السياسة الحيوية

مقال لشهاب الخشاب

المقال خاص بـ Boring Books

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.


امتى بدأ الانفجار السكاني؟ في التمانينات والتسعينات، الحكومة المصرية شنِّت حملات إعلامية ضخمة ضد زيادة معدل الخصوبة وتعداد السكان بشكل عام، على افتراض إن الدولة مش هتقدر تتحمل النفقة على البني آدمين الجداد اللي عمَّالين يتولدوا كل يوم. الذنب في زيادة التعداد السكاني اتحط في حجر السلوكيات والأخلاق الشعبية، وتحديدًا سلوكيات الأمهات اللي ما كمِّلتش تعليم والأبهات اللي مش قادرين يمسكوا نفسهم، باعتبار إن الجهل هو الدافع الأساسي للإنجاب، ومش الفقر ولا الطغيان ولا انعدام المستقبل في مجتمع رأسمالي متوحش (رغم إن تجارب الدول الأخرى في القرن الـ20 بتدل على إن معدل الخصوبة بيقل لما يكون فيه حد أدنى من الكرامة والعدالة الاجتماعية).

الخلاصة إن النظام المباركي كان عايز الناس تبطل تجيب عيال عشان ما تتقِّلش عليه. الاهتمام بالانفجار السكاني ما كانش نابع من جوه النظام بس، وإنما كان جزء من رغبة واسعة في المؤسسات الدولية للكفاح ضد زيادة السكان عالميًا، ولذلك البرنامج المباركي للتخطيط العائلي كان مدعوم من جهات أجنبية كثيرة. رغم انخفاض معدل الخصوبة إلى متوسط تقريبًا 3 ولادات لكل أم في أواخر حكم مبارك، عدد السكان تضاعف في نفس الفترة، إلى إن التعداد الرسمي وصل لـ100 مليون بني آدم. السؤال هو إيه اللي خلَّى الدولة تهتم بزيادة عدد السكان لدرجة إنها تسميه «انفجار سكاني»؟

 علاقة الدولة بتحجيم عدد السكان نموذج مثالي للسياسة الحيوية (biopolitique) حسب تعبير الفيلسوف ميشيل فوكو (Michel Foucault). مفهوم السياسة الحيوية ظهر لأول مرة في محاضرة ألقاها فوكو للكوليج دو فرانس (Collège de France) سنة 1976، كجزء من سلسلة محاضرات عنوانها «يجب الدفاع عن المجتمع» (Il faut défendre la société). فوكو كان مهتم وقتها بتطور المؤسسات الانضباطية في فرنسا، يعني المؤسسات اللي بتحكم الناس عن طريق انضباط أجسادهم زي الجيش والمدرسة والسجن ومستشفى الأمراض العقلية. توسيعًا للدراسة دي، فوكو قال إن تقنيات الانضباط الفردية لها نظير في حكم السكان بشكل عام، وهي تقنيات السياسة الحيوية.

حسب فوكو، التقنيات دي بدأت تظهر في أوروبا مع بعض التحولات الفكرية والسياسية في نظرية الحكم السائدة مع نهاية القرن الـ18. النظرية السائدة فيما قبل كانت نظرية السلطة السيادية (pouvoir souverain). في الرؤية دي، من حق الحاكم المطلق إنه يقرر مين يعيش ومين يموت، وبالتالي أي إنسان عايش تحت رعايته كأنه مش عايش ولا ميِّت طالما الحاكم ماخدش قرار. في الواقع، الحاكم ما يقدرش يخلق الحياة بشكل مباشر طبعًا، وإنما دايمًا يقدر يقتل البني آدمين اللي عايز يقتلهم. إذن حسب تعبير فوكو، السلطة السيادية هي السلطة اللي بتسمح للحاكم بإنه يقرر مين اللي هيسيبه عايش ومين اللي هيموِّته. النموذج المثالي للنوع ده من السلطة هم الملوك الفرنسيين قبل الثورة الفرنسية، وأشهرهم لويس الـ14 (Louis XIV)، اللي قراراته كانت عبارة عن تجسيد تام لسلطة الدولة على الشعب، ويقدر يعفي أو يموّت أي إنسان تحت رعايته بمزاجه. 

في نهاية القرن الـ18 حسب فوكو، نظرية الحكم اتغيرت إلى عكس السلطة السيادية في أوروبا، إلى عكس حق الحاكم في قتل المحكومين، إلى نظرية مهتمة برعاية الحياة بمعناها البيولوجي. في الرؤية دي، دور الحاكم مش إنه يموِّت بعض الناس ويسيب البعض الآخر يعيش، إنما بالعكس إنه يعيِّش بعض الناس ويسيب البعض الآخر يموت. الفرق الجوهري بين الحالتين يَكمُن في مضمون مصطلح «الناس»: بينما الحكم السيادي بيعترف بالناس بوصفهم أفراد خاضعين لسطوته، حكم السياسة الحيوية بيهتم بالسكان ككل (population)، باعتبارهم كتلة بشرية حيّة لازم ترعاها الدولة ضد الموت والمرض.

السياسة الحيوية مرتبطة بظهور العلوم الإحصائية والديموغرافية والطبية الحديثة، اللي سمحت بالتفكير في السكان باعتبارهم تعداد بشري ممكن يتحصر ويتحدد ويتعد، ويتعرف عنه معدل ولادة ومعدل خصوبة ومعدل وفيات، ويتم رعاية السكان ككل باستخدام تقنيات الصحة والهندسة العامة عشان تبعد عنهم الأمراض الشائعة وتطوِّل في متوسط أعمارهم. يعني السياسة الحيوية مش مجرَّد نظرية للحكم، وإنما هي كمان مجموعة من تقنيات الحكم اللي بتستخدمها الدولة عشان تحسِّن فرصة السكان في البقاء على قيد الحياة، وبالتالي توفّر مناخ مناسب للنمو الاقتصادي والاجتماعي (باعتبار إن معدَّل الإنتاج لازم يزيد إذا كانوا السكان ككتلة بشرية إجمالية في حالة صحية وحيوية أفضل).

 من ساعة حكم محمد علي في القرن الـ19، يعني تقريبًا بالتزامن مع أوروبا، الدولة المصرية كان عندها نفس الاهتمام بالسياسة الحيوية، مثلًا في إحصاء تعداد السكان ومكافحة أمراض زي الطاعون. الاهتمام ده كان سابق ببعض السنين للإصلاحات الإدارية المعروفة بـ«التنظيمات» في الدولة العثمانية المركزية، واللي جزء منها أدى إلى تغيير آليات الحكم العثماني في اتجاهات شبيهة. جزء من اهتمام محمد علي بالسياسة الحيوية كان جاي من رغبة في تحديث مؤسسة الجيش وآليات جمع الضرائب، ولذلك كان بيدعم خبراء أوروبيين ومحليين في مجالات الطب والهندسة والإحصاء عشان يأسسوا أدوات حكم للسكان ككتلة بشرية إجمالية ما كانتش اتطوَّرت فيما قبل.

حسب فوكو، السياسة الحيوية ما حلِّتش محل السلطة السيادية في السياق الأوروبي، وإنما توافقت معاها ومع أنماط المؤسسات الانضباطية اللي كانت موجودة سابقًا. يعني المجتمعات اللي ظهرت في القرن الـ19 وفيما بعد ورثت تقنيات الحكم دي، اللي سمحت بضبط أجساد البشر حسب رغبات المؤسسات الكبرى – الجيش والسجن والمستشفى مثلًا – وفي نفس الوقت سمحت بتسوية السكان فيما يخص حياتهم بالمعنى البيولوجي العام – مثلًا في تسوية معدل الولادة أو الخصوبة أو الوفيات عبر برامج موجهة للصحة العامة. نقدر نشوف نفس الربط بين نوعين من تقنيات الحكم في دولة محمد علي، بين انضباط الأجساد في مؤسسة الجيش، ومشاريع إحصاء السكان والقضاء على الوباء في مصر. كذلك اهتمام الدولة المباركية بانخفاض معدّل الخصوبة كان مرتبط بانضباط أجساد الأمهات والأبهات اللي بينجبوا أكتر من اللي الدولة شايفاه لازم. 

إذا السياسة الحيوية بتتوافق مع تقنيات ونظريات سابقة للحكم، بما في ذلك السلطة السيادية، إزاي بيتم التوافق ده؟ إزاي السلطة السيادية، اللي هي في الآخِر عن أحقية الحاكم في القتل، تقدر تتوافق مع سياسة حيوية بتحاول تعيِّش الناس وتديلهم الصحة والعمر؟ الإجابة في محاضرة فوكو تَكمُن في العنصرية. تحسين صحة وعمر السكان في القرن الـ19 كان مرتبط بإبادة العناصر البيولوجية الضعيفة – الناس اللي عندها احتياجات خاصة واللي عندهم مشاكل صحة نفسية والعواجيز والفقراء والأعراق الأدنى – عشان العناصر القوية تقدر تعيش – يعني في الغالب العرق الأوروبي البرجوازي الأبيض الطاغي. التجسيد الأمثل للفكرة دي حسب فوكو هي الدولة النازية، وإنما نقدر نشوف نماذج من نفس التقنيات والتفكير في المستعمرات الأوروبية والحروب الاستعمارية اللي كان الغرض منها إبادة شعوب أخرى ومش بس الاستحواذ على أراضيهم. 

في حالة دولة محمد علي، فرض السيادة العنصرية للحاكم ظهرت في الحملات الاستعمارية اللي شنَّها على السودان وبلاد أفريقيا الشرقية، اللي كان الغرض منها مش بس الحصول على موارد طبيعية زي الدهب، وإنما كمان استعباد الرجالة الأفارقة للانضمام في جيشه (وبشكل أوسع، للخدمة المنزلية والاقتصادية). من وجهة نظر الدولة المركزية، السودانيين والأفارقة ما كانوش جزء من السكان اللي لازم نعيِّشهم، وإنما أجساد معرضة لسطوة الحاكم المطلقة. في حالة دولة مبارك، العنصرية العرقية ما كانتش الدافع الرئيسي وراء حملات تنظيم الأسرة. إنما الربط بين تخفيض معدل الخصوبة وسلوكيات بعض السكان كان وراه تصور ضمني عن نوع السكان اللي لهم الحق في الإنجاب، وكان التصور ده طبقي باعتبار إن الفقراء الجهلاء هم اللي بيجيبوا ولاد بلا لازمة، بينما الأغنياء المتنوِّرين لهم الحق يجيبوا أولاد أكتر وأكتر.

يعني السياسة الحيوية من معالم الدولة الحديثة في أوروبا وفي مصر، وجزء من نشاط الدولة من أول عصر محمد علي كان اعتماد السياسات اللي هتعيِّش السكان ككل عبر أدوات إحصائية وطبية وهندسية حديثة. الاهتمام بالسياسة الحيوية لا زال موجود بعد سقوط مبارك، مثلًا في الحملة الأخيرة ضد «فيروس سي» اللي تمت بمساعدة الاتحاد الأوروبي، ولكن لازم الحملات دي تتفهم في إطار سياسة الدولة مش بس كجزء من رغبة إنسانية في معالجة البشر. بالنسبة للدولة، حملات الصحة العامة مرتبطة بإبقاء الناس على قيد الحياة ومش بتوفير حياة عادلة كريمة للمواطنين. بالتالي الدعم المركزي للحملات الصحية دايمًا بيعيِّش بعض الناس ويسيب البعض الآخر يموت. المفارقة دي واضحة في السبب التاريخي لانتشار «فيروس سي» في مصر، اللي كان مرتبط بحملة صحة عامة ضد البلهارسيا من أساسه. الحملة دي عالجت بعض الناس طبعًا، ولكنها سابت ناس تانية تموت من وباء جديد. 

في الإطار ده، ما نقدرش نفهم ظواهر زي «فيروس سي» أو «الانفجار السكاني» كمجرَّد عامل من عوامل الطبيعة، وإنما لازم نفهمهم ضمن مفاهيم تانية بتستخدمها الدولة عشان تحكم السكان. يعني تسوية عدد السكان تجنبًا للانفجار السكاني مش مشروع بيولوجي بحت، وإنما مشروع سياسي مرتبط بالتحكم في أجساد البشر وبالأدوات العلمية اللي تسمح ببقائهم أحياء ككتلة بشرية إجمالية. المشروع ده بدأ مع ظهور تقنيات السياسة الحيوية اللي قدرت تحصر وتحدد وتعد السكان، وبالتالي أنتجت مفاهيم جديدة عن زيادة السكان أو قِلتهم.