قِطارُ سِلَعِ الذكرياتِ: ما الذي تقوله اليوميّات عن الكتابة؟

2025-09-12 - Mashaan Al-mashaan

هذا الموقف يقول ليّ إن الكتابة لا تُدين، بل تسأل.

قِطارُ سِلَعِ الذكرياتِ: ما الذي تقوله اليوميّات عن الكتابة؟

مقال مشعان المشعان

مشعان المشعان مؤلف كتاب؛ "الأرض تحت الريح" دار رشم للنشر والتوزيع، وكتاب "ما أحمله معي" عن دار المتوسط الحائز على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.


السابع والعشرون من أغسطس، الساعة التاسعة والنصف مساءً...

قبل زمن طويل، عندما كنت في ماليزيا، ذهبت إلى العاصمة (كوالالمبور) لمقابلة كلاهما، أختي وزوجها، اللذين أتيا إلى هنا للسياحة. كان يومًا رطبًا في أغسطس، ولكنّي استقللتُ سيّارة أجرةٍ إلى محطة القطار (سيردانغ). بعد نحو ست محطات، توقفت عند محطة (ميدفالي)، تجوّلت قليلًا داخل المجمع التجاري لغرض ما. ثم أصدرت تذكرة من آلة الكابينة، توجهتُ بها إلى المحطّة الرئيسيّة (كي إل سي سي). من هناك ركبت القطار المعلّق (LRT) ليأخذني إلى محطة (أمبانغ). عندما ترجّلتُ، قادتني سيارةٌ أخرى، أوصلتني إلى الفندق حيث يُقيمان. من أمام بوابة الفندق، ضممتُهما إلى صدري بشوقٍ كبير، عندما رأيتُهما، وبدأنا بعدها بالتجوال داخل المدينة.

لحظةَ تجوالنا، شعرت بصورة ما بأنّي أفتقد شيئًا. نظرت إلى يديّ وتحسّستُ الجيب الخلفيّ لبنطالي القصير؛ فلم أجد دفتر الغلاف الأسود! كنت قد اعتدت أن أحمل معي دفترًا صغيرًا أدوّن فيه يومياتي -ما أشعر به، لا ما أراه فحسب- في كل مكان أذهب إليه. استولى عليّ إحساس غريب؛ غياب، ربما، ضياع، ليس لدي أدنى شكٍّ في ذلك. إلى حَدٌّ قد لمحَ الزوجُ القلقَ على وجهي. كنتُ شارد الذهن، أسيرُ بجسدي كجثّةٍ بلا روحٍ تُحِسّ، ومتعطّشًا إلى إشارة. أين اختفى؟ هل نسيتُه في السيّارة؟ هل سقط؟ أين؟! أخبرت أختي بقلقي، ثم استأذنت منها لأغادر لدقائق. عجلت في المشي، قطعت الطريق مستعجلًا، وحين استدرت حول الفندق، تساءلت لاهثًا، كيف أصل إلى السائق الذي أوصلني؟ أجاب الحارس الذي يقف بالخارج، تحديدًا من فتح لي الباب عند قدومي: "اترك رقمك، وفي حال عاد سائق الأجرة ومعه ما تبحث عنه، سأتصل بك". رحلت، وأنا أعلم أنه لن يعود.

لم أكفّ عن التفكير، كنتُ مثقلًا بالعجز: "لا، لا، أيُعقل أن يضيع كل ما كتبته! يا للخسارة"... "جزء من مشاعري دُفن في ذلك الدفتر". أرسلتُ إلى أختي أخبرها أنّي سألتقيهم غدًا. لم أستطع أن أكون حاضرًا معهم شعوريًا وأنا بينهم. مُحبَطًا مشيتُ. الوجودُ أَمسى ثقيلًا، كحالِ الجوّ. فجأة بدأتُ أسترجع ما حدث. فطنت إلى أنّي وقفت سابقًا عند محطة (ميدفالي). لا أعرف كيف قادني إحساسي إليها مجددًا. لحظتئذ أسير ذهابًا وإيابًا حول الممرّ الطويل، نظرت نظرة خاطفة على شيء مألوف... كانَ الدفتر! محشورً فوق الكابينة، تمامًا كما تركته. أخذتُ الدفترَ ورصصتُه إلى صدري، كأني طفلٌ فقد أمَّه. كانت الساعة آنئذ تشير إلى الحادية عشرة والنصف ليلًا. المكان خاليًا، إلَّا من بعض المارة يبتسمون نحوي، وكأنهم أدركوا المشهد.

جلستُ على الأرض، عالقًا في محاولة استجماع هذه الذات، بكل ثقل وفراغ، غير مصدّق، كدتّ أن أفقد الدفترَ للأبد. الطقس لم يزل استوائيًا، رشّة مطر أولى تسقط على الشارع، والسيَّارات الرَّائحة والغادية. أرسلت إلى أصدقائي دعوة لعشاء في اليوم التالي، لكنّي بالطبع لم ألبِّ الدعوة؛ كنت قد نسيت من شدة الفرح أنّي مرتبط بعائلتي!

عائدًا إلى الشقة… 

كانت الكراسي شبه خالية. اخترت مقعدًا بجوار باب القطار، وفي يدي الدفتر، أتصفحه بصمت وغاص في نفسي: هل كان يستحق كل هذا العناء والتوتر؟ ألم تكن تلك فرصة مواتية للتحرر من الكلمات؟ من مشاعر لا نريد لها أن تعود؟ من ماضٍ لا نحتاج أن نتشبث به، أتساءل؟ الأكيد؛ هذه كلماتي، مشاعري، كيف يستطيع أحدنا أن يُجرد نفسه من كل هذا ويتخلى عنه؟! أنا أكتب من خلال تفاعلي مع نفسي ومع ما حولي. لا أريد أن يقتصر وجودي على التنقّل بين جدران الجامعة وحجرتي الضيّقة. أريد أن أجرّب كل شعور مختلف، أن أختبر كل إحساس جديد، أن أتفاعل مع الحياة. أكتب من أجل أن أعيد للأشياء فاعليتها بعد أن جمّدها الواقع بفرضياته، وتوقعاته، وأحكامه المسبقة. أكتب للحظات صنعناها يومًا ما، وأتمنى أن أعيشها مرة أخرى، بنفس المشاعر، بنفس الروح. أكتب لأتشبث بالأشياء: بمشاعر أخاف أن تتبدل في لحظة، بموقف قد يتغير، أخاف من تلك اللحظة التي تغادرنا فيها النفوس، وتُفرّقنا المسافات، وتُصيب العلاقات هشاشة، وتتلاشى الذكريات، ويذبل الشوق… أكتب لأتشبث بكل هؤلاء، لأُبقيهم كما هم.

القطار لم يزل يسير ببطء، ولم أصل إلى وجهتي حتّى…

أقلب صفحات الدفتر بالبطء ذاته. هنا خاطرة، وهنا موقف وحكاية، وهنا شوارد وفوائد نسختها من كتب عدة. كنت، في كل موقف أعيشه ولا أستطيع تفسير إحساسي المصاحب له، أذهب إلى الكتب. أبحث فيها عمن يُفصح عما أعرفه دون أن أقدر على التعبير، عمن يقول ما كنت أريد أن أقوله، عمن يعبّر عمّا بداخلي، عن إحساس غامض، أو رؤية ضبابية، فإذا بي أجد فيه نفسي. هكذا علاقتي مع الكتاب: لا أقرأ بحثًا عن معلومة أو نتيجة، بل أقرأ لأفهم نفسي. لهذا أصبحت القراءة عندي لاحقًا مجرد تسلية عميقة، متعة استكشاف، لا للعالم فحسب، بل لنفسي داخله. ليس هناك كتاب جيد وآخر غير جيد، بل هناك كتاب مناسب لحالتك، فما تشعر به هو ما يحدد إن كان الكتاب جيدًا بالنسبة لك. قد تقرأ كتابًا الآن وتشعر أنه لا يضيف شيئًا، لكن، إن مررت لاحقًا بموقف معيّن، واستيقظ شعور مختلف، تجد أن الكتاب ذاته بات مناسبًا، لأنه حاول أن يفسّر لك ما تشعر به، ما تود أن تقوله ولم تستطع أن تُفصح عنه. وهنا يكمن جوهر الكتاب الجيد.

أُلاحظ كيف أن التفاصيل الصغيرة تصبح كبيرة…

أفكّر؛ كيف أحاول أن أستوعب نفسي داخل كل هذه التفاصيل؟! أُريد، كما قال أحدهم: "أن أستوعب الذكريات -بحلوها ومُرّها- وأُرتبها بهدوء، وأفتح نوافذ للحياة كي تدخل منها رياح التجديد، وتحمل لي معاني لم ألتفت إليها، ووجوهًا لم أصادفها من قبل". كان العائق الأكبر أمامي هو: كيف أجمع شتات التفاصيل المبعثرة داخل طيات المذكرات؟ ساءَلتُ أحد المختصين في عالم الروحانيات أن يُرشِدني إلى كتاب في مجال الوعي، فأرسل لي قائلًا: "ببساطة، دع وعيك يتوسّع، وسيصلك الكتاب المناسب، والمعلومة المناسبة لهذه السعة". لقد فعلت ما أوصاني به. اتّسعت على تجاربي السابقة، ووقعت بين يدي عدة كتب استطعت أن أُعيد من خلالها النظر إلى تجاربي، لأربط التفاصيل، ولأفهم نفسي ضمن هذا الإطار… فعلت… ويا ليتني لم أفعل! كنتُ فقط أريد أن أرتّب، أن أُلبس الذكريات ثوبًا بسيطًا، لا أن أستدعيها بكل ما فيها. أردت أن أتذكر فقط ما يُبهجني، لا أن أتوسع في استحضار كل شيء، إلى حدِّ السلبي منها، فتُفسد عليّ حاضري! أُريد أن أُزيح الغبار عن كل ما يُعيق تقدّمي، عن كل ما يسرق مني لحظة الحضور. أريد أن أُحرر نفسي من الكلمات، من قوالب الأفكار، من سجن الأُطر، وأجعل التجربة هي دليلي في كل مرة.

أُريد، أُريد، أُريد... أتنهّد لذلك، والقطار يعبر في صمتٍ أزِيز.

أعود إلى الكتب التي قرأتها، والتي اقتبست منها كثيرًا من كلماتي…

أُلاحظ أن نظرتي لتلك القراءات بدأت تتغيّر. لم يعد النص يمنحني الشعور ذاته الذي منحني إياه أول مرة. أدركت أن النص يظل نصًا، لا يحمل أي معنى بذاته. المعنى يسكن في داخلنا. نحن من نُضفي على النصّ معناه، بما نحمله من مشاعر وتجارب. نحن من نحرك النص، وإلا، فإنه يظل ساكنًا، جامدًا، بلا حياة. لا نقرأ النص بشكل مباشر. بل نقرأه من خلال عدسة أنفسنا: تجاربنا، مفاهيمنا، معتقداتنا، أحكامنا، مشاعرنا. هكذا تتشكّل العلاقة بين القارئ والنص. أما غير هذه العلاقة، فنحن لا نقرأ، بل نُحلّل. نقرأ حرفًا وراء حرف، كلمة وراء كلمة، نبحث عن الفوائد المتناثرة، عن المقولات الجاهزة، لكن لا نقرأ النص كرؤية واحدة متكاملة. أتساءل عن جَذوةِ هذا التغيير؟ وشيءٌ في صدري مُثقلٌ بالحسرة على قسوتي في الجفاء: لماذا عندما نريد أن نبدأ رحلة التغيير، نقطع الماضي تمامًا؟ حتى وإن لم يكن يؤثر على حاضرنا بشيء. نترك كل شيء خلفنا؛ الأماكن التي كنا نرتادها لأنها تذكّرنا بماضينا، نقطع علاقاتنا مع من لا يشبهون حاضرنا، نفصل أنفسنا عن واقعنا لأنه لا يعبّر عن تطلعاتنا وأحلامنا. لطالما فَهم التغيير –كما الكتابة- على أنه صفحة جديدة، علينا بذلك أن نطوي بها صفحة الماضي. لكن؛ قد يكون التغيير هو مجرد اكتشاف تجربة جديدة، مغامرة مختلفة، أو رفض للروتين، وليس بالضرورة لأننا كنّا على خطأ.

أتصفّح دفتر يومياتي من جديد...

أُعيدُ قراءةَ أجزاءٍ منها، وأنا أُريحُ ظهري على الكرسي في الفندق، وشمسُ الظهرِ القادمةُ من الخارج تُضيء الغرفةَ الصغيرة. أستنتج؛ لعلّ السنوات التي قضيتها في ماليزيا شكّلت شخصيتي، ونحتت طباعي. فأنا أميل إلى الأدب الآسيوي، إلى الهدوء داخل التجربة الواحدة. لاحقًا، إلى الأدب الإسكندنافي عمومًا؛ فهو أدب يميل إلى الاسترخاء، دون تعقيدات الحبكة، التي -بالمناسبة- لا أفضلها، ولا أجد نفسي في أدب الإثارة والتشويق والتحولات.

هذا الموضوع يأخذني حيثُ أنا الآن، إلى الرياض. أتذكّر ليلة الأمس التي ذهبتُ فيها إلى جامعة الأميرة نورة، لحضور حفل غنائي عن تقارب الثقافتين: السعودية والكورية. أستطيع أن أستحضر تلك الوجوه، حينما جاء دور العرض الكوري؛ وجوه يغطيها شيء من الملل والتأفف، وما كان ذلك إلا لأن العرض الكوري مكوّن من مقدّمة وموضوع وخاتمة. عرض لا يضعك داخل الحدث مباشرة، إنما عبر سلسلة من التمهيدات الطويلة والهادئة، حتى تجد نفسك فجأة في قلب المشهد، ثم يخرج بك من التجربة بالوتيرة ذاتها التي أدخلك بها: ببطء، بتأنٍ، بسلاسة.

خلافًا للعرض السعودي؛ فهو لا يحتاج إلى كل ذلك، لا تمهيد، لا مقدمات، لا عتبات. ببساطة، تجد نفسك فجأة في صلب الموضوع! وفي تلك اللحظة، ترى الوجوه ضاحكة، متهلّلة، مستبشرة. هذا ما رأيته أنا أيضًا. الكل بدأ يتفاعل مع الرقصة، والأجساد تتمايل يَمنةً ويَسرة. عندها عرفت: أن ما يُحرّك هذا الشعب أكثر، هو الإثارة والتشويق. الموسيقى كانت بمثابة نصٍّ سرديّ. أما أنا، فقد وجدتُ روحي تتفاعل مع العرض الكوري.

خرجتُ من الفندق، طقس الرياض ساكن وحارّ، مشيتُ عبر الأسفلت، إلى المترو ذي المسار الأزرق، قعدتّ على الكرسي ساكنًا، متأملًا صفحات مفكّرتي. بعض تلك المواقف والأحداث اليومية لم أجد لها تصنيفًا واضحًا، وبعضها يقودني إلى استلهام طريقة السرد في الكتابة. لديّ اعتقاد بأن نظرتنا إلى العالم هي التي تحدّد الطريقة التي نكتب بها. تلك المشاهدات، في جوهرها، كانت تمهيدًا لما يمكن أن يكون عليه شكل الكتابة لاحقًا.

*

سقوط الصورة النمطية

هل الكتابةُ عمليةٌ تصنيفية؟

في فترة من الفترات، لا أعلم كيف تكوّنت هذه الصورة في ذهني: أن الآخر ماديّ بحت، لا يفهم سوى لغة المصلحة والمكاسب، ولا يقدم أي خدمة دون مقابل. ذات يوم، حين خرجت من أحد المقاهي، وأردت تشغيل محرك السيارة، فإذا به لا يعمل. حاولت مرارًا، ولكن بلا جدوى. رآني أحد المارة، وأخبرني بوجود ورشة صغيرة في السرداب أسفل البناية. نزلت إلى المواقف، وفي أحد الأركان، وجدت ورشة متواضعة يعمل فيها رجل وزوجته. أخبرتهما بالمشكلة، فأحضرا سيارتهما، وحاولا تشغيل سيارتي باستخدام بطاريتهم. مرة… مرتان… إلى حدِّ أن اشتغلت أخيرًا. سألتهم: كم التكلفة؟ فقال لي الرجل بابتسامة: "لن نأخذ منك مالًا، هذه مساعدة منا لك". شكرتهم على لطفهم، ومضيت ممتنًا لما حدث.

وفي موقف مشابه، لكن في مكان آخر، حدث الأمر ذاته. كنت أخرج من مقهى آخر، وفي طريقي إلى المنزل تعطّلت سيارتي مجددًا. أوقفتها على جانب الطريق، وحاولت أن أكتشف المشكلة، لكن دون جدوى. ازداد غضبي، فسيارتي كثيرًا ما تتوقف فجأة دون سابق إنذار، وتتسبب لي بالإحراج والتأخير عن دوراتي الدراسية، وأحيانًا في التغيب عنها. كنت في قمة التوتر، أبحث عن أي حل. ظللت هكذا إلى حدِّ أن توقفت سيارة أمامي. كان من فيها هو نفس الرجل وزوجته!

ضحك عندما رآني، وقال ممازحًا:

– عليك أن تبيع سيارتك!

ثم سألني:

– ما مشكلتها الآن؟

أجبته:

– لا أعلم، توقفت فجأة.

فتح غطاء المحرك، وبحركة بسيطة من يده، اشتغلت السيارة على الفور. فرحت كثيرًا، وقلت له:

– كم أُعطيك؟

فقال:

– لا شيء.

شكرته مرة أخرى على لطفه ومبادرته الكريمة.

في عالمٍ كثيرًا ما نقسمه إلى أبيض وأسود، خير وشر، مع أو ضد، ننسى أن الحقيقة أكثر تنوعًا وتعقيدًا.

مثل هذا التبسيط تجذّر في وعينا منذ الطفولة عبر القصص والأفلام، حدِّ أن أصبحنا نحكم على الناس والأفعال بمنطق الثنائية الحادة. الكتابة فن لنسف الحدود الجاهزة. الكتابة لا تحب الأقفاص، ولا تهوى النظام الصارم، إنها تُراوغ التصنيف. حين يكتب الكاتب لا يكتب ليضع الأشياء في صناديق، بل ليكسرها أحيانًا. هذا ما تجلّى لي خلال الموقف، وحملني على أن أتساءل دائمًا: هل نكتب لنَبني خارطةً واضحة؟

*

رحلة أعادت تعريف الاستقامة

قررتُ فجأة أن أقضي إجازتي في جزيرة "صباح". وها أنا ذا أجد نفسي أحلّق فوق أراضي هذه الجزيرة، التي قيل لي إنها الأجمل في هذا البلد؛ لطبيعتها الخلّابة، وبساطة أهلها، وصفاء بحرها، والأهم من ذلك، أنها تضم أعلى قمة جبلية في البلاد: قمة كوتا كينابالو. هبطت الطائرة. استقللتُ سيّارة أجرةٍ من أمام بوابة المطار، أوصلني بعدها إلى فندق متواضع ورخيص.

في اليوم التالي، بدأت جولتي بالتجول في المدينة والتعرف عليها. ثم قررت في اليوم الذي يليه أن أزور سلطنة بروناي، المعروفة "بدار السلام". أخذت (فيري) من جزيرة صباح إلى جزيرة لابوان التابعة لولاية صباح، ومن هناك كنت أنوي أن أركب (الفيري) مجددًا للذهاب إلى بروناي. لكن حين وصلت إلى الجمارك، لم يُسمح لي بالدخول، بحجة أنّي لا أملك تأشيرة. لم أكن أعلم أن الدخول إلى الدولة يتطلب فيزا.

عدت أدراجي إلى لابوان، وقررت أن أمكث فيها وأتعرف على المدينة. حجزت فندقًا هناك. وقبل غروب الشمس، وبينما كنت أخرج من غرفتي في نية التجوّل، قابلت فتاة تعمل في الاستقبال. سألتها عن الأماكن السياحية في المدينة، فأخبرتني ببعضها، ثم سألتني:

– من أين أنت؟

– أنا عربي.

– عربي؟ يعني من مكة؟!

– نعم.

– أريد أن أذهب إلى مكة، وعندما أعود سأعاهد نفسي أن ألتزم بالحجاب!

كانت غير محجبة.

في تلك اللحظة، أدركت أن مفهوم الاستقامة يختلف من مجتمع إلى آخر.

في هذا المجتمع، كثيرًا ما تسمع أحدهم يقول: "حاجّ وتعصي الله؟!". لأنهم يرون في الحج نقطة تحوّل، وبعده يلتزمون بالقيم والتدين، وكأن البداية لا تكون إلا من هناك، من مكة. أن الإيمان ليس قالبًا واحدًا، بل قصة تتشكّل داخل كل فرد على طريقته، وفي زمنه. لهذا؛ الكتابة تعلّمنا ألّا نكتفي بالفهم، بل أن نندهش. إن الكتابة لا تنظر إلى الأشياء كما نراها نحن فقط، بل تحاول أن تراها كما يراها الآخر، بعيونه، ومفاهيمه، وتاريخه. إذا أردنا أن نكتب عن مشهدٍ ما، فعلينا أولًا أن نفهمه من الداخل، لا من خلال مفاهيمنا الخاصة. وبهذا نتحرر من التحيّز الواضح. الكتابة لا تبحث دائمًا عن لحظات عظيمة، بل تلتقط تلك اللحظة الصغيرة التي تُشعِل داخلنا وعيًا جديدًا، أو تُبدّل نظرتنا للعالم، أو تُعيد تعريف مفردة ظننا أننا نعرفها جيدًا.

ما زلتُ لا أريد أن أرفع عيني عن الصفحة...

*

حين امتلأ المسجد بالدخان

هل تحكم الكتابةَ المنطقُ؟

حينما أردتُ ذات يوم أن أذهب لأداء صلاة الفجر في المسجد، والذي كان يقع خلف العمارة السكنية التي أقطن بها، أذكر أنّي سمعت الأذان وقتها، فنهضت من فراشي على الفور، ودخلت دورة المياه لأغتسل وأتوضأ، ثم نزلت من البناية مسرعًا بخطى متعجلة نحو المسجد. لم أدرك الصلاة إلا في ركعتها الأخيرة. وحين سلّم الإمام، وقفت لأُكمل الركعة الثانية بمفردي، ثم سلّمت يمينًا ويسارًا. وبعد أن أنهيت صلاتي، التفتّ خلفي… وماذا رأيت؟!

كانت دهشتي عظيمة حين رأيت كل من كان في المسجد قد جلس في زواياه، وكل واحد منهم أشعل "سيجارة" وبدأ ينفث الدخان منها حدِّ أن امتلأ المكان برائحة التبغ! لم يكونوا صغارًا، بل كانوا رجالًا بالغين، وكان من بينهم اثنان طاعنان في السن!

حقًا، لم أستوعب ما حدث. عقلي لم يعتد مثل هذا المشهد، ولم يعرف كيف يتعامل معه. كان الموقف صادمًا لي، ولم يزل إلى الآن عالقًا في ذهني، كأنّي أعيشه من جديد. بعد ذلك المشهد، عليّ ألا أنطلق بما هو واضح ومباشر، وأن أُجرّد العلاقة بيني وبين الموقف أمامي، من دون أن أُفلتره بما نحمله من قيم ومبادئ، كي لا أقع في فخّ الإسقاطات الجاهزة والمسبقة.

أدركت أن الناس لا يحكمهم المنطق دائمًا. قد يعرفون حرمة ما يفعلونه، سواء كان كذبًا، أو رشوة، أو زنا، وقد يعلمون أن ذلك خطأ ويتنافى مع العقل، تمامًا كما كان حال المدخنين في المصلى. لكن في النهاية، نُدرك أن مخاوف الناس، ورغباتهم، وطموحاتهم، غالبًا ما تكون بلا حدود. ولهذا، تعوّد كثير منهم على تجاوز القيم التي يؤمنون بها، وإيجاد نوع من التكيّف معها. تمامًا مثل أن يقول أحدهم: "أنا ربّ أسرة كبيرة، ومرتبي لا يكفيني، ومن حقي أن أقبل الرشوة حتّى أطعم أولادي وأعلمهم". هكذا، يصبح التبرير أداةً يتصالح بها الإنسان مع ما يخالف ضميره، فيعيش في صراع داخلي مستمر، بين ما يعرفه حقًا، وما يسمح لنفسه بفعله. الكتابة تتغذّى على هذا الصراع.

*

ألفا دولار وثمن الوعي

هل مهمة الكتابة أن تُقارع اليقينيات والمطلق، أم أن تتلمّس المتغيّر والعابر والهامش؟

في نهاية السنة، حين قررت العودة إلى مقاعد دراسة اللغة لتطوير مستواي من جديد. كان المعهد يعجّ بالفتيات من مختلف الجنسيات، ولا أعلم كيف اجتاحتني في تلك الفترة نزعة استهلاكية مفاجئة، وكأنها محاولة لتعويض نقص داخلي… نقصٌ في تقبّل الذات. إحساس غريب باغتني، لم أفهمه تمامًا، لكن ما كنت أعلمه وقتها أنّي أنفقت ما يقارب 2000 دولار على ملابس وأحذية فقط لأبدو بمظهر أنيق، لأشعر بأني أكثر أهمية، وأكثر حضورًا في المكان. 

لم أستفق من هذه الغفلة إلا على مشهد أعادني إلى صوابي…

كنت جالسًا في الفصل بجانب فتاة جميلة، وفي نهاية الحصة بدأنا نتبادل أطراف الحديث. انتشيت بكلماتها، بجمالها، بابتسامتها العذبة، وانغمست في لحظة شعرت فيها بنوع من الانجذاب والافتتان. وبينما نحن كذلك، تقدّمت فتاة أخرى نحونا، وقفت أمامنا، ثم قدّمت لمحدّثتي ورقة صغيرة.

سألتها تلك الفتاة: "ما هذا؟".

فأجابتها الأخرى بهدوء: "هذا تعريف بالإسلام".

ربّاه…

كل ما بنيته خلال أربع سنوات من السعي نحو الوعي، وتثبيت الرؤية، والمحافظة على القيم… شعرت في تلك اللحظة أنه تبخّر، أو كاد أن يتلاشى. نسيت نفسي! أدركت حينها أن الوعي ليس حالة ثابتة، بل هو معركة مستمرة، وأن الغفلة قد تداهمك في لحظة، فتزيحك عن الطريق دون أن تشعر.

وكذلك، وضوح القيم ورسوخها في عقول الناس ونفوسهم، لا يكون دائمًا بالدرجة التي نرجوها. لذا، حين أكتب، لا أميل إلى الثابت، بل أنجذب إلى كل ما يقبل القسمة على اثنين؛ إلى المتحوّل، القابل للتأويل، المتروك على حافة الاحتمال. في الكتابة "على المرء ألَّا يُمسك بما هو دائم، وإنَّما بما يكون مُتحوِّلا" (دافيد لوبروطون). ولهذا، نادرًا ما أُطلق الأحكام في كتابتي، بل أفضل أن أترك القارئ في منطقة ظلال، في مساحة شكّ يتساءل فيها:

هل حدث هذا حقًا؟ هل ما أقرأه صدقٌ أم وهم؟ أهو واقع يُروى، أم خيال يتنكر بثوب الحقيقة؟

تلك اللعبة مع القارئ، ذلك التوتر الخفي بين القول واللايقين، هو ما يُلهمني ويشدّني إلى الكتابة. لكن ليس الجدل الذي يستدعي المحاكمة، ولا الذي يُجبر القارئ على أن يضع النص تحت مشرط الصواب والخطأ، الحلال والحرام، الأبيض والأسود. حينئذ، أشعر أنّي قد جرّدته من حقّه في التخيّل، وأثقلت عليه بالمطلق، وادّعيت عليه الحقيقة.

*

أربع ساعات بيني وبين الموت

في تلك الليلة، داهمني وجع شديد في بطني. ظننت في البداية أنه بسبب الجوع. كانت الساعة تشير إلى الثالثة قبيل الفجر، ومنزلي آنذاك يبعد مسافة ثلاثة كيلومترات تقريبًا عن أقرب مطعم أو بقالة. هناك، في ذلك المكان البعيد، كانت توجد بقالة (7/11)، وكنت أعلم أنها تفتح على مدار الساعة، ولهذا عزمت على الذهاب إليها.

خرجت من المنزل متوجسًا، أتحسس الطريق يمنةً ويسرة، خائفًا، مرتعبًا. كنت أمشي على قدمي، والكلاب في البيوت المجاورة تنبح من خلف الأسوار، مما زاد اضطرابي وخوفي. وبينما أنا على هذا الحال، رأيت من بعيد دراجة نارية تقترب نحوي، فكدت أركض عائدًا إلى المنزل، ظننت أنها تابعة لعصابة ما. لكن حين اقتربت أكثر، بدأت ألاحظ ملامح سائقها ولباسه، فعلمت أنه من رجال الأمن الذين يحرسون الأحياء السكنية.

أوقفتُه، وطلبت منه أن يوصلني إلى بوابة الإسكان، إذ كانت المسافة من هناك إلى المحلات والدكاكين لا تتجاوز الخمسمائة متر. لبّى طلبي مشكورًا، وعندما أنزلني عند البوابة أكملت الطريق مشيًا. دخلت البقالة، واشتريت ما يسدّ الجوع، لكن المفاجأة أنّي كلما أكلت لقمة، شعرت بسكاكين تغرس في بطني، فيزداد الألم.

انتهيت من الطعام، وخفّ الوجع قليلًا، لكنه لم يلبث أن عاد أشدّ من قبل. عندها، أيقنت أن الأمر ليس جوعًا، فتوجهت إلى مطعم "ماكدونالدز"، وجلست على الكرسي في الخارج، أنتظر حلول وقت الدوام في المعهد الإنجليزي، كي أتصل بصديقي ليأخذني إلى العيادة. لم أرد أن أكون وحدي في هذا الوقت العصيب، فالناس نيام، وأنا أخاف أن أسقط على الأرض دون أن يكون هناك من يحملني إلى المستشفى، خاصة أنّي كنت أعيش بمفردي.

أربع ساعات من الانتظار، كانت كأنها الحد الفاصل بيني وبين الموت. كنت أقبض على بطني بشدة، الألم يعصرني ثم يخفّ، ثم يعاود الكرة. أربع ساعات متواصلة وأنا على هذه الحال، ومع كل دقيقة يزداد هاجس الموت، فأشعر أنّي أزداد مرضًا.

حين اقترب وقت الدوام، اتصلت بصديقي وأخبرته بما بي، فقال إنه سيأتي ونلتقي في المعهد. سبقتُه إلى هناك، وهناك قابلت أحد العاملين في الكافتيريا، جلست معه ولاحظ ملامحي المتعبة. سألني: "مالك؟"، فقلت له: "بطني تؤلمني"، فقال لي مباشرة: "يمكن عندك الزائدة". ثم أردف محذرًا: "انتبه لا تنفجر في بطنك فتموت! اذهب إلى المستشفى فورًا".

ازددت خوفًا وارتباكًا، وقلت له: "إن شاء الله سأذهب، لكن سأنتظر صاحبي إلى أن يصل". وحين وصل صديقي، سألني هو الآخر، فأخبرته. فقال مطمئنًا: "لا عليك، بسيطة"، فقلت له: "أخاف أن تكون (الزائدة)!"، فأجاب: "ابعد عنك الوسواس"، ثم جلس يفطر بهدوء، بينما أنا أقف أمامه ممسكًا بطني من الألم. وبعد أن أنهى فطوره، قال: "هيا نذهب إلى العيادة".

دخلنا على الطبيب، وشرحنا له حالتي. فحصني، وطمأنني أن الأمر بسيط، لا زائدة ولا مرض خطير، بل مجرد ألم ناتج عن كثرة تناول الوجبات السريعة المليئة بالزيوت. وهنا تذكرت فعلًا! لقد كنت أتسحّر وأفطر طوال شهر رمضان في مطعم "ماكدونالد".

ماذا تُخبرني هذه الحكاية عن الكتابة؟ أتساءل، وقطار الرياض يمضي نحو المحطة الأخيرة، حيثُ المركز المالي. أرى الوجوه عبر النافذة تمرّ، ثم تتلاشى تدريجيًا. العمارات والشوارع الفرعية تبتعد. أراقبها، وأشعر أن الكتابة تشبه هذا القطار؛ في بعض الأحيان نكتب لنلتقط لحظة الرحيل، وأحيانًا أخرى لنؤجّل الوصول. نكتب لنفهم ما حدث، وأحيانًا لنمنح ما لم يحدث فرصةً ليكون.

هذا موضوع آخر. دعونا الآن نرجع إلى الحكاية. من أين تنبثق التجربةُ الكتابية؟ من منطقة الأمان؟ أو حين تكون معلقًا بين الحياة والموت؟ من البطولات العظيمة؟ أم من التفاصيل الهامشية؟ 

أربع ساعات من الانتظار، لا أحد حولك سوى احتمالاتك، والخيال دائمًا أكثر قسوة من الواقع. وهكذا هي الكتابة حتّى، تحملك إلى أماكن لم تكن تتوقعها، تضعك في مواجهة نفسك، وتجعلك تسأل: "هل هذا مجرد جوع؟ أم شيء أعمق؟". ثم تأتي النهاية: "ليست الزائدة، بل عادة سيئة، تتكرر كل يوم".

وكأن القصة تهمس لنا: ليست كل الكتابة اكتشافًا عظيمًا، لكنها أحيانًا مرآة لعاداتنا، لأخطائنا الصغيرة، لما لم نرَه في زحمة الأيام. هذه الحكاية تقول لنا إن الكتابة ليست دائمًا عن البطولات، بل عن التفاصيل الهامشية التي تصبح، في لحظة صدق، بؤرة المعنى.

القطار يوشك أن يقترب من محطّته النهائية، ولا يزال الدفتر مفتوحًا في يديّ، وعيناي لا تزالان مثبّتتين على هذه الصفحة...

*

حين صدمتني العادة

كانوا يسكنون في الغرفة المجاورة لغرفتي، وكنا زملاء في الفصل نفسه. ذات مساء، طرق أحدهم بابي، ففتحت، فإذا به جاري الكوري. سألني إن كنت أرغب في لعب كرة القدم معهم، فأجبته بكل حماس: "بكل تأكيد".

ذهبنا معًا إلى الملعب، ولعبنا لساعتين تقريبًا، ثم عدنا إلى السكن. جلست معهم لبعض الوقت في غرفتهم قبل أن أعود لغرفتي. كانت الغرفة تضم أربعة أشخاص، وبعد لحظات، بدأ كل واحد منهم يخلع ملابسه بالكامل استعدادًا للاستحمام.

تسمرت في مكاني، فاغر الفم، مذهول النظرات من المفاجأة. حدثت نفسي: "هل تعاهدوا معاً على شخصي؟!".

بدأت أشعر بالخوف، ونظري يتجه نحو الباب. فكرت في الهرب، لكن ماذا لو كان الباب مغلقًا؟ هل أصرخ؟ هل أستنجد؟ وماذا لو تجرأوا واقتربوا مني؟ استغفرت الله في داخلي مرارًا.

لم يكن بوسعي أن أقاومهم إن وقع شيء، فهم ضخام الجسد، أشبه بالعمالقة!

وفجأة، رأيتهم يتجهون جميعًا إلى دورة المياه، ليستحموا سويًا. أصابني الذهول مجددًا: "لماذا يفعلون ذلك معًا؟ ما الذي يحدث؟ هل هذا أمر معتاد في ثقافتهم؟".

لكنني قطعت على نفسي سيل الأسئلة، وقلت: "لا يجب أن أتمادى في دهشتي أو أحكامي". ثم بهدوء، نهضت واتجهت إلى الباب، وخرجت عائدًا إلى غرفتي.

لاحقًا، أخبرني بعض الأصدقاء ممن سبقوني إلى هذا السكن، أن الكوريين -زملائي- اعتادوا فيما مضى أن يتنقلوا في الممرات عراة عند انتقالهم من غرفة إلى أخرى بين أبناء جلدتهم، إلى أن اشتكى بعض السكان من ذلك للإدارة، ومن يومها بدأوا يلتزمون باللباس داخل السكن.

في لحظةٍ عابرة، حين يخلع الآخرون ملابسهم أمامك دون أن يروا في ذلك شيئًا غير مألوف، تُواجَه فجأة بسؤال:

"من أنا وسط هذا العالم؟ وهل عليّ أن أُدين، أم أن أتعلم أن أرى؟".

إن الكتابة ليست دائمًا وليدة لحظة جمال أو إلهام، بل قد تولد من لحظة ارتباك، من غرفةٍ صغيرة يخيّم عليها الصمت والذهول، من شعورك بأنك غريبٌ وسط أناسٍ لا يرون الغرابة فيما يفعلونه. 

هذا الموقف يقول ليّ إن الكتابة لا تُدين، بل تسأل. تحاول أن تفهم لماذا يفعل الناس ما يفعلونه، ومتى يصبح "المألوف" مجرد وجهة نظر.

الكتابة ليست أداة توثيق فحسب، بل وسيلة فهم، ومحاولة للعبور من الذات إلى الآخر، دون عنف أو تسرّع.


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية