ما ينفعش نتكلم عن التكنولوجيا بشكل مجرَّد، لأن الإبرة والصاروخ مش موجودين في حد ذاتهم بره المجتمعات اللي اخترعتهم وصنعتهم واستخدمتهم

التكنولوجيا

مقال لشهاب الخشاب


إيه علاقة التكنولوجيا بالتقدم؟ إذا صدقنا كلام الخبراء اللي بيشتغلوا في الحكومات والشركات والجامعات العالمية الفخمة، التكنولوجيا هي العمود الفقري للتقدم البشري. في الرؤية دي، كل ما قدرنا نحسِّن أدواتنا التكنولوجية، كل ما هنقدر نحسِّن وضعنا البشري. وزي ما تحسُّن التكنولوجيا بيروح دايمًا لفوق، التحسُّن البشري بيروح لفوق وفوق، وكأن التقدم الاجتماعي بالضبط زي التطور بين الإبرة والصاروخ.

 الرؤية دي للتكنولوجيا رؤية حداثية، بمعنى إنها بتفترض إن «التكنولوجيا» عبارة عن كتلة واحدة منفصلة عن «المجتمع»، والوصول إلى العصر الحديث بالنسبة لأي «مجتمع» مرتبط بالتقدم في «التكنولوجيا». بالتالي التكنولوجيا بتتحوّل إلى معيار موضوعي للتقدم المجتمعي، فالمجتمعات اللي مالهاش حظ في التكنولوجيا بتبقى «متخلفة»، والمجتمعات اللي لها حظ في التكنولوجيا بتبقى «متقدمة».

الفصل بين التكنولوجيا والمجتمع في الرؤية الحداثية عقلاني وسلطوي في نفس الوقت: عقلاني بمعنى إنه بيفترض وجود فرق خيالي بين التكنولوجيا والمجتمع، بدون ما يشوف إن التكنولوجيا نفسها نتيجة علاقات اجتماعية بعينها؛ وسلطوي بمعنى إنه بيعيد إنتاج سردية مركزية (أوروبية وأمريكية غالبًا) عن التطور الحضاري. الفصل العقلاني والسلطوي ده بيتجاهل إن التكنولوجيا دايمًا جزء من مجتمع ما، سواء كان مجتمع العلماء والمهندسين اللي بيخترعوا التكنولوجيا، أو الشركات ورجال الأعمال اللي بيشتروا وبيبيعوا التكنولوجيا، أو الناس اللي بيستهلكوا وبيستخدموا التكنولوجيا دي.

 إذن ما ينفعش نتكلم عن التكنولوجيا بشكل مجرَّد، لأن الإبرة والصاروخ مش موجودين في حد ذاتهم بره المجتمعات اللي اخترعتهم وصنعتهم واستخدمتهم؛ وبما إننا ما نقدرش نفصل بين التكنولوجيا والمجتمع، ما نقدرش نفترض إن التطور العلمي التكنولوجي مالوش إلا تاريخ وحيد، بيتطوّر من تكنولوجيات متخلفة إلى تكنولوجيات متقدمة، وبالتبعية من مجتمعات متخلفة لمجتمعات متقدمة، أو إن اللي حصل في أوروبا وأمريكا هو التاريخ الوحيد الممكن للتقدم التكنولوجي.

دراسة العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع أصبحت موضوع مجال كامل وواسع اسمه «دراسات العلم والتكنولوجيا» (Science and Technology Studies)، وتاريخ الأبحاث اللي اتكتبت في إطار الدراسات دي بيرجع للستينيات والسبعينيات، سواءً كان في كتابات علماء سياسة زي لانجدون وينر (Langdon Winner)، أو علماء اجتماع زي مادلين أكريش (Madeleine Akrich) وبرونو لاتور (Bruno Latour)، أو مؤرخين زي ڤيبي بيكر (Wiebe Bijker) وديڤيد إيدجرتون (David Edgerton). الباحثين دول مهتمين بدراسة التكنولوجيا في إطار إنتاجها واستهلاكها في المجتمع، والأسئلة اللي بيطرحوها مرتبطة بالعلاقة المادية بين التكنولوجيا والمجتمع. إنما إيه العلاقة الوجدانية بين البشر والتكنولوجيا اللي بتحاوطهم؟

 في مقال عنوانه «مسألة التكنولوجيا» (The Question Concerning Technology)، الفيلسوف مارتن هايدجر (Martin Heidegger) فرَّق بين الرؤية الظاهرية والرؤية الوجدانية للتكنولوجيا. الرؤية الظاهرية (ontic) بتفترض إن التكنولوجيا عبارة عن فعل بشري بما إن البشر هم اللي بيصنعوا التكنولوجيا وبيستخدموها وبيستفيدوا بها. الرؤية دي أقرب للرؤية الشائعة في دراسات العلم والتكنولوجيا حاليًا، اللي بتكتفي بتحليل التكنولوجيا بمعناها ده. في المقابل، هايدجر كان شايف إن الرؤية دي اختزال لماهية التكنولوجيا الجوهرية، وقال إننا لازم يكون عندنا رؤية وجدانية (ontological) عشان نفهم الماهية دي بجد.

 في رؤية هايدجر الوجدانية، التكنولوجيا مش مجموعة من التقنيات والأدوات اللي بيستخدموها البشر، إنما هي عبارة عن نظام كامل ومتكامل لاستغلال الموارد الطبيعية والبشرية إلى أبعد مدى. هايدجر سمّى النظام ده «جيشتل» (Gestell)، اللي هي كلمة ألمانية يومية معناها «الإطار» أو «الرف» زي الأرفف اللي بنرص عليها الكتب، ولكن هايدجر وظّفها بشكل غريب وجديد عشان يعبّر عن التأطير اللي بتفرضه ماهية التكنولوجيا الحديثة على الواقع نفسه. المثال الشهير للتأطير ده في مقال «مسألة التكنولوجيا» هو نهر الراين، اللي كتب عنه شعراء ألمان كتير كرمز للطبيعة الألمانية الخلابة، ولكن في القرن العشرين، النهر اتحول إلى مورد من موارد البلد، وبالتالي أصبح منطقي إن يتبني عليه محطة طاقة كهربائية ضخمة عشان تنتج كهربا لألمانيا، والمحطة دي بتستغل النهر عشان تطلَّع منه أقصى قدر من الكهربا الممكنة.

 في نظرية هايدجر، تحول النهر من طبيعة ساحرة إلى مورد معرَّض للاستغلال دليل على قوة التأطير وماهية التكنولوجيا الحديثة. المهم مش البشر اللي بيبنوا المحطة في حد ذاتهم، وإنما مبدأ إن المحطة بتتبني من أساسه عشان تنتج طاقة كهربائية بمعدل لانهائي. بالمعنى ده، محطة الطاقة مش مجرَّد مبنى بينتج طاقة، وإنما بتتحول هي كمان إلى مورد (Bestand) بيحوّل الطبيعة المجاورة والبشر اللي حواليها إلى موارد تانية. النهر بيتحول لكهربا، وكذلك البشر بيتحولوا إلى منتجين ومستهلكين طاقة.

 رؤية هايدجر لماهية التكنولوجيا الحديثة فيها شوية تشاؤم وشوية رومانسية. التشاؤم باين في تصور هايدجر إن مفيش حد يقف قدام تأطير التكنولوجيا الحديثة، وكأن العالم بحاله ماشي في اتجاه حتمي مالوش أي علاقة بالبشر اللي بيصنعوه. تشاؤم هايدجر جاي من تصوراته الجوهرية عن طبيعة الحرية الإنسانية. عكس تراث كامل من الفلاسفة الأوروبيين من أول ديكارت لغاية ماركس، اللي كانوا شايفين إن الإنسان يقدر يتغلب على الطبيعة ويسيطر عليها عشان يتحرر من ضغوط الحياة المادية، هايدجر كان شايف إن البشر محتوم عليهم مصير وجودي أكبر من إنهم يتحكموا فيه، وكل اللي يقدروا يعملوه انهم يختبروا ويكشفوا جزء منه بس.

أما الرومانسية، فهي باينة في تصور هايدجر عن الزمن الجميل اللي التكنولوجيا الحديثة بتمسحه، زمن التسامح بين البشر والطبيعة، زمن العلاقة الوجدانية المباشرة بين البشر واللي بيصنعوه. رجوعًا للمفاهيم اليونانية العتيقة كعادته، هايدجر بيشرح إن مفهوم التكنولوجيا اليوناني (tekhnè) ما كانش مرتبط باستغلال الطبيعة اللانهائي، وإنما كان مرتبط بالصناعة والعناية بما إن الفلاسفة القدماء كانوا كاشفين علاقة أعمق بينهم وبين العالم اللي حواليهم. طبعًا التصور ده رومانسي بمعنى إنه بيفترض عالم يوناني عتيق مثالي مالوش علاقة بالتحليل التاريخي المادي.

 ولكن رغم التشاؤم والرومانسية، السؤال اللي طرحه هايدجر مش بس سؤال استفساري حوالين ماهية التكنولوجيا، وإنما هو سؤال أخلاقي عن دور التكنولوجيا في المجتمع الحديث. التوجه ده في فلسفة التكنولوجيا اتطوَّر لاحقًا في كتابات فلاسفة زي جاك إيلول (Jacques Ellul) وپول ڤيريليو (Paul Virilio) وأندرو فينبرج (Andrew Feenberg) وغيرهم اللي طرحوا قلقهم الوجودي بخصوص خطورة التطور التكنولوجي المتسارع للإنسانية. القلق ده طبعًا موجود من قبل هايدجر وهيفضل موجود من بعدنا حتى، بس هايدجر من أوائل الناس اللي طرحوا فكرة إن ماهية التكنولوجيا أوسع من مجرد التقنيات والأدوات التكنولوجية نفسها، وإن وجدان التكنولوجيا في الكون بيأثر في وجدان البشر بأشكال استغلالية وقامعة في المجمل، وإن البشر مش شرط يقدروا يتحكموا في الاستغلال والقمع ده.

 بالتالي إذا مشينا ورا تفكير هايدجر، نقدر نشوف إن العلاقة بين التكنولوجيا والتقدم مش مجرَّد علاقة مثالية مالهاش مردود مادي واضح في حياة البشر، زي ما بيقول النقد الاجتماعي لنظريات التقدم الحتمية، وإنما إن العلاقة نابعة من ماهية التكنولوجيا نفسها، بما إن انتشار التكنولوجيا الحديثة معناه انتشار استغلال الطبيعة واعتبار كل شيء مورد عارض للاستهلاك اللانهائي. واضح إن العالم اللي إحنا عايشين فيه النهارده ما زال مُعرَّض للاستغلال والاستهلاك الوجداني ده، ولكن مش لازم نؤمن بإن ماهية التكنولوجيا هتنتصر غصب عننا، ونقعد نتشائم ونذكر الزمن الجميل زي ما عمل هايدجر في أواخر أيامه. الدنيا واسعة، والتاريخ طويل، ويا عالِم إيه اللي ممكن يحصل في سيرة البشر.


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه