الجماهير

مقال لحسين الحاج

خاص بـ Boring Books

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.

***

حشود مصرية
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-05-15 09:58:43Z | http://piczard.com | http://codecarvings.com

«مفيش حد متمتع (بالحقوق السياسية)، يبقى مفيش شعب، يبقى انتهى الموضوع! ييجي واحد متخلف يقول لك: إذا كان مفيش شعب، من هذه اﻷشكال التي تمشي في الشوارع وتدفع الضرائب وتأكل على عربيات الفول وترقص في اللجان؟ آديك قلت يا متخلف بنفسك: أشكال! مجرد تباديل وتوافيق جينية واحتمالات، زيهم زي الضفادع والطيور والزهور والنباتات».

حلقة «أنت البلبيسي» للأخ الكبير أنديل - مايو 2019

منين الناس دي كلها؟ أو لو صححت السؤال، مين الناس دي كلها؟ يبدو إننا في تعاملنا اليومي بقينا مش بس كارهين الزحمة في الشوارع، إنما كمان إحنا كارهين إننا ننزل من بيوتنا ونتعامل مع ناس ما نعرفهاش ومش حاسين إن فيه حاجة تربطنا بيهم. في عصر سيادة الشاشات (أو عصر المحاكاة زي ما سماه بودريار)، إحنا بنختار -تقريبًا- نشوف ونسمع ونتعامل مع ناس معينة، لكن في الواقع لسه ما عندناش الخيار دا، وبالتالي مشاعر كراهية الغرباء والتجمعات البشرية الكبيرة بتتنامى في نفوسنا يوم بعد يوم.

نرجع تاني للسؤال، مين الناس دي كلها؟ هتلاقي رجل الدولة يرد عليك: دول الشعب المصري، وتلاقي الدكتور الجامعي يقولك: دول المجتمع المصري، وشيخ الجامع يزغر لك: دول أمة لا إله إلا الله، والفلوجر الماركسي يفهمك: دول الطبقة العاملة. طب يعني دول شعب ولا مجتمع ولا أمة ولا طبقة عاملة؟

واضح إن كل كلمة ليها دلالتها عند اللي بيقولها، في اﻵخر رجل الدولة عايز من الشعب إنه يخضع له ويصوَّت له في الانتخابات، والدكتور الجامعي عايز يثبت تصوراته العلمية ومعرفته على المجتمع اللي عايش فيه، والشيخ عايز اﻷمة تمشي ورا فتاويه وآراءه الدينية، والماركسي عايز الطبقة تثور ضد كل دول وتحقق حلم الشيوعية، بس الحقيقة إن الناس دي كلها مش بتعمل كدا بالظبط، لا كلها بتصوت في الانتخابات لرجل الدولة، ولا كلها خاضعة لتحليلات الدكتور الاجتماعية الموضوعية، ولا كلها بتصلي ورا الشيخ في الجامع، وطبعًا مش شايفينها بتثور ضد أي حد منهم وتحقق حلم الشيوعية.. حاجة غريبة! مين الناس دي بقى؟

«الكورة للجماهير.. مش بمزاجك يا وزير»

خلينا نقول إن طابع الحياة المدينية/الحضرية أصبح هو السائد في العالم، أكتر من نص سكان العالم دلوقتي بقى عايشين في مدن أو حضر منهم في قرى أو بوادي، والنقلة دي حصلت في القرن اﻷخير أكتر ما حصلت في أي فترة قبلها. معنى كدا إن شكل العلاقات الاجتماعية بين الناس في العالم اتغير بالكلية في فترة قليلة قوي من حياة البشر على اﻷرض، وتغيرها السريع يتطلب استعادة مفاهيم قديمة لمعاني جديدة تلائم حالة التغير دي. واحدة من المفاهيم دي كان مفهوم «الجماهير the multitude».

مفهوم «الجماهير» اللي شرحه الفيلسوف الهولندي باروخ إسبينوزا في القرن السبعتاشر بيقدم بحسب منظرين ماركسيين إيطاليين معاصرين، زي أنطونيو نيجري وباولو فيرنو، تصنيف أفضل لتحليل الحالة الاجتماعية المعاصرة من مفهوم «الشعب» الهوبزي (نسبة إلى الفيلسوف اﻹنجليزي توماس هوبز)، حيث إن وضع العولمة بيجبرنا دلوقتي على إعادة التفكير في التصنيف اﻷخير المرتبط تاريخيًا بالدولة القومية. توماس هوبز كان متضايق من فكرة الجماهير وعرفهم بإنهم وحدة سياسية بتقاوم السلطة طوال الوقت وعمرها ما بتثبت على عقد اجتماعي يوحد الدولة، وقال بالظبط إن لما نلاقي مواطنين بيتمردوا ضد دولتهم فهما بيكونوا جماهير ضد الشعب. لكن إذا نفضَّنا لرأي هوبز، فالجماهير مش بس فكرة سلبية الحقيقة، لكنها مفهوم غني بيسمح لنا بفهم تجارب مجتمعية جديدة من الديمقراطية غير التمثيلية.

بالنسبة للمنظر باولو فيرنو، الجماهير اللي عاشت في الدول المدينة في فجر الحداثة قبل ميلاد الدول القومية الكبرى كانوا بيستعملوا «حق الرد والدفاع ius resistentiae». مش المقصود بحق الرد حق الدفاع القانوني المبتذل، إنما حقوق اﻷفراد والمجتمع المحلي والطائفة الحرفية في الحفاظ على أنماط حياتهم اللي اعتادوها ضد اعتداءات السلطة المركزية. حق الرد بيدافع عن مجال عام تعددي مش بتتحكم فيه الدولة أكتر ما هو بيسعى لخلق دولة جديدة أو احتكار جديد للقرار السياسي، وبالتالي من الطبيعي إن الجماهير بتحفز انهيار التمثيل السياسي في بحثها الحقيقي عن مؤسسات سياسية بترفض تبني أوهام السلطة المركزية وطقوسها، ودا اللي كان هوبز خايف منه: ميل الجماهير لتبني كيانات سياسية غير تقليدية، زي الطرق الصوفية زمان أو اﻷلتراس من كام سنة أو مجموعة أمهات الطلبة المصريين على فيسبوك دلوقتي.

ضد الشعب دائمًا، مع الجماهير أحيانًا

مش بالضرورة إن وجود مفهوم الجماهير يلغي عمل باقي المفاهيم، بمعنى إن الشعب في الخطاب السياسي والمجتمع في النظرية الاجتماعية واﻷمة في الفتوى الدينية والطبقة العاملة في التحليل الاقتصادي لسه موجودين وصالحين للعمل والتأثير. وفي النهاية مين دا اللي بيسأل عن الناس؟ صاحب السؤال هو فرد مالوش انتماءات ظاهرية مطلقة، زيّه زيّ الجماهير بالظبط، مش بيلبس زي رسمي موحد، وبيخاف من وحدته قد ما بيخاف من زحمة الناس حواليه.

الفرد صاحب السؤال مؤكد إنه بيكره حبسه في أوصاف معينة يتحسب بيها نفر زي ما الجماهير بتكره حبسها في أوصاف معينة تتحسب بيها شعب ومدرك إنه هو والجماهير مش لازم يخافوا من بعض ﻷنهم دايما فيهم من بعض، وعلاقتهم مش لازم تفضل على طول العمر مرسومة بضمانات الدولة المختومة بقوانين مقسومة بين حكم اﻷغلبية وحقوق اﻷقلية، أحيانًا تحت حكم الضرورة يقبل صاحب السؤال إنه يبقى نفر ساعة ما يدور على أكل عيشه ويلبس عفريتة الشغل زي ما أحيانًا تقبل الجماهير إنها تبقى شعب ساعة ما تنزل تأيد الدولة ويحضنوا أفرول الجندية، لكنهم في اﻵخر لما بيفيض بيهم بيستنوا لحظة ما يقلعوا العفريتة واﻷفرول من عليهم ويسبوا على صاحب الشغل ويهتفوا ضد الحكومة.


اقرأ المزيد: إيه هو الهابيتوس؟