أصداء مايو | من الاجتماعي إلى الثقافي – حوار مع آلان تورين

من الاجتماعي إلى الثقافي – حوار مع آلان تورين*

حوار ميشيل ويفيوركا

نُشر في مجلة Socio

31 مايو 2018

* آلان تورين (1925) عالم اجتماعي فرنسي، يعمل مديرًا لوحدة البحث في مدرسة الدراسات التقدمية في العلوم الاجتماعية.

ترجمة: أحمد حسان

ضمن ملف «أصداء مايو»

خاص بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***

ميشيل ويفيوركا (Michel Wieviorka): بعد خمسين سنة من مايو 68 ومع بُعد الزمن، هل ما زلت على تحليلاتك لتلك الفترة، كما تظهر خصوصًا في كتابك «الشيوعية الطوباوية»  Communisme utopique-1968؟ وماذا يتبقى من مايو 68 اليوم؟

آلان تورين (Alain Touraine): بعد خمسين سنة، أجدُ الملفَ بكامله بين يديّ ولا أستطيع التفكير في أن أشياءَ ستحدثُ يمكن أن تحمِلَنا على مراجعة آرائنا. في تلك الفترة، بعد متاريس الحي اللاتيني، في شارع جي ـ لوساك مثلًا، ظل تأثيرُ الشباب ملحوظًا. وظل الحكمُ الذي أصدره الوجهاء، بما في ذلك المثقفون، محكومًا بنفس أوجه عدم الفهم.

بعد خمسين سنة، أستطيع أن أقول لك إن لديّ شعورًا بأن البعض يعتبرونني شخصًا خطرًا وغير جادٍ بسبب تحليلاتي في تلك الفترة للحركة الطلابية.

أشدِّد، وهذا أقل إزعاجًا من جهةٍ أخرى، أن التأثيرَ السياسي لمايو 68 يظل معدومًا. كان تأثيرُه الفكري سلبيًا؛ وبالمقابل، فيما يخص الاجتماعي والثقافي كان ويظلُ بالغ الأهمية.

ويبدو لي بعد أربعٍ وخمسين سنة، أنني سأُصدر نفسَ الحكم عن بيركلي، التي كانت بالفعل نقطة الانطلاق، عام 1964، لما نتحدثُ عنه. لقد كتبت كتابًا عن الحركات الطلابية في الجامعات الأمريكية، وألاحظ أن تأثيرها كان أقوى بكثير فيما تلى بسبب مهرجانِ وودستوك عام 1969، والثقافةِ ـ المضادة لأعوام الستينات. وقد وقع أيضًا 68 أمريكي هام، خصوصًا في جامعة كورنيل وفي المقام الأول في جامعة كولومبيا، حيث لعب صديقُنا إيمانويل واليرستين [فاليرشتاين] Immanuel Wallerstein دورًا ملحوظًا، مما اضطره للذهاب إلى المنفى في تورنتو، بكندا.

ولما أصبحتُ أستاذًا في بيركلي بعد تلك الفترة، شهدتُ في قلب جماعة السوسيولوجيين، أن نصف الأساتذة قد رحلوا باتجاه قسم العلوم السياسية. لكن كذلك أن التأثير السياسي بالمعنى المحدد كان معدومًا، مثلما في فرنسا. لم يتأثر الحزبُ الديموقراطي الأمريكي بكل ما حدث أكثر مما فعل الحزب الاشتراكي الفرنسي.

ولا أتخذُ موقفًا بشأن الجانبِ الألماني لأنني لم أتابع كثيرًا الرأيَ في ذلك البلد. لكنني ألاحظ أنه في ألمانيا سرعان ما سحقَت ذكرى تلك الحركة صورةُ عصابة بادرBaader  والإرهاب ــ وهي ظاهرةٌ كان لها مع ذلك معادلٌ أمريكي في الويثرمِن weathermen، وكذلك في فرنسا وأكثر في إيطاليا.

كان الأمرُ دائما أن تلك الحركات الطلابية قد شكلت ظاهرةً تستحقُ أن يُحكم عليها بصداها العالمي، الذي كان هائلًا. ليس فقط في ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وحتى في المكسيك، التي سأتركها جانبًا هنا، لأن ما حدث هناك شديدُ الاختلاف من الناحية الجوهرية.

فيما بعدُ كتبتُ كتاب  «نموذج معياري جديد»Un nouveau paradigme - 2004، أشرح فيه أن الحركاتِ المسمّاة اجتماعيةً قد انتقلت من الاجتماعي صوب الثقافي. إنها ظاهرةٌ كبرى تأكّدت بشكلٍ كبير مؤخرًا. أفكّرُ في الربيع العربي، أو أيضًا في الطلبة التشيليين عام 2011. وكان ذلك صحيحًا بالفعل عام 1968، في فرنسا، وعام 1964 في بيركلي.

إذا أراد المرءُ تقديمَ منظورٍ تاريخي، لوجب القولُ إن تاريخَ العالم الغربي قد عرف قرنَ السياسي، الذي كان قرن الثورات: 1688 ـ 1789؛ ثم قرنَ الحركة الاجتماعية بالمعني المحدد، الحركة العمالية، في القرن التاسع عشر؛ ثم قرن الثقافي، الذي بدأ على نحوٍ معين قبل الحرب العالمية الأولى بقليلٍ، مع الدادا والسوريالية، وتلاه الجانب الفكري للحركة السوفيتية، ثم لقي ازدهاره الحقيقي مع الحركات الطلابية.

هذه الحركاتُ الطلابية حدَّدت حقا دخولَ العالم في حقبةٍ تحكمها رهاناتٌ يمكن تسميتها ثقافيةً.

ذكرتَ أن تأثير 68 كان إيجابيًا في الرأي [العام]، واستشهدتَ بقلب باريس. لكن ثمة أيضًا أناسٌ عاشوا مايو 68 من بعيد، كشيءٍ فظيع.

هذا صحيحٌ، لكنني أجيبُ على ذلك على الفور بالقولِ بأن التفسيرَ الانتفاضي أو الثوري لمايو 68 متهافتٌ لا يصمُد على قدميه.

لأسبابٍ ليست إيجابيةً بالضرورة، لأنها حركةٌ لم تعرف أبدًا أي وحدةٍ. لو كان ثمة تفسيرٌ خاطىءٌ ضخم لـ68، يقترفُه عادةً الثمانيةـ والستينيون أنفسهم، فإنه هذه الفكرة عن وحدة 68. بالنسبة لأي شخصٍ لديه حدٌ أدنى من المعلومات، كان الأمر الأهم هو عدمُ الفهم والعداوة الأساسية بين الكونفيدرالية العامة للشغل[1] CGT  وبين الحركة الطلابية.

هناك صورةٌ ظلت محفورةً في ذهني. يوم أحد المظاهرة الضخمة «المليونية» ــ مليون مشارك ــ يوم 13 مايو، التي اخترقت باريس، مُصَعِّدةً صوب لوكسمبورج، فمن ناحية قالت الكونفيدرالية العامة للشغل: «السياراتُ من هنا» ومن الناحية الأخرى قال كوهن ـ بنديت وآخرون: «اعتصام sit-inفي لوكسمبورج، من هنا» مُشيرين إلى الاتجاه المعاكس. كان ذلك هو الانفصال، العداوة، فلم يتحرك الطلبةُ الشيوعيون، مع اختراقاتٍ متبادلة بين الطلبة وبين اليساريين.

للحديث بالفاظٍ أكثر عينيةً عن «حركة مايو» تلك، لا بد من رؤية ما كان يحتويه ما نُسمِّيه اليسار المتطرف: الشيوعيين بالتأكيد، لكن كذلك الشراذم اليسارية، ونانتير. وهذه التيارات الثلاثة كانت معاديةً لبعضها البعض.

في نوعٍ من الانفجار للعالم التروتسكي لتلك الحقبة، تحدث عددٌ معينٌ من المثقفين الرفيعي المستوى بطريقةٍ متعقلة، معتدلة، في ذهني من كتبوا «الصدع la brèche»: موران، وكاستورياديس، ولوفورMorin, Castoriadis, Lefort  - 1968، الذين كان كتابهم مختلفًا تمامًا عن كتابي.

ومن الجانب الشيوعي، كان العداءُ صريحًا.

لم يكن في هذا كله أيَّ وحدة. وفضلًا عن ذلك، كان في ليالي المتاريسِ الثلاث شخصياتٌ مختلفة تمامًا، ولم تكن مُبَنْيَنةً، مُنظَّمةً بطريقةٍ موحَّدة، ولا حتى في أقواها، أي الليلة الثانية، التي مرَّت خلالها لحظةُ قلقٍ حين أُزيح المتظاهرون إلى الضفة اليمنى قريبًا من البورصة. لكن لم يكن ثمة أبدًا مجموعٌ من الفاعلين أو جهازٌ مركزي يلعب دورَ التوحيد.

لم يكن ثمة تأثيرٌ سياسي، لو كنتُ أتابعك، لأنها بكل بساطة لم تكن حركةً سياسية؟

في 68، لم تجرِ سيرورةٌ سياسية، كنا في عالمٍ من التمثيلات، من الصور، من المخيّلات. ومن هنا الأهميةُ الفائقة للتعبيرات التشكيلية، خصوصًا في نانتير، في الممر الكبير للكلية. لم تكن 68 أبدًا حركةً سياسية، بوصفها حركةً. وفي النهاية، حاول البعضُ تنظيم عملٍ سياسي في ستاد شارليتي Charléty. هناك كان ﭘيير منديس فرانس Pierre Mendès France الشخصية الرئيسية؛ لكن بشيءٍ من الرعونة ولم تؤدّ هذه المحاولة إلى شيء. وننتقل خلال ثمانٍ وأربعين ساعة من شارليتي إلى المظاهرة الديجولية للشانزيليزيه.

لا تكتسب الحركةُ ولا حتى ظلَّ تمثيلٍ سياسي. مثلما في برلين، مثلما في الولايات المتحدة.

وكل فكرةٍ عن يسارٍ متطرفٍ قوي، عن خطرٍ ثوري، يجب إبعادُها. وما يُثبت ذلك، أنه في باريس، لم تحدث وفيات. ولو كان مُفوّض شرطةٍ قد قُتل في ليون، فلم تكن تلك المدينةُ مركزَ الحركة.

وهناك شخصيةٌ جديرة بالملاحظة في تلك الفترة: رئيس شرطة باريس، موريس جريموه Maurice Grimaud، الذي اتضح أنه رجلٌ استثنائي. فقد أتاح ذكاؤه، وتفهمه للوضع ألاّ يَحدُث شيءٌ درامي.

والفترة التي ستتلو ذلك، التي سُمّيت «سنوات الرصاص» في إيطاليا، وفي ألمانيا، وأيضا في فرنسا، سنوات إرهاب اليسار المتطرف، تناظر تَحلُّل الحركة.

بعبارةٍ أخرى، لم يكن مايو 68 حركةً سياسية؛ إذ يُشكِّل جزءًا من الحركات الثقافية الأشد أهمية، تلك التي تبيِّن لنا أن المخيلة، والفن، والتمثيلات مهمةٌ قدر أهمية الأفعال السياسية بالمعنى المحدد. كانت الوحدة في المخيلة وفي الثقافة، وليس في مشروعٍ سياسي.

إذا لم يكن للحركة وحدةٌ سوسيولوجية وأقل من ذلك وحدةٌ سياسية، فإنها تتطور أيضا بشكلٍ ملحوظ في الزمن.

كنتُ دومًا إيجابيًا تمامًا بصدد نانتير، وأقل من ذلك بكثيرٍ بصدد السوربون، وسلبيًا تمامًا بصدد الأوديون. لم أُخفِ أبدًا أن إعجابي بكوهن ـ بنديت ينبع من أنه كان معاديًا بوضوح للشراذم groupuscules. لم تكن حركة 22 مارس شرذمة. كانت «الشراذم» هي التنظيم المفرط للتروتسكيين، أو الماويين. في الأوديون كان الأمر أشبه بحماقاتٍ بالغة التنوّع. لكن في حركة 22 مارس، لم يكن ثمة ضبطٌ سياسي، إدارة سياسية.

مايو 68 ليس حدثًا سياسيًا، إنه حدثٌ للثقافة والمخيلة السياسية، يُشير إلى ميولٍ بالغة العمق وباقية.

إذا كنتُ أُتابِعُك جيدًا، فإن ما يحدثُ مع العمَّال يُحدِّد نهاية حقبة، بينما تُشير الحركة الطلابية إلى مولد حقبة؟

هذا هو الأمر بالضبط. في فرنسا، وربما في بلدانٍ أخرى أيضًا، يتم الإبقاءُ على الفعل العمالي زمنًا أطول، بصورةٍ مستقلة عن المخيّلة. وهذا ما أدَّي إلى تشوّشٍ معين وجعل الفاعلين [المؤدِّين les acteurs]، خصوصًا في نانتير، لكن عمومًا داخل الحركة الطلابية وداخل الشباب، يتغذّون على لغةٍ كانت لغةَ الحقبة التي خرجوا منها، لغةَ الحركةِ العمالية.

هذه حالات شائعةٌ جدًا. وبنفس الطريقة، فإنني أعتبرُ أن الرابع عشر من يوليو، الاستيلاء على الباستيل، كان استثناءً في الواقع الأكبر لعام 1789 وأنه أعلن بالأحرى عن العاشر من أغسطس عام 1792. أنا مع 14 يوليو في تدمير المَلَكية، الأمر الذي لم يكن مع ذلك المشكلة المحورية حقًا لعام 1789، الذي هو عام إعلان حقوق الإنسان والمواطن، عام ليلة الرابع من أغسطس، وإلغاء حقوق النبلاء. لكن هناك بالفعل ذلك اليوم، يوم الخشب المحترق المتطاير والرؤوس المقطوعة.

إذا قارنتُ ما تقوله عن الثورة وما تقوله عن مايو 68 وسنوات الرصاص، فلديَّ في الحالتين صورة سيرورةٍ تاريخية فيها تأتي الذروةُ الثقافية في البداية، وبعدها مباشرةً يأتي هدمُ البنية، والأزمة، والعنف، إلخ.

في مايو 68، كان الطلابُ اليساريون هم من يحدِّدون نهايةَ الحركة العمالية؛ لكنهم ردَّدوا تيمات الثورات العمالية. وبنفس الطريقة، إذا أخذت أحداث الربيع العربي، بعدها بزمن طويل، فإن أولئك الطلاب الذين كانت أهميتهم في إقليمهم ملحوظة كانوا أمام مخرجٍ ـ زائف بالنسبة للنزعة الجهادية والنزعة القومية السلطوية. يمكن للمرء أن يكون أمام مخرجٍ ـ زائف تاريخي وفي نفس الوقت في خضم المدِّ التاريخي، إذا تحدثنا من الناحية السوسيولوجية. ويؤدي ذلك إلى تأملات عن التفاوتِ بين ما نسميه الفعل وبين الوعي. وهذا يبرر الاعتراف بأهمية أن تتوفَّر بشكلٍ متوازٍ سوسيولوجيا للعالم الموضوعي، وسوسيولوجيا للعالم الذاتي، أي للفاعلين[المؤدين] الاجتماعيين.

كما تبرِّر هذه الحركاتُ الطلابية العبورَ من سوسيولوجيا للأنساق إلى سوسيولوجيا للمؤدين [للفاعلين].

أنت تستبعدُ فكرة تأثيرٍ سياسي، وتصرّ على ذاتية المؤدين: هل ترك ذلك أثرًا؟

من يقولون: «لكن ذلك لم يُثمر شيئًا» يرتكبون خطأً ضخمًا لم يعد يمكن الدفاعُ عنه فيما أظن. فمن بين التيمات التي دخلت بطريقةٍ مختلفة في البلدان التي حملت علامة 68، ثمة موضوعان فُرضا بصورةٍ باقية: أولًا مشكلات الشخصية، الجنسانية، وثانيًا المشكلات الكولونيالية ـ السابقة، ما بعد ـ الكولونيالية، العالمية. لم يكن التأثيرُ الرئيسي للحركة تجديدًا للحركة العمالية، إذ يمكن القول بأن تلك الحركة قد أُضعِفت منذ عام 1947، بعد القطيعة بين الاشتراكيين والشيوعيين.

نهاية الحركة العمالية، أم نهاية الاجتماعي، بصورةٍ أكبر؟

بعد فترةٍ تمحورت على السياسي في حالته الخالصة وبلغت أوجها على يد الاستقلال الأمريكي، فترةٍ محكومةٍ حسب رأيي بتأملٍ في المؤسسات ــ اختراع المحكمة العليا، ومجلس الشيوخ، والقطيعة مع جورج الثالث ــ مررنا بفترةٍ عشتُ فيها شطرًا كبيرًا من حياتي الشخصية والآن، بعد خمسين سنة، أستطيعُ السماحَ لنفسي بالقول بأنها انتهت. إنها فكرة أن التاريخي، هو الاجتماعي.

وهكذا استخدمتُ مؤخرا تعبيراتٍ من قبيل الفترة ما بعد ـ الاجتماعية، وكذلك نهاية المجتمعات، أعتقد أنني كنتُ على حقٍ، لكنه تحوُّلٌ عميق. وأتفهم أن الكثيرين لا يفهمونه بسهولة!

إذا كان ثمة ما يُقال عن التغيرات التي عشناها، لقلتُ إننا انتقلنا من تاريخٍ مُقتصِرٍ على مشكلات الناس، وبعبارةٍ أخرى على مشكلات ذكورِ البلدان المتقدمة، إلى توسيعٍ ثلاثي:

  • صوب مشكلات الطبيعةِ البشرية، مشكلات الحياة، والموت، والجنسانية، والإنجاب، ومن ثم مشكلاتِ وضع النساء، وصوبَ بدايةِ نزعِ ـ اجتماعيةِ الجنسانية، أي إضعافِ الدور الاجتماعي بالمعنى المحدد للعائلةِ وللزواج، مما يجب قولهُ بكل الظلال الواجبة. وهذا ما يمنح تيمة المثلية الجنسية أهميةً متزايدة بقوة؛
  • صوب مشكلاتٍ جديدة للعمل والتشغيل، لأن مجتمعنا يضفي أهميةً أكبر على الاتصال أكثر من التصنيع؛
  • صوب مشكلات نزع الاستعمار، الذي لم يؤدِّ إلى امتداد العمل السياسي الديموقراطي الليبرالي الغربي إلى بقية العالم، بل على العكس. وقد حصلنا مؤخرًا على برهانٍ ضخم مع التحول المتأخرِ لكنه ملحوظٌ بقوةٍ لتوجُّه الهند صوب نزعةٍ قومية سلطوية وليس صوب نظامٍ ما بعد ـ بريطاني على طريقة نهرو، وهو تحولٌ بالغ الأهمية.

حين أقولُ إننا ننتقلُ من الاجتماعي إلى الثقافي، أشيرُ إلى أننا ننتقلُ من كونٍ متمحورٍ حول جزءٍ من العالم وحول جزءٍ من حياة الناس (الاجتماعي) إلى مجموعٍ أوسع يستدعي لغةً كوكبية ما زال يتوجَّبُ العثورُ عليها. يتمثل العملُ الفكري الذي يفرضُ نفسَه في العثور على لغةٍ تتيحُ التحدُّثَ بنفس المصطلحات، لكن بالتفرقة الضرورية، عن المشكلاتٍ الاجتماعية، وعن مشكلاتِ الشخصية، وعن المشكلاتٍ العالمية.

أعود إلى تأثير 68 عبر ما تقوله. ثمانية وستون هي تلك اللحظة الثقافية، وبعدها، وحتى أثناءها تقريبا، مع «الكاتانجيين Katangais»[2]، الذين يحتلون جزءًا من السوربون بصورةٍ مقلقة ــ وربما كانوا مسلحين ــ، تأتي سنواتُ الرصاص، وأخيرًا بعدها بقليل، يصل فرنسوا ميترانFrançois Mitterrand  إلى السلطة. ألا يُصعِّب ذلك من مسارِ أوجه التقدمِ الثقافية؟

ذلك يجعلُها مستحيلةً. ليس ثمة ميراثٌ لـ68، باستثناء ميراثٍ ثقافي في المجالات الثلاثة التي تحدّثتُ عنها، وهو ميراثٌ كبير.

بل إن 68 لم يكن ما يمكن توقُّعُه من وجهة نظرِ النزعة النسوية. تمثّلَ تحوّلُ النسوية الكبير في العبورِ من الحقوق السياسية إلى الحق في الجنسانية وفي حرية الجسد. كان هو العبورُ من النسوية إلى حركات النساء. ومن المثير تمامًا للاهتمام أن نرى أن أول عملين هامين، أعني الاعترافَ بموانع الحمل وقبول مبدأ الإجهاض، كانا في فرنسا من عمل ديجوليٍ، وسيمون ﭬيل Simone Veil في حكومة ﭬاليري ﭼيسكار ديستان Valéry Giscard d'Estaing .

أيمكن أن تقول أن السنوات التي أعقبت 68 هي سنوات تجميدٍ واختفاء؟ 

سأقوله بصورةٍ أشد قسوة.

أعتقدُ أن السنوات التي أعقبت، ليس مباشرةً لأننا نظل ضمن الثلاثينية المجيدةLes Trente Glorieuses [3]، ضمن إعادةِ بناءِ أوروبا بكاملها، لكن بعدها بقليل، يمكن اعتبارها في فرنسا إخفاقًا مزدوجًا للدخول في المستقبل. إخفاق على اليمين وإخفاق على اليسار. لقد بذل ﭼيسكار جهودًا أهم مما نعترفُ به اليوم. أخفق ﭼيسكار لأسبابٍ شديدة الارتباط بمزاجه، بجاذبيته، فقد جرى رفضُ شخصيته. كان الأرستوقراطيَ الزائف الذي لا يستطيع أن يُصبح شعبيًا.

وفي حالة ميتران، فإنها محاولةُ إعادة تأسيس الجبهة الشعبية في حين اتضحَ، منذ 1968، أن ذلك لم يعد ممكنًا وأن أوروبا مُقسَّمةٌ إلى جزئين منذ 1947. وفي 1981، يوجد تفسيرٌ معكوس. هذا التفسير المعكوس ينجحُ مع فرنسوا ميتران، لكن فترته الثانية، بعد رحيل ميشيل روكارMichel Rocard ، تُفضي إلى نزعة إدارة الأعمال، التي هي أسوأ ما يمكن تخيُّله بعد 68.

اليسارية السياسية التي ستزدهر خلال سنواتٍ عديدة، والبنيوية، البالغة القوة بدورها خلال تلك السنوات، هل مثّلتا عقبتين كلّيتين أمام أي تأثيرٍ إيجابي لـ 68، ألم تضعا نهايةً على نحوٍ ما لحقبة رواج سوسيولوجيا العمل والأسئلة الاجتماعية؟

أنت على حقٍ في التحدُّث على هذا النحو. إنه شيءٌ أثر فيَّ دومًا، لأسبابٍ شخصيةٍ جزئيًا. بعد الحرب، وخلال بضع سنواتٍ في كل البلدان، وجدت إعادةُ البناءِ ترجمتَها في اهتمامٍ قويٍ حقًّا بمشكلات العمل، بالعالم العمَّالي، بالضمان الاجتماعي، بتحولات الحضارة الصناعية. كان جورج فريدمان Georges Friedmann  هو الشخصية العظيمة لتلك السوسيولوجيا الأوروبية، ليس فعليًا de facto فقط بل روحيًا في المقام الأول. هو من يتبعه الجميع. خصوصًا في إيطاليا. وفي فرنسا كان ذلك واضحًا جدًا: فضمن المجموعة المحيطة بفريدمان، كان رولان بارت Roland Barthes ، وميشيل كروزييه Michel Crozier ، وإدجار موران Edgar Morin ، وليس فقط سوسيولوجيو العمل. 

لم يتحدث الألمانُ كثيرًا عن النازية خلال عشرين عام. ففي عام 1945، بقي رئيس مدرسة فرنكفورت، ماكس هوركهايمر Max Horkheimer، في الولايات المتحدة وحصل على الجنسية الأمريكية. أما تيودور أدورنو Theodor Adorno، فقد تجذَّر بأن اكتسب الطابع الجمالي تمامًا وتحوَّل إلى خصمٍ عنيف للحركة الطلابية، التي رفضها بعنف. وتطوّرت الأعمال السوسيولوجية بصورةٍ متأخرة في الدراسات «الأدبية». 

لَعِب هابرماس Habermas دورًا حاسمًا في ذلك.

فعلًا، لكن ذلك كان متأخرًا نسبيًا. أنا نفسي شكلتُ جزءًا من اللجنة العلمية لمعهد هابرماس. لكن مع كل الاحترام والصداقة اللذين أكنهما له، فلستُ مُتحمسًا لعمل هابرماس في فترة ما بعد فرانكفورت. فقد انضم إلى جون رولز John Rawls، مثل تشارلز تيلور Charles Taylor، وكان رولز هو من ربح في النهاية مع المؤسسة establishment، هو الرجل الذي، بعد خمسين عامًا، حكى الديموقراطيةَ ـ الاجتماعيةَ الأوروبية للأمريكيين. كان يمكن للأوروبيين أن يصنعوا ما هو أفضل.

بعد 68، تأتي إذن سنواتُ الرصاص، التي هي أيضا سنوات الدمار والتجميد؟

أقول لك هذا بحزنٍ لكن بإخلاصٍ مُعاش: نعم. عند نهاية مايو 68، طُرِد كوهن ـ بنديت من فرنسا وعاد إلى ألمانيا.

ويُعدُّ وصول روكار عند بداية ولاية السبعِ سنوات الثانية لفرنسوا ميتران هزيمةً أكثر من كونه انتصارًا. إذ اعتمد على أغلبيةٍ اشتراكية لا تُحبِّذه وتدهور وضعه بسرعة.

لدينا قمةٌ في البداية، شهر مايو البهيج، وبعدها، تتدهور الأمور، مرحلةً تلو مرحلة.

يمكننا إجراءُ مقارنة: الثورة الفرنسية، هي عام 1789. كانت وحدة الثورة الفرنسية دوجما مطلقة، يجب أخذها كتلةً واحدة. لكن الإرهاب، ليس 1789.

ومع ذلك، اليوم، فإن ما حدث في 68 ما زال يؤثر فينا.

إنه بالغُ الحيوية. المتخيَّلُ، بالمعنى الذي يقصده كاستورياديس، ما زال باقيًا. لقد دخلنا في كونٍ ثقافي جديد، نتحدث عن الجنسانية، لم يكن ذلك قابلًا للتفكير من قبل. ولم يكن الاختلاطُ في المدارس قد تحقق عند التحرير.

من ناحيةٍ، تقول إن تجميدًا قد حدث، ومن ناحيةٍ أخرى، تؤكد أن تطورات ثقافية قد فُرِضت.

ليس هذا متناقضًا! فتيماتُ الجنسانية، والعولمة، والعمل، والتوظيف هي تيماتٌ لا تتأثر نسبيًا بالتاريخ السياسي.

هل هذا كله يجعلُ كلَّ شيءٍ يمضي في طريقه؟

هذا يتقاطعُ وحتى أقول الأشياء بطريقةٍ مبالغٍ فيها لكنها واضحة: فإن ما هو تقدمي، في نظام الاجتماعي والسياسي، يكون رجعيًا عمومًا في نظام الثقافي، المتخيّل، الفن.

إذا أخذنا الفترةَ الراهنة، فقد ينتابنا الشعور، إذا اتبعتُ خطاك، بأن السياسي والاجتماعي يختفيان من أفقنا وأن الثقافي يملؤه.

بكلماتٍ أشدُّ عنفًا بكثير، يمكنني القول إننا عشنا لتوّنا عامين، هما 2016 و2017، اختفى فيهما السياسي. لم يعد ثمة سياسة. عرَّض نزعُ ـ التصنيع الديموقراطيةَ للخطر في الولايات المتحدة وفي إنجلترا، ومثَّلت الجبهةُ الوطنية تهديدًا قويًا في فرنسا. لم يكن ثمة سجالٌ ولا أفكارٌ في فرنسا. لم يعد ثمة سياسةٌ في أي مكان، لا في إسبانيا، ولا في إيطاليا، ولا في ألمانيا، ولا في أمريكا الجنوبية. لم يعد ثمة اجتماعيٌ ـ سياسي. وفي فرنسا، تسبب إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron في انتصار إدارةٍ سياسية ومؤسَّسِية في المقام الأول، وليست اجتماعية.

إنه الثقافي، المتخيَّلُ، الذي يملأ وجودنا. لكن أيضا الإيكولوجيا [البيئة]، التي ليست بصورة صارخةٍ لا سياسيةً ولا اجتماعية. وتأتي قوتها من الأعمال العلمية، ويأتي ضعفُها لسوء الحظ من الأحزاب الإيكولوجية.

ما زال ثمانية وستون ثقافيًا في المقام الأول، لكنه جماعيٌ.

كان رغم ذلك أقربَ إلى ما يمكنُ أن نسمِّيه اليوم شبكةً من كونهِ حزبًا. كان الحزب الوحيدُ المهم هو الحزب الشيوعي وبالنسبة له كان العدوُ لسوء الحظ هو كوهن ـ بنديت.

أودُّ أن أطرحَ السؤال في شكلٍ أكثر تعيُّنا: هل يعني هذا أن القرارات الأساسية سيجري اتخاذُها خارج المؤسسات السياسية؟ سأقول بصراحة إنه سؤالٌ لم يُجِب عليه أيُّ واحدٍ منا. لم يطرح أحدٌ فرضيةً حقيقية حول الأشكال الجديدة للعمل السياسي. الأحزاب ماتت، هذه حقيقة. الديموقراطيون الأمريكيون، حزب العمال الإنجليزي، الحزب الاشتراكي في فرنسا، الحزب الشيوعي أو الجمهوريون في فرنسا كلهم ماتوا. الحزب الاشتراكي العمالي الأسباني مات.

إننا نستخدمُ جميعًا نفسَ الكلمات: الشبكات، مبادرات المواطنين، إلخ. لكننا عاجزون عن منحها أسماءَ عينيةً اليوم.

حين أقول إنه لا توجد حركاتٌ اجتماعية في العالم الأوروبي، فذلك حقيقي. وفي الولايات المتحدة، حدث تجديدٌ معين، مع بيرني ساندرز Bernie Sanders، لكن دعونا لا نبالغ في نفوذه الراهن.

لقد استحضرتَ ثورة عام 1789، و1936، والحربين، ونزع الاستعمار. كانت فرنسا داخل التاريخ في العديد من لحظات التاريخ العظيمة، ويأتي 68 الذي هو لحظةٌ تاريخيةٌ عظيمة، ولديَّ شعورٌ بأن فرنسا بعدها خرجت من التاريخ.

لا. العالمُ هو الذي خرجَ من التاريخ! عام 1945، اعتقدنا أن الديموقراطيات بالمعنى العام ستتغلَّبُ على المستوى العالمي، رويدًا رويدًا. وبعد خمسين عامًا، أتانا الجواب من شي جين بينج Xi Jin Ping، الذي قال: «الهدف ليس تحريرَ المجتمع من الدولة، فالمجتمع يجب أن يخضع للدولة، والدولة يجب أن تخضع للحزب الشيوعي».

أمريكا فقدَت هيمنتها. ومن ثم يعتقد البعضُ أن أوروبا كان يجب أن تكون أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة. لكنني أخشى، بشكل حاسم، أن تكون أوروبا أشدّ مرضًا من الولايات المتحدة.

ألا نستطيع قراءة ما يجري في فرنسا بمعزل عن ظاهرةٍ عالمية؟

في الواقع لا، إنها ظاهرةٌ عالمية.

ألم يكن هذا التطور منقوشًا في 68!

نعم. أعتقد أن ظاهرةَ التحلّل السياسي ـ الاجتماعي للغرب جوهرية. خذ البلد الذي يستحقُّ أكبرَ اهتمام، الولايات المتحدة. كانت خلال أكثر من قرنٍ، خلال قرنين تقريبا بعد الاستقلال، بلدَ الفقراءِ، المهاجرين الذين جاءوا لاجئين، قادمين في المقام الأول من أوروبا علاوة على ذلك. كان الحلم الأمريكي American dream  حقيقةً كبرى، لكن بعد حرب عام 1914 بدأت الإمبريالية الأمريكية «التقدمية» مع ويلسونWilson . واستمر هذا حتى أوباما الذي هو أول من راودته الشكوكُ بشأن هذه السياسة والذي أعدّ قطيعة ترامب، خصوصًا برفضه الانخراطَ في الشرق الأوسط.

يجب إذن النظر إلى السيرورات التاريخية الكبرى أكثر من اللحظات، «لحظة 68» مثلًا.

هناك المدى الطويل ولحظة التفسيرات الرمزية. العالم الاقتصادي والعالم الرمزي هما طريقتان لعيش العالمِ مرتبطتان لكن لهما أنماطُ وجودٍ ولحظاتٌ قوية وضعيفة مُزاحةٌ بقوة.

فالسوريالية، التي لم تكن شيئًا ضخمًا في العدد، بضع مئاتٍ من الأشخاص في باريس، كانت مهمةً بالنسبة لنا قدرَ أهميةِ الأزمات الإقتصادية الكبرى في القرن الماضي.

ثمة انفصامٌ بين الخبرة والمعنى. بين الموضوعي والذاتي، ربما كان كبيرًا على الدوام.

أنا شخصيًا غالبًا ما اعتبرتُ هامشيًا ما هو مناهضٌ للحداثة، ما يُذكِّرُ بنظامٍ طبيعي. لكن في الواقع ثمة أيضا تعارضٌ بين العالم الاجتماعي وبين عالم الطبيعة. هذان كونان متعارضان.

ثمانيةٌ وستون، هي التاريخ، ليست التاريخ؟ هي الذاكرة؟ كيف يجب الاحتفال بذكراها؟

يجب توجيهُ السؤال إلى فرويد. فما نتحدثُ عنه في هذه اللحظة، يقع على حدود الوعي واللاوعي، لأن مؤدّي [فاعلي] 68 عاشوا عالمًا مختلفًا عن ذلك الذي تحدثوا عنه. هذا مثل الأرض أو القمر، جانبٌ واحدٌ مُضاءٌ وليس نفسَ الجانبِ على الدوام.

ـــــ

المراجع 

MORIN, Edgar, LEFORT, Claude et CASTORIADIS, Cornelius (sous le pseudonyme Jean-Marc COUDRAY), 1968, mai 1968, la brèche: premières réflexions sur les événements, Paris, Fayard, édition augmentée en 2008.

TOURAINE, Alain, 1968, Le Mouvement de mai ou le communisme utopique, Paris, Seuil>

TOURAINE, Alain, 2004, Un nouveau paradigme. Pour comprendre le monde d'aujourd'hui,  Paris, Fayard.

ــــ

المؤلفان

آلان تورين

اتبع آلان تورين مسارًا فكريًا قاده، بعد مرحلة أولى مكرسة للمجتمع الصناعي والحركة العمالية، إلى تأملات أكثر عمومية حول الحركات الاجتماعية من جهةٍ، ومن جهة أخرى حول الحداثة، قبل أن يقوم بدراسة التحولات الاجتماعية والثقافية. وهذه الدراسات الأخيرة تبرر، وفقًا له، فكرة أننا نخرج من تكوين اجتماعي بالمعنى المحدد للحياة الاجتماعية، بتعريف السوسيولوجيا الكلاسيكية، للدخول في تكوين ما بعد ـ اجتماعي قائم في آنٍ واحد على اقتصاد للمعرفة، و على النضالات حول الحقوق الأساسية، وحول العلاقات بين هذه المقاربة التعميمية وبين الاعتراف بتنوع سيرورات التحديث. وأحدث كتبه هو:

Le nouveau siècle politique, Seuil, 2016. 

 ميشيل ويفيوركا

منذ 2015 رئيس الهيئة الإدارية لمؤسسة دار العلوم الإنسانية Fondation Maison des sciences de l'homme (FMSH)، ومنذ 1989، مدير الدراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS). كان رئيس الجمعية الدولية للسوسيولوجيا (2006-2010).


[1] الكونفيدرالية العامة للشغل: CGT: هي النقابة العمالية الشيوعية، مقابل CFDT: الكونفيدرالية الفرنسية الديموقراطية للشغل: النقابة الإشتراكية.

[2]  «الكاتانجيون» هم مجموعة من بضع عشرات من العاطلين والرعاع [voyous]، ليست لهم علاقة بالحركة الطلابية ويزعمون أنهم من قدامى المرتزقة في كاتانجا. نشروا جوًا من الرعب في فضاء السوربون حيث تمركزوا وطُرِدوا يوم 1 يونيو 1968. حينها اتضح أن أسلحتهم تقتصر على بندقية صيد، وبضع سكاكين وعصي خشبية.

[3]  الثلاثينية المجيدة: الثلاثون عامًا التالية على انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين جرت إعادة بناء أوروبا المدمَّرة. حققت فيها فرنسا نموًا لا مثيل له.