انبثقت في داخلي صورة من جديد، صورة لرجل يُغطس رأسه في حوض ماء عميق، ثم يخرج نصفه إلى حدّ رقبته، ليغطس من جديد. كنت أنا ذلك الرجل.
رحلة داخل رأسي
قصة لمشعان المشعان
مقتطف من كتاب "الأرض تحت الريح" الصادر عن دار رشم للنشر والتوزيع، 2024

يرنّ هاتف المكتب، خلف السمّاعة أسمع صوته المكبوح يستدعيني في الحال. أنهض من كرسيي المتهالك نوعًا ما. أعرف ما يريده المدير، فهو لم يطلب منّي ذات يوم إنجاز أيّ مهمّة عمل. على كلّ حال، سأكون في انتظار غضبه الحادّ. قبل ثلاثة أشهر لفتُّ انتباهه، حدث ذلك حينما اسْتَأذَنْتُهُ في أن أغادر لموعدٍ في المستشفى، فأذنَ لي. رجعتُ إلى مكان العمل بعد ساعتين، وقد دخلتُ من الباب الجانبي إلى مكتبي من دون أن أمرّ به وأبلّغه بحضوري، ومن تلك اللحظة لم يتجاوز ذلك الموقف.
يأمرني بالجلوس، أهجس: "ماذا يريد منّي هذه المرة؟". لم يطل الوقت حتى قذف عليَّ كعادته توبيخًا بلا سببٍ. من خلف تلك المنضدة الخشبية العريضة التي اعتدت أن أقف حذاءها كثيرًا، منضدة صلبة تشي بصلابته، يستمرّ في إهانتي. وبينما أكون صامتًا، تكون المقاومة الوحيدة لديّ أن أظلّ محدّقًا بأصيص النبتة الخضراء في الركن القريب، فتطفو قبالة عينيَّ صورة سهول خضراء منبسطة، أرى فيها نفسي أركض وحيدًا، أطوي العشب بعد العشب، وحين يشتد عليَّ التَّعب، أستريح في تلك المروج، ممدّدًا وفاردًا كلًّا من ساقيَّ ويديّ إلى الأمام، تاركًا الريح العذبة بعد ذلك تجول بين فتحات جسمي وشعري الطويل. الصوت من حولي يبدأ بالخفوت بطيئًا، بطيئًا، ولا أسمع بعده إلّا صوت عقلي الذي أتوحّد به. أتخيّلني أتسلّق قمّة جبل كلمنجارو، أو أقود درّاجتي الهوائية في مسار كامل يلفّ حول جزيرة تايوان، أو أرتشف قهوتي السوداء في برلين، وإلى طاولة مقهى (بونانزا) أجلس وأطلّ على متنزّه مايور بارك المقابل. يخبط فجأةً بيده الثقيلة على الطاولة، ويعيدني للواقع، والمشهد الوهمي: "ليه تتأخّر عن العمل؟"، "لم أتأخّر". "ما أشوفك تندمج مع أصدقائك في العمل!"، "ليسوا ودودين"، "ما أشوفك تقوم بواجبات عملك؟"، "إذا لديَّ عمل سأنجزه". "وهل تنتظر من حد يطلب منك أداء مهمة؟! يجب على نفسك التحرّك حتى لو تطلّب الأمر أن تأخذ خرقة وتمسح بها سطح مكتبك المغبّر!".
انبثقت في داخلي صورة من جديد، صورة لرجل يُغطس رأسه في حوض ماء عميق، ثم يخرج نصفه إلى حدّ رقبته، ليغطس من جديد. كنت أنا ذلك الرجل. بركة ماء يمتدّ طولها إلى حافة هاوية المنحدر بثلاثين طابقًا، يفصلها عن الأرض فقط زجاج شفّاف سميك، جسمي كلّه يسبح في الماء البارد، وقبالتي يتجلّى بهيئته الكاملة برج كوالالمبور التوأم، يغطّي نصفه بخار من ضباب. أواصل دفع جسدي ساحبًا بيدي الماء، فأجدني ألتصق بصدري على الزجاج، مسندًا كلتا يديَّ إلى حافات زجاج برونزي من معجون دينافلكس. أدع الضباب يغسل وجهي، السماء ناصعة البياض! يغيّر فجأة من نبرة صوته لكي يستدرجني. ولكنّ هذه اللعبة الجديدة لا تنطوي عليّ. لن أصبح فريسة بيده: "أدري أنهم يتعاونون عليك"، "لا أهتمّ". "وسعيًا إلى الغدر بك يجهدون لإبعادك إلى خارج المجموعة". أصمت... "لكن لا تشغل بالك، فأنا معك!".
في شقّة سكني الواقعة في منطقة (بوتراجايا) كنت أستلقي على بطني، وجهاز الكمبيوتر بضوئه الأزرق مُلقى أمامي مباشرة، عارضًا صفحات من سيرة كتاب (أمينة المفتي)، أشهر جاسوسة عربية على مرّ التاريخ. بدا لي عالمًا غريبًا، وغامضًا، وقد تلبّسني الخوف حينما ولجتُ عمق تفاصيل هواجسها ومخاوفها، وكنت أرى أقدار اللّٰه تجري من خلال تقلّبات مصيرها، أفزعني ذلك، فلم أرفع عينيّ عن السطور حتى اقتراب الساعة الخامسة فجرًا. رأيت أن أواصل في سهري إلى حين وقت بدء الحصص الدراسية. لمّا ولجتُ البناية، تحرّكَت لديَّ الحاسة السادسة، وأصبحت كثير الالتفات يمنةً ويسرةً، وصرت أشكّ في جميع أصدقائي، وحتى في نفسي. لأول مرة أعرف معنى أن تتماهى بشخصيات الرواية. شخصيتي أصبحت بعد ذلك أكثر خصوصية، وأكثر تحفّظًا. حينما ألتقي شخصًا ما لأول مرة، لا يمكنني أن أسلّم إليه، في أول الشهر، جميع ذكرياتي، وربّما قد تصل إلى سنة حتى يحصل على ثقتي، وشيءٍ من روحي. أفهم ما يحاوله المدير من استدراجي نحوه. أراد أن أبلّغ بما يأتيه الموظّفون من تصرّفاتٍ، وبما يخفونه من أفعال. أراد منّي أن أكون عينه الثالثة.
كاد أن يسحبني معه إلى الواقع، إلى حرارة المدينة المغبرّة، وأن أعترض بوجهه كما يعترض حَرّ الظهيرة وجهي في أشدّ ساعاتها: "هذا لأنك تتوقّع منّي الكثير. في الجامعة ليس الطلّاب على قدر من المساواة؛ ففيهم الذكي، وفيهم الأذكى، وفيهم الطموح، والآخر المجتهد.. وبحكم عدم فهمك هذا الشيءَ، فإنكَ تضعني في مستوى الآخرين نفسه، وتتوقع منّي على قدر توقّعك من هذا الآخر! هناك من يستطيع أن ينجز العمل في ساعتين، وآخر بعد يوم، وربّما ذاك بعد ثلاثة أيام.. لسنا على قدر من المساواة، فنحن نتفاوت في جهدنا، وقدراتنا العقلية، وإمكاناتنا... لا أتوقّع أيّ مرونة منك، هذا ما يسبّب لي التوتّر". ولكنّني تراجعت في اللحظة الحاسمة، وأمسكت نفسي، فالسماء مثل وجهه مشحونة بالشّمس في الأصل. وبينما أستسلم لشرود ذهني متطلّعًا إلى نهر جارٍ يصبّ في حوض الأمازون، وإلى غابات استوائية مطيرة في ميانمار وفيجي وبابوا، أتخيّلني في وسط غابات مغمورة بالمياه، ومرة أجدني بين نباتات نادرة ومزهرة، أتحسّس ملمس كاسيات البذور. وهناك أمشي سيرًا على الأقدام، وصولًا إلى كوخي على حافة الغابة، يتساقط عليَّ المطر، وأوراق الشجر في الخارج، فأدثِّر نفسي قبالة موقد خشبي. أصحو من تلويحات خيالي المتحرّك على فيضانات غضبه، وأجدني في مستنقع هياجه: "لا تتجاهلني! لا تتجاهلني!". أسمع بعد ذلك سرعة خطواته المفاجئة تغادر المكتب.
* يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
