داريان ليدر: لِمَ تكتب النساء رسائلَ لا يُرسِلنها؟

2025-12-28 - Tareq Osman

يمكن لدخول المرأة في سلسلة من العلاقات مع الرجال، رجل تلو الآخر، أن يكون سبيلها للإبقاء على هذا السؤال مطروحًا باستمرار: «من أنا بالنسبة له»؟

لِمَ تكتب النساء رسائلَ لا يُرسِلنها؟

اقتباسات داريان ليدر

ترجمة: طارق عثمان

مختارات مقتبسة من كتاب لِمَ تكتب النساء رسائلَ لا يُرسِلنها؟ لداريان ليدر المنشور في دار فابر آند فابر بلندن عام 1996.


دريان ليدر

1.

يرى جاك لاكان أنَّ أي بحث في مسألة الأنوثة ينبغي أن ينطلق من هذه الحقيقة: «المرأة غير موجودة». يبدو هذا القول سخيفًا ومهينًا بادئ الرأي: إذ يقتضي، منزوعًا من سياقه الأصلي، إنكار وجود النساء المحسوس، والتقليل من أهميتهن أو شأنهن في عالم الرجال. لكن اعتنى لاكان بشرح الفكرة الثاوية وراء هذا القول المستفز: المعنى الصريح لهذا القول هو أنه لا يوجد تصور واحد، لا لبس فيه، عن ماهية الأنوثة وكنهها، أي لا يوجد جوهر للأنوثة. فبحسب لاكان، يمكن للفتاة أن تصير امرأةً، لكن لا يوجد أمامها صراط مستقيم يمكنها أن تسلكه لبلوغ ذلك. إذ لا يوجد في نفسها تصور مُعدّ سلفًا عن المرأة. ففي موضع الهوية الأنثوية توجد فجوة، فراغ. أي لا يوجد وصف محدد لكنه المرأة. ولذلك، السؤال الأساسي الذي يشغل الفتاة هو: «ما معنى أن أكون امرأة؟» أو« كيف أكون امرأة؟» بأن أتصرف مثل أمي؟ أم مثل صديقتها؟ بأن أتَّبِع موضة اللباس الرائجة؟ بأن أنجب أطفالًا؟ يربط بعض المحللون النفسيون نوبات الاكتئاب التي قد تصيب الفتاة بعد حيضتها الأولى بالقلق الذي يصيبها حيال جسدها ومكوناته. ولعل ذلك كذلك في بعض الحالات، لكن هذا الاكتئاب ناتج أيضًا عن تساؤلها عن كنه المرأة: لا يتعلق الأمر باندهاشها من الحيض بل باندهاشها من غياب ما يدعو للدهشة حقًا، إذ لم يتغير فيها أي شيء. بعد أول حيضة، تهرع الفتاة إلى غرفتها لتسجل في مذكراتها تاريخها وساعتها بكل دقة. لكنها تكتئب في عقب ذلك، لأنَّ حياتها لم تتغير بغتة. أو بعبارة أخرى: لم يُقدِّم التغير الحيوي الذي وقع في جسدها، الذي أشّر عليه الطمث، جوابًا على سؤالها: «ما معنى أن أكون امرأة؟» أي لم يكن الحيض هو الحدث الذي يحولها إلى امرأة ويدخلها في حياة جديدة. يمكن تخيل عدد لانهائي من الأجوبة على سؤال الأنوثة، لكن لا يمكن أن يكون أيّ منها، سواء أكان حيويًا أو اجتماعيًا، الجواب القاطع. ويرى لاكان أنَّ أحد الأجوبة الشائعة على هذا السؤال هو ―ومهما بدا ذلك مدهشًا― التماهي أو التوحد مع رجل. أي لكي تجد الفتاة معنى أن تكون امرأة، تضع نفسها في موضع رجل. هذه أطروحة عجيبة، لكنها منطقية تمامًا في الواقع. فلننظر كيف ذلك. لنتخيل رجلًا جالسًا في مقهى، يمر عليه زوجان، فتعجبه المرأة ويطيل النظر إليها. ولنتخيل امرأةً مكانه في المقهى، وقد رأت نفس الزوجين، فماذا ستفعل؟ قد يعجبها الرجل، لكنها ستطيل النظر إلى المرأة التي معه، أو بعبارة أخرى: إنَّ ما يجذبها في الزوجين ليس الرجل نفسه أو المرأة نفسها وإنما العلاقة بينهما. أي أنها تتساءل: أيُّ شيءٍ في هذه المرأة يجعل هذا الرجل يتخذها شريكة له؟ 

2.

ليس من قبيل المصادفة أن تنشغل المرأة انشغالًا مفرطًا بعلاقات أصدقائها الغرامية. إنّ اهتمامها منصرف نحو الرغبات وليس إلى المرغوبات بحد ذاتها (ولعل هذا هو السبب الذي يجعل النساء محلّلات نفسيات بارعات. إذ لا ترجع براعتهن إلى أنهن يجسدن شخصية الأم، كما يرى البعض، وإنما إلى انهمامهن برغبات الآخرين). لكن لا بد أن تظل هذه الرغبات غير مُشبعة. لأنّ الرغبة المُشبعة ليست رغبة. ولذلك قد تحافظ امرأة على علاقتها برجل لكنها ترفض دائما أن "تهب" نفسها له. لأنها تريد أن تظل رغبة الرجل حية، أي غير مشبعة، حتى يتسنى لها دراسة كنه هذه الرغبة، حتى يتسنى لها الجواب على هذا السؤال: ما الذي يريده الرجل منِّي على وجه التحديد؟ ما الذي يراه فيَّ على وجه التحديد؟ ومن شأن هذا أن يُعقّد التصور الدارج عن "تَمنُّع" المرأة، إذ يبين لنا أنَّ هذا التمنُّع ليس تدللًا بحتًا وإنما ينطوي على خطة بحثية: معرفة تصور الرجل عن المرأة. وبالمثل، يمكن لدخول المرأة في سلسلة من العلاقات مع الرجال، رجل تلو الآخر، أن يكون سبيلها للإبقاء على هذا السؤال مطروحًا باستمرار: «من أنا بالنسبة له»؟ تمامًا كما أنها تتخذ من علاقتها المثلثة مع زوج من رجل وامرأة سبيلًا لطرح هذا السؤال: «من هي بالنسبة له»؟ فكلا السؤالان يعبِّر عن نفس الهَمِّ: دراسة مسألة الأنوثة.

3.

ونجد شيئًا من هذا القبيل [حرص دورا على استمرار علاقة أبيها الغرامية بالسيدة ك]. عند النساء اللاتي يبذلن قصارى جهدهن لجلب شريكة لأصدقائهن بل ولآبائهن. إذ يمكِّنهن ذلك من دراسة المسألة: أيُّ شيء فيهن سيعجب الرجل ويثير رغبته؟ وبذلك تتبين تصور هذا الرجل عن كنه المرأة. لكن لهذه المناورة عاقبة سيئة جلية. إنها تقتضي حبس المرأة (أو تغريبها) في رغبة الرجل، لأنها ستنظر في مسألة ماهية المرأة من منظوره الخاص. إذ ستصير صيغة السؤال هكذا: لو أنَّ رجلًا يرغب في امرأة فأيُّ شيءٍ فيها، على وجه التحديد، يثير رغبته هذه؟ وبذلك، يغدو الجواب على مسألة الأنوثة محبوسًا في تصور الرجل عن المرأة. ومن مقتضياتها أيضًا، أنَّ سبرنا لرغبات هؤلاء النساء يزيدنا علمًا بجنسانية الذكر وليس الأنثى. ولعل ذلك يفسر لنا ارتياب القراء غالبًا في مجموعة "الخيالات الجنسية الأنثوية" التي ألّفتها كاتبات مثل نانسي فرايدي. إذ يبدو أغلبها من وضع رجال. لكن لا يوجد تعارض هنا. فالكاتبة هي التي ألفتها. إنها لم "تسرقها" من الرجال بل "استعارتها" منهم، وذلك بنظرها إلى المرأة بعيونهم.

4. 

علمت أجاثا كريستي أن زوجها أرشي على علاقة غرامية بامرأة أخرى فاختفت. لقد كان الزواج بلا مستقبل وبدا فسخه أمرًا محتومًا. عُثِر على سيارتها خالية على مسافة من بيتها. وانتظر الناس عودتها لكنها لم تعد قط. فمشَّطوا الغابات وبحثوا عن جثتها في قيعان البحيرات، لكن سدًى. لقد اختفت المرأة، تلاشت. وذُهِل عامة الناس بهذا الاختفاء. وطرحت الصحافة ما لا يُحصى من التفسيرات لاختفائها، ولدوافعها، وتحققت من كل ملاذ يمكنها أن تأوي إليه، لكن سُدى. وفي نهاية المطاف عُثِر عليها حية مطمئنة في فندق في شمال إنجلترا، تلعب الورق، وتستمع، بلا شك، إلى الأحاديث التي تدور حولها عن اختفاء أجاثا. أغار الصحفيون على الفندق، ونُقِلت أجاثا على عجل إلى لندن لكي تُعرض على الأطباء النفسيين. ونحن لا نعلم ما جرى معها في العيادات النفسية، لكننا نعلم الاسم الذي قيدته في سجل الفندق الذي نزلت فيه: ليس اسمها بل اسم مطابق تقريبًا لاسم عشيقة زوجها (تريزا نِيل، بدلًا من نانسي نِيل). لأكثر من أسبوع لم تتعرف أجاثا على نفسها، إذ انتحلت هوية امرأة أخرى. وما أفضى بها إلى ذلك ليس رحيل الزوج الوشيك وانهيار الزواج المحتوم. وإنما يمكن القول إنَّ إبلاغ زوجها لها عن علاقته الغرامية قد طرح عليها مسألة الأنوثة أو أعاد طرحها عليها مرة أخرى. أيُّ شيءٍ في تلك المرأة الأخرى يجعلها مرغوبة من زوجي؟ لقد جسَّدت هذه «المرأة الأخرى» لغز الأنوثة وأبرزته. فماذا تفعل أجاثا أمامه؟ لم تتماهى مع زوجها لكي تعرف المزيد عن هذه المرأة، بل أخذت مكانها حرفيًا. أي أنها لم تحقق في لغز الأنوثة، بدراسة جميع الأجوبة الممكنة على سؤال ما معنى أن أكون امرأة، بل قدمت جوابًا مباشرًا: انتحال اسم غريمتها. إنَّ لغز حياتها الأكبر، اختفائها، هو لازم عزوفها عن التحقيق في لغز الأنوثة، عن تفصيل القول في جميع الحلول الممكنة لمسألة كنه المرأة، والقفز، عوضًا عن ذلك، إلى حل مباشر: أن أكون امرأة يعني أن أكون العشيقة. لقد افتتحت أجاثا قصة لغز الأنوثة بحل اللغز. لكن لعلها وجدت له حلًا آخر لاحقًا في حياتها بزواجها الناجح إلى حدٍ ما من رجل أصغر منها بكثير: أن أكون امرأة يعني أن أكون أُم.

5.

يُذكَّرنا اختفاء أجاثا بأشهر اختفاء في التاريخ: اختفاء هيلين الطروادية. وسواء أحبَّها المرء أم كرهها، تظل ابنة ليدا رمز المرأة في العصر القديم. لقد شُنت من أجلها حربٌ طالت لسنوات، وأزهقت في سبيلها الكثير من الأرواح. لكننا لو تتبعنا القصة كما رواها يوربيديس (ت. 406 ق.م) في مسرحيته هيلين، سنجد، ويا للدهشة، أنَّ المرأة التي أخِذت إلى طروادة لم تكن هيلين الحقيقية. بل شبحًا على صورتها، خلقته الربَّة هيرا من الهواء، وأعطته لباريس، لكي تضمن أنه لن يحظى إلا بالعدم. أمَّا هيلين الحقيقية فقد نقلتها هيرا إلى مصر حيث عاشت سنينًا طويلة أضناها فيها الشوق إلى زوجها مينلاوس. ويُذكِّرنا هذا التعديل المذهل الذي أدخله يوربيديس على القصة الأصلية بقول لاكان: «المرأة غير موجودة». فهيلين الطروادية، أجمل النساء، وأحبُّهن، وأبغَضُهن، ليست سوى سراب. إنَّ الرجال الذين يتصارعون عليها لا يعلمون أنهم يتصارعون على هواء. إنَّ المرأة التي تسببت في كل هذا الخراب كانت مجرد طيف. وهكذا، يبين لنا يوربيديس أنَّ موضع المرأة (بالألف واللام) موضع فارغ أساسًا. فخلف صورة هيلين المثالية، لا يوجد أي شيء، خواء محض. وتسعى كل امرأة إلى أن تجد معنىً لهذا الخواء، أن تضع شيئًا في مكانه. ولذلك، لو أنَّ امرأة امتلكت مائة زيِّ مِن دار شانيل، لظل بمقدورها أن تقول: «ليس عندي ما أرتديه». إذ سترى أنَّ الزيَّ الذي لا تمتلكه هو زيُّ المرأة، هو الجواب على سؤال: ماذا أرتدي لكي أكون امرأة؟ هو الجواب القاطع على مسألة الأنوثة. ولأنَّ موضع المرأة موضع خاوي أساسًا، سيظل هناك دائمًا زيٌّ مفقود.

6.

خرج رجلٌ في موعدٍ غراميٍ مع امرأة لم يقابلها قبل ذلك إلا في لقاءٍ عابرٍ. وبينما يتعشيا في أحد المطاعم شديدة الرقي، قطعت المرأة حديثهما المتحضر بأن أخذت إصبعيه ووضعتهما في فمها. لم تفض هذه الفِعلة إلى ليلة شهوانية محمومة، بل إلى مُكث الرجل ليومين في المستشفى. إذ اشتكى من آلام مبرحة في بطنه. إنَّ هذا الرجل لم يكن مستعدًا ببساطة لأي لقاءات لا تتطابق مع إطار خياله الجنسي. فهذه الفِعلة غير مدرجة ضمن معرفته الجنسية المسبقة. لقد تجاوزت بها المرأة جملة القواعد الواعية ―واللاواعية أيضًا على الأرجح― التي يفترض هذا الرجل أن المرأة ينبغي عليها أن تتصرف وفقها.

7.

أشار لاكان إلى هذه المفارقة: مبالغة الرجل في السلوك الذكوري تدخله في نطاق الأنثوي، أي نطاق الاستعراض والتظاهر. فكلما حاول رجلٌ اليوم أن يتصرف كرجل حقيقي، كلما بدت أفعاله زائفة ومصطنعة. ولهذا، ليس من قبيل الصدفة، أنَّ نجم هوليوود الذي وقع عليه الاختيار لأداء دور أول رجل حامل في العالم هو أرنولد شوارزنجر وليس غيره. إنَّ هذا الرجل أكثر رجولة من زملائه الممثلين: إنه يصارع وحوش، ويعارك قتلة من معدن سائل، ويفتك بأشرار ومجرمين من كل صنف. ولديه عضلات في أماكن من جسده هي نفسها ليست موجودة عند غيره من الممثلين. وها هو يصبح في فيلم Junior 1994 مؤنثًا حرفيًا، حامل بجنين.

8.

قد يسهل على المرأة أن تظل وفية لشريكها بينما قد يصعب ذلك على الرجل. في استطلاع رأي عن مسألة الوفاء الجنسي، طُرِح هذا السؤال الشيق على مجموعة من الرجال والنساء: «أيهما تفضل: أن يضاجع شريكك شخصًا غيرك بينما يفكر فيك، أم أن يضاجعك بينما يفكر في شخصٍ غيرك؟» فأجاب معظم النساء بأنهن يفضلن أن يضاجع شركائهن نساء غيرهن بينما يفكرون فيهن، وأجاب معظم الرجال بأنهم يفضلون أن تضاجعهم شريكاتهم بينما يفكرن في رجال غيرهم. بادئ الرأي، يمكن تأويل ذلك بالقول إنَّ الرجل أكثر استحواذية من المرأة ببساطة. لكن هذا القول مجانب للصواب، لأنّ المرأة استحواذية مثل الرجل تمامًا. لكنهما يختلفان في موضوع هذا الاستحواذ: تريد المرأة أن تستحوذ على حب الرجل بينما يريد الرجل أن يستحوذ على جسد المرأة.

9.

ذات مرة، أتت امرأة إلى عيادتي طمعًا في أن يمكِّنها التحليل النفسي من جعل سلوك حبيبها أقل تقلبًا. لقد اشتكت من أنه يختفي، بلا سبب معلوم، كلما زارها في بيتها. لكن سرعان ما تبين أنَّ هذه الاضطرابات التي تشتكي منها أساسية لنوعية العلاقة التي تريدها، وإن كانت غير واعية بذلك. لقد وصفت سلوك حبيبها كما لو أنه جديد كليًا، لكن بعدما طرحتُ عليها بعض الأسئلة تبين أنَّ هذا هو الحال منذ حوالي عشر سنوات خلت. وتبين أيضًا أنَّ طقسًا بالغ الغرابة قد ترسخ على مدار السنين: في كل مرة يختفي فيها الرجل، تهاتف جميع المشارح الموجودة في البلدة التي تعيش فيها، لتسأل عن جثة تحمل أوصافه. لقد استظهرت أرقام هواتف المشارح، وصار بمقدور موظفيها التعرُّف على صوتها فور سماعه. ألا يوحي ذلك بأنها كانت تروم طيف حبيب ميت من وراء حبيبها الحي؟ لقد كانت تقضي الوقت مع حبيبها لأنَّ وراء شخصه الحي تكمن الجثة التي تبحث عنها. على خلاف بطلة فيلم دراكولا Dracula 1992 التي جمعت بين رجلين، أحدهما ميت والآخر حي، تمكَّنت هذه المرأة من تكثيف الاثنين في رجل واحد: هو وجثته. ولعل هذا البحث عن حبيب ميت هو ما يفسر لنا هذا الأمر المُدهِش: وقوع المرأة في غرام رجل مُمِل إلى حد لا يُصَدَّق. على الرجال المملين إذًا ألا يفرطوا في قلقهم من عدم العثور على شريكة، لأنَّ النساء قد يقعن في حبهم تحديدًا بسبب مواتهم هذا. وراء الرجل الحي تبحث المرأة عن حب من رجل ميت.

10.

لنعد إلى قول فرويد إنَّ جنسانية المرأة مرهونة بتحريمها. تغدو هذه الفكرة أشد إدهاشًا عندما يخبرنا فرويد أن شرط التحريم هذا هو المعادل الأنثوي لنزوع الرجل إلى تحقير المرأة التي يشتهيها جنسيًا. ينطوي هذا النزوع الذكوري على صورة الشهوة المحضة، التلذذ الجنسي الخالص مع امرأة بلا قدرٍ عنده. وإذا قلنا إنَّ تحريم الجنسانية هو المعادل الأنثوي لهذا النزوع، فسيلزم عن ذلك أنَّ صورة الشهوة المحضة، اللذَّة الجنسية الخالصة عند المرأة هي انعدام اللذَّة الجنسية، منعها، تقريبًا. وقد يستنبط المرء من ذلك أنَّ جنسانية المرأة قد تنطوي على غياب الجنس، أنَّ الجنس منزوع ضمنيًا من جنسانية المرأة. أحد الطرق المتعجلة لفهم هذه الفكرة الغريبة هو الاستشهاد بالبرودة الجنسية: كما خلص فرويد إلى أن أكثر الرجال عاجزين جنسيًا بمعنى أنهم عاجزين عن صرف حبهم وشهوتهم إلى امرأة واحدة، يمكننا أن نخلص إلى أن أكثر النساء باردات جنسيًا. لكن هذا التأويل غير مقبول. إذ يوجد فرق جلي بين عجز الرجل وبرودة المرأة: من الشائع جدًا أن يذهب رجل إلى محلل نفسي لأنه يشتكي من العُنَّة، لكن من النادر جدًا أن تذهب امرأة إلى محلل نفسي لأنها تشتكي من البرودة الجنسية. إنَّ مفتاح المسألة لا يكمن هنا. ولكي نفهمها، ينبغي علينا أن نفرق بين البرودة الجنسية ومشكلة العُنَّة، التي قال عنها الطبيب الإيطالي جيرولامو كاردانو (ت. 1576) بمرارة: «لا يستطيع خنوعي لأبي، ولا الفقر، ولا المرض، ولا الخصومات، ولا النزاعات، ولا إهانات الناس، ولا رفض منحي رخصة لمزاولة الطب، ولا الافتراء عليَّ، ولا مشاكل الأطفال الغفيرة، أن يجعلني قانطًا، وكارهًا لحياتي، ومحتقرًا لجميع الملذات، وحزينًا حزنًا لا ينقطع، لكن هذا الأمر يستطيع يقينًا». إنَّ الموسوعي النهضوي لا يطيق نكبة العُنَّة، وهذا هو حال أكثر الرجال. بينما يستحيل أن تقول امرأة مثل هذا الكلام عن برودتها الجنسية.

11.

هذا الشكل من الموات [الوسواسي، إذ يتصرف المرء حيال رغبته كما لو أنه جثة] هو، بلا شك، سبب حزن أنطونيو الشهير في بداية مسرحية تاجر البندقية. لقد تحير الدارسون من افتتاح المسرحية بهذا الحزن الغامض مجهول السبب. فقول أنطونيو: «لا أعرف لماذا أنا حزين إلى هذا الحد» لا يقل غموضًا عن لغز توابيت بورشا الثلاثة. ولقد عزا الشُرَّاح هذا الحزن إلى أنَّ أنطونيو كان منجذبًا جنسيًا، على نحو لا واعي، إلى صديقه بسانيو. لكن يمكننا طرح تأويلًا آخر لهذا الحزن مبني فكرة «إماتة» الجسد وتفويض المتعة. لقد اقترض أنطونيو مبلغًا ضخمًا وأعطاه لبسانيو حتى يتسنى له الزواج من بورشا، لكن أنطونيو نفسه بلا حبيبة على ما يبدو. لكن يمكن القول أنَّ أنطونيو قد وضع أعز أصدقائه في مكانه. إنَّ أنطونيو ليس منجذبًا إلى بسانيو بل هو بسانيو من أحد الوجوه. إنَّ بسانيو سيتزوج بورشا بالنيابة عن أنطونيو. لم يتمكن أنطونيو من قضاء الدين، الذي اقترضه لمساعدة بسانيو، في الأجل المحدد، ولذلك حُق لشايلوك أن يقطع رطلًا من لحمه. وتدور معظم أحداث المسرحية حول إفلاته من هذا المصير المروع. ولذلك، من المدهش―لكن من المنطقي تمامًا―أنَّ يورط أنطونيو نفسه من أجل بسانيو في رهان آخر أشد رعونه، في خاتمة المسرحية، إذ رهن روحه، وليس جسده هذه المرة، عند بورشا كضمانة على أنَّ بسانيو لن يحنث قط بأي عهدٍ يقطعه لها بعد اليوم. أي أنه راهن بروحه على نجاح زواج بسانيو وبورشا، على الرغم من الشواهد الكثيرة التي توحي بأن هذه الزيجة أقرب إلى الفشل. إنَّ أنطونيو محبوس، على نحو مهلك، في مثلث الرغبة هذا. لكنه في موضع غير موضعه دائما: في موضع بسانيو. لقد تخلى أنطونيو عن متعته، وأوكلها إلى صديقه المقرب، ليتمتع بالنيابة عنه.

12.

يمكن توضيح ذلك بمثال يبين التناقض بين أخيلة الرجل والمرأة المتعلقة بالغيرة. عندما يكتشف الرجل خيانة شريكته، قد يتخيل أنه يقتلها (أو يقتل الرجل الذي خانته معه، لكن هذا أقل شيوعًا). لكن عندما تكتشف المرأة خيانة شريكها، غالبا ما تتخيل اختفائها، رحيلها، أي موتها، وليس موت شريكها أو المرأة التي خانها معها، على الرغم من شعورها بالغضب ورغبتها في الانتقام. على سبيل المثال، عندما اكتشفت هيلينا رحيل برترام تجنبًا للزواج منها، في مسرحية العبرة بالخواتيم لشكسبير، أول شيء فكرت فيه هو أن ترحل، أن تختفي. ويبين لنا ذلك الارتباط الوثيق بين الحب والوجود عند المرأة. عندما تكتشف المرأة فقدها لحب شريكها، أنها لم تعد محبوبته، قد تشعر، في بعض الأحيان، بأنها غريبة عن نفسها، بأنها ليست هي. ولذلك قد تغير مظهرها تغييرًا جذريًا (لون شعرها، ثيابها، ونحو ذلك). عندما يهب رجل حبه لامراة يُثري وجودها، يضيف إليه، وعندما يجردها من هذا الحب، يُفقِر وجودها، يطرح منه، إلى حدٍ قد يجعلها امرأة أخرى حرفيًا. ولعل ذلك ما حدث في حالة أجاثا كريستي.

13.

إذا سألت امرأة شريكها عن المكان الذي يفضِّل أن يقضي أجازة الصيف فيه وأجابها بذكر مكان محدد، لن تعيد، على الأرجح، طرح هذا السؤال عليه مرارًا وتكرارًا في الأشهر المقبلة. لكن إذا سألته: «هل تحبني؟» وأجابها: «نعم أحبك»، فالراجح أنها ستعيد طرح هذا السؤال مرارًا وتكرارًا عليه. فلماذا ينبغي على الرجل أن يكرر هذا الجواب إلى الأبد؟ لأنَّ ما على المحك هنا هو أنَّ المرأة تطلب برهانًا على الحب، ولا يكفي لذلك أن يجهر الرجل بحبه لها مرة واحدة، تكون الأولى والأخيرة. إنها تطلب حبًا غير مشروط، حبًا مطلقًا، ولذلك لن يكفيها قط جوابًا واحدًا ولا إيماءة واحدة. عندما يطلب طفلٌ من أمه في المتجر أن تشتري له منتجات شتى، قد تجاريه وتشترى له كل ما يطلبه، لكنها تعلم، كجميع الأمهات، أنه لن يرضى مهما اشترت له، إذ سيطلب دائما شيئًا آخر. ولذلك، تضع المتاجر حلوى عند المُحاسب (الكاشير) قرب باب الخروج، حيث يطلب الطفل غالبًا طلبه الأخير. وهكذا، يبدو أنَّ أصحاب المتاجر على علم بالطبيعة غير المشروطة للطلب. على علم بأنَّ كل الأشياء التي جمعتها الأم لطفلها من على الأرفف، والتي تثقل عربة تسوقها، غير كافية في نهاية المطاف. لماذا؟ لأنه كما يقول لاكان: كل طلب هو طلب للحب. فعندما يجهر الطفل بطلب شيءٍ من أمه، يغدو هذا الطلب أكثر من مجرد طلب لشيء محدد. إذ يضع بطلبه هذا الأم في موضع من يمكنه أن يلبي أو لا يلبي هذا الطلب، ثم يتخذ من تلبيته (أو عدمها) دليلًا على قدر حبها له. وبذلك، يغدو الشيء المطلوب (الحلوى) بلا أهمية، فلقد تحول طلبه إلى طلب للحب نفسه، وطلب الحب لا يمكن أن يُشبع بأي قدر من الحلوى. ويمكننا أن نلاحظ ذلك أيضًا في الردود المعتادة على طلب الحب. إذا قالت امرأة لرجل: «أنا أحبك»، الراجح أنه سيرد عليها بقوله: «وأنا أيضًا». لكن إذا قال رجل لامرأة: «أنا أحبك»، فالراجح أنها سترد عليه بسؤاله: «لماذا؟»، فإذا قال: «بسبب ابتسامتكِ»، سترد قائلة: «وماذا أيضًا؟» فإذا ردّ قائلًا: «وبسبب ظرفك»، سترد قائلة: «وماذا أيضًا؟» وهكذا. أول شيء قالته كليوباترا في مسرحية أنطونيو وكليوباترا هو: «لو كان هذا حبًا حقًا، فأخبرني بقدره»، فامتنع أنطونيو بحصافة عن أن يقدره بأي قدر. لكن أغلب الرجال يسقطون في هذا الفخ―ويردُّون «أحبك بقدر كذا»―غافلين عن أنَّ اللغة غير مؤهلة للرد على مثل هذا السؤال. ولذلك لا يوجد جواب صحيح عليه، وإنما سينطوي كل جواب ممكن على خطأ لا محالة. يجوز لنا القول إنَّ المرأة تكرر طرح سؤال الحب على الرجل لأنَّ اللغة قاصرة هنا، إذ لا تُمكِّن الرجل من التعبير عن محبوبته بشكل تام. ولذلك يضطر إلى مواصلة الكلام عنها لأن كلماته لا يمكنها قط أن تحيط بكنهها. تسأل المرأة: «أخبرني: ما الذي تحبه فيَّ؟»، فيجيب الرجل بهذا أو ذاك، فترد: «أهذا كل ما يعجبك فيَّ؟ أهذا كل ما أمثله لك؟» لكن المرأة تغفل هنا عن أنَّ الحب، عند الرجل، قد يكون معتمدًا على الكلام نفسه: إنَّ الحب عنده مؤلف من الكلام وقائم عليه إلى حد أنَّ كل كلام هو طلب للحب. إنَّ الرجل لا يعبَّر عن الحب بالكلام بل الحب هو الكلام عنده. في مسرحية جهود الحب الضائعة لشكسبير، يقضي الرجال وقتهم بأكمله في إرسال الرسائل المحمومة إلى النساء، لكن عندما تحين ساعة اللقاء، لا تجري الأمور بيسر. تسعى هذه المسرحية إلى دراسة علاقة الرجال بالنساء، لكنها تتألف ببساطة من سلسلة طويلة من اللعب بالكلمات، وبذلك تعلِّمُنا أن هذا هو تحديدًا ما تدور عليه علاقات الحب. لقد كُتبِت الرسائل في هذه المسرحية لأن هذا ما يدور عليه الحب: كلام المُحب. أن تحب يعني أن تتكلم، أن تكتب خطابًا، خطاب المُحِب. أن تحب يعني أن تنخرط في الأدب.

14.

طرح لاكان هنا أطروحة غريبة لكنها منطقية تمامًا. إذ قال إنَّ المثليات جنسيًا هن وحدهن "الغيريات" جنسيًا حقًا. ويمكننا فهم مقصده من خلال نظرية النرجسية. في أغلب الأحيان، يريد المحب أن يجعل المحبوب على صورته، أن يرى نفسه فيه، أي أنَّ المحب يحب نفسه من خلال محبوبه. على سبيل المثال، في رواية تآلفات انتقائية لجوته، تبين لإدوارد أخيرًا أنه واقع في حب أوتلي في اللحظة التي رأى فيها أنَّ خط يدها مطابق لخط يده. وكذلك، كتبت هيلدا إلى زوجها الرسام الإنجليزي ستانلي سبنسر قائلة: «إنك تريد مني أن أكون نسخة طبق الأصل منك». يسمي فرويد ذلك «اختيار المحبوب على أساس نرجسي»: أن يحب المرء شخصًا يشبهه أو يشبه ما يريد أن يكون عليه. وغرض المرء من بذل الحب هنا هو أن يُعاد إليه هذا الحب، أي أن يُحب. هنا، لا يزيِّف الرجل الحب لكي يحظى بعلاقة جنسية، وإنما يدخل في علاقة جنسية لكي يحظى بالحب. وهذه الاستراتجية الثانية شائعة إلى حدٍ ما، على الرغم من الصورة النمطية عن الرجال. في هذه الحالة، يبذل المحب قصارى جهده لكي يحبس المحبوب في قفص نرجسيته. وفكرة لاكان هي أنَّ المثليات جنسيًا لسن نرجسيات في الحب. فمن الممكن أن يقع الحب خارج نطاق التبادلية. أي أن يُحِب المرء من دون الطمع في أن يُحب. كيف يمكن تمييز المثلية الأنثوية؟ يمكن اعتماد هذا المعيار: خدمة الشريك الجنسي، أي الحرص على تمتيعه. فهذا أمر لا يعبأ به أكثر الرجال على الإطلاق. فبعدما يقضون وطرهم من شريكاتهن ينفضون عنهن. وعليه، ليس معيار المثلية الأنثوية هو مجرد الدخول في علاقة مع امرأة أخرى. وتشهد الكثير من الحالات العيادية على أنَّ دخول المرأة في علاقة مع امرأة أخرى ليس دليلًا على أنها مثلية حقًا. وينطبق ذلك على الرجل أيضا: دخوله في علاقة مع رجل ليس دليلًا على أنه مثلي حقًا. إذ أشار فرويد في تحليله لحالة الفتاة المثلية إلى أنَّ جنس الشريك ليس معيارًا كافيًا لتحديد التوجه الجنسي الحقيقي للشخص. وعلى ذلك، ليس جنس من تضاجعه ما يجعلك مثليًا أو غيريًا.

15.

كُتب التحليل النفسي مليئة بتفسيرات انهيار الزواج، لكننا نادرًا ما نجد فيها تفسيرًا لنجاحه. ولا غرو، فهذه مسألة أصعب. لقد زعم جون ميلتون أنَّ الطلاق أقرب إلى روح «الحب والسلام» من الزواج. وقال إنَّ الطلاق، وليس الجنس، هو مصدر الإراحة والتحرر الأساسي، وإنَّ نقيصة الرجال الحقيقية هي إحجامهم عن الطلاق. وتحت تدوينة «الزواج» في كُنَّاشته نقرأ: «انظر الطلاق». ومنزعجًا بعض الشيء من ذلك، علَّق جوناثان سويفت قائلًا إنَّ ميلتون لم يكتب ذلك إلا لأنه كان متزوجًا، حين كتبه، كما يعلم الجميع، من امرأة «نكدة سليطة اللسان». وبعيدًا عن الأدباء، كتب المحلل النفسي إدموند برجلر ذات مرة كتابًا بعنوان: لن يُجدي الطلاق نفعًا. يُصرِّح هذا العنوان بمقصد مؤلفه، ويدعونا إلى التأمل في التاريخ غير المروي لأحد أسرار الحضارة الأشد خفاءًا: الزواج السعيد. لم تُكتَب بعدُ الأبيات التي ستفصل بين هذا النزاع الأبدي على جنة عدن: الزواج أم الطلاق، برجلر أم ميلتون. لقد كان لإليزابيث تايلور كُنَّاشة مثل ميلتون بلا شك، لكن كان موقفها من الزواج والطلاق فريدًا جدًا. اشتهر اسم تايلور في السينما، لكنها ليست مشهورة اليوم بأفلامها بل بطلاقاتها المنهجية. لقد احترفت الطلاق، برعت فيه (تطلقت سبع مرات). لكن اللافت للنظر أنها لم تشتكِ قط من مسائل الطلاق هذه، بل من مسائل أخرى (الوزن، المهدئات، ونحوها). وبذلك، قدَّمت لنا تايلور سبيلًا تحليليًا نفسيًا بحق للتعامل مع قدر المرء في أن يكرر أخطاءه: إذ كررت نفس الأشياء مرارًا في زيجاتها وطلاقاتها، لكنها لم تشتكِ من ذلك قط، لم تحوِّله إلى مأساة. لقد قال الفيلسوف سينيكا (ت. 65 م) إنَّ المرء أمامه خياران في الحياة: إما أن يدع القدر يقوده أو أن يدعه يجرجره. أي إما أن يكرر نفس الأشياء ويشتكي منها، وبذلك يعيشها كمأساة، أو أن يكررها بشيء من الحماسة، أن يتقن ذلك ويبرع فيه، وبذلك يعيشها كملهاة. لو قيض لسينيكا أن يشهد احتضان إليزابيث تايلور لقدرها لأعجبه ذلك بلا شك، حتى لو كانت حياة النجمة المترفة لا تتماشى مع مذهبه الرواقي. والسؤال: هل ترك أزواج إليزابيث القدر يقودهم، مثلما فعلت، أم تركوه يجرجرهم؟ توجد كتب بعنوان زوجات هنري الثامن لكن لا يوجد كتاب واحد بعنوان أزواج إليزابيث تايلور. وبالنظر إلى المصير الذي كان يحوم حول أزواج إليزابيث تايلور عشية الزفاف (الطلاق العاجل)، يمكن اتخاذ هذه العبارة التي وصف بها جون هوبهاوس مزاج صديقه اللورد بايرون عشية زواجه: «العريس إذ يفقد لهفته» عنوانًا لهذا الكتاب المنتظر عن أزواجها. ومن شأن إيجاد تفسير تحليلي نفسي لهذا التفاوت، أي لاهتمامنا بزوجات رجل أكثر من اهتمامنا بأزواج امرأة أن يثري معرفتنا بالجنسين. لِمَ لا تثيرنا سلسلة من رجال امرأة مثلما تثيرنا سلسلة من نساء رجل؟ من منا يعرف أسماء أزواج الممثلة زازا غابور التسعة؟

16.

تقوم المرأة بهذه المهمة ―أي أن تصير لغزًا― بيسر شديد، بينما يجد الرجل مشقة شديدة في القيام بها. إنَّ الرجال مفتقرون إلى هذه الموهبة ―أن يكونوا غامضين، أن يصيروا ألغازًا― إلى حد مثير للدهشة: إذا ارتدى رجلٌ نظَّارة شمسية على الغداء، فهل يستحق أن يجلس المرء معه؟ وإذا تظاهر بخلاف ما يبطن، فكم من الوقت يحتاج المرء لكي يكتشف الحقيقة؟ تحافظ المرأة على غموضها لكي تمنع الرجل من أن يعرف عنها أكثر مما ينبغي له، وبذلك تضمن بقاء رغبته فيها متقدة. لكن هنا تجد المرأة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُر: أتختار الرجل الذي يفهمها، ويحل لغزها أم الرجل الذي لا يفهمها، ويحترم لغزها؟ الرجل الأول اختيار خاطئ دائمًا لأنه يبدد غموضها، يكشف لغزها، والرجل الثاني اختيار صائب، لكن فيه عيب قاتل: إنه لا يفهم ببساطة.

17.

زار عالم الرياضيات جيمس سلفيستر (ت. 1897) هنري بوينكاريه (ت. 1912) في بيته قرب حدائق لوكسمبورغ في باريس. فتح المفكر الفرنسي الشهير الباب، فحدَّق فيه سلفيستر مشدوهًا ولم ينبس ببنت شفه. وعندما سنحت الفرصة لهنري بيرجسون لكي يقابل وليام جيمس، وقف أمامه صامتًا ببساطة. وعندما تمكن، بعد لأي، من أن يقول له «صباح الخير»، لم يجد جيمس ما يقوله إلا أن يطلب منه رأيه في مسألة الدين! ما سبب خرس اللسان في هذه الأمثلة؟ ليس الإعجاب الشديد بل ضرورة الإطاحة بالآخر. نرى ذلك بجلاء في حياة رجل اشتهر بوحدته واعتزاله النساء. إنه آرثر شوبنهاور، الفيلسوف المتبتل الذي برَّر تبتله بالاستشهاد بأولي العزم من الفلاسفة العُزَّاب: مالبرانش، وديكارت، ولايبنتز، وسبينوزا، وكانط. وفي نظري، يرجع رفض شوبنهاور لاقتراب أي أحد منه إلى حاجته إلى الإطاحة بأي نِدٍّ يريد أن ينازعه الملك. في سنة 1820، عُيِّن شوبنهاور محاضرًا في جامعة برلين، أي حينما كان هيجل يدرِّس فيها وقد بلغ أوج شهرته. ومع ذلك، أصرَّ شوبنهاور أن تكون دروسه في نفس مواعيد دروس هيجل الأشد رواجًا. وعندما اقتُرِحَ عليه تغيير مواعيد دروسه، فضَّل الاستقالة من الجامعة على أن يفعل ذلك. ويوحي ردُّ الفعل هذا بوجود مشكلة أوديبية. ولذلك، ليس من قبيل المصادفة، أنه أهدى الطبعة الثانية من كتابه العمدة (العالم إرادة وتصورًا) إلى أبيه، لكنه لم ينفك يغير نص هذا الإهداء ويعيد كتابته، على الرغم من أنَّ أبيه كان حينئذ ميتًا منذ سنواتٍ كثيرة. ويشي عجز شوبنهاور عن كتابة إهداءٍ مُرضيًا إلى أبيه بأنه لم يستطع أن يجعل علاقته بأبيه رمزية، قائمة على الاحترام، بل ظلت علاقته به تخيلية، قائمة على الصراع. لا نجد في هوامش الدفاتر التي كان يقيد فيها التلميذ شوبنهاور المحاضرات خربشات ورسومات بل نجد تعليقات ساخرة على أساتذته: «أحمق»، «سفسطائي»، «لغو». ويمكننا أن نقول إنَّ وحدته نابعة من الطبيعة العدوانية لعلاقته بالأب: لقد فضَّل عنف «الإرادة» على سلام «الفكرة». وفي موضع الشريك، وضع الفيلسوف شيئًا آخر. إذ نجد في مكتبه صورًا لكانط وشكسبير وجوته وديكارت لكننا نجد بينها صورًا لكلابٍ كانت عزيزة جدًا على قلبه، حتى قال عنها: «لولا الكلاب لآثرت الموت على الحياة». وهكذا، يتبين لنا أنَّ تخلي الرجل عن معاشرة البشر أمر مختلف تمامًا عن عزلة المرأة: ترجع عزلة الرجل إلى الإخفاق في حل إشكالية العلاقة بالأب، بينما تُعدُّ عزلة المرأة حلًا لهذه الإشكالية.

18.

من اللافت للنظر أنَّ فيما تُسمى الحقبة «الذهبية» في تاريخ الإمبراطورية الرومانية―من نهاية القرن الأول الميلادي إلى نهاية القرن الثاني الميلادي―لم يخلف ابنٌ أبيه في الحكم. وفي اللحظة التي خلف فيها ابنٌ أبيه، ساءت الأمور وخرجت عن السيطرة: إذ بغى كومودوس ابن ماركوس أوريليوس إلى حد أنَّ المعلقين لم يجدوا ما يفسِّروا به التباين الصارخ بين الابن الفاسق وأبيه القديس سوى اتهام أمِّه فاوستينا بالزنا به. لكن هذا ليس ضروريًا. فلسنا بحاجة هنا إلى أن نفترض أنها قد ضاجعت مصارعًا. إذ يمكن إرجاع فساد الابن إلى صلاح أبيه تحديدًا. لأنَّ ما كبته الأب يعود بكل ضراوته في حياة الابن. إنَّ الصور المروعة للأجساد المجدوعة التي قضَّت مضجع الإمبراطور الرواقي، أضحت واقعًا على يد ابنه.

19.

سيكون من الخطأ أن نظن أنَّ ضعف الأب أو فقره يحول دون حبه. إذ أحبت ماري شيلي أبيها من أجل ما لا يملكه. بل إنَّ الرجل قد يغدو جذابًا على نحو لا يُقاوم تحديدًا عند لحظة تجريده من رجولته. وكما قال المحلل النفسي أوتو فينيشل (ت. 1946) تقوم المرأة هنا في مقام ما سُلب من الرجل. عندما يبدو أنَّ الرجل قد جُرِّد من ذكورته، تأتي المرأة لأداء دور الفالوس، الذي سُلب منه ولا يمكنه أن يستغني عنه. وهنا طرح فينيشل هذه المعادلة المدهشة: «امرأة = فالوس». ونرى مثالًا على ذلك في تلك الواقعة الشهيرة: موافقة شارلوت برونتي على الزواج من القس آرثر نيكولز. لقد تقدم لخطبتها فرفضته. ثم حضرت له خطبة في الكنيسة فرأته يخطب مرتعشًا من فرط التوتر. فعوضًا عن أن يلقي خطبته بقوة تُظهر أنه رجل حقيقي، ألقاها «شاحبًا ومرتعشًا وبصوتٍ بالغ الوهن». وعند هذه اللحظة تحديدًا قررت أن تتزوجه. ويبين لنا ذلك أنَّ تبرير يوهانيس برامز لامتناعه عن الزواج لم يكن سوى عذرًا واهيًا. لقد زعم أنه لن يقوى على النظر في عيني زوجته المتشككتين عندما يعود إلى البيت من قاعة الحفلات الموسيقية حيث أخفق بلا شك في تقديم عرضٍ يليق بسمعته. لكن كل الشواهد تدل على عكس ذلك. إذ قد يكون إظهار الضعف هو تحديدًا مطلب الزوجة. فأن يُظهر المرء ضعفه يعني أن يُظهر افتقاده ونقصه، أي أن يُظهر خصاءه، وهذا تحديدًا ما يُحَب المرء من أجله، في نهاية المطاف، كما يرى جاك لاكان: إنه لا يُحب بسبب ما يملكه بل بسبب ما لا يملكه.

20.

كما في حالة مريض فرويد الذي كان ينجذب إلى النساء اللاتي يتمتعن بهذه اللمعة النادرة على أنوفهن. ولقد فسَّر فرويد ذلك بالاشتراك اللفظي بين كلمة لمعة في الألمانية (glanz) وكلمة لمحة أو نظرة خاطفة في الإنجليزية (glance). لقد كان هذا الرجل يرغب في أن يسترق النظر إلى ما تحت تنورة امرأة، لكن هذه الرغبة قد تجسدت على مدار حياته في شكل أكثر عقلانية وتفردًا: الرغبة في امرأة تتمتع بلمعة على أنفها. لا تنفك المجلات النسائية تقدم نصائح عن السمات الجسدية التي يجب على المرأة أن تتحلى بها لكي تغدو فاتنة، لكن الأمر أشد غرابة وإدهاشًا من ذلك. إذ إنَّ جاذبية المرأة مرهونة بتراكيب لاوعي الرجل، التي لا يمكن التنبؤ بها مطلقًا. فمن المحتمل أنَّ كل واحدةٍ من شريكات مريض فرويد هذا قد قضت ساعاتٍ طويلة قاتمة تتساءل في عجب عن الشيء الذي قد يجعلها جذابة في نظر أي رجل بينما هذه اللمعة الغريبة تلطخ أنفها، من دون أن تدري أنَّ فارسها وأميرها يبحث عنها في كل مكان. ليس بمستطاع أي مجلة أن تهيئ هؤلاء النسوة ذوات الأنف اللامع لهذا الرجل المقدَّر لهن.

21.

إذا كان حب الرجل ينصرف إلى النقص في المرأة، فكيف لنا أن نميز بينه وبين حب المرأة، الذي ينصرف إلى النقص في الرجل أيضًا كما رأينا؟ يمكننا أن نجيب على ذلك بالقول إنَّ الحب عامة، سواء أكان حب رجلٍ أو امرأة، ينصرف إلى النقص. لكن ما يميز حب المرأة هو الآتي: لا بد أن تكون المرأة هي تحديدًا سبب هذا النقص وليس أي أحد آخر. لا بد أن يتبدى هذا النقص والافتقار على يدها هي وليس على يد غيرها. فلقد ألقى القس آرثر نيكولز خطبته «شاحبًا ومرتعشًا وبصوت بالغ الوهن» بسبب شارلوت برونتي، أي لأنها كانت جالسة أمامه. أمَّا الرجل فلا يريد غالبًا أن يكون هو سبب نقص المرأة التي يحبها. وهذا ما يفسِّر لنا أنَّ الرجل لا يطلب من المرأة برهانًا على حبها له بنفس الوتيرة التي تطلب بها المرأة من الرجل برهانًا على حبه لها. فنادرًا ما يكرر الرجل طرح سؤال الحب―هل تحبني؟ وبأي قدر؟ ولماذا؟―على شريكته، بينما لا تنفك هي عن طرحه عليه، لأنها تريد أن تُجلي افتقاره إليها، أن تبديه على يدها، وتراه بعينيها. أمَّا الرجال فلا يصرون غالبًا على أن يكونوا سبب نقص المرأة، بل عندما يظهر لهم أنهم كذلك حقًا، يرحلون على الأرجح. يفزعون ويهربون. يوجد تناقض جذري هنا بين طلب المرأة لدوام الحب والانقطاعات التي تميز حب الرجل. فمن المعروف أنَّ الرجل يسهُل عليه أن يقع في حب امرأةٍ أخرى بمجرد أن ينهي علاقته بشريكته. بينما تجد المرأة مشقة كبيرة في فعل ذلك. بل إنَّ حب الرجل عُرضة للتغير، على نحو يومي، في علاقته بنفس المرأة، إذ قد يتأرجح بين الاهتمام الشغوف، والإعراض، والشك، بل والكُره حتى. كما لو أنَّ هذا السؤال الضمني: «لِمَ لا تكونين امرأة أخرى؟» يخيم بظلاله على شريكته، التي لا يشق عليها أن تتبينه، بكل ما يجلبه من عدائية. ويمكننا أن نميز هنا بين ثلاثة أشكال للحب. أولًا، الحب الذهاني، وصورته: «أنا على يقين من أن الآخر يحبني». ثانيًا، الحب الأنثوي، وصورته: «هل يحبني الآخر؟». ثالثًا، الحب الذكري، وصورته: «هل أحب الآخر؟». قد تقضي المرأة ساعاتٍ طويلة مشغولة بما إذا كان شريكها يحبها حقًا أم لا، أمَّا الرجل فقد يقضي ساعاتٍ طويلة مشغولًا بما إذا كان يحب شريكته حقًا أم لا. تتشكك المرأة في حُبِّ الرجل الذي اختارته، بينما يتشكك الرجل في حُبِّه للمرأة التي اختارها.

22.

ونجد نفس الحيلة [معاملة الرسالة كرسول لا كموضوع] عند الدبلوماسي الإنجليزي فالنتين ديل (ت. 1589). ذات مرة، احتاج ديل إلى نقود، فكتب رسالتين: رسالة للملكة إليزابيث، فيها تفصيل عن وضعه المالي، ورسالة عاطفية لزوجته، فيها ذكر لأزمته المالية، وأرسلهما في نفس الطرد، لكنه وجَّه رسالته للملكة إلى زوجته، ورسالته لزوجته إلى الملكة. وهكذا، وجدت الملكة نفسها مندهشة لكن مبتهجة وهي تقرأ نصًا مترعًا بعبارات من قبيل: «حبيبة قلبي» و«حبي الغالي». فلانت، وأرسلت النقود إلى فالنتين العزيز، غافلة عن أنه قد تعمد هذا الخلط ودبَّره بعناية. تبين لنا هذه الواقعة أنَّ النحَّات الفرنسي أوغست رودان (ت. 1917)، قد أبعد النُجعة عندما قال إنَّ تمثاله الشهير لرجل بلا رأس يمثل دبلوماسيًا: رجل بلا رأس، أي رجل لا يفكر. إذ يشهد ما فعله السفير الإنجليزي بالرسائل على دهائه وسعة حيلته. حيث استغل الرسالة كرسول حامل لمعنى لا كوثيقة. ونجد نقيضًا لتقديم فحوى الرسالة على جسمها في رسائل جيمس جويس المعروفة برسائل ترييستي. لقد كتب نثرًا فاحشًا إلى زوجته نورا، مقترحًا عليها أن تفعل أشياء يندى لذكرها الجبين بالرسائل ذاتها، كأن تُدخِلَها في فتحات جسدها. ليست الرسالة هنا رسولًا، نصًا حاملًا لمعنى، وإنما جسم، موضوع قائم بذاته. يذكرنا هذا بعادة حياكة الرسالة في بطانة الثوب، التي كانت شائعة قديمًا. فهنا أيضًا تنبع قيمة الرسالة من ماهيتها ومكانها لا مما تقوله. وبرسالة الشاعرة الليدي كارولين لامب (ت. 1828) للورد بايرون، التي كتبتها على نسيج نفيس مصنوع من شعر عانتها. وهكذا، نرى أنَّ للرسالة وظيفتين على الأقل: الرسالة كرسول والرسالة كموضوع.

23.

ويمكننا أن نطرح هذه الأطروحة: إحدى وظائف كتابات الرجال―في مقابل كتابات النساء―هي تنويم القارئ. هذه أطروحة جادّة تمامًا. لنتذكر هنا التفسير الذي كتبه القس الإنجليزي جوزيف كايرل (ت. 1673) على سِفر أيوب، والذي يقع في أكثر من أربعة آلاف صفحة، لامتحان صبر القارئ. أو الروايات المبكرة للمؤلف الفرنسي ألان روب-جرييه (ت. 2008)، التي يستغرق فيها وصف قطعة بسيطة من أثاث المنزل صفحات عدَّة. طرق الفن متنوعة بالطبع، لكن للمرء أن يشتبه في أنَّ هذا النحو من الإسهاب يرمي إلى تمويت الشيء الموصوف وإلى تمويت القارئ أيضًا. قد يقول الناس أحيانًا عن كتاب إنه نُصُب، مَعْلَم لتخليد ذكرى مؤلفه، أي ضريح. ولأن الكثير من الأضرحة تظل فارغة ومهجورة، قد يكتب المؤلف نصًا بنية جعله مهجورًا: ألا يزوره أي قارئ. وكما أنَّ الضريح لا يخاطب زائره بحد ذاته، لا يخاطب هؤلاء الكتَّاب، الذين يميتون أنفسهم بالكتابة، زوار كتبهم الميتين من الملل، بل الموت نفسه. ولعل فولتير قد أدرك ذلك، لو صح أنه قد أملى جزءًا من قصيدته ملحمة هنري على ناسخه النائم.

24.

مساعي تمويت الآخر هذه مشهورة في التحليل النفسي. فلقد أشار جاك لاكان إلى أنَّ مرضى العُصاب الوسواسي لا يكفون عن الكلام خلال جلسات التحليل، بل يطرحون التأويلات نيابة عن المحلل النفسي، بغرض منعه من قول أي شيء. ويذكرنا هذا النحو من تحاور المرء مع نفسه، بسعي السياسي الروماني كاتو الأصغر (ت. 46 ق.م) لمنع لحظة التصويت في مجلس الشيوخ بخطبه مفرطة الطول. وكما كان من حق أي شيخ أن يخطب كما يشاء فيما يشاء قبل بَتْ المجلس في أي قضية، من حق أي مريض أن يقول كل ما يخطر على باله في جلسة التحليل النفسي. ومن شأن ذلك أن يضع المحلل النفسي في موضع الجثة، أن يجعله كما لو كان غير موجود. أخبرنا أحد مرضى لاكان عن الطريقة المشينة التي عامله بها المحلل النفسي الشهير: لقد كان لاكان يتركه يتكلم ويغادر الحجرة ليردَّ على الهاتف، أو ليُعدَّ كوبًا من الشاي، قائلًا له: «لا تتوقف عن الكلام أثناء غيابي». وعوضًا عن أن نرى في ذلك خرقًا فاضحًا لآداب المهنة، كما رآه المريض، يمكن أن نراه تأويلًا، ردًّا على خطة المريض لتنويم المحلل النفسي، لوضعه في موضع الجثة، عن طريق الكلام على نحو لا ينقطع. فبهذه المناورة الغريبة، حال لاكان دون حدوث ذلك، وردَّ على المريض رسالته: من الممكن ألا أوجد فعلًا.

25.

من الواضح أنَّ ذاتَ المرأة تمتد إلى ما وراء حدود جسدها العضوي على نحوٍ مختلف عن امتداد ذات الرجل إلى ما وراء حدود جسده العضوي. يشهد على ذلك المشقة التي تجدها المرأة في نقل مكان السكن بخلاف الرجل. إذ يستطيع الرجال أن يعيشوا في أماكن شديدة الفوضى على نحو قد يثير جزع النساء وذهولهن. ومن شأن ذلك أن يدحض الرأي الشائع عن أنَّ المرأة أشد نرجسية من الرجل. يستطيع الرجل أن يعيش في شقة فوضوية، لأنَّ نرجسيته منصبة بأكملها على أناه، ولذلك يمكنه أن يتعامى عن وضع الشقة. ويمكن اختبار ذلك تجريبيًا، بأن ننظر ما إذا كان الرجال الأشد نرجسية يعيشون في الشقق الأشد فوضوية أم لا؟ في المقابل، غالبًا ما تراعي المرأة تفاصيل مكانها بدقة شديدة. ومقتضى ذلك أنَّ طبيعة نرجسية المرأة―إذا كانت نرجسية―تختلف عن طبيعة نرجسية الرجل: إنها أوسع، إذ تشمل الجسد والمكان المحيط به. وكما أشار تيودور رايك، ليس المكان هنا بديلًا عن الجسد بل امتدادًا له. ولهذه الأهمية، التي يحظى بها مكان العيش عند المرأة، تبعات على علاقاتها الجنسية بالرجال. إذ قد تعزم امرأة على مجامعة رجل ثم تعدل عن ذلك بمجرد أن ترى شقته، لكن من غير المرجح أن يعدل رجل عن مجامعة امرأة لأن الفوضى تعم شقتها.

26.

تفتق ذهن محتال، يُدعى «الدوق»، عن هذه الخطة البديعة. سكن في بلدة صغيرة في الولايات المتحدة، وفتح حسابًا في مصرف البلدة. ثم أجرى بعض المعاملات المالية الصغيرة من خلال الحساب. وفي مساء يوم جمعة، ذهب إلى معرض السيارات، وأشار إلى أغلى سيارة رياضية، قائلًا إنه سيشتريها فورًا، بشيك مصرفي. وفي بلدة كهذه، لا تُباع السيارات الرياضية كل يوم. وعلاوة على ذلك، قال الدوق إنه سيأخذها كما هي، من دون أن يطلب إدخال أي تعديلات عليها أو إضافة أي ملحقات إليها. أو بعبارة أخرى، هذه بيعة العمر في نظر موظف المبيعات. لكن المشكلة في الشيك. إذ لا يمكن الاتصال بالبنك للتأكد من صلاحيته، واليوم يوم جمعة. تردد البياع وارتجف، ثم أخذ الشيك. ما الذي فعله الدوق بعد ذلك؟ أخذ السيارة إلى تاجر سيارات مستعملة على مقربة من المعرض، وعرضها عليه، وطلب ثمنها نقدًا. لكن هذه بلدة صغيرة. أجرى التاجر بعض المكالمات الهاتفية، فجاءت الشرطة، واعتقلت الدوق. وفي صباح يوم الإثنين، أكَّد البنك صلاحية الشيك. فرفع الدوق قضية على الشرطة على اعتقاله بلا وجه حق، وطلب تعويضًا من التاجر. والحق إنَّ هذه أمثل خديعة لتتويج مسيرة محتال محترف. لكن ما هي خطة الدوق على وجه التحديد؟ هنا مسألتان، أولًا: ما المسروق؟ وثانيًا: ما علاقة البراءة بالذنب؟ لقد هندس الدوق وضعًا يدل كلُ شيءٍ فيه على أنه محتال. فعرضه السيارة للبيع بعد شرائها مباشرة دليل ظاهر على أنَّ الشيك سيُرَد. ومع ذلك، بيَّن الدوق بطلان هذه الدليل، بيَّن قدرته على أن يفلت من دلالة هذا السياق الذي يُبديه لصًا. ولقد اعتمد الدوق على الأعراف الاجتماعية لإنجاح خطته. فوفقًا لهذه الأعراف، الشخص الذي يشتري سيارة بشيك، ثم يعرضها للبيع بعد خمس دقائق، هو شخص مشكوك في أمره. ولذلك، يجوز لنا القول إنَّ الدوق لم يحتل على الشرطة ولا على تاجر السيارات، بل على اللغة نفسها، كما هي مُجسَّدة في أعراف المجتمع وقواعده المتواضع عليها. لقد احتال على العرف وبذلك أظهر اختلافه: «يحق لي أن أبيع سيارتي الجديدة وقتما شئت ولمن شئت». إنَّ الأعراف والقواعد الاجتماعية تحرمنا من الحق في الاختلاف. إذ يُرتاب في أمر المرء بمجرد أن يتصرف على خلاف ما تقتضيه. ولقد أراد الدوق استرداد هذا الحق مرة أخرى. وهذه هي سرقته: لقد سرق حقه في الاختلاف من الأعراف الاجتماعية التي سلبته منه. لقد بيَّن قدرته على الإفلات من المعنى الذي تولده سلسلة محددة من الأفعال: أن تشتري سيارة بشيك، ثم تعرضها للبيع بعد دقائق يعني أنك لص. إنَّ الدوق يسعى هنا إلى الاحتيال على أعظم خصم على الإطلاق: النظام الرمزي، اللغة نفسها. لكن ما الدرس الذي نتعلَّمه من ذلك عن علاقة البراءة بالذنب؟ إنه درس في المنطق: إنَّ الدوق مذنب لأنه بريء، إنه مذنب ببراءته، إنَّ براءته هي ذنبه. لقد هندس الدوق وضعًا من شأنه أن يوحي لتاجر السيارات ورجل الشرطة بأنه محتال، لكنه لم يصبح محتالًا حقًا إلا عندما ثبتت براءته، أي عندما تبين أنه قد وقَّع على شيك صالح للصرف. لقد أصبح محتالًا تحديدًا عند اللحظة التي تبين فيها أنه بريء. إنَّ براءة الدوق هي ما يجعله مذنبًا، على ما يبدو.

27.

ناقش المحلل النفسي لودفيج إيدلبيرج (ت. 1970) هذا التوتر بين الدوافع في دراسته المختلفة والمدهشة عن زلات اللسان. لننظر في هذه الزلة: دخل رجل مع رفيقته إلى مطعم وطلب من النادل "غرفة" لشخصين. بادئ الرأي، قد نقول إنَّ الرجل أراد أن يطلب مائدة لشخصين، لكن لأن باله كان مشغولًا بمجامعة رفيقته، زلَّ لسانه فقال غرفة لشخصين عوضًا عن مائدة لشخصين. وهكذا أعرب دافعه الحقيقي من وراء دعوتها إلى العشاء، عن نفسه. لكن إيدلبيرج يرى خلاف ذلك: ليست الزلة نابعة من انشغال الرجل بالمجامعة بل من انشغاله بالأكل. إنَّ ليبيدو هذا الرجل منصب على متعة الفم، على الأكل، وليس على رفيقته، وما زلة لسانه―قوله غرفة عوضًا عن مائدة―إلا محاولة للتمويه على ذلك، إلا محاولة لتضليل ضميره الذي يؤنبه على دافعه الفموي المكبوت. إنَّ ما أراده حقًا هو مائدة عامرة بالطعام ليأكل منها وليس غرفة ليجامع فيها رفيقته. وهكذا، يقلب إيدلبيرج نظرية زلات اللسان الفرويدية رأسًا على عقب. عندما يزل اللسان، أيهما يدل على الدافع المكبوت: الكلمة غير المقصودة التي قيلت أم الكلمة المقصودة التي لم تُقَل؟ بحسب إيدلبيرج، الكلمة المقصودة التي لم تُقَل (مائدة) هي التي تدل على الدافع المكبوت (متعة الفم)، وليس الكلمة غير المقصودة التي قيلت (غرفة)، كما رأى فرويد.

28.

لعل الرجال يحفظون رسائلهم الغرامية مع الملفات لأنهم يرونها مجرد رسائل. أمَّا النساء فيحفظنها مع الثياب لأنهن لا يرونها مجرد رسائل. إذ قد تكون الرسالة مجرد رسالة لكنها قد تكون شيئًا آخر. وعندما تكون شيئًا آخر لا يُعدُّ من الضروري إرسالها. فما يهم هنا أنَّ المرأة قد كتبتها، ولعلها كتبهتا لنفسها وليس لأي أحد آخر، ولذلك لم ترسلها. ومن شأن ذلك أن يقلب الرأي الشائع القائل إننا نتحاور مع الغائب بكتابة الرسائل، ونتحاور مع أنفسنا بكتابة اليوميات، وأن يبين أنَّ ليس كل ما كُتِب قد كُتِب لكي يُقرأ. لقد ظلت رسالة كلُّ من أودري هيبورن في فيلم Love in the Afternoon 1957، وكيم نوفاك في فيلم Vertigo 1958 غير مرسلة وغير مقروءة. لقد كُتِبت الأولى لتحذير زير النساء فرانك فلانجان من أنَّ حياته على المحك، وكُتِبت الثانية لإخبار العاشق المكلوم جيمس ستيوارت أنَّ المرأة التي قابلها (جودي) ليست سوى المرأة التي أحبها والتي يظن أنها قد ماتت (مادلين). لكن كلتا المرأتين اختارتا ألا ترسلا رسالتيهما. وعوضًا عن إرسالها، فعلتا نفس الشيء: وضعت كل منهما نفسها مكان رسالتها، أي أرسلت نفسها. إذ ذهبت أودري هيبورن إلى جناح فلانجان في فندق الريتز، وعزمت كيم نوفاك على أن تجعل جيمس ستيوارت يحبها لذاتها لا كنسخة من امرأة أخرى. إذا كان الغرض من الرسالة هو الكشف عن كاتبتها، ووصف حالها، وتجسيدها، وإذا كانت الكلمات قاصرة عن قول كل شيء، فإن الرسالة ستظل غير تامة لا محالة. لقد أدركت المرأتان أنَّ الكتابة لم تكن كافية، فوضعت كل منهما نفسها في مكان الرسالة التي لم ترسلها. ومن شأن ذلك أن يطرح علينا هذا السؤال: لو أنَّ الإحجام عن إرسال رسالة قد يكون علامة على الحب، فهل تلقي رسالة علامة على نهاية الحب؟


* الترجمة خاصة بـ Boring Books

** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية