم أنم تلك الليلة بطولها. وتقابلنا في المخبز، كنت حضرتك مُديرةً ظهرك فلم أر وجهك. منذ ذلك اليوم لم أفكر في شيء سوى حضرتك، في كيف سيكون وجهك، روحك، إيماءات الكاذبة. لم تُهدني أبدا تلك الطيارة الورقية. كانت الأشجار تحدّثني عن أكاذيب حضرتك. ثم ذهبنا لنعيش في مورون، مع أبويّ. والآن، منذ أسبوع عدتُ إلى هنا.

ــ أنا أعيش في هذا المنزل منذ ثلاثة أشهر، وقبلها لم أتردّد أبدا على هذه الأحياء. لابد أن حضرتك مخطئة.

ــ لقد تخيّلتُ حضرتك كما أنت تماما. تخيّلتُك مراتٍ عديدة! وحتى تكتمل المصادفة، كان زوجي خطيبا لحضرتك.

ــ لم أكن خطيبةً لأحد سوى زوجي. ما اسم هذا الكلب؟

ــ بروتو2.

ــ خذيه حضرتك، لو سمحت، قبل أن أتعلّق به.

ــ بيوليتا، أنصتي إليّ. إذا أخذتُ الكلب إلى منزلي، سيموت. لا أستطيع رعايته. نعيش في شقة صغيرة جدا. ونعمل أنا وزوجي وليس هناك من يأخذه للنزهة.

ــ اسمي ليس بيوليتا. كم عمره؟

ــ بروتو؟ عامان. أتسمحين بالاحتفاظ به؟ سآتي لزيارته من حين لآخر، فأنا أحبه جدا.

ــ زوجي لن يروقه استقبال أغرابٍ في منزله، ولا أن يتلقى كلباً هدية.

ــ لا تخبريه، إذن. سأنتظر حضرتك كل يوم اثنين في السابعة مساء في ميدان كولومبيا. أتعرفين مكانه؟ مقابل كنيسة سانتا فليثيتاس، أو سأنتظر حضرتك حيث شئتِ وفي الساعة التي تفضلينها؛ مثلا، على جسر كونستيتوثيون أو في حديقة ليثاما. سأقنع برؤية عيني بروتو. هل تقدّمين لي معروف أن تحتفظي به؟

ــ حسنا. سأحتفظ به.

ــ شكرا، بيوليتا.

ــ اسمي ليس بيوليتا.

ــ حضرتك غيّرت اسمك؟ بالنسبة لنا حضرتك بيوليتا. دوما بيوليتا الغامضة ذاتها.

سمعتُ جلبة الباب الحادّة ووقع كعبي كريستينا، وهي تصعد السلّم. تأخّرتُ برهة في الخروج من مخبئي وفي التظاهر بأنني وصلتُ لتوي. رغم تيقّني من براءة الحوار، بدأ يلتهمني تشكّكٌ أصمّ، لا أدري لماذا. خُيِّل لي أنني شهدت تمثيلا مسرحيا وأن الواقع شيءٌ آخر. لم أعترف لكريستينا بأنني فاجأت زيارة تلك الفتاة. انتظرت الأحداث، خائفا على الدوام من أن تكتشف كريستينا كذبتي، ونادماً على كوننا أقمنا في ذلك الحي. أخذت أمرُّ كل مساء عبر الميدان المواجه لكنيسة سانتا فليثيتاس، لأتحقق إن كانت كريستينا قد ذهبت إلى الموعد. لم يبدُ على كريستينا الانتباه لقلقي. وأحيانا كنت أعتقد أنني قد حلمت. وذات يوم سألتني كريستينا، وهي تحتضن الكلب:

ــ هل يعجبك أن يكون اسمي بيوليتا3؟ 

ــ لا يعجبني اسم الأزهار.

ــ لكن بيوليتا بديع. إنه لون.

ــ أُفضّل اسمك.

ذات سبت، عند الأصيل، وجدتها على جسر كونستيتوثيون، تطلّ من فوق الحاجز الحديدي. اقتربتُ فلم تتحرك.

ــ ماذا تفعلين هنا؟

ــ أتفرّج. أحبُّ رؤية قضبان السكة الحديد من أعلى.

ــ إنه مكان كئيب جدا ولا أحبُّ أن تسيري وحدك.

ــ لا يبدو لي كئيبا إلى هذا الحد. ولم لا يمكنني السير وحدي؟

ــ هل يعجبك الدخان الأسود للقاطرات؟

ــ تعجبني وسائل النقل. أن أحلم بالرحلات. أن أمضي دون أن أمضي. "الرحيل والبقاء والرحيل بالبقاء."

عدنا إلى المنزل. ومسعورا بالغيرة (الغيرة من ماذا؟ من كل شيء) لم أكد أخاطبها خلال الطريق.

ــ ربما أمكننا شراء منزلٍ ما في سان إيسيدرو أو في أوليبوس، هذا الحي مُنفِّر تماما ــ قلت لها، متظاهرا بأنني يمكنني الحصول على منزل في تلك الأماكن.

ــ لا تصدّق ذلك. لدينا قريبا جدا من هنا حديقة ليثاما.

ــ إنها موحشة. التماثيل محطمة، والنافورات دون ماء، والأشجار عفنة. ويمضي متسوّلون، وعجائز، ومشلولون بأكياس، لإلقاء أو جمع الزبالة.

ــ أنا لا أتمعن في تلك الأشياء. 

ــ من قبل كنتِ لا تريدين الجلوس على دكةٍ أكل عليها شخصٌ ثمار يوسفي أو خبز.

ــ لقد تغيّرتُ كثيرا.

ــ مهما تغيّرتِ، لا يمكن أن تُعجبك حديقة كتلك. أعرف بالفعل أن بها متحفا بأسودٍ من الرخام تحرس المدخل وأنك كنت تلعبين هناك في طفولتك، لكن هذا لا يعني شيئا.

ــ لا أفهمك ــ أجابتني كريستينا. وشعرت أنها تحتقرني، باحتقار يمكن أن يقودها إلى الكراهية.

خلال أيامٍ، بدت لي أعواما، راقبتها، محاولا إخفاءَ قلقي. كنت أمرّ كل يوم بالميدان المواجه للكنيسة وأيام السبت بجسر كونستيتوثيون الفظيع الأسود. وذات يوم غامرت بأن أقول لكريستينا:

ــ إذا اكتشفنا أن هذا المنزل كان مسكونا بأشخاص آخرين، ماذا ستفعلين، يا كريستينا؟ هل سترحلين عن هنا؟

ــ لو كان شخصٌ قد عاش في هذا المنزل، فلابد أن يكون مثل تلك الشخوص الصغيرة من السكر التي توجد على الحلوى أو في تورتات أعياد الميلاد: شخصا حلواً كالسكر. هذا المنزل يوحي إليّ بالثقة، هل تكون الحديقة الصغيرة عند المدخل هي ما تغمرني بالسكينة؟ لا أدري! لن أذهب من هنا مقابل كل ذهب العالم. علاوة على ذلك ليس لدينا مكانٌ نذهب إليه. أنت نفسك قلت لي ذلك منذ بعض الوقت.

لم أصرّ، لأنني كنت أتجه إلى خسارةٍ خالصة. وكي أتوافق فكّرتُ أن الزمن سيشكّل الأمور.

ذات صباحٍ رنّ جرس الباب الخارجي. كنت أحلق ذقني وسمعت صوت كريستينا. وحين فرغت من الحلاقة، كان زوجتي تتحدث مع الدخيلة. تجسّست عليهما من فرجة الباب. كان للدخيلة صوتٌ بالغ الجدّية وقدمان من الضخامة بحيث شرعتُ في الضحك.

ــ إذا عاودتِ حضرتك رؤية دانييل، فستدفعين الثمن غاليا جدا، يا بيوليتا.

ــ لا أدري من هو دانييل واسمي ليس بيوليتا ــ أجابت زوجتي.

ــ حضرتك تكذبين.

ــ لا أكذب. لا شأن لي بدانييل.

ــ أود أن تري حضرتك الأمور كما هي.

ــ لا أريد سماعك.

سدّت كريستينا أذنيها بيديها. دخلتُ الغرفة وطلبتُ من الدخيلة أن تنصرف. عن قربٍ نظرت إلى قدميها، ويديها، وعنقها. عندها تبيّنت أنها رجلٌ مُتنكّر كامرأة. لم يُتِح لي وقتا للتفكير فيما يجب عمله؛ اختفى كالبرق تاركا الباب موارباً خلفه.

لم نعلّق على هذا الفاصل أنا وكريستينا؛ لن أفهم أبدا لماذا؛ فكأن شفاهنا موصدةٌ أمام كل ما ليس قبلاتٍ عصبية، نَهِمَة، أو كلماتٍ لا مجدية.

في تلك الأيام، الحزينة جدا بالنسبة لي، تملّكت كريستينا الرغبةُ في الغناء. كان صوتها معقولا، لكنه أقلقني، لأنه شكّل جزءاً من ذلك العالم السرّي، الذي كان يُباعدها عني. لماذا، إن كانت لم تُغنِّ أبدا، تغني الآن ليل نهار بينما ترتدي ثيابها أو تستحم أو تطبخ أو تُغلق مصاريع النوافذ!

وذات يوم سمعتُ فيه كريستينا تتعجب على نحوٍ ملغز:

ــ أشكُ أنني أرِث حياةَ شخصٍ ما، الأفراح والأتراح، الأخطاء والتوفيقات. أنا مسحورةٌ ــ تظاهرتُ بأنني لم أسمع تلك العبارة المُضنية. ورغم ذلك، لا أدري لماذا بدأتُ أتقصّى في الحي عمّن كانت بيوليتا، وأين كانت، عن كل تفاصيل حياتها.

على مبعدة نصف مربعٍ سكني من منزلنا كان ثمة متجر تباع فيه بطاقات بريد، وورق، وكراسات، وأقلام رصاص، ومِمحَاوات، ولعب. من أجل استقصاءاتي، بدت لي بائعة ذلك المتجر الشخص الأنسب: كانت ثرثارة وفضولية، حسّاسة للإطراءات. بذريعة شراء كراس وأقلام رصاص، ذهبت ذات مساء للتحادث معها. امتدحتُ عينيها، ويديها، وشعرها. لم أتجاسر على نطق كلمة بيوليتا. شرحت لها أننا كنا جيرانا. وسألتها أخيرا من عاش في منزلنا. قلت لها بحياء:

ــ ألم تعش هناك امرأة تدعي بيوليتا؟

أجابتني إجابات غامضة جدا، أقلقتني أكثر. وفي اليوم التالي حاولتُ أن أتقصّى في المتجر بضع تفاصيل أخرى. فقيل لي أن بيوليتا في مصحّةٍ عقلية وأعطوني العنوان.

ــ أغنّي بصوتٍ ليس صوتي ــ قالت لي كريستينا، مُجدِّدةً جوّها الغامض ــ. من قبل كان ذلك سيؤلمني، لكنه الآن يبهجني. أنا شخصٌ آخر، ربما أسعدُ مني.

تظاهرتُ من جديد بأنني لم أسمعها. كنت أقرأ الصحيفة.

من فرط التقصي عن تفاصيل حياة بيوليتا، أعترف أنني أهملتُ كريستينا.

ذهبتُ إلى المصحة العقلية، الواقعة في حي فلورِس. وهناك سألت عن بيوليتا فأعطوني عنوان أرسينيا لوبث، التي تُعلِّمها الغناء.

كان عليّ أن آخذ القطار في محطة رتيرو، ليوصلني إلى أوليبوس.  وخلال الرحلة دخلت ذرةُ ترابٍ في عيني، بحيث أنني لحظة بلوغ منزل أرسينيا لوبث، انهمرت دموعي كأنني أبكي. وبدءاً من الباب الخارجي سمعتُ أصوات نساء، يتغرغرن بمقاييس النغم، بمصاحبة بيانو، بدا كأنه أرغنٌ صغير.

ظهرت أرسينيا لوبث في عمق ممر، طويلةً، نحيلة، ومُفزعة، بقلم رصاصٍ في يدها. قلت لها بحياء أنني أتيت بحثا عن أخبار عن بيوليتا.

ــ هل حضرتك زوجها؟

ــ لا، أنا أحد أقاربها ــ أجبتُها وأنا أجفّف عينيّ بمنديل.

ــ لابد أن حضرتك أحد معجبيها الذين لا يُحصَون ــ قالت وهي تُسبل عينيها وتُمسك بيدي ــ. تأتي لتعرف ما يريد أن يعرفه الجميع، كيف كانت آخر أيام بيوليتا؟ اجلس. لا يجب تخيّل أن شخصا ميتا، كان بالضرورة مخلصا تماما، طيبا.

ــ حضرتك تريدين أن تُعزّيني ــ قلت.

أجابت، وهي تعصر يدي بيدها الندية:

ــ نعم. أريد أن أُعزّيك. لم تكن بيوليتا مجرد تلميذتي، بل صديقتي الحميمة. وإذا كانت قد استاءت مني، فذلك ربما لأنها أسرّت إليّ بأكثر مما يجب ولأنها لم تعد قادرةً على خداعي. في آخر أيام رأيتها فيها، تحسّرت على حظّها بمرارة. ماتت من الحسد. كانت تكّرر دون توقّف: "ثمة واحدةٌ سرقت حياتي، لكنها ستدفع الثمن غاليا جدا. لن أنال فستاني القطيفة، ستناله هي؛ سيكون بروتو من نصيبها؛ لن يتنكّر الرجال كنساءٍ ليدخلوا منزلي بل منزلها؛ سأفقد صوتي الذي سأنقله إلى تلك الحنجرة الأخرى العديمة القيمة؛ لن أعانق دانييل على جسر كونستيتوثيون، آملَين في حبٍ مستحيل، ونحن مائلين مثلما من قبل، على الحاجز الحديدي، نرى القطارات تبتعد".

نظرت أرسينيا لوبث في عينيّ وقالت:

ــ لا تبتئس. ستصادفُ نساءً كثيرات أكثر وفاءً. نعرف أنها كانت جميلة، لكن هل الجمال هو الشيء الحسن الوحيد في العالم؟

أبكم، مفزوعاً، ابتعدتُ عن ذلك المنزل، دون أن أكشف عن اسمي لأرسينيا لوبث التي، عند وداعي، حاولَت مُعانقتي، لتُظهِر تعاطفها.

منذ ذلك اليوم تحوّلت كريستينا، بالنسبة لي، على الأقل، إلى بيوليتا. أخذتُ ألاحقها في كل الأوقات، لأكتشفها بين أحضان عشاقها. ابتعدتُ عنها كثيرا حتى رأيتها كغريبة. وذات ليلةٍ شتائية هربت. بحثتُ عنها حتى الفجر.

لم أعد أدري مَن كان ضحيةَ مَن، في منزل السكر ذاك المهجور الآن.


هوامش المترجم:

  1. Amor: حب.
  2. Bruto: جِلف أو فظ.
  3. Violeta: البنفسج. الزهرة واللون.