أندري جورباتشيك: لِمَ هولواي؟

2025-08-22 - Hussein Elhajj

الرأسمالية نظامٌ من التماسك الاجتماعي القاتل لكنه ضعيف، قائم على العمل المجرد، ومبني على عملية مزدوجة من تجريد فعلنا الإبداعي وتحويله إلى عمل، وتصنيف ثرائنا في هويات.

لِمَ هولواي؟

كتابة أندري جورباتشيك*

ترجمة حسين الحاج

* أندري جورباتشيك:  أناركي يوغوسلافي مقيم في الولايات المتحدة، يعمل بوصفه الرئيس المؤسس لقسم الأنثروبولوجيا والتغيير الاجتماعي في معهد كاليفورنيا للدراسات التكاملية، ورئيس التحرير لمجلة أبحاث النظم العالمية.

هذه مقدمة كتاب "داخل الرأسمالية وضدها وتجاوزًا لها: محاضرات سان فرانسيسكو" الصادر عن دار بي إم برس PM Press في عام 2016. العنوان والخاتمة "لِمَ هولواي؟" هي إشارة مرحة إلى فصل هولواي "لِمَ أدورنو؟" في كتاب السلبية والثورة: أدورنو والنشاط السياسي من تحرير جون هولواي وفرناندو ماتاموروس وسيرجيو تيشلر.


جون هولواي

يُعدّ نقد التفكير الإيجابي أمرًا خطيرًا في كاليفورنيا، لا سيما إذا انتقدته في قاعة محاضرات تُدعى قاعة ناماستي (السلام). ورغم ذلك، كان هذا بالضبط ما فعله جون هولواي في هذه المحاضرات الثلاث الممتعة التي أُلقيت في معهد كاليفورنيا للدراسات التكاملية في أبريل 2013، حيث رحب به الطلاب والنشطاء، واختلفوا معه، وشاركوا بحماس في إحدى أكثر اللقاءات الفكرية الخالدة التي نظمها قسم الأنثروبولوجيا والتغيير الاجتماعي هناك.

في هذه المقدمة، سأناقش طبيعة ماركسية جون هولواي ومكانتها في النظرية المعاصرة المناهضة للرأسمالية، وسأركز على أربعة محاور رئيسية في فكر هولواي.

المحور الأول هو الجدل أو الديالكتيك، فمثلما أشار روي باسكار والواقعيون النقديون، يمكن تفسير كل تقليد فلسفي غربي على أنه مواجهة بين موقفين مختلفين تمامًا. يصر الموقف الأول، الذي قدّمه بارمنيدس، يُصرّ على الثبات الظاهري للموضوعات، وبذلك فهي ثابتة ومحصنة ضد التغيير. أما الموقف الآخر فهو الموقف الهرقليطي الذي يرى الموضوعات بوصفها أنماطًا من التغيير. فالعالم في حالة تدفق مستمر، خالٍ من الأشياء الجامدة. بالنسبة إلى هولواي، كما هو الحال بالنسبة لأدورنو، فإن "التفكير يضع في اعتباره إمكانية تكمن في الموضوع". الموضوعات، أو العناصر التأسيسية، في حركة مستمرة، وفكرنا يقاوم «كون الأشياء مجرد كائنات قائمة بذاتها». يعتبر فكري هيجل وماركس أشهر الأمثلة على الفكر الذي يرى الموضوعات باعتبارها عمليات والمجتمع بوصفه يتأسس من الفعل. سنتحرى الدقة إذا قلنا أن فكر هولواي يترسخ في التقليد الجدلي، وهو بالفعل يحاجج بصبر أنه من المهم نظريًا وسياسيًا الدفاع عن الجدل. وفي الوقت نفسه، سنخطئ بالقدر نفسه إذا توقفنا عند هذا الحد، لأن الجدل عند هولواي غير مماثل للجدل عند هيجل، وهو يعرف مشروعه السياسي والفكري من خلال محاولة تطوير أفكاره عن الجدل المفتوح والسلبي.

بعد سقوط التجارب الاشتراكية، رفض كثير من الماركسيين، ولا سيما في العالم الناطق بالفرنسية، اليقين العقائدي للفكر الإيجابي، وأعلنوا رفضهم للتفكير التوليفي الانغلاق واليقين، وكان رد الفعل هذا معقولاً تماماً، فقد كان احتجاجاً فكرياً وسياسياً على الفكر الرسمي للحزب الشيوعي الفرنسي. قام الجيل الجديد من ماركسيي ما بعد ثورة 1968، من بينهم دولوز وجاتاري وفوكو ونيجري، بما بدا وكأنه انتقال معقول من هيجل إلى سبينوزا، وهو انتقال من التناقض إلى الاختلاف. وتخلّى هذا التيار ما بعد البنيوي عن الكليات المتسقة والمقولات المجردة والذوات الثورية المتجانسة. وبذلك يزعم هولواي أنهم تطرفوا كثيرًا، حيث تخلصوا من الإيجابي والسلبي معًا. وكما أشار هولواي، فإن قلقهم الفكري له ما يبرره تمامًا عندما يتعامل المرء مع التوليفة الموحدة أو الإيجابية ويتجسد "التناقض" الشهير في المفهوم الإيجابي للطبقة العاملة. تتمثل المفارقة الكبرى، كما واصل هولواي طرحها في عدة كتب مهمة (غير العالم بدون الاستيلاء على السلطة في 2005 وصدع الرأسمالية في 2010)، هي أن التطرف في رفض الجدل أدى بهؤلاء المنظرين أنفسهم إلى وضعانية جديدة للفكر وإلى العودة إلى الانغلاق التوليفي. تطابق نظرية الاستقلال الذاتي أو ما بعد العمالية الجديدة، التي انبثقت مع الحركة المناهضة للعولمة وتتجلى في أعمال أنطونيو نيجري ومايكل هارت ومجموعة كوليكتيفو سيتواسيونيس في بوينس آيرس بالأرجنتين، كل أشكال الجدل مع التقليد الهيجلي التوليفي، وهذا بدوره له عواقب سياسية خطيرة، فبدلاً من التفكير المفتوح الذي يحتفي بأهم أفكار ماركس، وهي أن العالم يتألف من عمليات وأفعال لا من موضوعات منفصلة وقابلة للفصل، تبنت هذه الوضعانية الجديدة كليات جديدة (مثل "الإمبراطورية" و"الجمهور")، مما ساهم في تقديم الدعم للأحزاب السياسية والحكومات الاشتراكية.

ولهذا السبب، بدلًا من رفض التفكير الجدلي، يدعونا هولواي إلى إعادة تعريفه وتطويره بشكل أكبر، حيث ترتكز ماركسيته على شكل آخر من أشكال المنطق، منطق يؤكد على الحركة وعدم الاستقرار والنضال. إنها حركة فكرية تؤكد على ثراء الحياة وخصوصيتها (اللاهوية)، و"السير في الاتجاه المعاكس"؛ أي الابتعاد عن الاستغلال والهيمنة والتصنيف، فبدون تفكير متناقض في المجتمع الرأسمالي وضده وخارجه، يصبح رأس المال مرة أخرى موضوعًا مجسدًا، شيئًا، وليس علاقة اجتماعية تدل على تحول النشاط المفيد والإبداعي (الفعل) إلى عمل (مجرد). وحده الجدل المفتوح، وهو تفكير صحيح لعالم خاطئ، وتفكير غير وحدوي بلا ضمانات، قادرين على مساعدتنا في نضالنا المتناقض من أجل عالم خالٍ من التناقضات.

المحور الثاني في عمل هولواي هو فكر الاستقلال الذاتي الإيطالي بشكل عام، وماريو ترونتي على وجه الخصوص. في مقاله المؤسس «لينين في إنجلترا» (1979): «نحن أيضًا اشتغلنا بمفهوم يضع التطور الرأسمالي أولًا والعمال ثانيًا. وهذا خطأ. واﻵن يجب أن نعيد المشكلة على عقب، ونعكس القطبية، ونبدأ مجددًا من نقطة البداية، وهي الصراع الطبقي للطبقة العاملة». كان هذا الانقلاب الشهير في علاقة رأس المال بالعمل هو الذي حدد مشروع الاستقلال الذاتي المبكر. تقول الحجة إنه لكي نفهم الرأسمالية فهمًا صحيحًا يجب علينا أن نبدأ من نضالات الطبقة العاملة. تتطور الرأسمالية في الحركة المستمرة للتركيب وتفكك التركيب وإعادة التركيب، وهذا يعني أن الأشكال الجديدة من التنظيم الاجتماعي ليست نتائج حتمية لانبثاق العقلانية الرأسمالية. المشكلة هنا، مثلما يجادل هولواي، هي أن العديد من مفكري ما بعد الاستقلال الذاتي، بما في ذلك أنطونيو نيجري وباولو فيرنو، أضاعوا الانقلاب الترونتي. طور هؤلاء المنظرون بدون التفكير السلبي نهجًا نموذجيًا يركز على تحليل الهيمنة. وهذا، من وجهة نظر هولواي، استقلال ذاتي إيجابي، وتعد الماركسية هنا نظرية لإعادة هيكلة الرأسمالية، وليست الماركسية بوصفها نظرية للأزمة، فالذات الثورية الجديدة، وهي الجمهور، ذات هوياتية مستنبطة من علاقات الهيمنة. لذلك يدعو هولواي إلى الاستقلالية السلبية والتحليل الثوري الذي لا يكون جامدًا ومجمدًا في عالم العمل المجرد.

إن الانقلاب الترونتي له أهمية قصوى في فتح أفق الماركسية الكلاسيكية، لكنه لا يقطع سوى نصف الطريق. أما النصف الآخر، فيُقدّمه كتاب أدورنو "الجدل السلبي" (1990). قد يبدو هذا غريبًا بعض الشيء؛ فجون هولواي معروف بتفاؤله اللامحدود والمُعدي ونثره الثوري الحالم، ولا ينفصل أبدًا عن النضال الاجتماعي والسياسي، ودائمًا ما يبحث عن تصدعات في عالم رأس المال والسيطرة. من ناحية أخرى، يُعتبر أدورنو عادةً مثقفًا نخبويًا: نموذجًا للفيلسوف المُستقيل، والمُنظّر المتشائم ذو الأسلوب الغامض المعروف، الذي كان له عادة سيئة في استدعاء الشرطة لطلابه. لكن بالنسبة لهولواي، فإن الإرث النظري لثيودور أدورنو أكثر عمقًا وتفصيلًا. فبفضل أدورنو يصبح من الممكن بناء نظرية ثورية تضع مفهوم وحركة اللاهوية (الخصوصية) في المقام الأول. فلا يكفي وضع الطبقة العاملة محل رأس المال ونترك الهوية على حالها. هنا يتجلّى الفكر السلبي أو النقدي كضرورة لا غنى عنها. الجدل السلبي هو أنطولوجيا للحالة الخاطئة للأشياء. "فالحالة الصحيحة للأشياء ستكون خالية من ذلك: لا نظام ولا تناقض".

أما قصدُ أدورنو هو "استعمال قوة الذات من أجل اختراق مغالطة الذاتية المؤسسة –هذا ما شعر المؤلف بأنه مهمته مذ وثق في دوافعه العقلية" (1990: xx). الجدل هو نضال ضد الهوية، ومنطق لا يليق بذات سلبية موجودة داخل رأس المال وضده وتجاوزًا له. الجدل، المتحرر من التراث الوضعاني، هو نفي بلا تركيب، وحركة إبداعية ضد الهوية، وتدفق فكري يضع اللاهوية في مركز التحليل: "الجدل هو الشعور الثابت باللاهوية". هذا هو العنصر الرئيسي (الثاني) في فكر هولواي. فالطبقة العاملة تتمرد على الرأسمالية —فتشكل أزمة الرأسمالية— لكن أيضًا ضد نفسها. وتتحول هذه الذات السياسية المفتوحة، أي الطبقة العاملة، تصبح "نحن" جامعة ومتناقضة، قوة إبداعية ذات "شعور ثابت باللاهوية". إن التفكير ضد (الذاتية المؤسسة) والفعل ضد (العمل المستلب) يرفضان الهوية ويفهمان الصراع الطبقي كثورة سلبية دائمة: انفجار للإبداع الإنساني (وهو ما كان ماركس يأمل حقًا في التعبير عنه بذلك المصطلح المثير للجدل: "قوى الإنتاج"). إذن، تمثل النظرية الثورية نقد لجوهر الفكر البرجوازي ذاته، نقدًا موجهًا ضد تلك المقولات في الاقتصاد السياسي التي تخفي الصراع بين العمل المجرد والفعل البشري المبدع (والمتناقض). وبمساعدة أدورنو، يكتمل الانقلاب. فترونتي يحتاج إلى سلبية أدورنو، وأدورنو يظل ناقصًا دون إبداع ترونتي. فما من استقلالية ذاتية (autonomism) متسق بلا نظرية نقدية، ولا نظرية نقدية فعّالة بلا مشروع استقلال ذاتي في صلبها.

المحور النظري الثالث في كتابات هولواي هو حجة اشتقاق الدولة (state derivationist). ولعلّ مدرسة اشتقاق الدولة الألمانية هي الأقل شهرة بين جميع المشاركين في عالم النقاشات الماركسية حول الدولة في سبعينيات القرن العشرين، لعبت دورًا مهمًا في التكوين الفكري لهولواي. وكان هولواي وبيتشيوتو (1978) أول ماركسيين يقدّمان هذا التيار النظري المهم إلى العالم الناطق بالإنجليزية. كانت الأطروحة الرئيسية لمدرسة الاشتقاق هي أن السؤال المحوري في أي نقاش حول الدولة يجب أن يكون الشكل الذي تتخذه ("تحليل الشكل"). إنّ استقلالية الدولة وهم، لأنها ليست مستقلة عن رأس المال وعمليات التراكم. الدول علاقات وأشكال تنظيمية خُلقت لإعادة إنتاج رأس المال. وتمثّلت المساهمة النظرية الكبرى لمدرسة الاشتقاق في تذكير الماركسيين بأن أي مقاربة للدولة يجب أن "يستند إلى جدلية شكل الصراع الطبقي ومضمونه". تأثر هولواي بشكل خاص بتأكيد يواكيم هيرش على اعتبار الدولة شكلًا رأسماليًا للعلاقات الاجتماعية. وكان الاستنتاج السياسي الذي استخلصه هولواي من ذلك هو أنه إذا كانت الدولة بالفعل شكلًا رأسماليًا للعلاقات الاجتماعية، فلا يمكننا التفكير في استخدامها لإحداث ثورة. فالدولة، كما يُعرّفها هولواي في هذا الكتاب، هي شكل محدد من أشكال التنظيم الاجتماعي، وطريقة في الفعل والنظر، وشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي يستبعد الناس. وحتى عندما تكون الدولة "وردية"، يصبح لها تأثير مزدوج على الحركات الاجتماعية: فهي تفصل القيادة عن الحركة، وتجذب الحركات إلى عملية مصالحة مع رأس المال. ولهذا السبب يجب التخلي عن السياسة المرتكزة على الدولة واستبدالها بـ"قواعد لغوية مضادة للدولة". وقد تلقى هذا الاعتقاد زخمًا جديدًا بعد انتقال هولواي إلى المكسيك، وخاصة بعد انتفاضة الزاباتيستا.

ففي يناير 1994، في اليوم الذي دخلت فيه اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة حيز التنفيذ، أعلنت مجموعة من سكان المايا الأصليين الحرب على الحكومة المكسيكية وسيطرت على عدة بلديات في ولاية تشياباس الجنوبية. وفي الإعلان الأول من غابة لاكاندون الذي صدر يوم الانتفاضة، أعرب جيش زاباتيستا للتحرير الوطني (EZLN) عن مطالبه: العمل والأرض والسكن والغذاء والصحة والتعليم والاستقلال والحرية والديمقراطية والعدالة والسلام. واستشهدوا بالمادة 39 من الدستور المكسيكي: "للشعب، في جميع الأوقات، الحق الأصيل في تغيير أو تعديل شكل حكومته". ومع تحرك الجيش المكسيكي لقمع الانتفاضة، طالب ملايين الناس حول العالم الجيش بوقف هجومه على الزاباتيستا. انسحب جيش الزاباتيستا من مقرات البلديات لكن الأرض التي احتلها أصبحت "إقليما متمردا". لقد تجنبوا العنف لكنهم ظلوا قوات حرب عصابات ملتزمة بـ"الحكم الذاتي": التنظيم الذاتي الإقليمي والإدارة الذاتية للسياسة والعدالة والتعليم والصحة والاقتصاد.

كان جون هولواي من أوائل من أدركوا أهمية إعادة الزاباتيستا ابتكار السياسة. وبينما بحث نيجري وغيره من أنصار الاستقلال الذاتي الإيجابي عن بروليتاريا ثورية جديدة في "العمال الإدراكيين" (cognitariat)، أي أولئك العمال "غير الماديين" الذين يعبثون بالإنترنت في قلب النظام العالمي، أصر هولواي على أن السياسة الجديدة يصوغها فلاحو الشعوب الأصلية (campesinos) في تشياباس في المكسيك. لقد رفض الزاباتيستا المبادئ التقليدية للتنمية الاشتراكية، بما في ذلك السياسة المتمحورة حول الدولة والطليعية اللينينية. ومن وجهة نظر هولواي، يقدم الزاباتيستا مثالاً على "السياسة الحوارية". فلقد جعلوا من مقولتهم "نسير متسائلين" (preguntando caminamos) المبدأ الأساسي للنشاط الذاتي الإبداعي. وهكذا، تُطرح اليقينيات القديمة والعقائدية المبتذلة جانبًا، وتبرز "الزاباتية" (Zapatismo)، ليست كأيديولوجية بقدر ما هي مهرجان للأفكار، فهي ليست مجموعة غير مترابطة من الأفكار والممارسات، بل هي مجموعة متناقضة بعمق. هذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يلهم هولواي؛ فجوهر الزاباتية هو تناقض بين شكل التنظيم (حيث أنهم جيش في نهاية المطاف) وحركة العصيان (بوصفهم جيش يطمح ألا يكون كذلك). يتجلى التناقض بشكل خاص في التباين بين الهيكل العسكري للتنظيم وأنماط الحياة المستقلة في مجتمعات السكان الأصليين. الزاباتيستا ليسوا تركيبًا (synthesis)؛ فالمقاومة لا تُختزل في طبيعة إيجابية، بل يقولون: "نحن أناس عاديون، نحن نساء ورجال وأطفال وشيوخ عاديون تمامًا، ولهذا السبب نحن متمردون". تتضمن هذه السياسة المتناقضة علاقة مثيرة للاهتمام بالهوية الجماعية؛ حيث أن الزاباتيستا يرفضون استخدام الهوية ويتلاعبون بها في آن واحد. لقد قالوا منذ البداية: "نحن حركة تتكون بالكامل تقريبًا من السكان الأصليين، لكننا لسنا مجرد حركة للسكان الأصليين. نحن لا نناضل من أجل حقوق السكان الأصليين فحسب، بل نناضل في الواقع من أجل الإنسانية". هربًا من التصنيف، فإن الزاباتية هي حركة مستمرة من الغضب من أجل الكرامة. أخيرًا، يسكن الزاباتيستا إقليمًا، أو، بتعبير هولواي، "صدعًا" مكانيًا. على مدى ثلاثين عامًا، في أدغال تشياباس وجبالها، طوّر الزاباتيستا مجتمعًا قائمًا على نوع مختلف من العلاقات الاجتماعية، وهو شكل مُعقّد من التنظيم الاجتماعي مُستقل عن منطق الدولة. وفي مناطق الزاباتيستا في تشياباس، تمر بلافتة تقول: "ممنوع دخول الحكومة الفاسدة، هنا الشعب يحكم".

دعوني أحاول ربط بعض هذه الأفكار معًا. ماركسية هولواي هي مزيج إبداعي وأصيل من رؤى مُستمدة من نظرية اشتقاق الدولة، والتقاليد الاستقلال الذاتي، والنظرية النقدية، والزاباتية. ومثل التيارات الماركسية الأخرى، يبدأ بقوى الإنتاج وعلاقاته، لكنه يعرفها بشكل مختلف تمامًا عن تلك التي كان عليّ حفظها في موادي الدراسية في يوغوسلافيا الاشتراكية. الشيوعية ليست مجرد جرارات كبيرة وخطوط تجميع، بل إنها مجتمعٌ دائم التجديد، قائمٌ على الإبداع البشري وتقرير المصير. إن قوى الإنتاج هي الناس أنفسهم، ولهذا السبب يرفض هولواي أن يبدأ من رأس المال والهيمنة، أو من "حفرة السلعة البائسة". ومثل التيارات الماركسية الأخرى، يتحدث عن الطبقة، لكن هذه الطبقة لا تتكون، على الأقل ليس حصريًا، من عمال المصانع الذكور. إنها طبقةٌ تتمرد على المجتمع الرأسمالي وعلى نفسها، ذات ثورية ضد الهوية. الطبقة العاملة حركةٌ ضد العمل، أو ضد العمل المستلب والتصنيف الهوياتي. نحن "الحركة التي تُحطم التماسك، التي تُحطم التركيب، التي تُحطم الهويات". إن تنوعنا اللامتناهي هو الأساس الرئيسي لتضامننا. والرأسمالية نظامٌ من التماسك الاجتماعي القاتل لكنه ضعيف، قائم على العمل المجرد، ومبني على عملية مزدوجة من تجريد فعلنا الإبداعي وتحويله إلى عمل، وتصنيف ثرائنا في هويات. هذا، بحسب هولواي، هو سر الرأسمالية الدفين ونقطة ضعفها المركزية. الرأسمالية توليفة قاتلة لكنها معذبة، ديناميكية قمعية في أزمة دائمة. ولا بد أن تكون في أزمة لأنها تعتمد علينا، على عملنا، على القيمة التي ننتجها، وعلى مشاركتنا.

وتماشيًا مع التقليد الأناركي والمجالسي، يُحذر هولواي من خيار الدولة/الحزب. ويدعو بدلاً من ذلك إلى "خيار الصدع"، "نتيجة التحول شبه الخفي للأنشطة اليومية لملايين الناس"، الذي يقع "خارج نطاق النشاط السياسي" في "ملايين الصدوع التي تشكل القاعدة المادية للتغيير الجذري المُحتمل". هل هو ثوري؟ بالتأكيد. لكن دور الثورة ليس استبدال كلية بأخرى؛ فالمهمة الثورية هي كسر ديناميكية رأس المال. تُصوَّر الثورة كحركة مزدوجة، سلبية وإبداعية، حركة بينية تخلق صدوعًا في نسيج الهيمنة. هذه الصدوع هي مساحات متحركة، لحظات (وليست مؤسسات!) لخلق بدائل. هناك ثلاثة أنواع من الصدوع على الأقل. يمكن أن تكون مكانية (الزاباتيستا مثال جيد دائمًا)، أو زمنية (رفض رأسمالية 24/7، واستعادة الوقت والإعداد المستقل لأنشطتنا)، أو بنيوية (الأنشطة التي تعزز العلاقات الاجتماعية غير النقدية وغير السلعية). لا ينبغي لنا أن نستولي على الدولة، بل يجب أن نصدعها. إذا فكرنا في الثورة ليس من منظور غزو القلاع والقصور، بل من منظور تعميق الصدوع، فإن السؤال الأهم أمامنا هو كيف يمكننا تعزيز مضاعفة وتقارب هذه الأشكال التنظيمية ذاتية الحكم. توصية هولواي هي "مواصلة فتح الصدوع وإيجاد طرق للتعرف عليها وتقويتها وتوسيعها وربطها؛ والسعي إلى التقائها أو، الأفضل من ذلك، مشيعتها (commoning)". قد يبدو هذا غامضًا أو حالمًا للغاية لأولئك الذين يستخدمون "قواعد لغة الثورة" التقليدية. لكن المشكلة تكمن في أنه بعد قرون من الهوس الكارثي بالاستيلاء على سلطة الدولة، لم تعد هذه اللغة التقليدية تبدو أقل شاعرية فحسب، بل وأقل واقعية بكثير.

بينما أكتب هذا التمهيد، أتذكر آخر مرة التقينا فيها أنا ورفيقتي بجون في منزله في بويبلا. كان لطيفًا بما يكفي ليرينا مكانه المفضل وصدعه الأعز: حديقة مستقلة تعتني بها رفيقته ومجموعة من الطلاب المتحمسين. نادرًا ما رأيت مكانًا بهذا الجمال الأخّاذ. قال لنا: "هنا كتبتُ كتاب صدع الرأسمالية (Crack Capitalism)"، مشيرًا إلى طاولة محاطة بالزهور في ظل شجرة كبيرة وارفة. قضينا هناك ساعات نتناقش حول سيريزا وبوديموس والقوى السياسية التقدمية في أوروبا التي يدعمها. لكنه سارع إلى إضافة أن ما يخشاه حقًا هو خيبة الأمل الكبيرة التي تصيبنا عندما تفشل هذه الأحزاب في الوفاء بوعودها. يقول: "هؤلاء أناس جادون، لكن شكل النضال الذي اختاروه خاطئ". كانت هذه المحادثات ماثلة في ذهني عندما عدنا إلى منطقة الخليج في سان فرانسيسكو. في أعقاب حركة "احتلوا أوكلاند" (Occupy Oakland)، يبدو كل شيء مُربكًا: من هي الذات الثورية؟ كيف نتواصل مع العمال؟ هل يجب أن نحتل الفضاءات أم ننهي الاستعمار؟ هل نحتاج إلى الشغب أم إلى مراجعة امتيازاتنا؟ هل يجب أن ندعم بيرني ساندرز؟ وبينما يناقش النشطاء الخيارات السيئة والخيارات الأقل سوءًا، تحل العادة والهوية، في الوقت الحالي على الأقل، محل اللقاء والتجريب.

لماذا هولواي إذن؟ هذا هو السبب.


  • الترجمة خاصة بـ Boring Books
  • يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية