كافكا ومسخه

2025-10-01 - mohamed nabil

هل كان ليتغيّر الأمر لو استطاع جريجور أن يُعَبِّر؟ أن يُفهم من حوله؟ ماذا سيحدث لو فقدنا نحن القدرة على التواصل، على الإفهام؟ هل سنصير حشرات عملاقة كما جريجور؟

كافكا ومسخه

مقال محمد نبيل


صورة عن موقع ميديام

قاعة مكتظّة بالطلاب، على منصتها المقابلة لمكان جلوس المحاضر، تجلس سيّدة مهيبة بيضاء الشعر، يحمل وجهها عقبَ حسنٍ لم تذره الأيام بعد. في الممرّ يقف طالب عادي، على وجهه سيماء التلهّف والقلق، ينتظر لقاء أستاذه نزولًا على اتفاق بينهما، يقضي بأن يشاهد الطالب الأفلام المعروضة في السينما يومي الأربعاء والخميس، ثم يعود ليحكيها لأستاذه، ليتخيّر الأخير منها فيلمًا يشاهده في عطلة نهاية الأسبوع. في المقابل، يحصل الطالب على عشرة دولارات أسبوعيًا.

يدخل الأستاذ مرتديًا بدلة أنيقة، وفي يده حقيبة جلدية. منذ أن دَلفَ من الباب، بدأ بالكلام، وفي منتصف المسافة بين المنصّة والباب توقّف وقال بصوت مسموع: «شاب مسكين استيقظ ذات صباح وقد تحوّل إلى حشرة كبيرة؟ ماذا إذن؟»، ثم تابع مستطردًا: «لا نملك إجابة منطقية على سؤال: ماذا إذن؟ يمكننا تجزئة القصة، وإعادة جمعها، ومقابلة أنماطها، وفهم تركيبها، لكن شيئًا ما سيظلّ مستعصيًا، لا يمكننا القبض على كُنهه. الجمال والبؤس وحدهما ما يمكن أن يعطينا تعريفًا للفن. أينما حلّ الجمال وجدنا البؤس (..) لو قرأت المسخ لكافكا وتجاوزت الانطباع الأولي عن كونها مجرّد خيال سريالي عن رجل تحوّل إلى حشرة، فاسمح لي أن أباركك؛ لقد انضممت إلى صفوة القرّاء».

كان ذلك الأستاذ هو فلاديمير نابوكوف، الأديب الروسي-الأمريكي الشهير، الذي قضى أوائل الخمسينيات محاضراً للأدب بجامعة كورنيل، قدم خلالها محاضرات عن عدد من الأدباء من بينهم كافكا.

1

حين استيقظ جريجور سامسا وَاجدً نفسه قد تحوّل إلى حشرة كبيرة؛ لم يسأل نفسه كيف صار إلى تلك الحال الغريبة؟ أو ما السبب؟ أو هل هناك طريقة للعلاج؟ لم يكن كل ذلك همه، بل كان همه الأول؛ كيف سيلحق بقطار السابعة بعد أن فاته القطار السابق وأصبح متأخرًا عن عمله —"لماذا قُدّرَ على جريجور وحده أن يعمل في شركة، يثير فيها أبسط تغيب أكبر ريبة فوراً…"— هل خطر بباله أصلًا كيف سينهض من سريره ويرتدي ملابسه فضلًا عن أن يذهب إلى العمل وهو على تلك الحال؟ ربما لم يُعِر ذلك كبير اهتمام، وربما زملاؤه في العمل كانوا –بشكل أو بآخر– حشرات أيضًا، لكنهم لم يتحوّلوا شكليًا كما تحوّل هوّ.

إذن، تحت وطأة العمل والاغتراب، ليس أمام جريجور –وأمامنا– سوى أن نكدَّ ونكدَّ ونكد، بصرف النظر عن حالنا وما صِرنا إليه. لكن ملاحظةً غالباً ما تفوتنا، أن رب جريجور في العمل هو في الحقيقة أحد دائني أبيه. كان مستر سامسا يملك متجراً صغيراً لكنه انهار وتبددت كل تجارته وصار مدينً، هنا كان طوق النجاة هو جريجور الشاب الذي سينبري ليسد دين أبيه ويقيل أسرته من عثرتها.

هاهنا قيد جديد يقيد جريجور فهو لا يعمل في وظيفة لم يختارها وتحت إمرة رب عمل لا يحبه فقط، بل أنه لا يستطيع تغييرها فضلاً عن الفكاك منها دون أن يسد دين والده —"لو أني لا أضبط نفسي بسبب والدَيّ، لقدمت استقالتي منذ مدة طويلة…"— ثم أن عليه أن يتصاغر دائمًا في وجه مديره فهو مدينً له، وعليه يتوقف استقراره واستقرار عائلته. 

نحن أمام استغلال مضاعف؛ فجريجور ليس مجرد عامل يبيع قوة عمله مقابل أجر محدَّد، بل إن جزءًا من هذا الأجر يعود إلى صاحب العمل نفسه، لا في صورة مَكس أو استقطاع، ولا مقابل سلعةٍ مُباعة، بل سدادً لدَينٍ غير معلوم متى سينتهي. فهل نحن أمام نبوءة؟ أم استشراف لوضع الإنسان في عصر الأمولة؟

2

على مدى أحداث القصة يعاني جريجور اغترابًا من نوع آخر؛ اغترابًا بين عقله وجسده، بين ما كانه وما أصبح عليه؛ عقل إنسان في جسد حشرة.

يصارع رغبة جسده في اكتمال التحوّل، بأن يصبح حشرة كاملة جسدًا وعقلًا. رويدًا رويدًا يتصرّف كما الحشرة؛ يفضّل الأكل المتعفّن على الطعام الطازج، يميل إلى التعلّق بالسقف والجدران أكثر من البقاء على الأرضية، وتتملّكه رغبة البقاء تحت الغبار وسط الظُلمة. لكنه ما زال يملك حنينًا لأغراضه، يحاول أن يتمسك بإنسانيته، أن يظل جريجور سامسا موظف المبيعات الجوال والابن والأخ. غير أنّ عائقًا يقف أمامه كسور. حين تحوّل جريجور إلى حشرة فقد قدرته على التواصل والإفهام، وأصبحت كلماته مجرد صرير حشرات.

في إحدى الزيارات التي تقوم بها الأخت بصفة دورية، تلحظ أن جريجور صار يحب الزحف على الجدران والتدلي من السقف، وللتسهيل عليه تقرر وبمساعدة الأم؛ إفراغ الغرفة من أثاثها لإعطائه مساحة أكبر. في وسط تلك المساعي تنتاب الأم بعض الشكوك حول جدوى الأمر —"ألن يكون الوضع هكذا، وكأننا بإخراج الأثاث نُظهر له تخلينا عن أي أمل بالتحسن ونتركه لشأنه دون مراعاة؟". إذا ما زال لدي الأم على الأقل أمل بعودة ابنها إلي طبيعته. 

تقدم الأم هنا محجة واضحة، عليهم أن لا ينسوا جريجور، أن تلك الحالة ما هي إلا طارئ استثنائي، لذا في تركهم الأمور كما كانت، تذكير لأفراد الأسرة جميعاً بما كانه جريجور في الأصل، وإعاقة لإتمام تحوله بشكل دائماً إلي حشرة. كان لكلامها هذا، وقعه في نفس جريجور فسرعان ما تذكر تلك الأغراض وما تمثله له، الخزانة وتحوي أدوات تزيين الخشب -هوايته المحببة- والطاولة التي أعتد على أن يستخدمه في حل وظائفه المنزلية منذ أن كان صغيراً. إذن عليه الآن أن يقاوم رغبة جسده ورغبة المحيطين في إتمام تحوله الكامل إلي حشرة. فرغم مظهره الخارجي، إلا أن هناك جزءًا منه لا زال متمسكً بما كانه، بإنسانيته. لا تمتلك الحشرات ذاكرة سردية لا تستطيع استدعاء صور من الماضي لأحداث وذكريات حميمة، لكن جريجور يستطيع وهو يحاول جاهداً التمسك بتلك القشة وذلك الإحساس.

مدفوعاً بتلك الانفعالات سيخاطر جريجور بالخروج من مخبئه، والاندفاع نحو الصورة المعلقة على الجدار محاولاً منع الأم والأخت من السطوة عليها. في الماضي لم تكن لتمثل له تلك اللوحة شيئاً أمّا الأن فهي تمثل له الماضي كله، ذلك الماضي الذي يطمح يأساً أن يكونه مرة أخرى. 

3

هل كان ليتغيّر الأمر لو استطاع جريجور أن يُعَبِّر؟ أن يُفهم من حوله؟ ماذا سيحدث لو فقدنا نحن القدرة على التواصل، على الإفهام؟ هل سنصير حشرات عملاقة كما جريجور؟

"أدرك جريجور أن نقص الاتصال الإنساني المباشر، مرتبطًا بحياته الرتيبة وسط عائلته، لا بد قد أدى على مدى هذين الشهرين إلى إرباك عقله…"

يظهر لنا أن شكل جريجور لم يكن عائقهُ الأكبر، أبدت الأسرة اشمئزازً وتقرّف منه، لكنها لم ترفضه كلياً إلا عندما صارت إعالته عبء عليها. كان فقدان القدرة على التواصل الإنساني، على الإفهام، هو العائق الأساسي. بدل الكلمات أصبح يصدر عنه صَرير حشرات، وخلجات فمه صارت تلمظ. ولا أمل في الوصول إلي صيغة للتواصل بين جريجور وأسرته، بين حشرة وإنسان.

"لو أنه يفهمنا...لكنا ربما توصلنا معه إلى اتفاق ما. ولكن هكذا…"

على مدى أحداث القصة وباستثناء وكيل الشركة الذي جاء لتفقد غيابه عن العمل، صبيحة ذاك اليوم المشؤوم؛ لم يفتقده أحد. لا صديق لا رفيقة لا زميل عمل، كان تواصله قبل أن يصير حشرة مقتصرًا على أفراد أسرته، ولأسباب واضحة -مثل سفره الدائم- لم يخلف ذلك التواصل وشائج قوية بينهم، كان يقضي أمسياته القليلة المتاحة في تزيين الخشب، وفي أحايين قليلة كان يخرج مع اخته للتنزه. يخلق هذا لدينا أنطباعاً أن جريجور قد وُضعَ على مسار تحوله إلى حشرة منذ مدة، فكل الظروف كانت تنبئ بأن تلك الحياة الرتيبة، سوف تُفضي إلى نهايةٍ قاتمة.

4

يحضر الأب في الرواية كحملٍ فوق ظهر ابنه، كثقلٍ يعيقه، كان الأب المتسبب في وضع جريجور الوظيفي المعقَّد بسبب ديونه، ومع قدرته على العمل —الأمر الذي سيُضطر لاحقًا للقيام به تحت وطأة الظروف— آثر التمتّع بإجازة طويلة بعد انهيار متجره، تفرّغ خلالها لتربية شحومه. ذلك الأب الذي قضى حياته كلها يكدّ دونما نجاح، وأبدى دومًا ميلًا إلى الصرامة في تعامله مع ابنه —"فقد عرف جريجور منذ اليوم الأول في حياته الجديدة أن والده يعتبر اللجوء إلى الصرامة القصوى في التعامل معه أمرًا واردًا"— كان هو ذاته المتسبّب في موت ابنه، نتيجة الجرح الذي أحدثته التفاحة التي ألقاها عليه بلا تقدير للعاقبة. إذن الأب هو المُبتدئ والمُنتهي للحكاية، كانت جريرته هي السبب بشكل أو بآخر في مأساة جريجور، وكانت تفاحته في النهاية هي من وضعت حدً لها. 

هل كانت علاقة جريجور بأبيه انعكاساً لعلاقة كافكا بأبيه؟ ذلك الظل الطويل الذي ظلَ يؤرق كافكا طوال حياته القصيرة. نحن نعلم من كافكا نفسه أن تلك العلاقة طالماً انتابتها التوترات، في رسالة كتبها إلى والده يعلق كافكا على رأي الأول في إحدي الممثلين، الذي ربما كان صديقاً لكافكا أو أحد أبطاله، "فبدون أن تعرفه، قارنته بطريقة مخيفة كنتُ قد نسيتها، قارنته بحشرة". في موضع آخر بالرسالة يقسم كافكا عالمه إلى ثلاثة عوالم. العالم الأول حيث كان كافكا يحيا "كالعبد" وفق قوانين مصممة له وحده، العالم الثاني ويحتله والده بسلطته وسطوته غير المتنازعة، والعالم الثالث حيث يعيش بقية الناس سعداء متحررين من الأوامر. لا يسعنا إنكار وجود صدي لعلاقة كافكا بأبيه في الرواية، ربما في جعله بطل أولي رواياته حشرة انتقام ساخر من نعت أبيه لرفاقه بالحشرات والبراغيث. أو تقسيمه العالم إلى ثلاثة أقسام ووضع نفسه بمنزلة العبد الذي يعيش وفق قواعد وضعت له وحده، تشابه مع حالة جريجور الذي ما أن تحول إلى حشرة حتى أصبح لازمًا عليه أن يسير وفق قوانين صارمة تحد من حركته وظهوره، أو في مقابلة خمول مستر سامسا ووهنه مقابل نشاط مستر هرمان كافكا وقوته، فشل الأول ونجاعة الثاني في ميدان التجارة.. إلخ.

في رسالته، يلوم كافكا أباه على تذكيره إياه دائما بأن حياته الوارفة هي ثمرة مجهوده العظيم، وهم -بنظر الأب- لا يقابلون ذلك الإحسان بما يوجبه من إذعان، في الرواية تنقلب تلك العلاقة فجريجور هو الُمعيل ووالده هو المُعال غير أن الأول لا يتبرم من ذلك ولا تصدر عنه أي نائمة توحي بالتفضل أو الضيق، بل يضع المال على الطاولة ويمضي. 

يرفض نابوكوف التفسيرات "الفرويدية" للنص، مبرراً ذلك بموقف كافكا نفسه السلبي تجاه الفرويدية والتحليل النفسي، ورأيه أن الاعتماد عليها في قراءة النص وتحليله قد يخرج به عن قصده ويختزله إلى مجرد علل نفسية. لرأي نابوكوف وجاهته بالتأكيد، لكن لا يسعنا إغفال وجود تنص بين حياة كافكا ونصه، وأن علاقته بأبيه ظلت تتبعه كالغيمة، على الأقل في قصته هذه.

5

في الفصل الأخير يعرّي كافكا التعاطف الإنساني ويجعلهُ مشروطًا. أصبح جريجور عبئًا متزايدًا على الأسرة وحِملًا فوق طاقتهم؛ كان في السابق عائلهم الوحيد، أمّا الآن وقد صار إلى ما صار إليه، أصبح عليهم أن يعملوا ويكدّوا كما كان يكد. انزوى جريجور في مخيّلتهم تحت وطأة الحياة، وشيئًا فشيئًا صارت تلك الحشرة العملاقة همّهم الأكبر. تحوّل العطف إلى شفقة، وتحوّلت الشفقة إلى اشمئزاز، وصار الخلاص من جريجور أملًا مكتومًا يتقاسمه أفراد الأسرة. وفي لحظة الانفجار ستكشف الأخت الموقف دون لبس: "يجب أن نحاول التخلص منه.. سوف يقضي عليكما، أرى هذا قادمًا. إذا كان على الإنسان أن يكدّ في الشغل مثلنا كلنا، فلا يمكنه في البيت أيضًا أن يتحمل هذا العذاب. وأنا أيضًا لم أعد قادرة".

ربما علينا أن نتساءل هل كانت علاقة جريجور بأسرته منذ البداية، حميميةً بالقدر الذي تصوره؟ نعرف على الأقل أنها كانت كذلك مع أخته، فقد رغب في أن يُلحقها بمعهد الموسيقى رغم ما ينطوي عليه ذلك من صعوبات مادية، وانتوى أن يعلن ذلك عشية عيد الميلاد، لكن ما حدث له حال دون ذلك. وماذا عن الأب والأم؟ بالتأكيد أظهر كلاهما عطف متبادل لابنهما، لكنه لم يكن على قدر كبير من الدفء والحميمية. ربما مثلّ لهم جريجور مالاً على الطاولة، ديونا مسددة، وأحياناً ابناً مكدوداً —"ولكن سواء أفراد العائلة وحتى جريجور نفسه تعودوا على هذا الوضع، كانوا يأخذون المال شاكرين، وكان هو يقدمه بسرور، ولكن ذلك لم يولد لاحقاً أي دفء خاص".

في النهاية سيموت جريجور كحشرة، سيلفظ أنفاسه الأخيرة وسط الغبار والظلمة، وحينها سترتاح الأسرة وتشكر الرب، وستكرّس اليوم التالي للراحة والتنزه، فقد زالت مأساتهم الطويلة أخيرًا، وطُويَّ جريجور في النسيان.


هامش:

- جرى الاعتماد على ترجمة د. نبيل الحفار للرواية الصادرة عن مكتبة تكوين بعنوان "التحول". أما رسالة كافكا إلى والده فلها أكثر من ترجمة لكني اعتمدت ترجمة يوسف عطا الطريفي الصادرة عن "الأهلية للنشر والتوزيع" بعنوان "رسالة إلى الوالد".


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية