حدث ذات مرة أن أضرب طاقم الأحلام عن العمل، فراود كل من في الأرض حلم موحّد، رأى الكلّ فيه بأنه كان يتجول في منازل مهجورة ويتسلل بين شوارع خالية.
حصيلة
قصص لديفيد إيجلمان
ترجمة: زين الصفيري
يرفض الكاتب وعالم الأعصاب الأمريكي "ديفيد إيجلمن" ثنائية العلم والدين، ويقدم مذهبًا لا يغتر بما وصل إليه العلم الحديث من تطور حتى ينبذ الحكايا الأخرى التي تقدمها مختلف الديانات، كما أنه لا يطمئن إلى فكرة الالتزام لدين ما، فهو يضطر اضطرار المتواضع معرفيًا إلى حمل العقل على الانفتاح للاحتمالات اللانهائية، قائلًا: "إنا لأعلَم من أن نؤمن، وأجهل من أن نكفر".
لا يرى "إيجلمن" في موقفه هذا استنتاجًا نهائيًا يثبطه عن البحث والتأمل، بل منطلقًا يعبر عنه في مجموعةٍ من القصص القصيرة، تروي ماذا يحدث لنا بعد الموت بأسلوب فانتازي يربك القارئ، ويفسح له آفاقًا جديدة يرى منها الحياة.
هذه بعض القصص المترجمة من كتاب "حصيلة" لإيجلمان.

حصيلة
تموت وتُبعث لتعيد حياتك كلها من جديد، ولكن هذه المرة بترتيب مختلف للأحداث، إذ تُجمع اللحظات المتشابهة، ثم تُعاش دفعةً واحدة.
تقود مركبتك عائدًا لمنزلك لشهرين، تمارس الجنس لسبعة أشهر، تنام نومًا متواصلًا لثلاثين سنة، تقلب صفحات المجلات بينما تقضي حاجتك لمدة خمسة أشهر.
تقاسي كل أوجاعك دفعةً واحدة، سبعًا وعشرين ساعة كاملة تنازع فيها الألم بين عظم يكسر، أو سيارات تتصادم، أو جلد يجرح، أو جنين يشق طريقه إلى الحياة، وما إن تتجاوز هذا العذاب، تتحرر من الألم لبقية حياتك الآخرة.
لا يعني هذا أنها لطيفة دائمًا، فبعدها ستة أيام سوف تقضيها في تقليم أظافرك، وخمسة عشر شهرًا في البحث عن أغراض مفقودة، وثمانية عشر شهرًا واقفًا في طابور.
سنتان من الملل، تتفرج من نافذة الباص، أو في مقاعد انتظار المطار.
سنة تقرأ فيها الكتب، عيناك في أمس الحاجة للراحة، وجسمك ينفر من حكة لا تهدأ في كل شبر منك، لأنك لم تحممه قط، ولا يمكنك إلا أن يحين موعد حمامك الماراثوني، والذي ستقضي فيه مائتا يوم.
تفكر عما سيحدث عند وفاتك لمدة أسبوعين، تدرك أنك على وشك السقوط لمدة دقيقة، يشرد ذهنك لسبع وسبعين ساعة، تدرك نسيانك لاسم شخص ما لمدة ساعة، تعي خطأك لثلاثة أسابيع، تختلق الأكاذيب ليومين، تنتظر فتح إشارة الطريق لستة أسابيع، تتقيأ لسبع ساعات، تشعر بسعادة بالغة لأربع عشرة دقيقة، تغسل ملابسك لثلاثة أشهر، تخط توقيعك لخمس عشرة ساعة، تربط حبال حذائك ليومين، سبعة وستين يومًا تقضيها بخاطر مكسور، خمسة أسابيع تقود مركبتك تائهًا، ثلاثة أيام تحسب إكراميات المطاعم، واحد وخمسين يومًا تقرر ما سترتدي، تسعة أيام تتظاهر بفهم ما لا تفهم، أسبوعان تعد المال، ثمانية عشر يومًا تحدق في الثلاجة، أربعة وثلاثون يومًا من الاشتياق.
ستة أشهر تشاهد الإعلانات، أربعة أسابيع جالسًا مع أفكارك، تتساءل لو بوسعك استغلال وقتك بشيء أفضل، ثلاث سنوات تبلع طعامك، خمسة أيام تزرّ قميصك وتغلق سحابك، أربع دقائق تتساءل كيف ستكون حياتك لو غيرت ترتيب أحداثها.
في هذه الفترة من حياتك الآخرة، تتخيل شيئًا يشبه حياتك الأولى، تتخيل فكرة منعشة: حياة تقسّم فيها المشاعر إلى أجزاء صغيرة مهضومة، شعورٌ لا يدوم، يستمتع المرء بأحاسيسه المتنوعة بروح طفل متحمس يتقافز بين أحداثها.
الطاقم
"ولعل دنيانا كرقدة حالم
بالعكس مما نحن فيه تُعَبَّر"[1]
كأن غشاوةً انقشعت عن عقلك حين سمعت هذا البيت، وبدأت الشكوك تساورك بشأن حقيقتك؛ فلعلّك لم تكن سوى فراشة تحلم بأنها إنسان، أو محض دماغ في قارورة، يعيش مشاهد وأصواتًا وروائح ومذاقات، كلها مجرد نسيج من حلم. ولذا انتظرت يوم وفاتك بما أنه السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حقيقة ما إذا كنت ستستيقظ متشحًا بالأجنحة أم محبوسًا في قارورة زجاجية.
ولكن يبدو أنك ضللت السبيل، فليست الحياة هي الحلم، بل الموت.
والأغرب منه هو أنه ليس حلمك، بل حلم شخص آخر.
بدأت تتذكر بأن أحلامك دائمًا ما احتوت على شخصيات جانبية في الخلفية (كومبارس)، كالذين يتزاحمون في المطعم، ويتجولون في الأسواق وساحات المدارس، وسائقي السيارات، والمشاة العشوائيين.
لا تظهر تلك الشخصيات من العدم، إنهم نحن، نؤدي أدوارنا في الخلفية ليزداد إحساس الحالم بالواقعية، نستمع وننتبه لما يجري في الحلم في بعض الأحيان، ولكن غالبًا ما نتحدث فيما بيننا ريثما تنتهي مناوبتنا.
إنها وظيفة إجبارية وليست باختيارنا، يترتب عليك تقديم نفس عدد الساعات التي كنت تحلم فيها خلال حياتك، ولا أحد منا مسرورٌ بعمله عدا الذين كانوا في حياتهم الأولى ممثلين مسرحيين، وغالبًا ما نكلفهم بالأدوار التفاعلية في كل ليلة، ونكتفي نحن بالجلوس في الخلفية.
إن حالفنا الحظ ليوظفنا الحالم في مطعم، نحظى بوجبة مجانية، وإن لم يحالفنا في تلك الليلة، نجد أنفسنا بدور مقنّعين في حفلة مرعبة، أو معذَّبين بقعر الجحيم، أو زملاء يشيرون ويضحكون حين يدخل بطل الحلم عاريًا.
أما أصحاب الأدوار التفاعلية، فيُعرض لهم نص حواري على شاشة خلف الحالم، وعليهم إلقاؤها بقدر كبير من الإقناع، وأغلبنا يؤدي أداءً سيئًا، ففي النهاية لسنا ممثلين محترفين، ولا دافع لدينا.
لحسن الحظ فإن الحالمين يستقبلون كل ما يصلهم بقبول وتصديق، حتى وإن لم نبدُ كتلك الشخصية، يقتنعون بكوننا فعلًا من نحاول تمثيله ما لم نغير جنس الممثل عن الشخصية، ولا يكادون يلاحظون حين نبدّله.
حدث ذات مرة أن أضرب طاقم الأحلام عن العمل، فراود كل من في الأرض حلم موحّد، رأى الكلّ فيه بأنه كان يتجول في منازل مهجورة ويتسلل بين شوارع خالية. فُسرت على أنها نذير شؤم، فأنهى عدة أشخاصٍ حيواتهم تبعًا، ليظهروا معنا كأعضاء جدد لطاقم الأحلام، أبكتنا قصصهم المؤلمة حتى أنهينا الإضراب فورًا.
قد لا يشبه هذا العالم العقوبة الأخروية الكلاسيكية، وهذا لأنني لم أخبرك بأسوأ جزء، حين نفرغ من مطاردة الناس في عقولهم ليلًا، ويحل الصباح، يحين دورنا لننام نومًا مضطربًا، وبمن نحلم برأيك؟ بأولئك الذين أنهوا دورهم واجتازوا هذا العالم، نعيش للأبد في أحلام الجيل القادم.
هذا الرجل على يسارك يعتقد بأن كل شيء يسير بشكل دائري، وعليه فإنه سينتهي بنا المطاف عائدون إلى الأرض، ونظريتي تقول بأنها خطة إلهية صُممت لنتقاسم الوقت، لكي لا نسكن جميعًا الأرض في آن واحد، وإن تسلني عما يقلقني، ثمة امرأة تزورني كل ليلة في أحلامي، ولن أتمكن من التواصل معها ما دُمنا نتنقل من عالم إلى آخر.
قلقٌ وجودي
نقضي عمرنا نحن البشر في السعي وراء تجارب ذات ثقل ومعنى، لذا حين يفنى جسدك، قد تتفاجأ في حياتك الآخرة بتمدد جسدك ليعود إلى حجمه الحقيقي، والذي يعد بمقاييس الأرض "ضخمًا"، إذ يبلغ طولنا عشرة آلاف كيلومتر في كل من الأبعاد التسعة، ونعيش مع أمثالنا في بلدة سماوية.
حين نستفيق في أجسادنا الحقيقية، سرعان ما نلاحظ القلق الوجودي الذي يعاني منه زملاؤنا العمالقة.
تكمن مهمتنا في المحافظة على الكون وتماسكه، إذ أن دماره وشيك، فنصمم ثقوبًا دودية لتكون بمثابة دعامات بنيوية.
نبذل قصارى جهدنا على شفا كارثة كونية، إنه عمل صعب ومعقد ومصيري، ولولا جهودنا الجبارة لتداعى الكون مرة أخرى.
وبعد ثلاثة قرون من الكدح، يتسنى لنا أخذ عطلة، فنختار جميعًا الوجهة نفسها: نتمثل على هيئة مخلوقات من الأبعاد الأدنى، مخلوقات دقيقة ورقيقة وثلاثية الأبعاد تسمى الإنسان، فنولد في منتجع نسميه "الأرض".
والفائدة من هذه العطلات هي اغتنام الفرص البسيطة، ففي الأرض نحن لا نهتم سوى بما يدور حولنا، نشاهد الأفلام الكوميدية، نعاقر الخمر ونستمتع بالموسيقى، نكون العلاقات، نتشاجر، وننفصل، ونعيد الكرة.
ولأننا في جسمٍ إنساني، تهمنا لحظة التقاء العيون، لمحة من جسدٍ عارٍ، نبرة مغازِلة من صوتٍ محبّب، المتعة، الحب، الضوء، العناية بشتلة منزلية، درجة لون ضربات الطلاء، تسريح الشعر، عوضًا عن الاكتراث لانهيار الكون.
تلك هي العطلات التي نقضيها في الأرض، ملأى بضجيجنا ومسرحياتنا، تلك الراحة النفسية هي مبتغانا الثمين، وحينما نجبر على الرحيل عن تلك الأجساد الرقيقة الذابلة، ونعود إلى الواقع المر، الاستلقاء من التعب وسط نسمات الرياح الشمسية، حاملين أدواتنا وناظرنا ممدود في سماء الكون الفسيح، بعيون دامعة، باحثين عن اللامعنى.
مرايا
أنت لست بميت حقًا، مع أنك تظن خلاف ذلك، فقد لفظت للتو أنفاسك الأخيرة.
ولكن، يحصل الموت على مرحلتين، الأولى تبدأ الآن، تجد نفسك في مرحلة أشبه بالبرزخ، لا تشعر فيها بأنك ميت، ولا تبدو كالميت، لأنك لست كذلك، ليس بعد.
لعلك ظننت أن مثَل الحياة الآخرة كضوء أبيض خافت، أو كشطٍّ متلألئ، أو كأنك محمول على نغمات موسيقية، ولكنها في الحقيقة أقرب إلى الشعور بالدوار الذي يصيبك حين تنهض واقفًا بسرعة، لوهلة تنسى من أنت، وأين أنت، وكل التفاصيل الشخصية لحياتك، ولا يزداد الأمر إلا غرابةً.
في البداية، تبتلع العتمة كل شيء لدرجة تصبح فيها كأنها سطوع يُذهب البصر، تشعر وكأن عنان روحك ينفلت بانسيابية، وتُنزع منك القدرة على المقاومة، ثم تتبدد ذاتك، بتخلي كبريائك أولًا، ثم بتبخر كل ذكرى تثبت أنك قد كنت، تخسر نفسك ولا يحرك ذاك فيك شعرة.
لم يبق منك سوى نواة صغيرة: الجوهر، وعيٌ مجرد وبسيط، كوعي الرضيع.
لكي تدرك معنى هذه الحياة الآخرة، عليك أن تتذكر أن كل الناس لها جوانب معقدة ومتعددة، وبما إنك عشت متفرجَا، كنت أبرع في رؤية حقيقة الآخرين من أن ترى حقيقتك، فلا تراها إلا بمساعدة اولئك الذين كانوا بمثابة المرايا لك، يظهرون محاسنك وينتقدون عيوبك، وكم فوجئت بنظرتهم لك رغم أنك استهديت بها كثيرًا طوال حياتك، كنت تجهل نفسك دائمًا حتى أنك تستنكر شكلك في الصور وصوتك في التسجيلات.
بتلك الطريقة، تشكّل جل وجودك في أعين الآخرين، وآذانهم، وأناملهم.
وبمغادرتك الأرض، تناثرت أجزاؤك بين عقول العالمين.
في هذا البرزخ، يُستدعى كل من يحمل أي ذكرى عنك لتجمع جزيئاتك المبعثرة ويلمّ شملك.
تُشرّع أمامك المرايا بينما تقف متفرجًا على نفسك التي تُجمع، دون أي مجاملة، تراها وكأنك ما رأيتها قط، واضحة وصريحة، وذاك ما يقتلك حقًا.
روح الجماعة
حين يفرّق جمع الجنود بانتهاء الحرب، يخلف هذا الوداع في النفس أثرًا يشبه أثر موت الإنسان، إنه الموت السلمي لكيان الحرب.
يخيّم الشعور ذاته على الممثلين حين يُسدل الستار معلنًا نهاية المسرحية، بعد شهور من العمل معًا، شيئًا أكبر منهم قد مات للتو.
بعد أن يغلق متجر أبوابه مساءً وللمرة الأخيرة، أو يختتم مؤتمرًا آخر جلساته، يمضي الأعضاء وهم يشعرون بأنهم كانوا جزءًا من شيء أكبر منهم، شيء لامسوا روح الحياة فيه وإن عجزوا عن تسميته.
وبهذا لا يكون الموت حصرًا على البشر، وإنما يدرك كل ما قد وجد، وكل ما نال قسطًا الحياة، ينال حياة أخروية.
فالكتائب والمسرحيات والمتاجر والمؤتمرات لا تنتهي فعلًا، بل تنتقل إلى بُعد آخر ببساطة، فهي أشياء وُجدت مرة، وعليه فإن وجودها يستمر في نطاقٍ آخر وفقًا لسنة الحياة.
رغم أنه صعبٌ تصور تلك الكيانات كذلك، إلا أنها تتمتع بحياة طيبة في العالم الآخر، يروون قصصهم ويتذاكرون مغامراتهم، ويضحكون على أيامهم الجميلة، ويرثون عمرهم القصير، كالبشر تمامًا.
ولا يتحدثون في قصصهم عن الأناس الذين شكلوا كياناتهم، بل أن فهمهم لك لا يتعدى مدى فهمك لهم، فلا يخطر لهم أنك موجود أصلًا.
قد يُشكل عليك أن تعيش تلك المؤسسات بلا مؤسسيها، ولكن المبدأ الأساسي بسيط: الحياة الأخروية عالمٌ من الأرواح لا الأجساد، فإنك لا تجيء إليها بكليتك وكبدك وقلبك، ولكنك روح مستقلة عن الأجزاء التي تصورك.
وقد تصدمك مآلات هذه الخطة الكونية، فحين تموت، تقيم كل ذرة يتشكل منها جسدك حدادًا عليك، فقد ارتحلت تلك الذرّات معًا لسنوات في السراء والضراء، إما في طبقات جلدك أو أحشاء طحالك، ولا يموتون معك، بل تموت روابطهم المتمثلة فيك، وتتفرق بهم السبل ليستكملوا ارتحالهم، يندبون خسارة سنوات جميلة عاشوها معًا، ويراودهم شعور بأنهم كانوا جزءًا من شيءٍ أكبر، شيء لامسوا روح الحياة فيه وإن عجزوا عن تسميته.
مقلوب
لا وجود لحياة أُخروية، لكن هذا لا يعني أننا لن نحيا مرةً ثانية.
في لحظة ما، سيتباطأ تمدد الكون حتى يتوقف، ثم يبدأ بالانكماش في الاتجاه المعاكس، ويستكمل الخط الزمني بشكل مقلوب.
سيعيد التاريخ نفسه، وكل ما حدث سيعاد كما حدث تمامًا، ولكن هذه المرة عكسيًا، تعكس حياتنا كلها بدلًا من أن تفنى أو تتحلل، وكأنك تبدأ قراءة كتاب من الصفحة الأخيرة.
في هذه الحياة المعكوسة، تولد من رحم الأرض، نحضر مراسم تشييعك المهيبة وننبش الأرض لاستخراجك ونقلك إلى المشرحة، حيث تُغسل ثم تُحوَّل إلى المستشفى، وبين معمعة الأطباء تفتح عينيك للمرة الأولى.
ترى في حياتك الروتينية الزجاج المكسور يصلح نفسه، والماء الذائب يتجمد على شكل رجل الثلج، والخواطر المكسورة تُجبر بحب جديد، ويتدفق النهر إلى القمة، والزيجات تبدأ بالصراعات وتنتهي بشغف البدايات والمواعيد الغرامية الأولى، تتمتع بإعادة جميع النشوات التي عشتها بشكل عكسي، فتبلغ ذروتها بالقبلات لا بالنوم.
تتساقط لحى الرجال ليغدوا أطفالًا بوجوه ناعمة، ويبدأون عملية التجهيل، فيُرسلوا إلى المدارس للتكفير عن الخطيئة الأولى: المعرفة.
تمحى من ذاكرتهم بالتدريج، القراءة فالكتابة فالرياضيات، وبعد تخريجهم يبدأون في التقلص، ثم الزحف، ثم تتساقط أسنانهم معلنة تحقيقهم أقصى مراحل الطهر، مرحلة الرضيع.
وفي يومهم الأخير، وهم يولولون لانقضاء أعمارهم، يتوغلون إلى أرحام أمهاتهم اللواتي بدورهن سيتقلصن ويعدن إلى أرحام أمهاتهن، وهكذا كالدمى الروسية.
ثمة طمأنينة ترافقك في حياتك المقلوبة هذه، بما أنك قد عشت هذه الحياة يمكنك التنبؤ بما هو آت، فتغمرك السعادة عند بدايتها، لأن إعادة سردها يعني أنك ستفهمها أخيرًا، وهنا تكون الصدمة.
تكتشف أن ذاكرتك أمضت عمرًا بأكمله تبتدع خرافات بسيطة، لتجعل قصة حياتك متسقة مع ما تعتقده عن نفسك، تتذكر الرواية التي قد تعهدتها، ولكن بعض التفاصيل الدقيقة والقرارات وترتيب الأحداث تغشوها الضبابية.
وبعودتك إلى الوراء، يفتضح زيف قصتك، وتصطدم ذكرياتك مع الواقع مخلّفةً في نفسك الخيبات والحسرات، وبينما تشق طريقك عائدًا إلى رحم أمك، تدرك أنك لا تعرف عن نفسك إلا كما عرفت في مرّتك الأولى.
[1] اقتباس من شعر المعرّي ليقابل الأنشودة الإنجليزية الواردة في النص الأصلي: "Merrily, merrily, merrily, merrily, life is but a dream".
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** تحتفظ المترجمة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتها دون إذن مننها
