عن الفكر النسوي الأفرو أمريكي

مقال لشهاب الخشاب

خاص بـ Boring Books

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه


تحرير الخالة جمايما، عمل فني لبيتيه سار، عن Brooklyn Museum
تحرير الخالة جمايما، عمل فني لبيتيه سار، عن Brooklyn Museum

هل الأفكار لها لون؟ السؤال ده غريب بالنسبة للناس اللي بتقرا النصوص باعتبارها كلام صافي، خط أسود على صفحة بيضا، كلام بينعش دماغ الناس زي ما السحاب بيروي الأرض. ربما القارئ بيحب الأفكار للسبب ده تحديدًا: إن مالهاش وجود مادي واضح، إنها بتتخطى حدود الواقع البائس اللي هي عايشاه، إنها بتفتح مساحة من التخيُل الواسع البعيد عن المناطق الضيقة اللي الدنيا بتحصرنا فيها. في الرؤية دي، الأفكار مالهاش لون لأن مالهاش جسم، مالهاش حدود، مالهاش مساحة.

 التصور ده عن الأفكار تصور مثالي، ما بيهتمش بواقع إنتاج الأفكار، ولا بيهتم بتاريخ الخطاب اللي بيفصل بين الأفكار المحسوبة في إطار «الفكر» والأفكار اللي بتفضل مجرّد خواطر عابرة في دماغ البشر. بمعنى بديهي، أي فكرة بتخطر على بال أي حد جزء من تاريخ «الفكر الإنساني»، ولكن الأفكار دي مش شرط تفضل ولا تتسجل للتاريخ بأي شكل من الأشكال. إذن بالمعنى الأكاديمي التقليدي، الفكر عبارة عن مجموعة الأفكار المكتوبة اللي بترقى لمستوى من التجريد أعلى من الخواطر والانطباعات اليومية. مفهوم «الفكر» في التعريف ده مالوش علاقة بمجمل الأفكار اللي الناس فكرت فيها، لأنه مرتبط بالتسجيل والتقييم والتعظيم. 

هنا لازم نلاحظ إن الأفكار اللي بتدخل في إطار «الفكر الإنساني» بالمعنى الأكاديمي هي في الواقع أفكار جزء محدد من البشرية، الجزء اللي يقدر يسجل أفكاره ويدي لها هيبة وقيمة. فمثلًا في التطور التاريخي للفلسفة في أوروبا وأمريكا، الجزء ده من البشرية كان في الغالب عبارة عن رجالة، وفي الغالب كانوا أوروبيين بيض، وفي الغالب كانوا متدربين في مؤسسات تعليمية راقية. بالتالي «الفكر» اللي أنتجته التقاليد الفلسفية الأوروبية عمره ما كان بيمثل الفكر الإنساني بالكامل (رغم ادعاءات بعض الفلاسفة الأوروبيين) لأن الظروف اللي الأفكار دي ظهرت فيها والناس اللي طوَّرتها والخطاب اللي اتأسس حوليها ما كانش بيمثِّل الإنسانية بالفعل.

إذا سألنا نفسنا إن كانت الأفكار لها لون في الإطار ده، بمعنى إن الأفكار بتاخد من طبع الظروف اللي اتأسست فيها، نقدر نشوف إن الفكر الفلسفي التقليدي اللي اتأسس في سياق أوروبي أمريكي عنصري له جسم وحدود ومساحة معيَّنة مرتبطة بالمفكرين البيض اللي كتبوا الكلام ده. القارئ اللي بيتابع «موسوعة الملل» يقدر يراجع الكُتَّاب والمفاهيم اللي اتقدموا في السلسلة ويشوف إلى أي مدى التراث الفكري اللي قدمناه في المقالات السابقة بينبع من تراث فكري أوروبي أمريكي أبيض، وإزاي المفاهيم دي مرتبطة بالسياق التاريخي ده وبالمجتمعات العنصرية اللي أسست للأفكار دي.

 النقد ده اتطوَّر في مجالات أكاديمية زي دراسات ما بعد الكولونيالية، مثلًا في كتابات الناقد إدوارد سعيد عن الاستشراق أو الناقدة جاياتري سپيڤاك (Gayatri Spivak) عن المستضعفين. الكُتاب دول حللوا العنصرية الضمنية الموجودة في مجالات فكرية مختلفة في أوروبا وأمريكا، ولكن تحليلاتهم كانت لسة بتناقش الأفكار دي في إطار المكتوب والمسجل. إذا اهتمينا بالفكر اللي ما كانش له حظ من التسجيل، وإذا حبينا نفهم أفكار الناس اللي كانت رهينة للنظام الأوروبي الأمريكي العنصري، إزاي نقدر نسترجع الأفكار دي؟

 ده السؤال الإشكالي الرئيسي في كتاب «الفكر النسوي الأفرو أمريكي» (Black Feminist Thought) لعالمة الاجتماع پاتريشيا هيل كولنز (Patricia Hill Collins). مشروع كولنز كان إنها تجمَّع شذرات الفكر الخاص بالستات النسويات الأفرو أمريكيات، بتقاليده الفكرية وأشكاله الأدبية الخاصة. كولنز بتشرح إن التاريخ العنصري الأمريكي والذكورية الطاغية في حركات التحرر الأفرو أمريكية همِّشت الأفكار النسوية الأفرو أمريكية تحديدًا. التهميش ده مش مجرَّد تهميش فكري مثالي، وإنما هو تهميش اقتصادي واجتماعي في الأساس. العنف والقمع الشديد اللي اتعرضوا إليه العبيد الأفارقة في زمن العبودية استمر في إطار القوانين العنصرية المعروفة باسم «جيم كرو» (Jim Crow) في أمريكا. في الظروف دي، الرجالة والستات الأفرو أمريكيين كانوا عايشين تحت سطوة نظام رأسمالي ذكوري عرقي بيفرَّق بين الرجل والست، بين الأبيض والأسود، وبيختزل القوة الاقتصادية والروحية في المجتمع الأفرو أمريكي لصالح المستعمرين البيض (والاختزال ده له أثر لغاية النهارده، مثلًا في الفرق الواضح بين ثروة السكان والبيض والسود في المتوسط، أو في التقسيم العرقي للمدن الأمريكية).

في الظروف دي، تراث النسوية الأفرو أمريكية ما كانش ممكن يظهر في الأماكن المهيمنة لكتابة وتسجيل الفكر، زي المدارس والجامعات ودور النشر، لأن الأماكن دي كانت تحت سيطرة الرجالة البيض في أمريكا. حتى المكتبات والجامعات ومؤسسات النشر الموازية اللي ظهرت في نهايات القرن الـ19 لخدمة المجتمع الأفرو أمريكي كانت مسخَّرة بشكل أساسي للرجالة الأفرو أمريكيين، وبالتالي ما كانش فيه اهتمام ممنهج (لغاية النصف التاني من القرن الـ20) بتجميع التراث النسوي الأفرو أمريكي تحديدًا.

إذن الأثر اللي سابه الفكر النسوي الأفرو أمريكي ما كانش في الكتب ولا في الجامعات، وإنما في تجمعات نسوية موازية: في البيوت وفي الكنائس، في الشعر وفي الغناء، في التراث الشفاهي والقصص اللي اتمررت بين الأمهات وبناتها. التراث ده قدم نقد للنظام الرأسمالي الذكوري العرقي بيختلف عن نقد النسويات البيضا من ناحية، بما إنها ما كانتش بتاخد في الاعتبار القمع العنصري في تحليلاتهن، وبيختلف عن النقد السائد في حركات التحرر الأفرو أمريكية من ناحية تانية، بما إنها كانت بتركز في تحرر الرجل العامل في المجال العام ومش المرأة العاملة في البيوت (باعتبار إن الستات الأفرو أمريكيات لها دور أساسي تاريخيًا في العمالة المنزلية الأمريكية).

حسب كولنز، تجميع الفكر النسوي الأفرو أمريكي ما يقدرش ينتهي عند بعض الكاتبات المشهورة زي أنجيلا ديفيس (Angela Davis) وأودري لورد (Audre Lorde) وتوني موريسون (Toni Morrison) وبيل هوكس (bell hooks) وأليس والكر (Alice Walker)، لأن الأسامي دي جزء من تراث أقدم كان بيحلل الأشكال المختلفة والمتشابكة لقمع الست الأفرو أمريكية في مجتمع رأسمالي ذكوري عرقي. التحليل ده قدم أفكار جديدة عن طبيعة العمل والعائلة والأمومة والحب، بناءً على تجارب تاريخية وتطورات فكرية ما كانتش مرصودة لغاية نهايات القرن الـ20 في الخطابات والمؤسسات المهيمنة اللي كانت بتقيم وبتعظم «الفكر الإنساني».

بالتالي الفكر النسوي الأفرو أمريكي مش بس مهم في حد ذاته، ولا عشان ناخد جولة سياحية في أفكار بره التقاليد الفكرية المعتادة، وإنما كمان عشان نفهم إزاي نسترجع أثر تقاليد فكرية اتأسست في سياق من القمع والعنف على كل المستويات. الاسترجاع ده بيفكّرنا إن «الفكر» مش في السحاب، ولكنه وليد الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. بالتالي الفروق في النوع والدين والعرق لها أثر في تكوين الفكر الإنساني، والتغاضي عن الأثر ده نوع من تبرير العنف المعنوي. الأفكار مالهاش لون واحد وإنما ألوان، والاهتمام بالألوان دي أول خطوة في كتابة تاريخ الفكر بشكل شامل وعادل.


* الصورة: «الخالة جمايما» (Aunt Jemima) هي ماركة أمريكية بتصنع عبوات شربات وعجينة بانكيك، وبتستخدم لوجو نمطي عنصري للخادمة المنزلية الأفرو أمريكية. في القطعة دي، الفنانة بيتيه سار (Betye Saar) حولت عبوة «الخالة جمايما» لكوكتيل مولوتوف، من ناحية عشان تفجر الصورة النمطية للست الأفرو أمريكية، ومن ناحية تانية عشان تحوِّل أدوات المستعمر الأبيض في سبيل الكفاح ضده.


اقرأ المزيد: سيادة العين