رتشارد بوثبي: مسألة شائكة

2025-10-21 - Tareq Osman

تقتضي الحياة المتحضرة التخلي عن الكثير من المُتع، ومن أهمها: تمتع المرء بدرجة أكبر من الحميمية الجسدية مع غيره.

مسألة شائكة

مقال: رتشارد بوثبي

ترجمة طارق عثمان

عن Richard Boothby, “Why Sex Is Such a Touchy Subject” in Idem, Sex on The Couch (New York-London: Routledge, 2005), 61-88.

رتشارد بوثبي أستاذ الفلسفة والتحليل النفسي في جامعة لويولا بشيكاغو.


على السرير لتولوز لوتريك، عن الجارديان

كثيرًا ما يتردد على أسماعنا هذا السؤال في شأن فرويد: لماذا اختار أن يركِّز في نظرياته على الجنسانية حصرًا؟ فليس الجنس سوى أحد مناحي حياتنا العديدة، ومع ذلك، يبدو أنَّ فرويد كان مهووسًا به تمامًا. وهذه المسألة، دون غيرها، هي التي أفضت إلى القطيعة بين فرويد وكارل يونج، حواريِّه المقرَّب، ووريثه الشرعي المنتظر. إذ اشتكى يونج أنَّ تشديد شيخه على الجنس قد طمس غيره من مناحي الوجود البشري الأساسية، كالحياة الدينية والروحانية على الأخص. ونجد جواب فرويد على هذا الاعتراض مرويًا في قصة قديمة، سمعتها لأول مرة من عالم النفس في جامعة هارفرد، هنري موراي، الذي زعم أنه قد سمعها من يونج نفسه. حينما سُئل فرويد عن عِلَّة انشغاله بمسألة الجنس، أجاب بأنه لمَّا راح يبحث، في بداية مسيرته، في أصول الدوافع البشرية، وقف على ثلاثة دوافع أساسية محتملة: الجنس، والسلطة، والعدوان. ولقد خص الجنس باهتمامه، لأنه كلما حدَّث الناس عن التسلط والعنف، أومأوا برؤوسهم في تمعن، والتزموا بالوقار الأكاديمي، وغمغموا بتعبيرات متحفظة عن الفضول أو الشك. لكن كلما تحدَّث عن الجنسانية، دفع ثمنًا باهظًا. فبمجرد أن يأتي على ذكرها، يغضبون غضبًا محمومًا، ويحتجون احتجاجًا عارمًا. واتخذ فرويد من ذلك شاهدًا على أنه يسير على المسار الصحيح.

تبين لنا هذه القصة، التي رواها موراي، نزوع فرويد إلى تعمُّد مخالفة الآراء السائدة (وتلمِّح إلى أنه كان يجد شيئًا من المتعة في البلبلة التي تثيرها هذه المخالفة). وكذلك تذكرنا بهذا النهج العيادي (الإكلينيكي) الذي اعتمده فرويد: أن يصرُّ على مواصلة التحليل تحديدًا عند مواضع مقاومة المريض. لكنها تطرح علينا سؤالًا أعمق: لماذا الجنس أمر شائك ومحرج إلى هذا الحد؟ ففي شتّى الثقافات، وفي شتّى الحقب التاريخية، فُرضت على الجنسانية، صراحة، تقييدات وتحريمات مُفصَّلة. إنّ الجنس مُحاط بحساسية مخصوصة. إنّه محَلّ حرجنا الأشد تلقائية، وإحساسنا بالذنب الأشد حميمية، وإحساسنا بالخجل الأشد وخزًا. لكن لماذا؟ ما شأن الجنس حتى يثقل كاهلنا بهذه المشقة؟ لم ينفك هذا السؤال يشغل فِكْر فرويد حتى نهاية مسيرته.

موقف البشر من الجنس أمرُ مُلغِز حقًا. لنتخيل كيف سيكون ردّ فعل زوّارٍ من المريخ عليه. بعد عودتهم إلى كوكبهم، سيصفون الوضع لغيرهم من سُكّان المريخ على هذا النحو: لقد وجدنا على الأرض نوعًا غريبًا من المخلوقات التي تمشي على قدمين، يهيمن على الكوكب، ويرى أغلب أفراده أن نيل اللذّات الجسدية هو غاية الحياة الأساسية، وعلى قمة هذه اللذّات، تتربّع لذّة الجِماع. إنّها مُشبِعة لدرجة أنّ الألفاظ التي تدلّ عندهم على اللذّة القصوى―النشوة، النعيم، الجذبة، الغشية―مُحمّلة بمضامين جنسية. يقضي سُكّان الأرض وقتًا طويلًا في التفكّر في احتمالات المتعة الجنسية، ويبذلون جهدًا فادحًا لجعل أنفسهم جذّابين في أعين شركائهم (أزواجهم) المحتملين، وقد يعرِّضون أنفسهم لمخاطر هائلة في سبيل نيل هذه المتعة.

لكن إليكم الأمر المدهش حقًا. بالرغم مِن تسنُّم الجنس مقامًا رفيعًا في مجمعِ اللذّات البشرية، وبالرغم مِن شدّة تعطش البشر إليه، فإنّ الجنس هو اللذّة الأكثر تعرّضًا للتقييد مِن بين جميع اللذّات البشرية. لن يجد زائرنا المريخيّ بُدًّا مِن أن يخبر قومه، إذا رجع إليهم، عن هذه المفارقة العجيبة: معرفة المرء قدر اللذّة التي يحصّلها البشر مِن الجنس تجعله يتوقع أنهم سيسعون إلى مضاعفة حظوظهم منه إلى أقصى حد، لكن الواقع يشهد على نقيض ذلك. ففي كلّ مكان، يبدو النشاط الجنسي مطوّقًا بحشدٍ من الضوابط والقيود. بل إنّ نطاق الشركاء، الذي يمكن له أن يسع النوع البشري بأكمله، مُضيّق إلى حدٍّ يجعله لا يتّسع إلا لشخص واحد فقط، تتطلب ملامستُه تحليلًا دينيًّا وتصديقًا قانونيًّا.

وحتى مع هذا الشريك الواحد، يظل الانغماس في السلوك الجنسي محدودًا ومقيدًا بشدّة. فعادة ما يُحصَر في حُجرَة واحدة من المنزل، إلى درجة أنّ عبارة حجرة النوم يمكن أن تُعدّ مرادفًا لحُجرَة الجنس. وكذلك يُقصى الاتصال الجنسي، غالبًا، إلى ساعة معيّنة من اليوم―قبل الخلود إلى النوم مباشرة―يمكن تسميتها بـ«ساعة الجنس السعيدة»، كنظير شهواني لـ«ساعة الشراب السعيدة» [التي تُخفِّض فيها الحانات أسعار الخمور]، وإن كانت لا يُتمتَّع بها بنفس الوتيرة. علاوة على ذلك، يقتصر الجنس، عند معظم الأزواج، على عدد من الأفعال الرتيبة بعض الشيء، ويُنجز في وقت قصير قِصرًا مذهلًا. فبحسب [عالم الأحياء والجنس الشهير] ألفريد كينزي، يُنجِز الزوج العادي الجِماع في أقل من دقيقتين. ومنظورًا إليها―مع الزائر المريخي―من أعلى، نرى في المدن البشرية صورة مدهشة للعزل الجنسي، إذ يعيش الغالبية العظمى من الناس في منأى عن «غيتوهات» الشبق، حيث يُباع الجنس في زوايا فظيعة―تُسمى «مناطق الضوء الأحمر» أو «المناطق الحمراء»، أو «مناطق القتال» كما في بوسطن، أو «المربّع» [المنطقة، الحي، الحِتة] كما في بالتيمور. ومن العسير ألا يترك فينا ذلك انطباعًا بأنّ المجتمع، وبكلمات فرويد، «لن يسمح بالعلاقات الجنسية إلا إذا كانت مبنية على أساس ميثاق غليظ بين رجل واحد وامرأة واحدة، وبأنه لا يستحسن أن يُتخذ الجنس مصدرًا للذّة بحدّ ذاتها، وإنما السبب الوحيد الذي يجعله مستعدًا لتقبُّل الجنس هو أنه لا توجد حتى الآن أي وسيلة أخرى لتكثير البشر».

لو نظرنا إلى أنفسنا من وجهة نظر الزائر المريخي، سيشق علينا فهم السبب الذي يجعلنا نتعامل مع الجنس على نحو مغاير تمامًا لتعاملنا مع الأكل. فكليهما عمليتان جسديتان هامتان، لهما دوافع قوية، وكليهما لازم للحفاظ على حياة النوع البشري، ويعودان على المرء بقسط وافر من اللذّة. علاوة على ذلك، يمكن للمرء إشباع نفسه منهما منفردًا، لكنهما يغدوان أشد إمتاعًا في صحبة الآخرين. ولذلك، سيطرح المريخي هذا السؤال: لماذا لا يتشارك البشر الجنس كما يتشاركون البيتزا؟ لماذا يُجهر بالأكل ويرقّى إلى درجة الاحتفال العام، بينما يُخفى الجنس ويُحطّ به إلى درك السرّ المُشين؟ والراجح، أنّ الزائر المريخي سيغادر الأرض وهو يحك رأسه في عجب من هؤلاء البشر الذين يجدون الجنس أمرًا مُشكِلًا جِدًّا، متسائلًا: على ما كل هذه الجَلَبة؟ وإجمالًا، تترك فينا هذه المواقف انطباعًا متناقضًا بحق: الجنس هو اللذّة الأثيرة عند البشر، لكنه اللذّة الأشد نكرانًا. فكيف نحل هذه المعضلة؟

من وجه، يمكن حمل وابل القيود القانونية والدينية والثقافية المفروضة على السلوك الجنسي على أنها وسيلة لحفظ أشكال بعينها من السلطة والهيمنة الاجتماعيتين. فبتقييد بلوغ الإشباع، تتسيّد جماعة على أخرى. إذ يُمنع الصغار من لمس أنفسهم أو لمس الآخرين، وتُمنع النساء من الاختلاط بالرجال، بل قد يُكرهَن على استئصال أعضائهن الحساسة جنسيًا [الختان]، ويُعزل المثليون جنسيًا ويُضطهَدون. لكن هذا التفسير، المبني على فكرة السيطرة الاجتماعية، ليس شافيًا، وذلك لأنّ القيود المفروضة على السلوك الجنسي معمّمة على جميع الناس―وإن كان نصيب بعضهم منها أكبر، بلا شك، من نصيب غيرهم―حتى أولئك الذين يتسنّمون قمة الهرم الاجتماعي.

ومن وجهٍ آخر، يمكن حلّ لغز الكبت الجنسي، ولو جزئيًا، بالقول إنّ الجنس يفضي إلى إنجاب أطفال، والأطفال يطرحون علينا مسألة التوريث الشائكة. فلكي يُسلِّم الذكور إرثهم، من سلطة ومتاع دنيوي، إلى ذريتهم، باطمئنان، يحتاجون إلى براهين تثبت أبوتهم لهذه الذُريّة. وأي سبيل لضمان ذلك أنجع من تقييد سلوك النساء الجنسي بصرامة؟ بحبسهن في البيوت، ومنعهن من الخروج والاختلاط غير المنضبط، بل وربما بتعيين عصبة من الخِصيان لمراقبتهن في [الحريم]. ولقد فُعل ذلك، ولا يزال يُفعل. هذا تفسير واعد، لكنه، كسابقه، ليس شافيًا. وذلك لأنه من العسير اختزال السيطرة على اللذة الجنسية في السيطرة على التلقيح فقط. ولأنه إذ كانت النساء يكابدنَ قدرًا أكبر من التقييد الجنسي، فإنّ الرجال أيضًا لا يتمتعون حقًا بإباحة جنسية مطلقة. فبالنظر إلى قوة شهوتهم، يجوز القول إنَّ أغلب الرجال، في شتى أنحاء العالم، يعانون من تقييد فرصهم الجنسية مثل النساء تقريبًا. وكذلك لأنه لا يفسِّر لنا تقييد المثلية الجنسية، فلو كان الكبت الجنسي يرمي إلى ضبط التلقيح، لما كان للسلوك الجنسي المثلي أن يثير أي مشكلة على الإطلاق، بل كان من المفترض للعلاقات المثلية أن تكون محل ترحيب وأن تتخذ بديلًا قيّمًا عن العلاقات الغيرية―كما كان الحال عند الإغريق―عوضًا عن ذمِّها واستنكارها.

وعليه، القيود الجنسية مفروضة على الجميع تقريبًا، وهذه حقيقة لا مراء فيها. لكن لماذا؟ هل يوجد شيء فينا يجعلنا نُعرِض عن اللذّة المفرطة، يجعلنا لا نطيق السعادة المفرطة؟ هل يوجد في طبيعة الجنس نفسه شيء يستدعي الكبت ويطلبه؟ يقول فرويد في هذا الصدد: «في بعض الأحيان، يبدو لي أنَّ ما يمنعنا من بلوغ الإشباع التام، ويدفعنا إلى سلوك سُبل أخرى، ليس ضغط الحضارة (الثقافة) فحسب، بل شيء في طبيعة العملية الجنسية نفسها». [أو كما قال في موضع آخر: «يجب علينا أن نأخذ هذه الاحتمالية―ومهما بدت غريبة―في الحسبان: يوجد شيء في طبيعة الدافع الجنسي نفسه يعارض تحقق الإشباع التام»].

قبل الشروع في البحث عن حلِّ لهذه المعضلة، يجدر بنا أن نذكر عَرضًا أنّ الكبت الجنسي ليس الوجه المفارق الوحيد للسعادة البشرية. فبشيء من التدبر في أحوالنا، تتجلى لنا بعض الأمور العجيبة. لنتدبر مثلًا في ردِّنا على التحية المعتادة―«أهلًا بك، كيف حالك؟»―بهذا الرد المقتضب والبريء: «بخير!» فهل نحن بخير على الدوام حقًا؟ لا يشق علينا أن نتبين أنّ هذا الرد―«بخير!»―هذا التأدب العفوي، ليس سوى اختلاق لبق، كذبة ضرورية اجتماعيًا، في أغلب الأحيان. لكن ما وظيفتها؟ من ناحية، هي بالطبع جواب لائق على هذا السؤال. فالجواب الذي لا يخبرنا بأي شيء تقريبًا هو أمثل ردّ على سؤال ليس حقًا بسؤال. فحينما نسأل شخصًا: «كيف حالك؟» نحن لا ننتظر منه جوابًا جادًّا. ولذلك لو أجاب هذا الشخص على سؤالنا بعرض مُفصَّل لانتصارات يومه الصغيرة أو نكباته، لظننا أنه قد أخطأ في فهم عُرف التحية. فهي ليست دعوة إلى خوض حوار حقيقي بين شخصين، يمكنهما أن يتعرَّفا من خلاله على بعضهما بعضًا، وإنما هي ترمي إلى الحيلولة دون ذلك تحديدًا، إلى تجنب أي حوار حقيقي بينهما. في ظاهرها، هي محاولة لمعرفة أحوال شخص آخر، لكن وظيفتها الحقيقية هي نقيض ذلك تقريبًا. إنّ تحية «كيف حالك؟―بخير!» السريعة والسلسة تعمل على تيسير احتكاكنا ببعضنا، وتمكيننا من تخطي بعضنا بأقل قدر ممكن من التواصل الحقيقي.

لكن لهذا الردّ العفوي على هذه التحية وظيفة أخرى. بردِّنا على سؤال الآخر الزائف عن حالنا بهذا الجواب غير الجادّ: «بخير!»، نعفيه من عبء سماع تفاصيل حياتنا الشاقة وغير السارّة في أكثرها. فاللباقة الاجتماعية تقتضي من المرء إخفاء مشاق حياته عن الآخرين. لكننا نخفيها عن أنفسنا أيضًا. بل لعل هذا هو أمتع ما في اللغو الاجتماعي التافه: إنّه يشغلنا عن أنفسنا. ففي خضم الثرثرات الأشد اعتيادية ورتابة―عن أحوال الطقس، أو أخبار الجيران، أو نتائج المباريات―نَذهل، مؤقتًا، عن تعاستنا الخاصة. لنكن صرحاء: إنّ جزءًا كبيرًا من نسيج الحياة الاجتماعية اليومية مغزول بعناية لتأدية هذا الغرض: دعم تضخيمنا الكاذب لإحساسنا بالسعادة، أو كبت تعاستنا. فواقع الأمر أنَّ معظم الناس سيقولون إنهم بخير حينما يُسألون عن حالهم، حتى (بل خاصة) أولئك الذين ليسوا بخير على الإطلاق. ويقتضي ذلك وجود انفصال بين واقع حالنا وبين ما نقوله لغيرنا، بل لأنفسنا، عن حالنا. ففي غالب الأحيان، نحن لسنا سُعداء كما نزعم.

وهنا نجد أنفسنا على أرضية فرويدية. فالانفصال الذي أتحدث عنه بين تعاستنا اليومية وبين تهويننا المعتاد منها في كلامنا عن حالنا، مرتبط في الأصل بوجود صدع بين الوعي واللاوعي. فقد نعيش في حال لكننا قد نقول إننا نعيش في حال آخر. وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا الانفصال متعلقًا بدرجة إحساسنا العام بالإشباع. فالكبت―لو أصاب فرويد―هو ما يمكِّننا تحديدًا من التعامي عن رغبتنا وعن درجة تحققها. إنَّ الكبت يخفينا عن أنفسنا. وكذلك، ليس من قبيل المفاجأة أن يتجلى أثر من آثار اللاوعي في مستوى عادي كالتحيات اليومية. فهذا هو أنسب مكان لتأديته حيلة خداع النفس. إنّ اللاوعي الفرويدي―وحجاب الكبت―ليس حدثًا نادرًا وغريبًا على الإطلاق. على العكس، إنّ اللاوعي―وأشدّ مكبوت―قد يتجلى في أشد أفعالنا اعتيادية وابتذالًا.

والآن، قد يقول القارئ المتشكك: «كفاك! بعد قراءتي لما كتبته في الصفحات السابقة، ازدادت قناعتي أنَّ فرويد قد أبعد النجعة فيما يخص الجنس. فأنا لا أرى جميع الناس يطوفون في الأرجاء بشهوة غير مشبعة. إنَّ معظم الناس لا يلهثون وراء الجنس الجامح الذي يتخيله فرويد، وبالمناسبة، هم سعداء جدًّا بحالهم».

أحد الإشكالات الأساسية في هذا الاعتراض هو صورة الجنس التي ينطوي عليها. إذ يفترض صاحبه ضمنيًا―مثل أكثرنا―أنَّ فرويد يقصد في حديثه عن الكبت الجنسي تحريم أفعال الجماع الأشد فحشًا وشهوانية. هو يقصد هذا حقًا، لكن ليس هذا فحسب. ففي حديثه عن الكبت الجنسي، يشير فرويد إلى لذّات جسدية، يمكننا وهبها لبعضنا، غير النكح الصريح. ففي كتبه المتأخرة خاصة، مثل "كدر الحضارة"، رأى فرويد أنّ آثار الكبت الجنسي تمتد إلى سلوكيات كثيرة غير تلك السلوكيات الشهوانية صراحة. مثل ضروب التلامس الجسدي التي يتمتع بها بقية أفراد عائلة الرئيسيات في كل يوم. فكما أوضحت [عالمة الحيوان] جين جودال وغيرها، تقضي القردة العليا أوقاتًا طويلة للغاية في ملامسة بعضها بعضًا، بالتفلية والتنظيف والتربيت والتمسيد. ويؤدي هذا التلامس دورًا لا غنى عنه في تعزيز صحة الأفراد وسعادتهم، وفي تعزيز تلاحم الجماعة وتماسكها.

إنّ نظرة خاطفة على حال أقاربنا من الرئيسيات في الغابة تبين لنا مدى ضآلة التلامس الجسدي بيننا. بل إننا محرومون من اللمس تقريبًا، مقارنة بقدر الحميمية الجسدية التي يتمتعون بها. انظروا كيف يثير تلامس ركبتين عَرَضًا تحت مائدة أو احتكاك عارض بين زميلين سائرين في رواق إحساسًا بالانتهاك (خفيف لكنه مكهرِب)، وجفولًا فوريًا، واعتذارًا متعجلًا ومرتبكًا ومتلعثمًا. وهكذا، لو عرَّفنا الجنس تعريفًا واسعًا ليشمل كل تلامس جسدي ذو مضمون عاطفي، سنفهم ما يقصده فرويد بالكبت الجنسي على نحو أدق.

وكذلك سنفهم لماذا رأى فرويد أنَّ الكبت الجنسي، بهذا المعنى، أمرًا مُشكِلًا. فلو لم نفترض أننا مختلفون للغاية عن الرئيسيات، لن نجد بُدًّا من الخلوص إلى أنَّ افتقارنا إلى التلامس يُعدّ حرمانًا شديدًا ومؤلمًا. وهذا الضرب من الحرمان هو تحديدًا ما قصده فرويد حينما ربط الحضارة بـ«الكدر» الحتمي. إذ تقتضي الحياة المتحضرة التخلي عن الكثير من المُتع، ومن أهمها: تمتع المرء بدرجة أكبر من الحميمية الجسدية مع غيره. وليست الحال أنَّ البشر يحتاجون إلى قدر من التلامس الجسدي أدنى من الذي تحتاجه الرئيسيات الأخرى. على العكس، فالبشر أشد ذكاءً وتقلبًا في عواطفهم، ولذلك الراجح أنَّ حاجتهم إلى اللمسة المطَمئِنة أشد من حاجة غيرهم إليها.

من وجهة نظر فرويدية، مقياس نجاعة الكبت الجنسي هو جعل الميل الطبيعي إلى التلامس مدعاة للقلق والنفور. ففي عين معظم الناس، فكرة ملامسة أحد الغرباء نسبيًا، بل حتى أحد المقربين نسبيًا، غير مستساغة إطلاقًا. وأحد أسباب ذلك، هو أنه خارج سياق منضبط يكون اللمس فيه جائزًا ومقيدًا على نحو صريح―في عيادة الطبيب، أو محل الحلاقة، أو متجر الأحذية―أي شكل من أشكال اللمس عرضة لأن يُحمل على معنى شهواني. يبدو الأمر كما لو أنَّ خضوع لذة التلامس الجسدي لقيود الكبت، يحول دون نيلها من دون إطلاق عنان الاحتياج إليها بكامل قوته من محبسه. كما لو أنّ أي تلامس يهدد بإطلاق سراح فيضان من التوق الشهواني من وراء سدّ الكبت. إما الحرمان التام أو الإشباع التام. أليس هذا هو نفس السبب الذي يجعل كلمة «جنس» تستدعي إلى أذهاننا على الفور صور الجماع، بدلًا من استدعاء طيف واسع من أشكال التلامس، يمتد من لمس العناية والحنان إلى اللمس الشهواني الصريح؟ إنَّ الخيال الجائع يتخطى التمهيد والملاعبة ويقفز إلى الذروة. وبذلك نعود إلى الاعتراض الذي طرحه المتشكك منذ حين. فالتصور الشائع عن الجنس، الذي ينطوي عليه ذلك الاعتراض، والذي يغصّ بالصور الفاحشة، هو تصور ناتج―ويا للمفارقة―عن ثقافة الكبت الجنسي.

يرى فرويد أنَّ القلق أو الارتباك الذي تثيره اللمسة العارضة هو بحد ذاته دليل على وجود الكبت. فلو لم نكن كابحين رغبتنا في أن نَلِمس ونُلمَس، لما كنّا مفرطي الحساسية من اللمس إلى هذا الحد. لكن يرى فرويد أيضًا أنه يوجد دليل آخر―أقل صراحة لكنه لا يقل قوة―على كُلفة الكبت، وهو: تفشّي تعاطي المخدرات. ففي نظره، يتركنا التخلي عن المتع الحيوانية الأساسية، انصياعًا لمطلب الحضارة، مثقلين بدَين من المتعة إلى أجسادنا. والركون إلى تأثير المخدرات هو أحد الوسائل الأساسية التي يسدد بها البشر هذا الدَّين، أي التي يعوضون بها أنفسهم عن التضحيات التي تتطلبها الحياة المتحضرة.

في قلب ضجَّة «الحرب على المخدرات»، المُهلّل لها بشدة، في أيامنا هذه، نحن عُرضة لأن ننسى أنّ تناول المواد ذات التأثيرات النفسية قد أدّى دورًا هائلًا في الحياة البشرية. بل إنَّ استعمال هذه المواد أساسي في حياة البشر بحيث يجوز عدِّه―إلى جانب المشي على قدمين، والكلام، والوعي بالموت―تعريفًا جيدًا للإنسان. إذ لم تخلُ أي ثقافة بشرية، فيما نعلم، من تناول المواد المؤثرة على الحالة العقلية (المزاجية)، على نحو متكرر، وخاصة في الطقوس الدينية. علاوة على ذلك، يبدو أنَّ كمية المخدرات المتناولة تزيد مع تزايد التنظيم الاجتماعي وتعقّده. فمنذ أزمنة ما قبل التاريخ انصرف البشر إلى تناول سلسلة طويلة من الأعشاب والفواكه والفطريات ذات التأثيرات النفسية، ومشتقاتها. ثم أتى الكحول الإيثيلي، الذي يُعدّ إنتاجه وتقطيره ضمن أقدم المنجزات البشرية.

لكن مع العصر الحديث، يبدو أنّ شهية البشر على المخدرات قد تفجّرت. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، اكتشف الأوروبيون متعتي القهوة (الكافيين) والتبغ (النيكوتين). وفي نفس الوقت، تزايد بشدة تناولهم للسكّر المكرّر، الذي لا ينبغي التهوين من آثاره على الحالة النفسية (من ذا الذي لا يريد أن يأكل شوكولاتة؟). وشهد القرن التاسع عشر وصدر القرن العشرين تصنيع مُسكنات الألم، التي لا تنفك أنواعها تتزايد، والتي أضحت جزءًا من الحياة اليومية في كل المجتمعات الصناعية. ومع بزوغ فجر الألفية الجديدة، عصر البروزاك، ازدهر جيل جديد من العقارات النفسية صراحة، التي تعِد بقدرة، غير مسبوقة، على خلق الإحساس بالسعادة على نحو كيميائي. ففي المجتمع المعاصر، اعتاد أغلب الناس تعاطي عقارات عدّة، يتناوبون عليها في الليل وفي النهار، تبعًا لتأثيراتها [المنوم في الليل والمنشط في النهار]. إنّ بلد مثل الولايات المتحدة، تستهلك، بلا مبالغة، جبلًا من العقارات النفسية في كل يوم. ويرى فرويد أنّ مستوى التعاطي الهائل للمخدرات يعادل مستوى الإحباط والاغتراب الذي تفرضه الحضارة على الناس.

والآن، كيف يحل فرويد هذه المعضلة: لماذا يقيد البشر إشباع رغباتهم الجنسية تقييدًا شديدًا ويغيرون وجهتها؟ قد يثير دهشتنا أن فرويد يرى أنَّ الكبت ضرورة مطلقة، على الرغم من قدر التعاسة التي يخلِّفها على البشر. ويرجع ذلك إلى «اقتصاد» الطاقة النفسية. فلكي تُنجز المهام الغفيرة التي تتطلبها الحياة المتحضرة لا بد من حشد كميات هائلة من الطاقة. لكن من أي مصدر تُستمَد هذه الطاقة؟ هذا هو جواب فرويد: من الجنسانية. إذ ينبغي حبس السلوك الجنسي وراء سدّ الكبت لتوفير مخزون من الطاقة يمكن استعماله في أغراض أخرى. وبذلك، تُسحب الطاقة التي كان لها أن تُنفق في إشباع الدافع الشهواني (الليبيدو) ويُعاد توظيفها في القيام بالأنشطة غير الجنسية التي لا غنى عنها للحياة الاجتماعية والفكرية للجماعة البشرية. وعليه، بتقييدها لحياة الأفراد الجنسية، «تطيع الحضارة قوانين الضرورة الاقتصادية، إذ أنّ كمية كبيرة من الطاقة النفسية التي تستعملها في أغراضها الخاصة ينبغي استمدادها من الجنسانية. وفي هذا الصدد، تفعل الحضارة بالجنسانية ما يفعله شعبُ (أو طبقة) بآخر يهيمن عليه: إخضاعه واستغلاله».

وهكذا، يُعاد توجيه طاقة الليبيدو، عن طريق الكبت، نحو الأنشطة غير الجنسية الضرورية للحياة المتحضرة. يُسمّى فرويد هذه العملية "الإسماء" (أو التسامي). وهي تقتضي أن يتمتع الدافع الجنسي بمرونة شبه مطلقة، وذلك حتى يتسنى له المرور بتحولات جذرية. والحال أنَّ الدافع الجنسي، بحكم طبيعته، مُهيّا لهذه التحولات. فالليبدو قوة بدوية رحّالة، لا تقر في موضع محدد [أعضاء التناسل] وإنما مستعدة لنصب خيمتها في أي مكان. وكل ما يفعله الإسماء هو أنه يستغل بدوية الليبدو، ويوجهه نحو أهداف ومرامٍ لا تنفك تتجدد.

تحت تأثير الإسماء، تُجَنّد الطاقة الجنسية في خدمة غايات غير جنسية، من أهمها الانصراف إلى المشاغل الفكرية. وبذلك يفسِّر لنا فرويد المعنى المزدوج الذي نستعمل به كلمة passion (شغف، ولع، افتتان): الشهوة المتقدة وأي اهتمام أو انشغال مستبد بالمرء. ومن الأمثلة المعروفة على الإسماء، الفنان الذي يُشبع دافعه الجنسي برسم صورة شهوانية عوضًا عن ممارسة الجنس. لكن من أمثلته أيضًا، عالم الرياضيات المفتون بحل معادلة رياضية، ومهندس الطيران الذي يذهل عن مرور الوقت وهو مستغرق في تصميم مروحة أكثر جودة، والمعماري الذي يستيقظ في منتصف الليل بعدما حلم بتصميم لآخر أبنيته. في جميع هذه الأمثلة، يُستمد الولع الإبداعي من الدافع الجنسي. ففي الإسماء، توفر الجنسانية المكبوتة الوقود اللازم للانغماس في الميول الإبداعية الأخاذة.

من وجه واحد على الأقل، ليست نظرية الإسماء الفرويدية جديدة كليًا قط. إذ طرح أفلاطون نظرية مشابهة جدًا في محاورة "المائدة". ففي هذه المحاورة، أخبرت الكاهنة ديوتيما سقراط الشاب أنَّ إيروس، أي الحب الشهواني، يتخذ شكلين: جسدي أو روحي. على المستوى الجسدي، ينجذب إيروس إلى جمال الجسد، ويسعى إلى المزاوجة بين الأجساد، ويُفضي إلى إنجاب الذرية البشرية. لكن إيروس هو القوة المحرِّكة للروح أيضًا، إذ يحركها نحو أشكال الجمال المجردة على نحو متزايد، ويُفضي إلى إنجاب الذرية الروحية من فن ودين وأدب وفلسفة.

لكن على الرغم من هذا الشبه الذي لا تخطئه العين بين الإيروس الأفلاطوني، الذي يترقى من أشكال الجمال الجسدي إلى أشكاله الروحية، والليبيدو الفرويدي، الذي يتغير شكله من خلال الإسماء، البون شاسع بين منظوري أفلاطون وفرويد. فعند أفلاطون، الترقي من الجسدي إلى الروحي، من المادي إلى الفكري، أمر طبيعي بل محتوم. هذا هو مقتضى التقدم في العُمر. فمع مرور السنون، يهن العظم ويذوي الجسد، وتخلع الروح ربقتها الأرضية. إنَّ الكِبَر يفطم الروح عن عبوديتها للجسد. فكما تتخلص الكبسولة الفضائية من الصاروخ الذي يضعها في مدارها ثم يحترق ويهوي إلى الأرض، تتخلص الروح من قشرتها الجسدية، وتنطلق في بُعدِها المتعالي. أي أنَّ إيروس يعدُّ العُدَّة من البداية لإخراج نفسه من الجسد في نهاية المطاف.

أمَّا المنظور الفرويدي فليس متفائلًا إلى هذا الحد. إذ لا يرى أنَّ الجسد والروح يسعيان على هذا النحو شديد التناغم نحو نفس الغاية. فعند فرويد، لا تصير حياة العقل ممكنة إلا بقدر عميق من الاغتراب، وذلك بتجنيد طاقة الدافع الجنسي في سبيل مقاصد غريبة عليه كليًا. أي بحمل الجسد على مصارعة نفسه، بالاستيلاء على طاقته الحيوية وتسخيرها في خدمة أشغال جمَّة لا يمكن قط لأي حيوان أن يقوم بها. أي أنَّ الازدهار الروحي الناجم عن الإسماء لا يحدث، في نظر فرويد، إلا بعد دفع ثمن باهظ: انشقاق الإنسان على نفسه وانقلابه عليها.

في الإسماء، تُصرف طاقة الليبيدو المكبوتة نحو موضوعات وأنشطة غير جنسية. لكن يغيَّر الكبت أيضًا طبيعة العلاقة بين الأشخاص. فعن طريق ما يسمَّيه فرويد «الحيلولة بين الليبيدو وبين مرامه»، تتحول العلاقة الجنسية أصالةً بين الفرد والآخرين إلى تشكيلة جديدة كليًا من العلاقات العاطفية. و"خمياء" الكبت هذه، هي منبع الكثير من المشاعر التي تفجع القلوب وتذرف الدمع من العيون، التي نسميها «عواطف». إذ يعزو فرويد مشاعر مثل الرقة والحنان والعطف والوفاء والصداقة إلى جذورها الجنسية، أو بالأحرى إلى الأحاسيس الجنسية التي كان لنا أن نختبرها لولا الكبت. لقد كُبِتت تلك الأحاسيس الجنسية فتحولت إلى هذه المشاعر. ولو أصاب فرويد في ذلك، يجوز لنا أن نتوقع أن تفيض هذه العواطف في تلك العلاقات التي يُحظَر فيها الجنس. ويبدو أنَّ هذا هو الحال فعلًا. إذ نجد مشاعر الحنان والرقة ظاهرة داخل الأسرة أكثر من أي مكان آخر، حيث تُحرَّم العلاقات الجنسية بين أفرادها تحريمًا تامًا.

يتجلى تحول الجنس إلى حنان في العلاقة بالأم تحديدًا. فغالبًا ما تثير ذكرى الأم غصة في الحلق. ولا يرجع ذلك، من منظور التحليل النفسي، إلى تحريم العلاقة الجنسية بالأم فحسب، بل إلى أنها كانت واقعًا فيما مضى أيضًا. واقعًا، أيصح قول ذلك؟ هذا هو بالطبع لُبّ نظرية الجنسانية الطفلية الفرويدية: علاقة الطفل بأمِّه ذات طابع جنسي. لكن ينبغي أن نفهم ذلك في ضوء توضيحنا السابق لمعنى مصطلح «جنسي» عند فرويد. إذ بينّا أنَّ الجنس لا ينحصر في الجماع وإنما يشتمل على نطاق واسع من التلامس المثير للعواطف. وأنَّ حصرنا للجنس في هذا المعنى الضيق والفاضح يُنبئنا عن أنفسنا أكثر مما يُنبئنا عن الأمهات وأطفالهن. إنَّ ما يقصده فرويد من قوله إنَّ علاقة الطفل بأمه ذات طابع جنسي هو أنَّ الطفل ينعم بقرب هنيء من جسد الأم، فضلًا عن الإشباع الذي يناله من الرضاعة. إنَّ الرضيع مرتبط بأمه بعلاقة جسدية مشحونة عاطفيًا، لن يجدها مرة أخرى إلى أن يتزوج، وحتى حينها لن يحظى بها إلا بشكل مختزل ومنقوص جدًّا. وستُحمَل ذكرى هذا القرب الحميم من جسد الأم، على نحو لا واعٍ، إلى كل علاقة حب لاحقة. وعلى ذلك، يكون الارتباط بالأم هو نبضة القلب الخفية التي تبث الحياة في كل علاقة حب. إنَّ حب الأم هو النموذج الأصلي للحنين.

وهكذا، تسلط فكرة «الليبيدو المُحال بينه وبين مرامه» الفرويدية الضوء على التحولات الخفية في المشاعر الأسرية، لكنها تسلط الضوء أيضًا على أنواع أخرى من العلاقات خارج نطاق الأسرة، مثل: روح الفريق―أي مشاعر الرفقة والصحبة المتينة التي تربط بين أفراد فريق رياضي، أو  فصيلة من الجنود، أو رباعي وتري، أو أي جماعة من الناس يعملون في تضافر لتحقيق غرض مشترك. فمن المعروف أنَّ العزوف عن الجنس شائع في هذه المجموعات. لكن مجرد العزوف عن الجنس ليس الوسيلة الوحيدة لخلق مشاعر التلاحم الجماعي التي يقصدها فرويد.

فأحد سُبل تمتين روح الفريق بين أفراد جماعة من نفس الجنس (رجال غالبًا) هو الانتقاص من الجنس الآخر. يتجلى لنا ذلك في حالة عُصبة من الفتيان، حيث يعمل تبادل النكت الجنسية (التي تنطوي على تحقير النساء) وقصص الفتوحات الجنسية (التي تنطوي على مبالغات بلا شك) على تمتين الترابط العاطفي فيما بينهم. ونجد شيئًا مماثلًا في حانة التعري، حيث يعزز حضور المتعرية تمتع الزبائن الرجال بصحبة بعضهم البعض. ففي هذه الحالات، يُصرف قدر من طاقة الرجال الجنسية عن النساء ويُستخدم في تمتين الرابطة الأخوية فيما بينهم. ونجد ذلك أيضًا، وإن كان بقدر أقل من الوضوح، في تمتين الارتباط بين عصبة الفتيان إياها عن طريق تحويل الميول المثلية المُنكَرة إلى سلوكيات غير جنسية في الظاهر. كتلك التي يشهدها من حضر في غرفة تغيير الملابس بين أفراد فريق السباحة المدرسي أثناء احتفالهم بالفوز [أو التي نشهدها بين أفراد فريق كرة القدم أثناء احتفالهم بتسجيل هدف أو الفوز ببطولة].

وكذلك تسلِّط فكرة «الليبيدو المُحال بينه وبين مرامه» الضوء على الجدل الدائر حول وجود المثليين في الخدمة العسكرية. نجد تناقضًا صارخًا بين الرفض المعاصر لالتحاق المثليين بالجيش والقصص التي تروى من العالم القديم عن الجيوش المؤلفة من أزواج المتحابين، وهي قصص لها أساس واقعي على أقل تقدير. فكما تعلمنا من أفلاطون وغيره، كان القدماء يرون أنَّ الأزواج المثليين جنودًا مثاليين، إذ سيسعى كل واحدٍ إلى إثارة إعجاب حبيبه بعروض القوة والشجاعة والتضحية. ومن وجه معين، يمكن القول إنَّ هذا الرفض المعاصر للمثليين في القوات المسلحة يُعدُّ تطبيقًا سليمًا للمبادئ الفرويدية (وذلك على الرغم من أن العُمد والعقداء لم يدرسوا فرويد على الأرجح). إذ يحاجج الرافضون بأنَّ وجود المثليين في الجيش يقوض الـ ésprit de corps، أي روح التعاضد (يبدو أن المصطلح الفرنسي مفضَّل في هذا السياق). وهذا تحديدًا هو مقتضى فكرة «الليبيدو المُحال بينه وبين مرامه» الفرويدية. إذ لا يمكن حفظ شكل محدد من الارتباط الحميم―المُخضَّب بعدوان خفي يفتح الباب لتجاوزات مثل إرهاق المجندين الجدد على نحو مهين، لكنه يفتح الباب أيضًا لإظهار الولاء وتلاحم الجماعة―بين الرجال إلا عن طريق نفي مسألة الرغبة المثلية نفيًا تامًا من بينهم. وفكرة فرويد هي أنَّ هذه الرابطة الحميمية هي مثلية جنسية لكنها متجلية في صورة مختلفة بسبب الكبت. ومن هذا الوجه، يمكن القول إنَّ سياسة كلينتون في هذا الصدد: «لا تسأل، ولا تبوح» كانت حاذقة للغاية. إذ مكَّنت الجنود المثليين من البقاء في مناصبهم، وأبقت على مسألة المثلية الجنسية برمتها في مستوى لاواع بما يكفي.

بالطبع لا يقتضي ذلك القول إنَّ قبول المثليين قد يفضي إلى تقويض روح التعاضد كما يخشى القادة العسكريون. بل قد يفضي، على العكس من ذلك، إلى تخفيف التوترات العدوانية بين الجنود، وإلى شكل جديد من المشاعر الجماعية. لأن الترابط الجماعي الذي ينتجه نظام الكبت المعاصر ليس الشكل الوحيد الممكن له، بل مجرد شكل واحد من بين أشكال شتى.

لقد شدَّد فرويد على ضرورة الكبت الجنسي في ظل الحضارة، لكن كيف يحصل هذا الكبت على وجه التحديد؟ أحد الآراء الخاطئة الشائعة هو أنَّ الكبت ناتج حصرًا عن الزواجر الاجتماعية المُدمَجة فيما يسميه فرويد «الأنا الأعلى». أي أنَّ قيود المجتمع التطهري، الكابحة للمتعة، هي ما يحول بيننا وبين التعبير عن رغباتنا بأجمعها. لهذا الرأي حظ من الصواب بلا شك، لكنه يغفل عن تبصُّر فرويد البديع والعميق القائل إنَّ أكبر عائق يحول بيننا وبين إشباع رغباتنا هو أنفسنا وليس الآخرين. أي أنَّ كبت «الأنا» لا يقل بأي حال من الأحوال عن كبت «الأنا الأعلى». بل إنَّ القدرات الكبتية التي يتمتع بها «الأنا الأعلى» قائمة على اغتراب الذات عن ذاتها، انقسامها على ذاتها، أي على الصدع الموجود بين «الأنا» و«الهذا» (أو «الهو»). 

لكن ما «الأنا» وما «الهذا»؟  وظيفة «الأنا» هي التمييز بين ما هو مني وما ليس مني، بين ما أكونه وما لا أكونه. وبعبارة بسيطة: «الأنا» هو صورتي الذاتية. إنه ما يهبني الإحساس بقدرتي على الفعل والتأثير. وما يمكنني من أن أفرِّق حسيًا بين ما هو مألوف ومُطمئن وما هو غريب ومُهدِد. جزء من «الأنا» واعٍ―بل إنَّ الوعي مرهون بـ«الأنا» وقائم عليه―لكن جزءًا كبيرًا منه غير واعٍ. أي أنَّ جزءًا كبيرًا مما يجعلني على ما أنا عليه―من شخصيتي وهويتي―موجود خارج نطاق إدراكي وسيطرتي، أي ناتج عن طبع راسخ وغير مُدرَك.

إذا كان بعض «الأنا» لاواعٍ، فهناك جزء من نفسي أشد منه بُعدًا عن الوعي، ولذلك يستحق اسمًا خاص به: «الـهذا». إنه مستودع البواعث أو الدوافع الأولية التي نبت منها «الأنا» وصار مكون منفصل يؤدي أغراض محددة. إذ يقوم «الأنا» بتصنيف الأشخاص (والأشياء) في عالمي الخارجي، إلى أولئك الذين أتماهى معهم، وأولئك الذين أنفر منهم. وبتصنيف الرغبات في عالمي الداخلي، إلى تلك التي سأسعى إلى تلبيتها، وتلك التي سأسعى إلى كبتها. من الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها هذا التصور الفرويدي لبنية النفس (هذا + أنا + أنا أعلى)، أننا مدفوعون بدوافع شديدة التباين. فعلى مستوى عميق من أنفسنا، لسنا سوى فوضى من الدوافع المتضاربة. ويعمل «الأنا» على تقييد فوضى الدوافع هذه وضبطها، فيصطفي بعضها ويقصي بعضها، وبذلك يولِّد الشعور بهوية ثابتة ومتوقعة. وهذه الدوافع التي أقصاها «الأنا» وتركها وراءه ترزح تحت نير الكبت هي ما يُسمى «الهذا».

لكن عن أي دوافع مكبوتة نتحدث هنا على وجه التحديد؟ عيَّن فرويد صنفين أساسيين: دوافع عدوانية ودوافع جنسية. وليس من اليسير أن نكون أكثر تحديدًا من ذلك، لأننا نتحدث عن دوافع مكبوتة، في نهاية المطاف، أي خارج نطاق الوعي. لكن لننظر، على سبيل التقريب، في هذا المشهد من رواية "الغثيان" لجان بول سارتر: يجلس بطل الرواية أنطوان روكنتان في مقهى بصحبة رجل بغيض وثقيل جدًا، فأصابه سأم شديد من ثرثرته وسخفه. وتحت وطأة هذا السأم المميت، فكَّر في أن يغرس السكين في عين هذا الرجل المزعج. هذا شيء لم يفعله معظم الناس ولا يقدرون على فعله. لكن هل هو شيء لا يقدرون على "الرغبة في فعله؟" يرى فرويد أنَّ في داخلنا جميعًا نزعة سادية، وحش قاسٍ ومنتقم، يطربه أن يفقأ عين رجل بسكين في مقهى، لكنه مزجور في سلاسل الكبت. وما يتميز به أنطوان هنا (وما يجعله مجسِدًا للحس الوجودي)، هو قدر الحرية الذي تمتع بها في تلك الساعة بسبب ملله وقنوطه، والذي مكَّنه من إدراك هذا الباعث الشنيع الذي يظل غير مُدرك عادة.

ما هي طبيعة هذا الحاجز الذي يمنع هذه البواعث من الوصول إلى الوعي؟ ما الذي يكبتها؟ صوت الضمير، أي «الأنا الأعلى»، بالتأكيد، لكن ليس وحده كما قلنا، إذ يكبتها «الأنا» أيضًا، أي صورتي عن ذاتي المتألفة من نمط راسخ من المشاعر والأحاسيس والأحكام والاستجابات. فإذا كان «الأنا الأعلى» هو ما يُشعرني بالذنب، ويؤنبني على العدوان الذي اقترفته في نوبة غضب عارم أو على همِّي باقترافه، فإنَّ «الأنا» هو تصوري الراسخ عن ذاتي الذي يحول بيني وبين مجرد إدراكي لدوافعي العدوانية. إنَّ «الأنا» هو آلة الكبت الأولية والأساسية. ولا يتدخل «الأنا الأعلى» إلا إذا فشل «الأنا» في كبح هذه الدوافع.

يتضمن «الهذا» دوافع جنسية كذلك. ويمكننا أن نرى كبت «الأنا» لها، بوضوح شديد، في الميل الجنسي. يميل معظم الناس إما إلى الرجال أو إلى النساء، وليس إلى كليهما. لكن أحد الافتراضات الأساسية لنظرية التحليل النفسي الفرويدية هو أنَّ أغلب الناس يميلون، في الأساس، إلى الجنسين بيد أنهم لا يريدون (أو لا يقدرون على) أن يقروا بذلك. ومقتضى ذلك، أنَّ قوى الكبت قد تدخلت في المسافة الفاصلة بين ميلنا العميق إلى الجنسين وتصورنا عن ذواتنا الجنسية. ولقد وجد فرويد أدلته الأساسية على هذا الافتراض في أحلام مرضاه وأعراضهم وتداعياتهم الحرة. وكذلك استند إلى ملاحظته لتغير الميل الجنسي عند بعض الناس، على نحو تلقائي أحيانًا، أو استجابة لتغيرات طرأت على حياتهم في أحيانٍ أخرى. ومن اللافت للنظر في هذا الصدد، الممارسات الجنسية المثلية في اليونان القديمة، أو بالأحرى، الممارسات الجنسية الثنائية، لأن أكثر الرجال الذين انخرطوا في تلك الممارسات المثلية كانوا منخرطين في ممارسات غيرية أيضًا. إذ يشير هذا الاختلاف الثقافي بين الإغريق وبيننا إلى أنَّ الميل الجنسى ليس معطىً حيويًا (بيولوجيًا) محضًا، بل ناتج أيضًا عن عوامل اجتماعية ونفسية.

لا يُنكِر التحليل النفسي أنَّ للميل الجنسي محددات حيوية. فلقد بدأ فرويد مساره المهني كعالم أعصاب، ولذلك هو أبعد ما يكون عن الاعتقاد أنَّ الشخصية أو الطبع شأن مستقل تمامًا عن البيولوجيا. لكن فرويد معني، في نظريته عن «الأنا»، بدراسة العوامل النفسية، التي قد تقيد الاستعدادات الحيوية أو تحرفها أو تخرجها عن مسارها تمامًا. ومن أهم هذه العوامل، الحاجة النفسية إلى الثبات والاتساق والقابلية للتوقع. وليس «الأنا» سوى محاولة لتلبية هذه الحاجة.

وعندما يفشل «الأنا» في تلبية هذه الحاجة، أي في القيام بمهمته الضبطية، يندلع الشعور بالقلق. لكن ما القلق؟ إليكم تعريف فرويد الأساسي: القلق هو الشعور الناتج عن تهديد باعث مكبوت بالعودة إلى «الأنا» بعدما أُقصِي منه. أي أنَّ الشعور بالقلق هو شعور بقوة الرغبة المكبوتة. ويمكننا هنا أن نرى تقاطعًا بين التحليل النفسي والمدرسة الوجودية. فكما هو الحال في التحليل النفسي، يتمتع القلق في المذهب الوجودي بمكانة مركزية. فانتفاضة البواعث المكبوتة عند فرويد تناظر دوار الحرية في وجه الإمكانات غير المحدودة عند سارتر. إذ ينتج القلق عن كليهما. بعدما فكَّر أنطوان في أن يغرس السكين في عين رفيقه المزعج، غادر المقهى وهو يشعر بالهلع والقرف. لقد تنامى شعوره بالعزلة عن الناس، بأنه غريب عنهم، بل عن نفسه أيضًا. لكنه لم يرتكب جرمًا. لم يفعل أي شيء. إنَّ ذنبه الوحيد هو انتهاكه لقيود أناه. وذلك بتخيله لنفسه قادرًا على فعل شيء مناقض تمامًا لتصوره عن ذاته. وهذا ما أفضى به إلى القلق. يقول: «قمت وكل شيء يدور من حولي... ولاحظت وأنا أهُم بالرحيل أنَّ السكين لا تزال في يدي اليسرى. رميتها في طبقي فأصدرت رنينًا. عبرت الردهة في صمت مطبق... لا أدري أين أذهب، فوقفت مزروعًا إلى جانب مُجسَّم الطاهي الكرتوني. ولم أكن بحاجة إلى أن ألتفت لكي أتبين أنهم ينظرون إلي من خلال النوافذ. إنهم ينظرون إلي من وراء ظهري بدهشة وقرف. لقد حسبوا أني مثلهم، أني إنسان، لكني خدعتهم. ففجأة، نُزعَت عني صورتي البشرية، ورأوا سرطانًا بحريًا يفر إلى الخلف من هذه الردهة المفرطة في بشريتها». وبلغة التحليل النفسي، يمكن القول إنَّ قلق أنطوان نابع من انتفاضة الباعث العدواني الذي تمكَّن من كبته حتى تلك اللحظة.

وبالمثل، يمكن للقلق أن ينبع من تهديد باعث جنسي مكبوت بالعودة إلى «الأنا». على سبيل المثال، قد يثور قلق رجل غيري الجنس عندما يدخل حانة للمثليين، أو عندما يتودد إليه رجل مثلي. فهنا أيضًا ينتج القلق عن تعرض صورة «الأنا» الراسخة للانتهاك بسبب اقتراب شيء غريب. لكن ينبغي أن نتبين أنَّ المنتهِك الغريب هنا ليس الرجل المثلي، بل رغبة الرجل الغيري المثلية المكبوتة. فليس الرجل المثلي هنا سوى مناسبة لظهور المنتهك الحقيقي: الرغبة المثلية المقصية من «أنا» الرجل الغيري. فلو لم يكن «أنا» الرجل الغيري على المحك هنا، أي لولا رغبته المثلية المكبوتة، لتعامل مع تودد الرجل المثلي بنفس البساطة التي يتعامل بها مع طلب أحد المارة منه ولاعة سجائر. إنَّ مقدار قلقه مرهون بمقدار قوة بواعثه المثلية وبمقدار الجهد الذي يبذله في كبتها. وبعبارة نفسانية، ألدُّ أعداء «الأنا» يأتيه من داخله وليس من خارجه.

لكي أشرح هذه الأفكار الفرويدية لتلامذتي، ألجأ عادة إلى مثال التزيي بزي الجنس الآخر. إذ أدعوهم إلى أن يتخيلوا كيف سيكون حالي لو جئت إلى الجامعة ذات يوم مرتديًا لباسًا نسائيًا (كأن أرتدي تنورة قصيرة وجوارب طويلة وردية، أو حمالة ثديين يشف عنها قميصي). وغرضي الأساسي من هذا المثال هو دعوة التلاميذ إلى تخيل مدى قلقي عندما أدخل حرم الجامعة على هذه الهيئة. وهو قلق ليس نابعًا فقط من يقيني من أنني سأُستدعَى عاجلًا إلى مكتب عميد الكلية أو إلى إدارة الجامعة. وذلك لأن قلقي ليس ناتجًا عن صدمتي للآخرين فحسب بل عن صدمتي لذاتي أيضًا. فبانتهاكي للهيئة المناسبة لهويتي الجندرية الراسخة، أشعلت أزمة في أناي.

لكن لي غرض آخر من هذا المثال. عندما يتخيل التلاميذ هذا المشهد، ينخرطون في نوبة من الضحك المتوتر. وقد يبدو هذا الضحك استجابة طبيعية هنا، لكنه لافت للنظر أيضًا. إذ يمكن أن نتعلم منه درسين. الأول متعلق بالضحك نفسه: يعمل هذا النحو من الضحك على خفض القلق. فمن منظور فرويد، الضحك مرتبط بالقلق عادة. إذ قال، في كتابه المغفول عنه بشدة، "النكات وصلتها باللاوعي" (1905)، إنَّ الفكاهة تنطوي على قدرٍ من تفريج الشعور بالقلق. لماذا؟ لأن آلية عمل أكثر النكات تعتمد، بطريقة أو بأخرى، على مباغتة التوقعات. على سبيل المثال، تضحكنا التوريات اللفظية عن طريق استبدال معنى الكلمة المتوقع بمعنى آخر غير متوقع. وعلى ذات النحو، أثار مثال ارتداء لباس نسائي ضحك التلاميذ بسبب ظهور شيء غير متوقع ومتنافر تمامًا. وعادة ما تعطل هذه المخالفة للتوقعات «الأنا» عن أداء عمله بسلاسة. وذلك لأنَّ ضبط التوقعات هو أحد وظائف «الأنا» الأساسية. فمن وجهٍ، ليست هوية «الأنا» سوى التصرف وفقًا لما يتوقعه المرء من ذاته. 

أمَّا الدرس الثاني فمتعلق بالطبيعة الاجتماعية لـ«الأنا». وأقصد بذلك أنَّ الحفاظ على هوية الأنا مهمة تعاونية أو جهد مشترك. إذ ينبغي أن يتصرف الآخرون معي على النحو الذي أتوقعه منهم، كما ينبغي أن أتصرف معهم على النحو الذي يتوقعونه مني. وبذلك يعزز الآخر أناي وأعزز أناه. ففي نهاية المطاف، ليس «الأنا» شأن فردي محض. وإنما هو مؤلف من نسيج علاقاتي الاجتماعية بجميع من حولي تقريبًا. فتقدير الآخرين لي يرسِّخ تصوري عن ذاتي ويدعم هويتي. وبالمثل، يساعد سلوكي وشكلي في ترسيخ تصور الآخرين من حولي عن ذواتهم. ولذلك يعدُّ دخولي قاعة الدرس في هيئة متخنث خرقًا لمنظومة القواعد الضمنية التي تحكم علاقتي بتلامذتي الذين يبذل كل منهم وسعه للحفاظ على أناه. إنه خرق للتعاقد بيني وبينهم، والذي يقتضي مني أن أتصرف وفقًا لما يتوقعونه مني، كما أنه خرق للتعاقد بيني وبين نفسي، والذي يقتضي أن أتصرف وفقًا لتصوري عن ذاتي.

يعمل «الأنا» كحاجز بين تصوري الواعي عن ذاتي وفوضى بواعثي اللاواعية، وبذلك يُعدُّ تزويرًا لواقعي الداخلي. إنَّ «الأنا» أشبه بكذبة كذبتها على نفسي. أو بالأحرى، يكرِّر «الأنا» على مسامعي كذبة عني فأصدقها. يُنتِج «الأنا» وهمين أساسيين. الأول هو إنكار كونه مجرد تركيب نفسي، ولندعوه «وهم الضرورة الذاتية» (أو «وهم الذات الضرورية»). أي الوهم الذي يطمئنني أنني لست كائنًا عرضيًا واعتباطيًا ومُجزأ، عُرضة للتغير في أي لحظة، بل ضرورة راسخة لا تتبدل. يتصرف «الأنا» هنا كرئيس فرقة دينية زائفة يقنع أتباعه أنَّ ما خطَّه بيمينه كتابًا مقدسًا. إذ يقنعني―كما لو كان معالجًا بالتنويم والإيحاء قابعًا في داخلي―أنَّ سماتي الشخصية طبيعية تمامًا وغير قابلة للتغيير، أي معطيات جبلية لا محيد عنها، كطولي أو لون عيني. وهكذا يقوم «الأنا» بضبط البواعث النفسية على نحو لا يتطلب تفكيرًا أو تعمُّدًا، كما لو أنه «طيار آلي» نفسي، يقود بواعثي ويضبطها بمعزل عني. يحدد «الأنا» أنماط سلوكي، ويمكِّنني من أن أشعر بأنني كائن ثابت ومتسق، أي وَحدة متماسكة ومحبوكة وليس مجرد خليط فوضوي. يدل «الأنا» على أنني شخص، ويحدد طبيعة هذا الشخص، من دون أن أدري عن ذلك شيئًا. 

يمكن توضيح «وهم الضرورة الذاتية» من خلال ظاهرة الهوية الجندرية. يشعر معظم الناس أنهم ذكور أو إناث على نحو تلقائي وفوري. فالجندر ليس شأنًا اختياريًا. وإنما يبدو شيئًا معطى، نجد أنفسنا عليه ببساطة. ومع ذلك، من اليسير علينا أن نشك في أنَّ شعورنا بأن جندرنا ضرورة طبيعية شعور مختلق. فعندما نمعن النظر في ما لا يُحصى من السلوكيات التي تعبِّر عن الجندر―الظاهر منها والخفي، والكبير منها والصغير―من العسير ألا يترك فينا ذلك انطباعًا بأنَّ الذكورة والأنوثة أشبه بخطوتين مختلفتين في رقصة واحدة. إنَّ الهوية الجنسية تُحدَّد، في المقام الأول، بناءً على قائمة من السلوكيات النمطية، أكثرها مخصوص ثقافيًا. من الأمثلة الشائعة على ذلك، الطريقة التي يفحص بها كلٌ من الرجل والمرأة أظافر اليدين: يقلب الرجل راحة يده إلى الأعلى، ثم يثني أصابعه إلى نصف قبضة، ثم يقرَّب يده من وجهه لكي يتمكن من إمعان النظر في أظافره. أمَّا المرأة فتنظر إلى ظهر اليد مع بسط أصابعها، ثم تبعد يدها عن وجهها قليلًا، على نحو ما يفعل كبير في السن وهو يقرأ لائحة الطعام في مطعم بعدما نسي نظَّارة القراءة في البيت. ويمكننا تصنيف آلاف السلوكيات على هذا النحو الجندري: الطريقة الذكرية في مقابل الطريقة الأنثوية للولوج إلى السيارة، ورفع الكأس، وتناول قضمة من شطيرة، وتمشيط الشعر، وما إلى ذلك. وفي بعض الأحيان، نبالغ عن عمد في هذه السلوكيات المُصنَّفة جندريًا لترك أثر فكاهي أو غير ذلك.

بأخذ هذه الأنماط السلوكية في الحسبان، نستنتج أنَّ الجندر أشبه بأداء تمثيلي. فأن تكون ذكرًا أو أنثى يعني أن تؤدي دور الذكر أو دور الأنثى على نحو صائب. والغرض من هذا الأداء هو إظهار جندرنا للآخرين ولأنفسنا قبلهم. ومع ذلك، نحن لا نشعر بأننا نمثَّل دور الذكورة أو دور الأنوثة، بل نشعر بأننا ذكور أو إناث ببساطة. لماذا؟ بسبب «الأنا». فالحال أنَّ عدم درايتنا بهذا النحو من التصنع أو التمثيل هو ما دفع فرويد إلى القول إنَّ جزءًا كبيرًا من «الأنا» خارج الوعي. إنَّ «الأنا» هو تاريخ خياراتي الراسخة التي نسيتُ أنني مَن اختارها. إنَّ «الأنا» بناء قد شيدته بيدي، لكنه يبدو لي الآن شيئًا قد أُعطي لي وليس من صنعي.

نظريًا، يمكن القول إنَّ «الأنا» يضعنا أمام هذه المفارقة: من جهة، ليس «الأنا» شيئًا نولد به، أي ليس معطىً بيولوجيًا محضًا، بل يتشكل من خلال الثقافة، وبنية الأسرة، وخصوصيات التاريخ الشخصي. لكن من جهة أخرى، يشكِّل «الأنا» هيكل شخصيتي، ويهبني شعورًا بثباتها، وبأنني على ما أنا عليه حقًا ولست أمثِّل دورًا. وذلك لأنه ليس شيئًا بمستطاعي أن أغيره، كما يحلو لي، في أي لحظة. وهذا التخلص من الشعور بالعرضية، أي غلق الباب أمام إمكانية أن أتصرف على نحو مغاير لما اعتدته، هو إحدى الوظائف الأساسية للكبت.

أمَّا الوهم الثاني الذي ينتجه «الأنا» فيمكن تسميته على غرار الأول «وهم الواقع الموضوعي» (أو وهم الموضوع الواقعي). ولفهم المقصود منه، يمكننا أن نعود إلى مسألة الميل الجنسي. بفضل «الأنا»، تتوجه ثنائية الميل الجنسي الأصلية إلى هذه الوجهة أو تلك. أي أنَّ أناي هو ما يُرسي المعالم الأساسية لرغبتي، بتحديد موضوعات الرغبة التي سأنجذب إليها، والأفعال التي سأنال منها المتعة. أي أنَّ موضوعات حبي هي انعكاس لبنية نفسيتي. ومع ذلك، نحن نتوهم دائمًا أنَّ الموضوعات هي التي تجذبنا أو تنفِّرنا، وليس نحن الذين ننجذب إليها أو ننفر منها. أي نتوهم أننا ننجذب إليها أو ننفر منها بسبب خصائص متأصلة فيها وليس بسبب خصائص متأصلة فينا. وهكذا، يشبه «الأنا» العين التي ترى كل شيء إلا نفسها. ويتجلى هذا الوهم في حالة الحب والانجذاب الجنسي، إذ يغدو جسد المحبوب فاتنًا، بحيث يبدو أنه هو سبب انجذابي إليه.

تماشيًا مع هذا الوهم «الموضوعي»، تبدو الموضوعات التي تدعم أناي وتعززه محبوبة لدي، وتبدو الموضوعات التي تهز أناي وتضعفه مكروهة لدي. ويتجلى هذا الوهم في حالة المكروهات بقدر أوضح. فعندما يثير شخص أو شيء بواعثي المكبوتة أكرهه. هذه هي الظاهرة التي يسميها فرويد «الإسقاط». أي أن أجد في الآخرين ما كبتُّه في نفسي ثم أكرههم بسبب ذلك. وللتوضيح، يمكننا أن نعود إلى مثال الرجل الغيري الذي تودد إليه رجل مثلي. لقد فجَّر تودد الرجل المثلي قلق الرجل الغيري لأنه طرق باب مثليته المكبوتة. وأحد سُبل السيطرة على هذا القلق هو التأكيد على أنَّ المثلية عند الآخر وحده. يصدُّ الرجل الغيري الآخر المثلي ويتوسل بذلك لتعزيز كبته لمثليته. وهكذا يغدو الآخر المثلي، شيئًا قذرًا ومقرفًا وحقيرًا (شاذ، لوطي، خول). وبكرهه لشيء بغيض خارجه، يُبعِد «أنا» الرجل الغيري المهدَّد أي أثر للمثلية عنه.

لكي يزيل الرجل الغيري المبغِض للمثليين أي التباس، ويُظهِر رفضه القاطع لكل ما هو مثلي، قد يلجأ إلى تعزيز عدوانه اللفظي بعدوان جسدي، بل إلى القتل في بعض الأحيان. ويمكننا الاستشهاد هنا بهذه الواقعة. في سنة 1998، أخرج رجلان غيريان (ستيفين مولينز وتشارلز بتلر) رجلًا مثليًا (بيلي جاك جايتر) من حانة في ولاية ألاباما الأمريكية، واقتاداه إلى طريق ريفي مهجور، وقتلاه ضربًا بيد فأس، ثم حرقا جثته فوق كومة من الإطارات المطاطية. بحسب عمدة البلدة، لقد قتلاه وأحرقا جثته لأنه كان مثليًا. وبحسب فرويد، لقد قتلاه وأحرقا جثته لأنهما لم يحتملا الإقرار بمثليتهما. لقد اتخذ القاتلان من المقتول «شاشة» أسقطا عليها مثليتهما. إنَّ الرجل المثلي أثار فيهما قلقًا عارمًا لم يجدا مهربًا منه إلا بمحو هذا الرجل من على وجه الأرض.

في الإسقاط، يتخذ المرء من الآخر مستودعًا يضع فيه كل ما لا يقبله في نفسه. ولذلك يشيطن الإسقاط الآخر. إنه الآلية الأساسية للتعصب والإجحاف. ولا ينبغي أن نتفاجأ إذا أفضى إلى القتل. فالمسألة هنا مسألة حياة أو موت: حياة «الأنا» وموته. فأن يفقد المرء أناه يعني أن يفقد نفسه. إنَّ «الأنا» الضعيف والمهتز في أمسِّ الحاجة إلى آخر يكرهه ليعكس على خلفيته نقاءه من الدنس الذي يرميه به. وهكذا، يسير النازي مفتخرًا أمام اليهودي، ويعزز عضو جماعة «كو كلوكس كلان» إحساسه بنفسه باضطهاده للسود، ويشعر الرجل الغيري برجولته باحتقاره للمثليين. لكن الشيء المذموم في الآخر المكروه، في جميع هذه الحالات، هو أحد جوانب الذات الكارهة. فلقد كان هتلر مهووسًا باحتمالية أن يكون منحدرًا من أصلٍ يهودي، وأصرَّ على أن تُختبر جيناته مرارًا. ومن هذا المنظور، يمكن القول إنَّ نيران المحرقة النازية لم تكن سوى تطهيرًا مروعًا للذات. وكذلك لم يكن قتل الرجلين الغيريين للرجل المثلي وحرق جثته سوى محاولة يائسة لتأمين هويتهما كغيريين. لقد سعيا بضربه حتى الموت إلى طرد المثلية منهما.

لكن حتى إذا أفضت إلى القتل، ليس الكره الناتج عن الإسقاط مجرد تعبير عن الوحشية والغلظة. وذلك لأن الإسقاط مرتبط بالمتعة. فما يزدريه المتعصب في الآخر―من دون أن يتبين ذلك―هو متعته. ويمكننا أن نعيد قراءة تاريخ الاضطهاد في ضوء هذه الفكرة. إذ يشنِّع المسيحيون على الوثنيين انغماسهم في الملذات التي تخلى عنها الأتقياء. ويهتاج صائد الساحرات عندما يتخيل نشوات السبت الأسود حيث ترقص الساحرات حول نار موقدة، ويفجرن مع الشيطان. ويخفي اتهام اليهود بالمكر والجشع في طياته حسدًا على حصافتهم وثرائهم. وباستهجانه لفسق المثلي يخبرنا الغيري، ضمنيًا، عن الإحباط الذي يعاني منه في حياته الجنسية.

وينبغي التنبيه هنا على أنَّ فرويد لم يقصد من نظريته عن الإسقاط أن تكون تفسيرًا شافيًا للكُره البشري. إنه لا يردُّ طاقة الكُره البشري بأجمعها إلى رغبات لاواعية مكبوتة يعزوها المرء إلى الآخر المُزدرَى. وذلك لأنَّ الحنق والبغض هما ثمرة تعذيب البشر لبعضهم بعضًا، الحصاد المُرُّ لتظالمهم. لكن تساعدنا نظرية فرويد في تفسير الكيفية التي يغدو بها هذا الكُره مرتبطًا بتلك الجماعات التي تُضطهد بسبب العرق أو الجنس. إنَّ آليتي الكبت والإسقاط اللاواعيتين توفران موضوعًا لمشاعر الحنق والكره، حتى لو لم تكن نابعة من رغبة مكبوتة. فموضوع الإسقاط―اليهودي، الأسود، المثلي―يجذب الكُره ويجمعه مثلما يجذب جورب قديم النُسالة من وسط الغسيل ويجمعها.

   

«أنا أمقتك! أبصق عليك!» هذا هو التعبير الأقصى عن الكُره. وذكر البصق هنا ليس مصادفةً بأي حالٍ من الأحوال. فبحسب فرويد، يشغل البصق موضعًا ووظيفة مخصوصة في سيكولوجية الكُره. إذ يغلب على الغاضب أو المحبَط أن يجد نفسه مقهورًا على البصق. لماذا؟ يرجع ذلك إلى أنَّ «الأنا» يتشكل حول صورة الجسد. يقول فرويد: «إنَّ الأنا هو أنا جسدي في المقام الأول. إنه مشتق من أحاسيس الجسد، وتحديدًا الأحاسيس النابعة من سطح الجسد. إنه صورة ذهنية لهذا السطح». أي أنَّ «الأنا» هو الحد الفاصل بين داخل النفس وخارجها تمامًا كما أنَّ سطح الجسد هو الحد الفاصل بين داخل الجسد وخارجه. إنَّ الخط الفاصل بين «الأنا» و«الهذا»، أي بين ما أعدُّه مني وما لا أعدُّه مني، يحاكي الخط الفاصل بين ما هو داخل الجسد وما هو خارجه. ولذلك يتخذ ما أُدخِله في جسدي ببلعه، وما أرفضه بمجَّه، دلالة نفسية. ولأن المرء يحب ما يعدُّه «الأنا» مقبولًا عنده وموافقًا له، ويكره ما يعدُّه «الأنا» مرفوضًا عنده ومخالفًا له، يمكن التعبير عن الحب والكُره، على نحو أولي للغاية، بالبلع والمجّ. وهكذا يغدو البصق التجسيد المثالي للإسقاط. إذ يعبِّر ما أخرجه من جسدي عن أخس الأشياء عندي وأكثرها إقزازًا. إنني أسقِط رغبة مكبوتة كما أبصق لقمة فاسدة. 

بتبين تشكُّل «الأنا» من صورة الجسد، نتبين ملاءمة تسميته صورة الذات. ويتضح سبب تشبيه فرويد تشكُّل «الأنا» بأسطورة نرسيس الذي وقع في حب صورته. وقد أبان جاك لاكان عن هذه الفكرة من خلال مفهوم «مرحلة المرآة». وهي المرحلة النفسية التأسيسية التي يدرك فيها الرضيع وَحدة جسده. فبرؤيته صورته في المرآة، يدرك الرضيع أنَّ جسده كلُّ واحد، ويدرك أيضًا أنه منفصل عن أمه، ومن هذه الصورة ينشأ أناه. أي أنَّ لحظة ميلاد «الأنا» هي لحظة تفرُّد نفسي، أول إعلان استقلال عن الآخرين.

لكي يتجنب القلق، يحتاج «الأنا» إلى قدرٍ من الثبات. وتتجلى هذه الحاجة في عنايتنا بارتداء الثياب. تُعدُّ الثياب جلد ثانٍ لنا، وبارتدائها نعرض أنانا، نعرض صورة أنفسنا. إننا نعتني باختيار ثيابنا وطريقة لبسها لكي نقدِّم صورة متوقعة عنَّا إلى الآخرين وإلى أنفسنا قبلهم. وذلك لأنَّ الخروج الجذري عن هيئتنا الراسخة من شأنه أن يثير قلقنا، كما لو أنَّ هذا الخروج يطرح علينا سؤال الهوية في لغة الثياب: من أنا حقًا؟ وما الذي أقدر على فعله حقًا؟

مثل صورة الجسد التي تشكَّل منها، يتطلب «الأنا» مظهر الوَحدة والاتساق. ومقتضى ذلك أنَّ القلق―الذي يشير إلى تعرض «الأنا» للخطر―قد ينتج عن الأخيلة التي تنطوي على انتهاك الجسد أو جدعه. الخشية من الخصاء هي واحدة من هذه الأخيلة. وكذلك، قد يغدو الرضيع قلقًا من فقد البراز، كما لو أنَّ خروج البراز منه يثير شبح فقده لجزء من جسده. ولهذا السبب، قد يغدو إمساك البراز وسيلة طمأنة نفسية، سبيلًا لتوفير الحد الأساسي من الأمان.

سيواصل الطفل إظهار علامات القلق الشديد من انتهاك صورة الجسد إلى ما بعد دخوله المدرسة الابتدائية. فمن منا لم يرَ طفلًا في الثامنة يهرع إلى البيت بعدما سقط من على الدراجة؟ لقد جُرحت جبهته ولهذا ينشج لكنه لم يبك بعدُ. لكن بمجرد أن يلمح الجرح النازف في مرآة الردهة، يشرع في الصراخ والعويل. وذلك لأنَّ صورة الجرح قد تكون أشد عليه من الجرح نفسه. أو بعبارة أخرى، لأن جرح الجسد أقل إيلامًا من جرح «الأنا». ويفسر لنا ذلك الراحة التي يجدها الطفل المجروح في الضمادة اللاصقة. إذ لا قيمة لها سوى أنها تخفي المكان المنتهك من الجسد. إنها لا تعالج الجرح بل تغطيه فحسب، تبديه سليمًا. ومع ذلك، يهدأ الطفل، لأنَّ «الأنا» قائم عنده على المظاهر. وقد يستمر هذا الحكم بناءً على الظاهر حتى بلوغ الطفل سن الرشد. فالكثير من البالغين لا يزالون يرتاعون من إبرة المحقنة أو السرنجة. وفي ذلك شاهد آخر على أنَّ ما على المحك هنا ليس الألم الفعلي بل فكرة انتهاك الجسد.

تلقي حاجة «الأنا» إلى الوَحدة والاتساق الضوء على انفعال القرف، وهو نفسه أحد أشكال القلق. إذ يغلب على الأشياء المثيرة للقرف أنها ليست ذات شكل موحد وحواف محددة، بل كتل ولطخات وأخلاط فوضوية عديمة الشكل. ولو تخيلنا أنَّ مادة مقرفة شُكِّلت بإتقان في هيئة شكل هندسي منتظم، ككرة أو مكعب، لوجدنا أنها صارت أقل إثارة للقرف. من منظور التحليل النفسي، يمكن القول إنَّ الأشياء تغدو مقرفة عندما تصير على هيئة مناقضة لوَحدة «الأنا» واتساقه.

ويجدر بنا أن نلاحظ أيضًا أنَّ مثيرات القرف الأساسية هي مواد مطروحة من الجسد: البراز، البول، القيء، العرق، اللعاب، الدم، القيح، الشعر، الأظافر. وبالطبع تصير مخرجات الجسد هذه أشد إثارة للقرف عندما تكون صادرة عن الآخرين. إذ تهدد بانتهاك الحد الفاصل بين أناي وجسد الآخر وأناه. يقرف المرء عندما يصير شيء ينتمي إلى الآخر―خاصة إذا كان حميميًا―مفرط القرب منه. لكن قد يقرف المرء أيضًا من سوائل جسده ومخرجاته. لماذا؟ لأنَّ القرف قد يُثار بسبب أي شيء يشوش الحد الفاصل بين داخل الجسد وخارجه، أي الحد الأكثر بدائية الذي يفصل بين نفسي وغيري. القيء والمخاط ونحوهما، أمثلة جلية على ذلك. لكن حتى الطعام قد يصير مقرفًا من هذه الجهة. فحتى طعام المرء المفضل قد يصير مثيرًا للغثيان إذا مضغه وأمسكه لمدة طويلة في فمه، أي أمسكه عند العتبة التي تفصل بين داخل الجسد وخارجه. وهكذا نرى أنَّ القرف يتلاءم مع تعريف فرويد للقلق: انفعال ناتج عن تعرض سلامة «الأنا» للخطر. 

من اللافت للنظر أنَّ القلق من جرح الجسد―بإبرة محقنة في عيادة الطبيب على سبيل المثال―يبلغ ذروته في منتصف الطفولة. فقبل هذا الحين، لا يكون «أنا» الطفل متطورًا بما يكفي لكي يقلق من المحقنة (سيبكي فقط من جراء الألم الذي أنزله به شخص غريب). وبعد هذا الحين، لن يقلق المراهق حيال سلامة جسده بقدر ما سيقلق حيال فقده لرباطة جأشة (إذ يؤثر الموت على أن يبكي كالأطفال). أمَّا أكثر البالغين فلن يقلقوا حيال الأمرين (قد يظل يكره المحقنة لكنه سيتحمل ألمها بشجاعة عوضًا عن أن يستسلم لخوف يبدو له غير معقول الآن). ويعبَّر هذا التطور عن نضج «الأنا».

في النصف الثاني من السنة الأولى من عمر الرضيع، يبدأ إحساسه بذاته في التشكل، وتكون حدود «الأنا» في هذه المرحلة بدائية للغاية. ولذلك يغلب التبسيط على تمييزه لنفسه عن غيره، وتمييزه بين أحاسيسه الداخلية: إما هذا أو ذاك. وسيواصل الطفل الصغير لبضع سنين العيش في عالم محكوم بهذه القسمة البسيطة: أبيض أو أسود، خير أو شر، كل شيء أو لا شيء. ولهذا، عالم قصص الأطفال الخرافية، ورسومهم المتحركة، مسكون بأبطال مطلقين وأشرار مطلقين. ولهذا أيضًا يراوح الطفل بين الحب والكُره، بين البهجة والنحيب. لكن بعد البلوغ، يتخلى، تدريجيًا، عن هذه القسمة البسيطة. إذ يغدو «الأنا» أكثر تعقيدًا وأقدر على إدراك الالتباس واحتمال التناقض.

في ضوء هذه العلاقة بين تشكُّل «الأنا» وصورة الجسد، نستطيع أن نفهم طرح فرويد بشأن التعارض الجذري بين «الأنا» والجنسانية بأحسن الفهم. لأن تطور «الأنا» ونموه الذي شرحناه فيما سبق هو إحدى المقدمات الأساسية التي بنى عليها فرويد هذا الطرح. والفكرة هي أنَّ موقف البشر من الجنسانية ينطوي على نواة من التفكير الطفلي. أي أننا، عند مستوى عميق من أنفسنا، لا نزال نتعامل مع الجنس كما يتعامل معه طفل في السادسة من عمره.

كيف ذلك؟ يهدد الجنس «الأنا» الطفلي لأنه ينطوي على انتهاك الحدود الفاصلة بين الذات والآخر، وذلك باستحضاره شبح تداخل الأجساد وتوالجها. من وجهة نظر «الأنا» الطفلي، الجنس أمر صادم ومشين لا محالة. لأنه بحكم طبيعته، يقوض المسعى الأساسي للطفولة المبكرة، وهو توحيد «الأنا» وتمتينه، وذلك بخرقه لحدوده المغلقة حديثًا. أي أنَّ الجنس يُعدّ حتمًا شكلًا أوليًا من الانتهاك. ولذلك، عندما يسمع الطفل في المدرسة عن الجنس لا عجب أن يرد بهذا اللفظ القاطع: «مقرف!» إذ من الطبيعي تمامًا أن يرى الطفل مشهد تخالط الأجساد مقززًا. ولا شك في أنَّ شعور الطفل بالقرف هنا نابع جزئيًا من تشرُّبه التحريمات الاجتماعية المتعلقة بالجنس من محيطه. لكن ردَّ فعله هذا ليس مجرد تقليد لموقف الكبار من حوله. على العكس، إنَّ نفور الطفل من الجنس هو رد فعل عفوي على ما رآه، على نحو صائب، تهديدًا لسلامة الجسد التي بني «الأنا» على شاكلتها.

في نظر الطفل الصغير، كل جنس هو اغتصاب. ولذلك، يدرك الطفل ذي الست سنوات الكامن في داخلنا جميعًا أنَّ عبارة «انكح نفسك!» تُعدّ إهانة فادحة. في نظر الكثير من البالغين، لا يبدو نكح المرء فكرة شديدة السوء في سياقات معينة. ومع ذلك، عندما يقول لك شخص «عليك أن تُنكَح» تشعر بالإهانة. وذلك لأننا لا نزال نرى أنَّ النكح يقتضي الانتهاك لا محالة. أنَّ النكح يقتضي فقد شيئٍ ما. وهو سلامة «الأنا» واستقلاله، أي الإحساس بامتلاك النفس، المبني―منذ الطفولة―على هذه الفكرة: سلامة جسدي هي ما تجعلني أنا. 

بالطبع، سيخلي شعور الطفل ذي الست سنوات بالقرف من مشهد الجماع مكانه، في الوقت المناسب، لشعور متنامي بالفضول والانهمام. وهنا تبدأ رحلة الصراع الطويلة، التي يجابه فيها «الأنا» المغلق ضرورة فتح نفسه لما هو غريب عنه. ولا يشق علينا أن ندرك لماذا كان مقدَّرًا لهذا الصراع أن يحدث. والسبب هو أنَّ ما أُقصي من «الأنا» ليس الآخرون فحسب بل جزء من رغبة الذات أيضًا. ويمكننا أن نرى تجليات هذا الصراع الداخلي في فناء المدرسة، حيث يلعب الأطفال لعبة «عسكر وحرامية» (أو «امسك حرامي»)، التي يطارد فيها الفتيان والفتيات بعضهم بعضًا، والسؤال هل يريد الطفل أن يفلت أم أن يُمسَك؟ يريد الاثنين بالطبع، وتكمن متعة هذه اللعبة في المراوحة بين هاتين الرغبتين المتعارضتين. وفي سن المراهقة، يبلغ هذا الصراع الداخلي ذروته، حيث يشرع الانهمام بالجنس في التغلب على الخوف (غير المُفصَح عنه) من فقد الذات. إنَّ المراهق ممزق بين الرغبة في الاستقلال والرغبة في الاندماج. ومن هنا ينبع أكبر تناقض في المراهقة: إنها المرحلة العمرية الأشد تمردًا والأشد انصياعًا.

ومع ازدهار النشاط الجنسي في سن الرشد، يضطر «الأنا» إلى أن يتكيف جزئيًا مع الجنس، لكن جزئيًا فقط. فأغلب الراشدين―حتى أولئك الذين يرون أنهم يتمتعون بحياة جنسية ثرية ويراهم الآخرون كذلك―لا يحظون إلا بقدر محدود من الإمكانات الجنسية. يتسلل «الأنا» الراشد إلى قارة الجنس المظلمة، ويجد له موطأ قدم، ثم يعسكر فيه، بإنشائه دورًا جنسيًا ثابتًا، مثل قاعدة مؤمنة تُشن منها غارات شهوانية معتدلة. في البداية، ينخرط المرء في ممارسات شتى مع شركاء شتى، ثم ينتهي به الحال إلى إقامة علاقات رتيبة مع شركاء محدودين. والنتيجة هي أن يُدمَج في «الأنا» قدرًا محدودًا ومروضًا من الجنسانية، مثلما يُحقن الجسد بجرعة صغيرة ومنهَكة من جرثوم بغرض تلقيحه ضد العدوى الشديدة. وبعد إدخال هذا القدر من الجنسانية يعيد «الأنا» غلق حدوده مرة أخرى. وبذلك، يغدو الجنس مرغوبًا، لكن ضمن حدود معينة بدقة. فخلف هذه الحدود، يظل الجنس صادمًا، لأنه يظل قادرًا على نقض مساعي «الأنا» لتثبيت حدود الذات وترسيخ صورتها. وهكذا، يظل الجنس مصدرًا محتملًا للقلق الناتج عن فقد السيطرة على الذات، حتى بعد تكيف «الأنا» معه في سن الرشد.

عندما أقول إنَّ الشخص الراشد لا يحظى إلا «بقدر محدود من الإمكانات الجنسية»، أنا لا أقصد أنه يتحلى بشيء من الاحتشام، أو أنه يمنع نفسه من التمتع بالغرائب الجنسية (الأفعال المحرمة، والأوضاع الغريبة، وما إلى ذلك)، وإن كان أكثر الناس يفرضون على أنفسهم قيودًا من هذا النوع بالتأكيد. وإنما أقصد أنه يحرم نفسه من إمكانات الجنس العاطفية. فأحد الدروس الأساسية―والمغفول عنها من فرط أساسيتها―التي نتعلمها من المدرسة الفرويدية هو أنَّ الجنسانية توفر فرصة ممتازة لتعزيز الحميمية بين البشر. وهي تفعل ذلك لأنَّ العلاقة الجنسية ترث الآثار المتبقية―مهما كانت لاواعية―من تجربة الطفل في حضن الأم. إنَّ الجنس سبيل فريد للعودة إلى أقدم تجارب حياتنا العاطفية. ومع ذلك، لا أحد يسلك هذا السبيل، حتى المتجامعون. ففي الأغلب، لا يكون الجنس تجربة حميمية على الإطلاق. إذ قد يتضمن الحد الأدنى من الارتباط الحقيقي بين الشريكين، بل قد يباعد بينهما عوضًا عن أن يقرِّب بينهما.

ولتذكير أنفسنا بالصلة بين الجنس والحميمية، علينا أن نعود إلى لغز الكبت الجنسي مرة أخيرة. لقد درسنا هذا اللغز، حتى الآن، من وجهة نظر «كمية» إذا جاز القول. إذ انشغلنا بأنواع النشاط الجنسي ووتيرته، وباختيار الشركاء وعددهم، ونحو ذلك. لكن يمكن دراسته من وجهة نظر «كيفية» أيضًا. أي بالتركيز على عمق الإشباع العاطفي المستمد من الجنس وعلى جودته. وهذا المنحى العاطفي مرهون بدرجة انفتاح المرء على الشخص الآخر وارتباطه به. وهنا أيضًا نجد أنفسنا أمام أمر ملغز جدًا: إذا سلَّمنا بأنَّ الجنس طريق ملكي إلى الحميمية، وبأنَّ الحميمية مطلب مرغوب، فمن العجيب أننا لا نحظى فقط بالكثير من الجنس، بل لا نحظى أيضًا بجنس حميمي ومشبع عاطفيًا.

من منظور التحليل النفسي، لا يرجع  غياب الجنس المشبع عاطفيًا إلى سوء الحظ ببساطة. وإنما ينبغي إرجاعه إلى مصدر الكبت الجنسي الذي درسناه فيما سبق: طبيعة «الأنا» ووظيفته. فلو أنَّ عائقًا يحول بيننا وبين استمداد الإشباع العاطفي من الجنس، فلا ينبغي أن نلوم إلا أنفسنا، لأننا―بالمعنى الحرفي لكلمة «أنا»―الذين نصبنا هذا العائق. ولإدراك السبب، لا نحتاج إلا إلى العودة إلى نظرية فرويد عن «الأنا» وإلى علاقته الدفاعية بالآخرين تحديدًا. لنوجز ما قلناه في هذا الصدد: يمثل الجنس تهديدًا لـ«الأنا» لسببين متصلين. أولًا: يوفر «الأنا» إحساسًا بوحدة الذات، لكن ثمن ذلك هو إقصاء جزء كبير من الرغبات. ثانيًا: يتشكل «الأنا» حول وحدة الجسد وسلامته، ولذلك يمثل انتهاك هذه السلامة تهديدًا له. وعليه، يمكن القول إنَّ الجنس يهدد «الأنا» بسبب تعدد البواعث الشهوانية (ما يسميه فرويد «الانحرافية المتعددة الأشكال»)، وبسبب خرقه الحتمي لوحدة الجسد وسلامته (بما ينطوي عليه من تداخل الأجساد وتوالجها).

وإلى ذلك يمكننا أن نضيف الآتي: لكي يقوم «الأنا» بوظيفته التنظيمية، أي لكي يضبط البواعث ويرسخ حدود الصورة الذاتية، يلزمه ألا يكون محايدًا تجاه الآخر. فمنذ مراحل تطوره الأولى، يعارض «الأنا» الارتباط الحميم بالآخر. في الأشهر الأولى من عمره، يكون الرضيع ملتحمًا بأمه، سابحًا في بحر من الأحاسيس، وعاجزًا عن إدراك انفصاله عنها. وأول إنجاز لأناه هو ترسيم حدود ذاته المنفصلة عن الأم. أي أنَّ غرض الأنا دفاعي أساسًا. إنه يطلب الانفصال والتفرد والاستقلال. 

لكن ما معنى أنَّ «الأنا» قد تشكَّل كدفاع ضد الآخر؟ لقد تشكَّل «الأنا»، في الأساس، كاستجابة للألم. إنه أشبه بندبة نفسية تغطي موضع جرح نفسي، موضع الفقد والإحباط والخيبة. ومن هذا الوجه، أصاب سفر أيوب حين قال إنَّ البشر يولدون في معاناة. لنتخيل أم كفؤة على نحو معجز، قادرة على أن تتوقع جميع حاجات رضيعها، وتلبيها له على الفور، وبذلك لا يشعر قط بألم الحرمان، بل لا يشعر بحاجاته نفسها لأنها تُلبَّى له على الفور. لن يتمكن هذا الطفل أبدًا من أن يدرك أنَّ أمه كائن منفصل عنه. وإنما سيظل معتقدًا أنها جزء من نفسه. أي أنه سيظل بلا «أنا». لكن لا توجد أم قادرة على فعل ذلك. فالأم تغيب عن الطفل لا محالة، ولا تستطيع أن تلبي جميع احتياجاته على الفور، بل قد لا تستطيع إدراكها حتى. وشعور الطفل بغياب أمه، وبعدم إشباع حاجاته، هو ما يفضي إلى تشكُّل «أنا» منفصل، غرضه الأساسي حماية الذات وجعلها مكتفية بنفسها. 

إنَّ «الأنا» هو ما نستمسك به عندما يخذلنا الآخر. ولذلك مجرد وجود «الأنا» منافٍ للحميمية. إنه يكبت جزء كبير من بواعثي، لكنه، بحكم طبيعته، يُبعِد الشخص الآخر عني. إنه يرسِّخ المسافة الفاصلة بيني وبين الآخرين، بل يوجدها. يتجلى لنا ذلك في حال الطفل ذي السنتين، الذي يكتشف انفصاله عن أمه، ويسعى إلى فرض ذاته. إنها المرحلة العمرية المزعجة التي يضرب فيها الطفل الأرض بقدميه ويرمي الأشياء غضبًا، ويجد متعة كبيرة في قول «لا!». 

ويمكننا أن نتبين التعارض بين «الأنا» والآخرين بالعودة إلى مثال القرف مرة أخرى. من بين الحواس الخمس، حاسة الشم هي التي تثير الشعور بالقرف، عند أكثر الناس. ومن بين جميع الروائح، روائح الجسد هي الأشد تنفيرًا. في المقابل، حاسة الشم هي المثير الأساسي للنشاط الجنسي عند أكثر أنواع الثدييات. فالكلاب، والثدييات العليا الأخرى، تتواصل جنسيًا فيما بينها عن طريق الروائح. وفي رأي فرويد، هذا التقابل بين البشر والحيوانات مفهوم تمامًا. فبعد تعرضها للكبت، أضحت الحاسة الأشد قدرة على إثارة الرغبة هي الأشد قدرة على إثارة القرف. لكن الأمر المدهش أيضًا أنَّ الروائح المتطابقة تقريبًا قد تثير انفعالات متناقضة تقريبًا بحسب مصدرها. فالناس لا يقرفون عامة من روائح جسدهم بل من روائح أجساد الآخرين. ومقتضى ذلك، أنَّ انفعال القرف البشري مختلف اختلافًا مضاعفًا عن أي انفعال طبيعي أو حيواني. فالحاسة التي تثيره هي التي يُفترض أنها تثير الشهوة. وكذلك أضحى خاضعًا لتمييز لاإرادي بين الذات والآخر.

بالطبع، قد تلين الحواف الصلبة للحد الذي يفصل «الأنا» عن الآخرين، مع الزمن. ومع ذلك يشدد فرويد على أنَّ البنى النفسية تظل محتفظة إلى الأبد ببعض السمات التي ميزتها في مراحل تشكُّلها الأولى. بل قد يتعمق الخندق المحفور حول «الأنا» مع الزمن عوضًا عن أن يُردم. ولهذا، لا مفر من أن يشعر المرء بأنَّ الجنس مهدَّد لأناه. وذلك لسببين. أولًا: يهدد الجنس سلامة «الأنا» ووحدته باستحضاره شبح اختراق الجسد. وثانيًا: يهدد الجنس استقلالية «الأنا» العاطفية التي لم ينلها إلا بعد لأي. إنَّ الجنس يناقض اكتفاء «الأنا» بذاته لأنه يدخله في علاقة بآخر ويربطه به. إنه يحيي ذكرى الالتحام القديم بالآخر. لكن إمكانية حدوث هذا الالتحام مثيرة للطمأنينة وللفزع أيضًا. إنه حلم وكابوس في آنٍ واحد. فمن جهة، هو أسمى أماني الرومانسية: أن يصير اثنان واحدًا. أي أن تُنقض فردانية «الأنا» وانفصاليته في سبيل العودة إلى نعيم الامتزاج بالآخر. ومن جهة أخرى، ينذر الاقتراب الشديد من الآخر بمحو حدود «الأنا» الهشة، بغمر جزيرة «الأنا» مرة أخرى في بحر لجي ما له من قرار. في الجنس، تغدو الذات عرضة لأن تضيع في الآخر، أن تعتمد عليه، فتُستعبَد له، وتُجرح بنزواته وأهوائه. إنَّ الخوف من الاندماج في الآخر مرة أخرى هو النموذج الأولي للقلق.

بالنظر إلى هذا الخطر النفسي الذي تجلبه العلاقة الجنسية، لا عجب أنَّ البشر قد سعوا إلى فصل الجنس عن الارتباط الشخصي. وأوضح أشكال هذا الفصل هو أقدم الحرف: البغاء. فالبغاء سعيٌ إلى زيادة الإشباع التناسلي إلى أقصى حد ممكن مع تقليل عواقبه العاطفية إلى أدنى حد ممكن. عند البغية، الجنس سلعة محضة، مجرد قيمة سوقية. وعند زبونها، الجنس إشباع جسدي مجرد من أي مضمون عاطفي. وميزة هذه المعاملة هي تقليل خطر الارتباط العاطفي بالآخر. وبعبارة نفسانية، البغاء جنس من أجل «الأنا» وحده. ولذلك، يمكن النظر إلى دفع المال للبغية من زاويتين، أولًا: بدفعه للبغية، يشتري الرجل حق التمتع بجسدها. ثانيًا: بدفعه للبغية، يتمكن الرجل من الاحتفاظ بالسيطرة على ذاته. أو باستعارة عقارية: من الزاوية الأولى، يستأجر الرجل جسد البغية. ومن الزاوية الثانية، يدفع الرجل الرهن الذي يخوِّله الاحتفاظ بملكيته لأناه. 

لكن دفع المال مقابل الجنس ليس الطريقة الوحيدة لنيله مع البقاء على مسافة نفسية من الشريك. فالبغاء مجرد طريقة متطرفة، من بين طرائق أخرى، لفعل ذلك. ومن هذه الطرائق، شوب العلاقة الجنسية بشائبة سادية. فخلط الجنس بقدر من العنف أو التحقير أو الانتهاك من شأنه أن يحصِّن «الأنا» ضد خطر الارتباط الحميم بالآخر. ومنها أيضًا، ما أسماه أحد الزملاء بفجاجة «مجامعة البُغض»، وهي شكل من الاغتصاب الصريح لكنه ألطف وأرق، توقد فيه الشهوة بنيران الغضب أو النزاع أو المقت. ومنها أيضًا، اتخاذ شريك من فئة عمرية مختلفة، أو من طبقة اجتماعية مختلفة، أو ذي مظهر مختلف، أو فيه شيء من الضعف والمهانة. تبين لنا هذه الأمثلة أنَّ الجنس قد يُستعمل―بمجرد أن يُدمج جزئيًا في «الأنا»―لأغراض دفاعية. إذ يمكن الاعتماد عليه لا لتعميق الحميمية بل لتجنبها.

وكذلك، تعِد الثورة التقنية، التي وهبتنا كاميرا الفيديو والإنترنت، بفتح سُبلٍ واسعة جديدة لفصل الجنس عن الارتباط الشخصي. فكلمة جنس هي أكثر كلمة يُبحث عنها على الإنترنت، وغرف المحادثة، التي يتمتع فيها المستخدمون بعلاقات جنسية إنترنتية غُفل تمامًا، متوفرة بغزارة. لكن لنتخيل الإمكانيات التي يخفيها لنا المستقبل في هذا الصدد. ففي وقت ليس ببعيد، سيغدو بث الفيديو مرفقًا بأطراف روبوتية (تُدار بـ«عصا المتعة»، ويا له من اسم موفق)، تمكِّن أشخاص، بلا اسم وربما بلا وجه، لم يتقابلوا قط، من أن يتحسسوا ويثيروا بعضهم بعضًا من خلال رابطة إنترنتية. 

لا يخفى أنَّ ما ذكرناه من استراتيجيات نفسية لحماية «الأنا» في العلاقة الجنسية―كالبغاء على سبيل المثال―هي استراتيجيات ذكرية في المقام الأول وليست أنثوية. لماذا؟ يمكن ردّ ذلك إلى الفوارق بين «أنا» الذكر و«أنا» الأنثى―استعمل هنا «ذكرًا» و«أنثى» وليس «رجلًا» و«امرأة» لأننا لا نتحدث عن بنية الجسد بل عن بنية النفس―فحدود «الأنا» الذكري أشد صرامة وصلابة من «الأنا»  الأنثوي، وهذا ما يجعل الكثير من الرجال يشعرون بالتهديد من الارتباط الحميم بالآخرين، مقارنة بالنساء.

تجعل هذه الحدود الصارمة الذكر أكثر تحررًا من تأثير الآخرين. وهذه سمة مثبتة تجريبيًا من خلال اختبارات ما يسميه علماء النفس الاعتماد الإدراكي على المجال المحيط وعدم الاعتماد عليه. والمقصود بعدم الاعتماد على المجال المحيط هو القدرة على الحكم على الأشياء بمعزل عن السياقات المحيطة بها. لنتخيل، على سبيل المثال، أنَّ عمودًا قائمًا محاطًا بإطار مستطيل الشكل. عندما يُدار الإطار قليلًا إلى أحد الجانبين، سيظل المشاهد غير المعتمد في إدراكه على المجال المحيط يرى العمود قائمًا، بينما سيُخدع المشاهد المعتمد في إدراكه على المجال المحيط ويظن أن العمود نفسه قد مال إلى أحد الجانبين. ويرجع ذلك إلى أنَّ المشاهد غير المعتمد على المجال أقدر على فصل الشيء عن تأثير محيطه. ومن منظور فرويدي،  هذه القدرة على إدراك الأشياء على نحو مستقل عن الخلفية المحيطة بها وثيقة الصلة باستقلالية «الأنا»، بل نابعة منها. والحال أنَّ هذه القدرة شائعة بين الرجال أكثر من النساء، مما يشي بأنَّ حدود «الأنا» الذكري أشد صرامة وصلابة وحصانة من حدود «الأنا» الأنثوي.

خلف هذا الفرق بين الذكر والأنثى تكمن المشكلة الأوديبية. إذ يحتاج «الأنا» الذكري إلى حدود أشد صلابة لأنه أشد احتياجًا إلى الاستقلال عن الأم. بل يمكن القول إنَّ الذكورة تتشكل من خلال الإصرار العنيد على هذه الاستقلالية. ويرجع ذلك إلى أنَّ الرجل الغيري يتخذ شريكًا من نفس جنس موضوع حبه الأول، أي الأم (بخلاف المرأة الغيرية التي تتخذ شريكًا ليس من جنس موضوع حبها الأول، أي الأم). ومقتضى ذلك، أنَّ العلاقة الجنسية تذكِّر عامة الرجال (وليس النساء) بعلاقتهم الطفلية بالأم. ولذلك يجب على الرجل الغيري أنَّ يُنجز هذه المأثرة النفسية: أن يُبعد الأم عنه ويغدو مستقلًا عنها، قبل أن يرتبط بشريك من نفس جنسها، أي بشخص يحيي فيه لا محالة ذكرى الارتباط الوثيق بالأم التي بذل وسعه للتحرر منها. ولهذا، يحتاج «الأنا» الذكري إلى قدر أكبر من التحصين لكي يحمي نفسه من خطر النكوص إلى وضعية طفلية إذا دخل في علاقة حميمية مع امرأة.  

قد يبدو هذا الرأي التحليلي النفسي مؤيدًا للتصور النمطي القائل إنَّ الرجال يتجنبون الارتباط لأنهم يريدون جنسًا محضًا بلا عواطف. لكن هذا انطباع سطحي. فإذا بدا أنَّ الرجال ينفرون من الارتباط، ويبتغون الجنس المحض، فإنَّ ذلك لا يرجع―من المنظور الفرويدي―إلى أنهم لا يريدون أدنى حميمية، بل إلى نقيض ذلك، أي إلى أنهم يريدون حميمية مفرطة. فبأخذ اللاوعي في الحسبان، نتمكن من تجاوز الصورة النمطية عن الرجل الفظ عديم المشاعر، الذي يسخر من العاطفية، ولا يبكي قط، ويفضِّل أن يظهر كما لو أنه بلا أي احتياجات عاطفية على الإطلاق. إذ سنفهم أنَّ هذا القناع الجامد، هذا الدرع الذي يتحصن به «الأنا» الذكري، غرضه هو إخفاء عين المشاعر التي يبدو أنه مفتقر إليها، والاحتماء منها. ففي داخل كل رجل فحل يكمن فتى جريح. ولا شيء يثير قلق الرجل الصلب مثل أن يجد نفسه محبوبًا.    

لقد قلنا إنَّ خطرين يحيقان بـ«الأنا»: بواعث «الهذا» المكبوتة، والآخر الذي يريد «الأنا» أن يبقى على مسافة منه. ويمكننا أن نتبين الآن أنَّ هذان الخطران خطر واحد. فما يجعل الآخر خطيرًا هو أنَّ حضوره يثير بواعث المرء المكبوتة. ولذلك ليس من قبيل المصادفة أنَّ صنفي البواعث المكبوتة الأساسيين―العدوانية والجنسية―متعلقان بمشاعر المرء حيال الآخر. إنَّ «الأنا» هو صُلب الذات، أمَّا «الهذا» فهو الآخر الداخلي. ولذلك، يواجه المرء مكبوته من خلال مواجهته للآخر الخارجي. إنَّ أخشى ما يخشاه المرء من الآخرين هو المشاعر التي يمكنهم أن يثيروها في داخله.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية