بعد وفاة زوجته شورا، انقسمت حياة ليونيد أندرييف إلى شطرين متباينين، وقد لاحظ كثيرٌ ممن عرفوه أنّه تغيّر تمامًا.
ليونيد آندرييف.. سيرة الرجل الخائف المُخيف
إعداد وترجمة: رولا عادل رشوان

ولد ليونيد آندرييف الكاتب الروسي الكلاسيكي الشهير عام 1871 وعُرف بأسلوبه المظلم القاتم في الكتابة والمشحون نفسيًا بهواجسه الخاصة، حتى أنه لطالما أثار الجدل بسبب تصويره القاتم للطبيعة البشرية وتأثره بالفكر الفوضوي.
على الرغم، يذكر له في التاريخ كونه من أوائل من قدّموا التعبيرية والرمزية في الأدب الروسي، الذي ركز في إسهاماته فيه على مواضيع الموت، والعزلة، والعبث.
توفي آندرييف بعد الثورة البلشفية، معارضًا للنظام الجديد، وظلّت أعماله ممنوعة في الاتحاد السوفييتي لفترة طويلة.
في مقالنا هذا، نتناول كتابًا صدر مؤخرًا عن آندرييف، سيرة تحمل بصمة الكاتب الروسي بافيل باسينسكي بعنوان "ليونيد أندرييف: الدوق لورينزو".
كتب بافل باسينسكي في مقدمة الكتاب: "هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية شاملة لليونيد أندرييف. لقد كتبتُ عن أندرييف الذي أحبه، مع أنه يُخيفني، نعم أعترف بأنني خفت منه أحيانًا فيما أضع سيرته الذاتية"، وهذا على العكس من تولستوي الذي قال عنه: "إنه مخيف، لكنني لستُ خائفًا منه".
فيما يلي نضع جزءًا من الفصل الأول بترجمة حصرية:
بعد وفاة زوجته شورا، انقسمت حياة ليونيد أندرييف إلى شطرين متباينين، وقد لاحظ كثيرٌ ممن عرفوه أنّه تغيّر تمامًا. تبيّن أنّ المخاوف التي أُثيرت حوله – من احتمالية عجزه عن تجاوز هذه الخسارة، أو وقوعه أسيرًا لإدمان الخمر، أو إصابته بالجنون، أو محاولته الإقدام على الانتحار – كانت، حمدًا لله، مخاوف واهية لا أساس لها، إذ غلبت عليه شخصيته الصلبة، التي صاغتها سنواتٌ من الشدائد والحرمان ولم تستطع أن تكسرها.
تضاعف عطاؤه الإبداعي بعد ذلك بشكل ملحوظ، فأبدع أعمالًا بارزة منها روايتا "ساشكا زيجوليف" و"يوميات الشيطان". بعد سنوات من إسهاماته العديدة، وإلى جوار تشيخوف وجوركي أصبح أندرييف الكاتب المسرحي الأكثر شهرة وطلبًا في عصره، بل وأسس مسرحه الخاص؛ مسرح أندريفسكي.
كانت محاولاته لتحرير إصدارات جمعية (المعرفة)، وقيادته للقسم الأدبي في صحيفة "روسكايا فوليا" من أبرز محطات حياته العامة. وفي النصف الثاني من عمره برز ككاتب سياسي استثنائي. خلال الحرب الروسية الألمانية، وثورتي فبراير وأكتوبر، والحرب الأهلية، كتب آندرييف سلسلة من المقالات والنداءات غاب عنها أندرييف القديم الذي كان عاجزًا تمامًا عن ترسيخ موقف اجتماعي وسياسي حاسم.
يمكننا عبر تحري عناوين مقالاته في تلك الفترة أن ندرك فحواها بصورة واضحة: «درب الرايات الحمراء»، «القتلة والقضاة»، «مواجهة مهام العصر»، «النداء»، «الموت»، «إليك أيها الجندي!». وبعد ثورة أكتوبر، وفي منفاه الفنلندي عام 1919، كتب آندرييف مقالًا بعنوان «SOS» (أنقذوا أرواحنا) داعيًا دول الوفاق، حلفاء روسيا السابقين في التحالف المناهض لألمانيا، إلى التدخل في الشؤون الروسية وعدم التنصّل من التزاماتهم تجاه الحلفاء. كما ناشد العالم المتحضّر بأسره مساعدة روسيا على الخروج من الفوضى الدموية.
واجهت آراء أندرييف السياسية حول الحرب الروسية الألمانية، والثورة، والحرب الأهلية استهانة من متلقيها من الحكومة والأفراد على حد سواء. كذلك لم تلقَ مقالته آذانًا صاغية، لا بين المهاجرين الروس ولا بين حكومات العالم، ولم يكن مقاله هو ما دفعهم للتدخل المباشر في روسيا، بل مصالح أخرى، لكنه في عاطفته الإنسانية العميقة كان مُحقًا وصادقًا. كان العالم منقسمًا مضطربًا في تلك الفترة، وقد حلّ عصر "انهيار الإنسانية" كما وصفه معاصره ألكسندر بلوك.
لم يكن أندرييف يدعو إلى خلاص روسيا التي لم يعد يؤمن بها، بل كان يدعو إلى خلاص أرواح البشر.
أما حياته الشخصية بعد وفاة شورا فموضوعٌ مستقلّ نادرًا ما يدرسه من تحرّوا سيرته. هل كان سعيدًا بزوجته الثانية، آنا إيلينيتشنا؟ تلك التي تزوّجها بعد وفاة زوجته الأولى بفترة وجيزة عام 1908؟ نظن أنه فعل هذا عن عجل، وليس بدافع الحبّ وإنما خوفًا من الوحدة.
نشأ دانييل، ابن أندرييف من زوجته الأولى، بعيدًا عن تأثير والده، وكانت علاقته به وبعمله معقّدة نوعًا ما. وكما أخبرت أرملة ابنه، آلا أندريفا، فقد أدان ابنه بشدّة "قصة السبعة الذين شُنقوا" معتبرًا إياها تبريرًا للإرهاب. أما ما ورثه بوضوح عن والده فهو ميله إلى الرؤى الصوفية وطبيعته التي آمنت ومارست بعض التنبؤات الروحية.
أما أهم مساعي أندرييف الشخصية، إلى جانب سعيه إلى إيجاد عائلة ثانية، فكان تحقيق حلمه القديم ببناء منزله الخاص. لم يكن من المألوف أن يشتري كتّاب ذلك العصر منازلهم الخاصة بدلًا من تأجير منازل أو شقق صغيرة، فضلًا عن بنائها. كانت الشقق المستأجرة والبيوت الريفية هي الحل السائد في هذا العصر، وهو حل مريح بالنظر إلى العائدات البسيطة للكتابة والكتّاب آنذاك، بصرف النظر عن كونه يُلزم المرء بالبقاء في مكان واحد. كان تشيخوف الاستثناء الوحيد تقريبًا إذ اشترى عقار ميليخوفو قرب موسكو وبنى ضيعة داشا بيلايا في يالطا، بالإضافة إلى منزل آخر في جورزوف، أما الاستثناء الآخر فكان أندرييف الذي بنى منزلًا خشبيًا ضخمًا على الطراز "الإسكندنافي" في قرية فاميلسو الفنلندية.
كتب كورني تشوكوفسكي، وهو واحد من أشهر كتّاب الأطفال والنقاد الأدبيين في روسيا في القرن العشرين بسخرية مميزة عن هذا المنزل الغريب الذي لم يبق له أثرًا في أيامنا هذه، لكننا نستطيع الحكم على دقة الشهادة عبر الصور وأوصاف شهود العيان:
"كانت مدفأة مكتبه بحجم بوابة، وكان مكتبه نفسه مربعًا، وكل جذع شجرة في حديقته يزن مئة رطل، وقد بنيت أساساته من صخور الجرانيت العملاقة.
أتذكر أنّه قبل الحرب بوقت قصير أراني رسمًا لمبنى ضخم جدًا، فسألته:
- "أي منزل هذا؟"
- "هذا ليس منزلًا، إنه مجرد مكتب". أجاب ليونيد أندرييف.
اتضح فيما بعد أنّه كلّف المهندس المعماري بتصميم مكتب متعدد الطوابق، إذ كان المكتب العادي ضيقًا وصغيرًا جدًا بالنسبة له.
كان هذا الانجذاب إلى كل ما هو واسع وعظيم وباهظ يتجلّى في كل خطوة يخطوها، هكذا انسجم أسلوب كتابته المبالغ فيه مع أسلوب حياته المبالغ فيه. ولم يكن من قبيل المصادفة أن أطلق عليه إليّا إيفانوفيتش رِبِين- وهو واحد من أعظم رسّامي روسيا في القرن التاسع عشر وأبرز ممثّلي مدرسة الواقعية الروسية - لقب "الدوق لورينتسو". كان لا بدّ لشخصية بمثل طباعه أن تعيش في قصر مذهّب، تتجوّل بين سجاد فاخر برفقة حاشية فاخرة. ناسبته هذه الفكرة؛ بدا وكأنّه خُلق لها. يا له من مظهر مهيب كان يبدو عليه للضيوف، من فوق الدرج الواسع الفخم المؤدي من غرفة الرسم إلى غرفة الطعام! ولو أنّ الموسيقى انبعثت في مكان ما فجأة في ذلك الوقت، كما يحدث فوق خشبة المسرح، لما بدا الأمر غريبًا.
صُمم المنزل على يد المهندس المعماري أندريه أوليا، زوج شقيقة أندرييف ريما، لكن الكاتب نفسه تدخّل في كل تفاصيل المشروع وأملى رؤيته لهذه القلعة العظيمة في جوار قرية فنلندية فقيرة.
وتظلّ الذكريات المتضاربة لدى معاصري أندرييف متعلقة بمنزله الريفي الفنلندي الذي قضى فيه معظم السنوات العشر الأخيرة من حياته.
فبعد أن عاشت واحدة من ضيوفه في منزله هذا لعدة أيام ولاحظت شغفه بلعب الورق الذي كان ينغمس فيه ليلًا مع عائلته. كانت هذه هواية شائعة بين المصيفين والقرويين المثقفين في ذلك الوقت: على سبيل المثال كان ليو تولستوي يستمتع بلعب الورق وليس الشطرنج فقط في ياسنايا بوليانا. وكان رد أندرييف على سؤال الضيفة المفاجئ عن سبب إضاعته كل هذا الوقت في هذه الهواية عديمة الفائدة ردًا مبهرًا:
- "أنسى نفسي تمامًا كلّما جلست للعب الورق، هكذا يسهل عليّ التنفس... بدون أن أنسى نفسي سيصعب عليّ العيش، فكيف أحمل نفسي وأتحمّلها واعيًا بها؟"
في جميع أحاديثه اللاحقة مع ضيوفه عبّرت جمل مشابهة عن سمة مميزة لشخصية ليونيد أندرييف، هكذا كان يصف مأساته دائمًا: "من الصعب أن يحمل المرء نفسه ويتحمّلها، بأفكارها. من الصعب أن يعيش، أن يُفكّر، أن يُدرك ذاته".
من الصعب جدًا أن تكون إنسانًا!
أليس من السعادة أن تنسى الناس ولو لثانية واحدة، أن تنسى أنّك إنسان؟
كل ما هو إنساني غريب بالنسبة لي.
ويكتب فاديم، ابنه من زواجه الأول، أنّ والده لم يدوّن مذكّراته قط أثناء إقامته مع والدته. بدا أنّه لم يكن حينها بحاجة إلى التعمق باستمرار في روحه ووعيه وفحصهما بدقة. لكن إذا نظرنا إلى مذكّراته قبل زواجه يمكننا ملاحظة نفس المزاج الذي لاحظه من عاصروه في حياته اللاحقة.
ولكن من أين يأتي هذا الثقل في الروح وهذا الاضطراب العقلي الذي يميّز أندرييف والذي يجد انعكاسه في عمله كما في حياته الحقيقية؟
قال ذات يوم لأخيه أندريه: "كنتُ الدوق لورينتسو نفسه ذات يوم. لا، لستُ أنا، بل جدي الأكبر، سلفي البعيد، الذي زرع خبرته الحياتية في ظلمات لاوعيي".
عن أي دوق لورينتسو كانوا يتحدثون؟ أتراه هو بطل مسرحية "الأقنعة السوداء" التي كتبها في كابري ومنحه حينها اسم صياد بسيط من كابري، لورينتسو سبادارو؟
ترى من يكون الدوق لورينتسو؟
أما عن بطل المسرحية التي ذكرنا، فهو رجل تعيس يعاني من انفصام في الشخصية يُقدِم على الانتحار في نهاية المسرحية، نوع من التشابه يُلقي بعض الصدى على حياة أندرييف الشاب نفسه. أما آندرييف فكان على الأرجح يُحدّث أخاه قاصدًا شخصًا آخر: لورينزو دي بييرو دي ميديشي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وهو شخصية سياسية بارزة، رئيس جمهورية فلورنسا، راعي فنون وثقافة عصر النهضة، ثري، وشاعر... تُشبه صورته التي رسمها جورجيو فاساري في معرض أوفيزي بفلورنسا مظهر ليونيد أندرييف، ولعلّ أندرييف نفسه لاحظ ذلك خلال رحلاته في إيطاليا؛ شعر أسود طويل، وجه مُحدّد، خطّ حزين بين حاجبيه، عينان سوداوان عميقتان... لو أنه فعلًا قد رأى هذه الصورة لما أغفل عن التشابه.
على كل حال، وإذا قبلنا، وفقًا لأندرييف، فكرة تناسخ الأرواح (وهو أمر مستبعد بالطبع) أو الذاكرة اللاواعية الجينية، حينها وخضوعًا لهذه النظرية، يمكننا تفسير الكثير عن غموض حياته والإنسان الحائر فيه.
يمكننا حينها تفسير استيائه الدائم من نفسه وممن حوله. فهذا ما حدث تمامًا مع الدوق لورينتسو الحقيقي، هكذا بالضبط قدّر للسياسي والشاعر الفلورنسي المرموق أن يعيش؛ في الزمن الخطأ، مع الشخص الخطأ، وفي البيئة الخطأ. كان هناك شيءٌ ما في داخله ومن حوله غير طبيعي، شعورًا أحسّ به لكنه لم يستطع تفسيره.
يمكننا عبر تتبع سيرة السياسيّ أيضًا أن نتفهم مصدر إبداع آندرييف وهو يوازن بين الواقع والدنيا: فوضويته السياسية من جهة، ورعبه من فوضى الثورة والحرب الأهلية من جهة أخرى.
ويمكننا أيضًا أن نخمّن لماذا بنى هذا القصر الغريب، ولماذا أراد أن يذهل الناس به.
افتقد ليونيد آندرييف كل داع للشعور بالراحة في هذا العالم، والأهم من ذلك – في نفسه، في روح ليونيد أندرييف نفسه!
في اليوم التالي لانتصار البلاشفة، في 26 أكتوبر1917، غادر أندرييف بتروجراد واستقر بشكل دائم في فنلندا. وانقطعت صلته بمعاصريه الذين بقوا في روسيا السوفيتية، وكذلك بمن فروا (إلى باريس وبراغ وبرلين بشكل رئيسي). اختفى آندرييف في ظروف غامضة وسرت شائعات عن وفاته.
كتبت صديقته فيرا كاتونينا ذات يوم، نقلًا عن شقيقة أندرييف ريما، أنّه كان يخطط للذهاب إلى أمريكا وترك عائلته مؤقتًا في فنلندا. أما سبب تخطيطه للذهاب إلى أمريكا فهو أمرٌ لا يعلمه أحد. ففي عام 1906 ذهب صديقه جوركي إلى هناك لإقناع أصحاب الملايين الأمريكيين بتمويل الثورة الروسية. فهل كان أندرييف يخطط لجولته الأمريكية لغرض معاكس تمامًا؟ لا يسع المرء حول هذا إلا التخمين.
أما عن وفاته، فقد كتب الطبيب الزائر الذي حضر لتفقّده في شهادة وفاته: "أشهد بأن ليونيد نيكولايفيتش أندرييف توفي نتيجة قصور في القلب في 12 سبتمبر 1919، في تمام الساعة السادسة مساءً في نيفوليا، منزل فالكوفسكي الريفي بالقرب من محطة موستياماكي.
الطبيب أ. بيلاتسكي".
وبعد وفاة أندرييف اتضحّ أنّ عائلته لا تملك سوى مئة مارك فنلندي. وهي نفسها المئة مارك التي رفض الطبيب قبولها ثمنًا لزيارته. طلب آندرييف في وصيته أن يُدفن في موسكو في مقبرة نوفوديفيتشي بجوار قبر زوجته الأولى شورا، لكن هذا كان مستحيلًا عام 1919. ولم ترغب آنا إيلينيشنا في دفن جثته في أرض أجنبية، لذا وُضع التابوت مؤقتًا في كنيسة صغيرة في حديقة أحد مالكي الأراضي المحليين، ولم يُنقل نعش الكاتب من نيفولا إلى فاميلسو ويُدفن في المقبرة المحلية إلا في الذكرى الخامسة لوفاته، ونُصب حينها صليب خشبي على قبره.
وفي عام 1956 نقل رماد ليونيد أندرييف إلى مقبرة الأدباء بمقبرة فولكوفسكوي في لينينجراد.
مات آندرييف بعد غيبوبة دامت لفترة ولم يقل شيئًا لأحد قبل وفاته، حتى إننا لنظنّه قد تنبًا في مسرحيته "حياة رجل" بمصيره إلى حد كبير. يمكننا هنا أن نتذكر كلمات البطل الأخيرة:
("أين حارسي؟ – أين سيفي؟ – أين درعي؟ – أنا أعزل!")
ربما كانت تلك الكلمات آخر ما استطاع الدوق لورينتسو هو الآخر قولها قبل وفاته...
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** تحتفظ المترجمة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتها دون إذن منها
