في الأصل أنا رجل لا يطيق الاستقرار. لا أحتمل الانسجام، ولا أحب العائلات التي تبدو كل أمورها على ما يرام، وأمقت الهدوء الزائف الذي يسودها، فهذا لا يناسبني
نادرًا ما كان الروائي النمساوي الكبير توماس بيرنهارد يُدلي بأحاديث صحفية، حيث دأب طوال حياته على صون أعماله وحياته عن أعين وسائل الإعلام، أو الرأي العام عمومًا. ولم يتكلم إلا مع المذيع النمساوي كورت هوفمان من هيئة الإذاعة النمساوية، وأجرى معه عدة لقاءات من سنة 1981 إلى سنة 1988، وقد جُمعت هذه الأحاديث وأعيدت صياغتها لتظهر على هيئة نصوص نثرية خالية من شكل المقابلة، نُشرت قبل سنوات في كتاب حمل عنوان (مقابلات مع توماس بيرنهارد)، وقد اخترتُ منها النص التالي.
المترجم

لا حاجة بك للقلق بشأن مصائب الزمن، فهي آتية لا محالة. ومع ذلك ربما يجدر بالإنسان أن يستدعيها من حين إلى آخر، لأنها تستغرق وقتًا طويلاً إن تُركت تأتي بنفسها. حينذاك تتداعى الأمور، ولا تعود الحياة مُسلّية. الخيارات أمام الإنسان فرص وإمكانات كثيرة ومتنوعة، غير أن المرء مقموع، ومشدود إلى النظام الاجتماعي.
يستطيع الإنسان بالطبع أن يُضرم النار في كل شيء، أو أن يقتل أحدًا، أو أن يجري في الطرقات، حاملًا عصا. ربما قد يؤدي هذا إلى إحداث شيء من التغيير. فلا يقدر الإنسان أن فترات طويلة معتمدًا على قواه الداخلية. لا بد له أن يصل إلى نقطة النضوب، ويغدو الكيس فارغًا.
سواء أجلست في قرية "أوهلسدورف" الهادئة، أم في مدينة، فالأمر سيّان، لأنك ستكون وحيدًا هناك أيضًا إذا لم تفعل شيئًا حيال ذلك. يمكنك أن تجلس وحيدًا في مدينة "بوخوم" أو في مدينة "فوبرتال"، أو حتى في مدينة يسكنها عشرة ملايين نسمة. لا أحد يهتم بك ما لم تبدأ أنت بالمبادرة.
أتوق إلى السكينة حين أغادر بلدتي، ويغمرني شعور السعادة حين أعود. أدخل، ولكن، ما إن أضع أدوات الغسيل في مكان ما حتى يستبدّ بي ذلك الشعور مجددًا، ولا أطيق المقام هنا.
كما أني لم أحب أيام الآحاد قط، كنت أكرهها دائمًا، لأنها هادئة هدوءًا مصطنعًا. ربما هذا مجرّد وهم صنعه عقلي. طالما ظننت أنني لا أستطيع العيش إلا في الريف بسبب رئتي المعتلة، لكن ربما هذا ليس صحيحًا. فقد ذهبتُ مؤخرًا إلى مكان يقال إنه غير صحي، ومع ذلك شعرت فيه براحة جمة.
في الأصل أنا رجل لا يطيق الاستقرار. لا أحتمل الانسجام، ولا أحب العائلات التي تبدو كل أمورها على ما يرام، وأمقت الهدوء الزائف الذي يسودها، فهذا لا يناسبني. أما أخي فهو على طرف النقيض تمامًا، لأنه يعشق الأسرة والأطفال والانسجام. أما أنا، فأشعر بالارتياح حين لا أراهم. كل هذا يزعجني.
لا أحد يتغيّر.
الإنسان على حاله منذ الطفولة. ولهذا لم أتغير في جوهري قط.
لديّ بالطبع علاقات اجتماعية، بعضها لا يخلو من ودِّ موقت. لكنني لا أرى أحدًا يرقى إلى ذاك الإنسان الذي يُعدّ فريدًا في حياة المرء. المؤسف أنك تقيس كل البشر بهذا المقياس المثالي، ثم يرتد إليك المقياس خاسئًا، وتغتمّ.
كما حدث مع إحدى الجارات؛ في يوم كنت طريح الفراش، ورئتي في حال سيئة، قالت الجارة: "سأجلب لك طعام الغداء". وصلتْ في السابعة مساءً. كنت أعاني من حمى شديدة، فقلت لجاري: "اطردها قبل الدخول إلى المنزل!"
عندما تحتاج بحقٍ إلى البشر فلن تجد فيهم ما ينفعك، فالبشر لا يسعون إلا وراء التفاهات، ولايركضون إلا وراء الأشياء البراقة المثيرة للأنظار. أما على الصعيد الإنساني؟ صفر!
والأصدقاء الحقيقيون، إن وُجدوا أصلًا، هم من عرفتهم وعرفوك في سنوات الطفولة، حين كنتَ ورقة بيضاء. لا زلت أحتفظ بأصدقاء منذ أن كان عمري ثلاث سنوات، لكننا لم نعد نتبادل شيئًا ذا بال.
لا يمكنك أن تأكل وجبة بيض"أومليت" كل يوم، أو أن تتبادل عبارات من قبيل: "صاحبي: أتذكر حين كنا..."، فهذه الجُمل المكرورة تُصبح مصدر إزعاج مع مرور الوقت.
تستطيع أن تطلب من أصدقاء الأيام الخوالي مبلغًا من المال في حالة الحاجة. أما معارفك اليوم، فهم لا يساوون حتى صندوق القمامة الموضوع أمامك، لا شيء.
لا يعرف أغلب الناس كوعهم من بوعهم. يحتفون بكل ما هو تافه، وسطحي. تراهم يُخرجون لك عشرين جملة ربما قلتَها في سياق سياسي بعينه، ويختزلون آراءك فيها. ثم يُعاودون القول: "ما هذا الذي قلتَه وقتذاك؟" دون فهم السياق.
يقولون: ذاك الرجل يكتب؟ هراء. كلام لا يفيد أحدًا، لا قيمة له، لا يُرى منه شيء. آفة، تعيش عالةً على المجتمع، يقود سيارة، يأكل، يجلس منذ الصباح في المقاهي، مقطب الجبين، ويعيش على تأمّل أمور غامضة.
ليس عندي إنسان ألجأ إليه. أعلم ذلك. ليس لديّ مخلوق أستطيع الاعتماد عليه، من سيكون في عوني حينما أحتاج إلى شيء؟ حتى عاملة التنظيف صرت لا أطيقها حاليًا. تأتي إلى بيتي، تتلطّف في كلامها، ثم تغادر. لا أطيق فكرة أن يدخل أحدهم بيتي في فيينا. طالما أديتُ كل شيء بنفسي، لم أستعن في حياتي بسكرتيرة لكتابة سطرٍ واحد في عملي. أكتب دائمًا على أوراق رديئة ورخيصة، ومن لا يروقه كلامي، فليذهب إلى الجحيم.
نتعامل أغلب الوقت مع أشخاص لا يُطاقون، وفي معظم الأحيان يجد المرء نفسه في مواقف تنطبق عليها مقولة: "وقت الحاجة يأكل الشيطان الذباب".. نعم هذه هي معظم مواقف الحياة.
غالبًا ما نضطر إلى مجالسة من لا نحتمل وجودهم وثقل ظلهم، فنتصنّع الودّ أمامهم. لكن في الوقت ذاته، لا نستطيع أن نكون وحدنا طوال الوقت. قد نطيق الوحدة فترات طويلة، وأنا معتاد على ذلك، لكن لا بد أن يحدث تغيير بين حين وآخر. ومع ذلك أجدني أقضي وقتًا بمفردي أطول مما أقضيه مع الآخرين.
في أحيان لا تزعجك أبشع الأمور، وفي أحيان أخرى تمسّ قلبك أتفه الأشياء، وهذا معلوم للجميع.
نحن البشر ضعفاء، معلّقون بخيط واهٍ رفيع. الإنسان كائن هش، متقلب مثل تقلبات الطقس، يعاني من آلام الظهر، لا يدري إن كانت مثانته ستصمد أم لا. فلماذا لا يكون أيضًا تحت رحمة كل تلك الأمور؟ كلنا عُرضة لهذا. نحن نتسم بالأنانية، والقسوة، والحنان، ورقة المشاعر، وكل شيء. اذكر ما شئت من خصال، وستجدها فيَّ.
مررت بكل أنواع العلاقات مع النساء والرجال. ما الذي بوسعي قوله؟
كل إنسان مختلف تمامًا، والطريقة التي نعامل بها أحدهم لا تصلح مع غيره. لا يوجد قالب واحد، ولا يوجد مفتاح واحد يصلح لفتح كل الأقفال. ولأنني نادرًا ما أكون مع الناس، فتجاربي متفاوتة ومتقطعة. تمر أشهر دون حدوث شيء، ثم أعود للتجربة بشغف، لأيام فقط... ربما.
لكل إنسان طريقه الخاص، وكل طريق هو الصحيح بالنسبة إليه.
في ظني يوجد اليوم نحو خمسة مليارات إنسان على ظهر هذا الكوكب، وبالتالي هناك خمسة مليار طريق صحيح. تكمن المأساة البشرية في أن الإنسان لا يريد أن يسير في طريقه الخاص، بل يسعى دائمًا لأن يسلك طريق شخص آخر، ويطمح إلى شيء آخر غير ما هو عليه.
كل إنسان، سواء أكان رسّامًا أم كنّاسًا أم روائيًا، هو شخص عظيم بحد ذاته. لكن الناس دائمًا ما يتطلعون إلى شيء آخر. وهذه هي مأساة العالم، ما يقرب تسعة وتسعين بالمئة من البشر في تعاسة لهذا السبب.
في كل مرة تتحدث فيها إلى أحدهم، تشعر وكأنك تخاطب إنسانًا أحمق. لكنك تتجمّل باللُطف، لأنك لا تود أن تكون فظَا كئيبًا، فتواصل الحديث، وتذهب لتناول الطعام وتتصرف بود، لكنهم في جوهر الأمر غافلون لاهون، لأنهم لا يبذلون الجهد المطلوب. ما لا نستخدمه يذبل ويموت. لا يستعمل الناس إلا أفواههم، لكنهم لا يستعملون عقولهم، ولهذا نجد أن لديهم فكوكًا كبيرة وجماجم بارزة، لكن عقولهم فارغة. هكذا السواد الأعظم من البشر. أحاول دائمًا أن أكون بعيدًا عن أي نوع من الاعتماد على أحد أو شيء. هذا هو الشرط الأول الذي وضعته لحياتي.
من المنطقي أن يصير الإنسان أكثر ذكاءً مع مرور الوقت، حيث تتراكم في داخله خبرات وأشياء لم تكن لديه قبل خمسين عامًا أو مئة. ربما يُعد هذا تقدمًا من جهة، لكن التراكم المعرفي يجعل الإنسان أشدَّ قسوة من جهة أخرى. فكلما زادت معرفة الإنسان، تنامت رغبته في رؤية أشياء خفيت عنه في السابق.
لو عاش "لودفيج فيتجنشتاين" بيننا اليوم لما كتب كما كان يكتب في الماضي، وهذا يعني أن أفكاره قد تكون أدنى قيمة في يومنا، لأن ما طرحه في الماضي كان محدودًا بزمان ومكان، وكان مشحونًا بكثافة فكرية غير متوفرة اليوم. لم يعد لعقل "فيتجنشتاين" وجود اليوم.
أجدها رائعة.. أقصد تلك الجُمل التي كان يكتبها فيتجنشتاين، رغم أنها تتفكك في داخلها وتذوب في العدم، إلا أنها صيغت وبُنيت على نحو عميق. وهي أكثر إثارة للخيال من أغلب ما كُتب في زمانها.
عندما كنت أرى بعض الناس المتأنقين، كنت أعلم أنهم من آل فيتجنشتاين. أنا شخصيًا لم أتعرف عليه، لكنني عرفت ابن شقيقه. كانت العائلة تملك شبه جزيرة، ومنازل فاخرة مشيدة فوق الجبال.
كانت عائلة فاحشة الثراء، ولا تزال حتى اليوم. حتى آل كوشيرت، صانعو الجواهر في فيينا، فهم جميعًا ذوو قربى، فآل فيتجنشتاين وآل كوشيرت يملكون قصورًا فخمة في فيينا، وكانت لهم أياد بيضاء على الفنون منذ قرنين.
كم استضافوا في رحابهم هوجو فولف[1] والموسيقار الشهير يوهانس برامز وغيرهم من الأعلام، فأقاموا في كنفهم وأبدعوا ألحانًا خالدة. إنهم أولئك الأثرياء الذين لا تثير الملايين في ميزانهم أدنى اهتمام. يستطيع أي إنسان ميسور أن يهب سبعة ملايين عن سخاء نفس إن كان رصيده مئة مليون.
أستطيع أن أرتضي لنفسي حياة "مُدرّس في مدرسة ابتدائية"[2] في قرية هادئة، وأعيش عيشة البسطاء إن كانت ودائعي في بنك إنجليزي تناهز أربعة ملايين جنيه إسترليني، ولا ضير في ذلك. هذه طبيعة إنسانية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها. حتى هؤلاء الأثرياء ينشدون الملاذ على الدوام ويسعون في طلب الخلاص، وهذا شأن كل حيّ على وجه الأرض، حتى عامل تنظيف المداخن إلى أن يدركه الوهن فلا يقوى على صعود المدخنة.
[1] هوجو وولف (1860-1903) ملحّن نمساوي مشهور من أصل سلوفيني (المترجم).
[2] الإشارة إلى حياة لودفيج فيتجنشتاين الذي هجر العالَم وسافر إلى قرية نمساوية نائية واشتغل مدرسًا في مدرسة ابتدائية (المترجم).
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه

رد واحد على “توماس بيرنهارد: لا أحد يتغيّر”
كتابة من طراز مختلف.. تلامس الشغاف وتبلغ الروح..