كانت تقلق عليّ من وحدتي في الحرم الجامعي هناك، من البرد القارس، من البعد، من الوحدة هنا في أمريكا.
عاصفة ثلجية
قصة برونا دانتاس لوباتو
ترجمة: إبراهيم فوزي
مقدمة المترجم
في عتمة الشتاء وسكونه، حيث يتسلل الصقيع إلى الزوايا ويغلّف البياضُ المشهد حتى يصير العالم أشبه بلوحة متوقفة، تقف الراوية أمام نافذتها، وحيدة، تحدّق في الخارج كما لو أنها تنظر إلى حياتها من بعيد. في هذه القصة الرقيقة، تنسج الكاتبة البرازيلية برونا دانتاس لوباتو عالمًا داخليًا تتقاطع فيه الوحدة والمنفى والحنين والأمومة؛ لتصوغ من التفاصيل اليومية العادية نسيجًا شعوريًا عميقًا، لا يقوم على الحدث بل على الاهتزازات الخافتة للحياة حين نكون بعيدين عمّن نحب. العاصفة الثلجية ليست مجرد حالة جوية، بل هي زمنٌ معلّق، عالمٌ مؤقت تنكفئ فيه الذات على نفسها وتعيد اكتشاف صوتها، وصورتها، وصلتها بالآخرين.
في فضاءٍ جامعي شبه مهجور، حيث الممرات المفروشة بالصمت، والطرود المكدسة في غرفة البريد، تتكشف ملامح علاقةٍ بين ابنة مهاجرة وأم تتابع من بعيد تفاصيل يوم ابنتها كأنها تلمسها بعينيها من وراء الشاشة. كل مكالمة عبر سكايب تتحول إلى خيط دافئ يصل بين قارتين.
برونا دانتاس لوباتو كاتبة ومترجمة، حصلت على جائزة الكتاب الوطني لعام 2023 في فئة الأدب المترجم عن ترجمتها لرواية "الكلمات التي تبقى" (The Words that Remain) للكاتب ستينيو جارديل، وهي من مواليد مدينة ناتال في البرازيل، وتُقيم حاليًا في ولاية أيوا بالولايات المتحدة، حيث تُدرّس في كلية جرينيل. عملها الروائي الأول هو "ساعات الضوء الأزرق" ( Blue Light Hours).

الثلج يضفي على الأشياء مسحة من الجمود؛ لهذا آثرت البقاء في غرفتي قدر الإمكان، ملتحفة طبقات الصوف. في عطلة الشتاء، غادر الجميع إلى أماكن أكثر دفئًا.. بقيت هناك في الحرم الجامعي بطرازه الحديث وسقفه الهرمي الذي يشبه علبة الحليب، لم أبعد عن ذلك الحرم أبدًا.
في العصر، أعمل في غرفة البريد هناك، أراقب أكوام الرسائل تتراكم دون أن تُفتح، أفرز المظاريف الرقيقة وأضعها في أماكنها، وأرتب طرود أمازون، والبريد الإعلامي، وطرود العناية المبطنة والتي يرسلها الآباء المحبون على عجل بالبريد السريع. دبروفسكي.. دن.. دانتون. تنشأ حميمية خفية مع حركة الحرم الجامعي، في المجيء والذهاب، حتى وإن خلا المكان من البشر.
مع حلول المساء، أعود إلى غرفتي، أقرأ حتى أُنهي صفحات الكتاب الذي بين يديّ، ثم أتصل بماما عبر سكايب. تسألني في كل مرة:
"هل تأكلين؟ هل تخرجين؟ هل تغسلين ملابسك الداخلية كما علمتك؟ هل تأخذين حذرك عندما تخرجين؟"
كانت تقلق عليّ من وحدتي في الحرم الجامعي هناك، من البرد القارس، من البعد، من الوحدة هنا في أمريكا.
شاهدت ماما فيلمًا عن فتاتين في مدرسة داخلية شمال الولاية، الجليد جعل المكان يبدو موحشًا، هالات سوداء تحت عيني إيما روبرتس، لقد مات الجميع في النهاية.
قالت: "لا تنزلي إلى القبو.. ابتعدي عن الممرات الطويلة.. لا تخرجي ليلًا".
حين سمعتْ في الأخبار عن عاصفة ثلجية تجتاح فيرمونت، كتبت إليّ عبر البريد الإلكتروني تسألني إن كنتُ بحاجة إلى رفيقة، "صديقة تندهش من الرعد معك".
أتصلُ بها كل صباح بمجرد الاستيقاظ من النوم، حتى قبل تناول وجبة الإفطار.
قالت: "لم أرَ عاصفة ثلجية في حياتي." قرّبت وجهها من الشاشة. "أين هي؟"
قلت: "توقفت".
أريتها نافذتي؛ السماء كصفحة بيضاء، البلورات تتدلى من إطار النافذة مثل أسنان مرسومة في دفتر طفل. غمرت الشمس الكاميرا لوهلة؛ فابتلع البياض الركن الذي أجلس فيه من غرفتي بالكامل، ظهر خيالي قبل أن أظهر كلي مرة ثانية.
قالت بحماس: "اتصلي بي أثناء حدوثها، أريد أن أراها بثًا مباشرًا".
ثم بدأت تسرد معرفتها بالعواصف.. عواصف رملية على المريخ، وأخرى على القمر، كوارث أرضية من فيضانات وتسونامي وزلازل. استرسلت في الحديث حتى قلت لها: "ماما، تأخر الوقت. لا بد أن أستعد للذهاب للعمل".
في يوم شديد البرودة، أرسلت لها صورة من نافذتي تظهر الثلج المتساقط فوق ملعب كرة القدم. اعتقدت أنها ستراه هادئًا وجميلا للغاية، لكنها وجدته مخيفًا.
سألتني: "هل يشبه الخروج الآن الاحساس بالدفن حيًا؟"
أجبتها بالنفي، لكن الحقيقة أنني في أحايين كثيرة شعرت بذلك، وكان عليّ أن أنفّض الجليد عن أكتافي وثنيات معطفي قبل أن أدخل غرفتي.. قدماي مثقلتان، فكّي متيبس، ويداي يلدغهما البرد.
طلبت مني أن أبقى في غرفتي قدر الإمكان، وألّا أخرج حتى يصبح الجو أدفأ، ثم هزّت رأسها. "لا.. لا تصغي إليَّّ".
تثاءبت، حدّقتْ في شيء ما ورائي، انسدلت خصلة على عينيها، لكنها لم تزحها. كان الوقت في البرازيل متأخرًا، الليل تجاوز منتصفه. تركتها تخلد للنوم، وبقيت مستيقظة، غرفتي مضاءة بالكامل.
جلستُ أمام الشاشة، أتساءلُ: ماذا ينبغي أن أفعل بعد ذلك، وأنا وحيدة هنا؟ تقبع الروايات الفيكتورية المقررة للفصل القادم على مكتبي في انتظار من يفتحها. بدا الولوج إلى عوالمها مرهقًا تلك الليلة؛ فالعبور في ليلة واحدة من البرازيل إلى أمريكا ثم إنجلترا أمرٌ شاقٌ.
انطفأت الشاشة، وجهي ينعكس عليها شاحبًا ومنهكًا وجافًا كأنه مغطّى بالعفن.
غسلت وجهي بماء بارد في الحمام الموجود آخر الممر، ثم ارتديت معطفي وحذائي، وخرجت أتمشى.
في العتمة، وقفت في منتصف ملعب كرة القدم، نظرت إلى غرفتي بالطابق الثالث، وإلى غرف الجيران، ظلٌ مرّ في غرفة، وفي أخرى فتاتان تعيدان رأسيهما للخلف وهما تضحكان بصمت، أما نافذتي فترسم إطارًا لصورة كاملة من السكون. بدا العالم بأسره وكأنه يهدأ في هذه اللحظة ليسمح لي أن أتأمل شكل حياتي.
عندما توقعت أنها استيقظتْ، اتصلتُ بها، أنار الضوء المنبعث من شاشة الحاسوب وجهها.
سألتها: هل كنت نائمة؟"
"الضوء يصيبني بالصداع". قالت، ثم مررت يدها على جبينها.
تلك الأيام، أصاب ماما التعب. تشعر بالدوار. كل شيء يسبب لها صداعًا نصفيًّا. طنينٌ في الأذنين. ذبذباتٌ في العينين. أصبحتْ تعيش في عالم باهت، صامت، ومظلم. تغطي عينيها بقطعة شاش دافئة.
اعتقدتْ أنها ستحب سكن الطالبات الذي يشبه علبة الحليب والحرم الجامعي، الممرات المفروشة بالسجاد، الثلج الذي يبتلع الأصوات، الطعام، الليل المتسلل إلى الصباح. قلت لها ذلك، فردّت:
"تخيلي إن وصلت إلى مكانك، وأكلت طعامك، ونمت في سريرك، وارتديت ملابسك، فسأشفى على الفور".
أخبرتها عن نزهتي إلى ملعب كرة القدم، فابتسمت وقالت:
"إذًا أنتِ تصغين إليّ بعد كل شيء".
"نعم! نعم!"
"لا تخرجي في الظلام. هل سمعتِ عن الطالب الفلبيني الذي قُتل في نيويورك؟ ليس بعيدًا عنك".
قهقهتُ، وأسعدني عودتها إلى طبيعتها.
مع اقتراب انتهاء عطلة الشتاء، أرسلتْ إلىّ إيميلًا لتخبرني أن الطرد الذي أرسلته في عيد الميلاد قد وصلها، بعد أسابيع قليلة من التأخير. لقد نسيت أني أرسلته من الأساس.
عبر سكايب، انتظرتْ والصندوق في حجرها حتى نفتحه سويًا. أصابعها على عنواني. "لا أصدّق أن هذا الطرد قطع كل تلك المسافة من أمريكا إلى هنا".
أدارت الصندوق إلى الشاشة لتريني ملصق الجمارك الذي ملأته بنفسي. "انظري! ألمسُ خطك الآن، إن لمسه يشبه لمس يديك". قطعت الشريط اللاصق بمقص المطبخ، فوجدتْ البطاقة التي كتبتها لها، كانت البطاقة تحمل صورة كلب بنيّ يعدو على تل ثلجيّ. قلت: "اقرأي لي المكتوب".
"قويريدا مآي. فيليز ناتال". لكنها لم تفهم بقية المكتوب.
"خطك تغير، بالكاد أفهمه".
"لم أعد أكتب بخط مائل منذ كنت طفلة".
"هذا هو! لقد صار ناضجًا الآن، لم أعد أرى ابنتي الصغيرة فيه."
"أريني، سأقرأه أنا".
رفعت البطاقة المفتوحة أمام الكاميرا، حاولت أن أفهم ما كتبتُه، ولكن لم أرَ سوى خربشات.. سطور مرتبة من الخربشات.
قلّبتْ بقية محتويات الصندوق: زجاجة صغيرة من عسل القيقب، كيس صغير من حلوى النعناع، شال أزرق. وضعت الحاسوب على طاولة القهوة، ووقفت تلف الشال على كتفيها وهي تتمايل.
جلست، ثم قرفصت على الأريكة، تلتف بالشال كأنه بطانية صغيرة، تغطي به جسدها حتى ذقنها.
"يشبه العناق.. شرنقة. سنتحدث حتى أنام؟"
أومأت، لم أعرف ماذا أقول.
فكرت أن أقرأ لها قصة بدلًا من حديثنا، شيء مهدئ لا يشبه الأخبار. فتشت عن كتب بالبرتغالية، لكني كنت محاطة بكتب إنجليزية فقط. الروايات، والمطويات، والمجلات، وحتى يومياتي مكتوبة بالإنجليزية.
قالت: "حسنًا، اقرأي بالإنجليزية، لا مانع، فقط أريد أن أسمع صوتك".
أغمضت عينيها، وانتظرت وهي تضرب خيوط الشال بيديها. تناولت رواية من العصر الفيكتوري كنت أَدرسها، فتحتها على صفحة عشوائية، وبدأت أقرأ لها عن الأيتام، والمصائر، والأقدار. قرأت طويلًا لما يقارب الساعة، حكاية طولها ثمان وعشرين صفحة. ماما تهز رأسها أحيانًا حتى غلبها النعاس، رأسها يميل على كتفها.
وماذا بعد؟ هل كان عليّ أن أقطع الاتصال؟ أغلق المكالمة في وجهها؟ في وجه أمي؟
أطفأت الميكروفون، وبقيت معظم الليل أراقبها.. حركاتها قليلة، وجهها مضيء في العتمة، خصلات شعرها منسدلة على عينيها، نومها قلق.
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
