اختار الصحفي والناقد الإنجليزي روبرت مَكروم قائمتين لأفضل مائة عمل سردي وأفضل مائة عمل غير سردي باللغة الإنجليزية، وكتب مقالًا يخص كل عمل منهم. نترجم في هذه السلسلة بعض هذه المقالات.

غرفة تخص المرأة وحدها لفرجينيا وولف (1929)

مقال لروبرت مكروم

ترجمة: بانسيه مُهران

نُشر بموقع الجارديان 5 ديسمبر 2016

الترجمة خاصة بـ Boring Books

تحتفظ المترجمة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتها دون إذن منها


فرجينيا وولف، عن الجارديان

تُعد مقالة «غرفة تخص المرأة وحدها» معلمًا بارزًا في تاريخ الفكر النسوي، وتحفة فنية خطابية ظهرت للعلن في سلسلة من المحاضرات ألقيت على الدوائر الأدبية بكلية نيونهام وكلية جيرتون في جامعة كمبريدج، في أكتوبر عام 1928، بعدها نشرت دار هوجارث المقالة في عام 1929 في طبعة مُنقحة موسّعة لم تنفد أبدًا من السوق.

بكلماتها التي لم تتعد 40,000، الموجهة لجمهور من الطالبات، وسط مناخ زاخر بالإبداع اتسمت به فترة ما بين الحربين العالميتين، أصبحت المقالة بمثابة تأكيد شغوف وغير قابل للنسيان، من واحدة من أعظم كتاب القرن العشرين، على أصالة النشاط الإبداعي للنساء. والمفارقة أن وولف نفسها لم تستحسن مصطلح «نسوية».

بلا شك غيّرت ڤرجينيا وولف المشهد الأدبي الإنجليزي. ولكن كيف تحديدًا؟ أحَدَث ذلك من خلال الابتكار الحداثي في روايتيها «السيدة دالواي» و«إلى المنارة»؟ أم من خلال التغزل المفضوح في الخيال التاريخي في «أورلاندو»؟ أم في النقاش التحريضي - جزء منه كان رد على كتاب «عناصر الرواية» لإي.إم. فورستر- في كتاب مثل «غرفة تخص المرأة وحدها»؟

الإجابة: كل ما سبق. كما أشار العديد من النقاد تتسق كتابات وولف مع بعضها -من الخطابات والمذكرات للروايات والمقالات والمحاضرات- بحيث أنك إذا فتحت أي كتاب من كتبها يصبح الأمر وكأنك اقتحمت، بل وقاطعت، مونولوجًا داخليًا عنيفًا عن عالم الأدب.

وتتفق وولف نفسها مع هذا الرأي فتفتتح «غرفة تخص المرأة وحدها» بجملة: «ولكن، ربما تقولون، لقد طلبنا منك أن تتحدثي…». وهي جملة افتتاحية تسلط الضوء على حديث بدأته المؤلفة كمحاولة للتنفيس عن مشاعرها وسرعان ما بات جدالًا مُلحًا. تعلن وولف في حوالي صفحة 30 أن «إنجلترا تحت حكم النظام الأبوي»، وتكمل لتكشف عن هيكل الامتياز الذكوري واستبعاد الإناث من الاستقلال والدخل والتعليم.

في البداية، تجعل وولف ساردي حجتها يستترون خلف عباءة شخصيات خيالية تحمل جميعًا اسم ماري: ماري بيتون، ماري سيتون، ماري كارمايكل، في إشارة إلى أغنية شعبية تعود إلى القرن الـ 16 تحكي عن امرأة شُنقت لرفضها الزواج والأمومة، وتُعرِّف هذه الراوية، «ماري»، مثيلاتها من الكاتبات النساء على أنهن منبوذات معرضات للخطر.

 لكن، سريعًا ما تتخلي وولف عن هذا الاختراع، فهي الآن مفعمة بالحماس، تكتب بصوتها:

«يمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا، ونزعم أنه لطالما كانت النساء شعلة إلهام في أعمال كل الشعراء منذ قديم الأزل: كليتمنسترا، أنتيجون، كليوباترا، ليدي ماكبث، فيدرا، كريسدا، روزاليند، ديدمونة، دوقة مالفي. في أعمال كتاب المسرح؛ ثم في أعمال كتاب النثر نجد: ميلاماند، كلاريسا، بيكي شارب، آنا كارنينا، إيما بوفاري، مدام دو جورمانت. تتوارد الأسماء إلى خاطري، ولا أتذكر أسماء نساء كن (يفتقرن إلى شخصية أو كيان). والواقع أنه لو لم يكن للمرأة وجود إلا في الخيال الذي كتبه الرجال، لكان المرء تخيلها شخصًا بالغ الأهمية، شديد التنوع؛ بطولي ولئيم؛ رائع وخسيس؛ غاية في الجمال وبشع لأقصي درجة؛ عظيم كعظمة الرجل، بل إن البعض يظنه يفوق الرجل في العظمة. لكن هكذا صورت المرأة في الخيال بينما في الحقيقة، كانت المرأة تُحبس وتُضرب ويزج بها خارج الغرفة».  

«فيظهر إذن كائن مركب وغريب جدًا: عند تخيُل المرأة تكون ذات أهمية بالغة، لكن عمليًا فإنها كائن تافه تمامًا؛ تمتلئ بها كتب الشعر وتختفي تقريبًا من التاريخ؛ تهيمن على حياة الملوك والفاتحين في الخيال؛ ولكنها في واقع الأمر كانت أَمَة في حوزة أي صبي أجبره والداه على وضع خاتم حول إصبعها. بعضًا من أكثر الكلمات إلهامًا وأكثر الأفكار عمقًا في الأدب تخرج من بين شفتيها، لكن في واقع الأمر فإن المرأة لا تقرأ إلا بصعوبة، لا تستطيع أن تتهجأ، وهي ملكية خاصة لزوجها».

وكالعادة، تلوم وولف نفسها كذلك، بسبب إهمالها الأمر: «ما أجده مؤسفًا... هو عدم وجود شيءً معروف عن حياة النساء قبل القرن الثامن عشر. لا يخطر على بالي نموذج أرجع إليه (وأقلبه في ذهني هنا وهناك). وهنا أسأل: لماذا لم تكتب النساء الشعر في العصر الإليزابيثي؟ وكيف تلقيّن تعليمهن؟».

على الرغم من كون «غرفة تخص المرأة وحدها» مكتوبة بانفعال شديد، إلا أن بعضًا مما تحتويه أيضًا طريف للغاية: «تذكرت السيد العجوز... الذي أعلن أنه من المستحيل على أي امرأة، سالفة كانت، أو معاصرة، أو ستأتي، أن تكون بعبقرية شكسبير. كتب ذلك في الصحف... لا تستطيع المرأة أن تكتب مسرحيات ويليام شكسبير».

 وانطلاقًا من هذه النقطة، تصبح شخصية «جوديث شكسبير» شخصية متخيلة جدلية أخرى، فلقد اضطرت، مثل وولف، أن تبقي في البيت، تشاهد شقيقها يذهب إلى المدرسة، في حين أصبحت حبيسة الحياة المنزلية: «كانت على نفس القدر من حب المغامرة والتخيل والفضول لترى العالم مثله. إلا أنهم لم يرسلوها للمدرسة». وفي نهاية المطاف، تدفع العائلة بجوديث إلى زواج مصلحة خوفًا من العار. يشق أخوها طريقه ليستكشف العالم، بينما تظل جوديث قابعة في المنزل، وتُهدر عبقريتها.

وبمجرد اختراع وولف لشخصية جوديث شكسبير، أخت الشاعر التي تقتُل نفسها في نهاية المطاف، يصبح بوسعها أن تشرع في مراجعة الحياة الإبداعية لأسلافها العظماء ــ جين أوستن، وجورج إليوت، والأخوات برونتي، اللاتي كتبت عنهن أن شارلوت برونتي «التي أحرقها الغضب»، ماتت «وهي في صراع مع قدرها... ماتت في ريعان شبابها؛ مسلوبة الحرية ومقيدة ومحبطة». وبالمناسبة فإن وولف تستعرض الحياة الشخصية والمهنية لكاتبات نساء مثل «أفرا بين»: «يتعين على كل النساء أن يغمرن قبر أفرا بين بالورود.. فهي التي أكسبتهن الحق في التعبير عن آرائهن بصراحة. وهي ـ على كل الريبة التي حامت حولها، وبالرغم من مغامراتها العاطفية المتعددة (المتسمة بالغموض والشهوانية)ـ مهدت لي الطريق اليوم لكي أقف أمامكن وأقول: «اكسبي خمسمائة من الجنيهات في السنة من عرق جبينك»، دون أن يبدو ذلك أمرًا عجيبًا مستحيلًا.

وفي هذه المرحلة من جدالها تقترح وولف فكرتها المحتفى بها الآن بخصوص السبيل إلى تحرير المرأة المبدعة: غرفة لها وحدها، إلى جانب بعض وسائل الاستقلال. ومما لا شك فيه أن هذه الفكرة بدت قابلةً للتنفيذ في نظر المقيمين في بلومزبري، فهي تضمن وجود ميزتين أساسيتين ـ الخصوصية والحرية، أو الوقت والخلوة. وحين نسترجع الأحداث الآن فسوف نجد أن غرفة خاصة بالمرأة زائد «خمسمائة جنيه إسترليني في السنة» تبدو كصفقة تقتصر فحسب على الطبقة المتوسطة. ورغم هذا فإن هذا المبلغ بالأسعار الحالية يترجم تقريبًا إلى الرقم الذي تقدمه جائزة بيلي (جائزة ذي أورانج سابقًا) عن خيال المرأة (ثلاثين ألف جنيه إسترليني) لفائزها السنوي. لذا فربما تحقق حلم وولف جزئيًا على الأقل.

والواقع أن قدرًا كبيرًا من «غرفة تخص المرأة وحدها» خفيف وعابر إلى الحد الذي يجعل من السهل أن نغفل عن إلحاح تحليل وولف. لكن من الممكن أن تصبح وولف عدوانية ولعوب كذلك. ففي فقرة أخرى تصف عمل المرأة المتخيلة، ماري كارمايكل، تلمح وولف إلى حب المثليات في الرواية، وهي بالتأكيد فقرة مستوحاة من علاقة وولف بفيتا ساكفيل-وست خلال فترة العشرينيات: «ثم قد أخبركن بأن الكلمات التالية التي قرأت كانت: (أحبت كلوي أوليفيا). لا تبادرن بالحكم عليّ. لا تخجلن، ولنعترف وسط تحفظ مجتمعنا بأن هذه الأمور تحدث أحيانًا. أحيانًا تنجذب النساء للنساء».

وأخيراً، تتحرر وولف من الجدال النسوي لحجتها لتتحول إلى جدال آخر تفضله: ازدواجية الجنس، فتقدم حجة أكبر للخيال الأدبي الأصيل (من وجهة نظر وولف): «أي شخص يشرع في الكتابة سيفكر في جنسه لا محالة.. يتعين على المرء إما أن يكون امرأة -رجولية أو رجلًا- نسائيًا. لا بد أن يحدث نوع من التعاون داخل الذهن والوجدان بين الرجل والمرأة قبل أن يتحقق المنجز الإبداعي. لا بد أن تجري زيجة بين الأضداد. على الذهن أن ينفتح تمامًا... لا بد أن تتوفر الحرية، ولا بد أن يتوفر الهدوء. فلا تصر عجلة، ولا يتلألأ ضوء. لا بد أن تظل الستائر مسدلة على الكاتب».

ثم في بضع صفحات توديعية ـ وهي صفحات تعج بالحجج الأكثر قوة حول أهمية التعليم الجامعي بالنسبة للنساء ــ تُنجز وولف المهمة، فتختتم المقالة وهي تدعم الروح الأساسية للمخاطرة وتدعم الأصالة: «أن نعتاد الحرية والشجاعة لنكتب ما يجول بالضبط في خاطرنا».

ملاحظة على النص

«وذلك لأنني اعتقد أننا لو عشنا قرنًا آخر أو ما يقارب القرن- أنا أتحدث عن الحياة المشتركة الجماعية التي هي الحياة الحقيقية وليس عن الحيوات المتفرقة التي نحياها كأفراد. كل منا يكسب خمسمائة جنيه إسترليني في السنة، وكلُ منا لديه غرفة خاصة به؛ إذا اعتدنا الحرية والشجاعة لنكتب ما يدور في خاطرنا بالضبط: إذا ابتعدنا قليلًا عن غرفة الجلوس المعتادة ونظرنا للبشر ليس في علاقتهم ببعضهم وإنما في علاقتهم بالواقع؛ في علاقتهم بالسماء كذلك؛ في علاقتهم بالأشجار؛ أو أيًا ما كان في أنفسهم؛ أو نظرنا أبعد من شبح ميلتون، لأنه لا يحق لأي انسان أن يحجب عنا رؤية المشهد الأكبر؛ إذا واجهنا الحقيقة -لكونها حقيقة- أنه لا توجد ذراع نتكئ عليها، أننا نمضي وحدنا، وأن علاقتنا  الحقيقية مع عالم الواقع، وليست مقتصرة على عالم الرجال والنساء، عندها ستسنح الفرصة لأن ترتدي الشاعرة الميتة، شقيقة شكسبير، جسدها الذي طالما واراه التراب».