النساء في أدب الرجال.. تعبير مستحيل؟

2025-10-07 - Mahmoud Hamrouch

هل يستطيع أصلًا المؤلف الرجل الخاضع والرازح تحت نير كل هذه العوامل الخارجية الضاغطة اللاواعية أن يخرج عن هذه الأطر ولا يرتكب هنا أو هناك خطأ الوقوع في فخ التنميط أو عدم المصداقية حين يحاول التعبير أدبيًا عن المرأة؟

النساء في أدب الرجال.. تعبير مستحيل؟

مقال محمود حمروش


William Worchester Churchill

يعتبر الأدب، من ضمن أشياء أخرى عديدة، محاولة للتواصل مع الآخر. هذا الآخر يكون الكاتب ونحن القراء من ناحية ومن ناحية أخرى شخصيات خيالية (لكن ليس بالضرورة وهمية) مختلفة عننا وحياتنا وتجاربنا الذاتية شد الاختلاف، بل أحيانًا بالكاد يمرون أمامنا مرور الكرام دون أن نلحظهم أو نسمع بوجودهم، ومع ذلك نشعر بهم وبتجاربهم ومحنهم. لهذا يكون العمل الأدبي ناجح ومؤثر فينا حين يجعلنا نشعر بتجارب لم نستطع التعبير عنها أو سبغ كنهها بشكل دقيق، أن نضع أنفسنا في حذاء الآخر كما يقول التعبير الإنجليزي الشهير. ومن ضمن ظواهر عبقرية عمل أدبي ما هو أن يجعلنا نشعر بهذه التجربة في كل خلية في جسدنا، هنا تكون التجربة شيء أقرب إلى الجسدية، حيث تشعر بانقباض في بطنك وتلهث لكي تأخذ أنفاسك مع كل سطر. وتعتمد تجربة القراءة على عدة عوامل لها علاقة بالقارئ نفسه، ولكن أيضًا هناك عوامل تتعلق بالكاتب خاصة إن كان المؤلف نفسه في حياته الشخصية وتجربته الذاتية بعيدًا كل البعد عن هؤلاء الذين يحاول إيصال تجاربهم وآلامهم إلى القراء. فأن يكون كاتب من خلفية صعلوكية مثلًا، يكتب عن هذه التجارب جيدًا وبأسلوب قوي من حيث المصداقية (وطبيعي أن يكون كذلك) لأنه نابع من شيء له به الكثير من الخبرة إن لم تكن الخبرة بألف لام التعريف، بينما يكون الوقع أقوى وأشد إن كان العمل ناتج عن ما جادت به قريحة مؤلف بعيد كل البعد عن هذه التجارب في حياته الشخصية وبالرغم من ذلك استطاع التعبير بنفس القوة والصدق عن هذه التجربة والكينونة المستقلة. 

هنا يجب التنويه أن تلك "المصداقية" لا يمكن الوقوف على كنه كيفية إلى وصولها إلى القارئ بشكل موضوعي. فالمسألة لها علاقة أكثر بالإحساس والإنفعال والحدس، الذي هو بطبيعته انطباعي ونسبي. كل ما يمكننا قوله هو أن الصدق في التعبير الأدبي يمكن تذوقه بشكل حدسي، إن لم نقل فطري. ما أن تراه حتى تشعر به، في جسدك. بالمثل، الاصطناع في الأسلوب والكذب في الشعور يوصل أيضًا إلى القارئ الحصيف ويشعر به في أمعائه، حتى لو كان العمل الأدبي "رديئًا".

نكرر مرة أخرى، الشعور بالمصداقية التي عنها نتحدث واختبارها يكون نسبيًا ومقترنًا اقترانًا طرديًا -إن لم يكن وجوديًا- بتجربة وذائقة وفهم وتفسير القارئ نفسه بكل ما يحمله من ذاتية واختلاف/ تشابه مع ما يقرؤه. لكن هذا لا يمنع أن أحيانا في الأدب يصعب (إن لم نقل يستحيل) التعبير بشكل صادق خالي من الأفكار المسبقة والمقولبة عن الآخر. من وجهة نظرنا، التعبير الجندري عن الآخر من النماذج الصارخة في هذه الصعوبة. الأمر سيان سواء كان رجلا يكتب عن المرأة أو العكس على الصعيد النظري -وإن كان للرجال نصيب الأسد في هذا الأمر- لأن الكينونات الجندرية من أكثر الأنطولوجيات تعقيدًا، مشوبة بالكثير من سوء الفهم والذاتية والأحادية في التناول. نرجو ألا يتبادر إلى ذهن القارئ أننا نتحدث عن "طبيعة ثابتة " ما، أو "جواهر مفردة" تحلق في مطلق الأثير اللامتناهي. الأمر مقترن أكثر بالاختلاف الجندري ككينونة وتجربة معاشة. الجندر كمفهوم وتجربة مقترن بالكثير من الأفكار المسبقة، والتجارب الذاتية، والقوالب والأطر الثقافية، والهندسة الاجتماعية، والصور النمطية التي تزيد من صعوبة الأمر. 

وقبل أن ندخل في لب الموضوع (عدم مصداقية الرجال في تعبيرهم عن النساء أدبيًا) علينا أن نقولها واضحة وصريحة: النساء أيضًا يقعن ضحايا لهذه الصعوبة التعبيرية (وإن بشكل مختلف)، ولمن يتشكك فيما نقول فعليه أن يقرأ رواية دونا تارت الأولي "التاريخ السري"، التي بالمناسبة لا تنجح في التعبير عن الرجال بل عن المراهقين أيا كان جندرهم. هذا بالطبع لا يعنى أنه لا يوجد أمل في الأعمال الأدبية المؤلفة عن طريق نساء (وليس الأدب النسائي كما يحلو لبعض النقاد أن يلصقوه هكذا بضربة لازب على أي عمل مؤلفته امرأة لأنه ليس أكثر من توصيف ذكوري متمحور حول الجنس ولا يفي الظاهرة حقها من تفسيرية وشمول). وقراءة سريعة لرائعة فيرجينى ديبونت "فيرنون سوبوتيكس" تؤكد أن من الممكن أن تقوم امرأة بالتعبير بصدق عن رجال في أعمالها الأدبية، ففى هذا العمل هناك شخصيات عديدة من الرجال والنساء تنبض بالحياة وتجري فيها الدماء ولا يتبادر إلى ذهن القارئ ولو للحظة أن جندر المؤلفة وقف حائلًا بينها وبين هذا الإنجاز، كذلك تقريبًا كل أعمال الكاتبة النمساوية ألفريدة يلينيك، التي لم تمتلك ناصية التعبير الصادق عن كل ما هو قبيح في الرجل بل القاسي والوحشي في الإنسان عمومًا. أو أرونداتي روي ورب أشيائها الصغيرة التي تعتبر تحفة فنية بشتى المقاييس، لكن من زاوية التعبير عن شخصيات رجالية تحديدًا، تجد صدق شديد يجعلك تنسى أن المؤلفة امرأة. 

على الجانب الآخر، سود الرجال صفحات تلو الصفحات عن النساء، الحقيقة أن أكثر موضوع أعطى له الرجال أهمية وقتلوه بحثًا (وكانوا دائمًا حياله على خطأ ومضحكين إلى حد الإحراج لأنفسهم قبل أى أحد آخر، سواء في مجال العلوم الإنسانية أو الأدب أو حتى في أحيان كثيرة العلم الطبيعي) هو المرأة. سواء في الأدب أو في المغامرات والفذلكات شبه العلمية للقرن التاسع عشر شبح النساء حاضر دائمًا ويلوح بطيفه على القارئ. فمن ألف ليلة وليلة، مرورًا بالديكاميرون وشكسبير، وصولا إلى الأدب الحداثي بفروعه وحتى ما بعد الحداثي إن شئت، يكاد يكون البطل الأساسي ونقطة تركيز بؤرة العدسة هو المرأة (بينما العكس غير صحيح وليس بنفس المماثلة في الأدب الأدب المكتوب بأقلام النساء الذي عادة يركز أكثر على النساء وتجاربهن الذاتية أو أي شيء آخر غير الرجال. نعم نحن، عكس ما نتوقع، غير مهمين في أولويات النساء). في نفس الوقت انعدام المصداقية الذي يكاد يقترب إلى حد التصوير الأسطوري – أو الساذج، أحادى النظر والمحرج إن شئت – للمرأة صارخ في كل هذه الأعمال. 

فكما بين لنا إدوارد سعيد كيف يقع المستشرق في كثير من الأحيان في معضلة شائكة تجعله يكتب كثيرًا ويتخصص عن موضوع يكن له أشد أنواع الاحتقار، مما يؤطر كل نتاجه الذي يدعي العلمية، فيطلق أحكامًا على تاريخ وشعوب بأكملها يستحي القرد بذكائه المحدود من إطلاقها، كذلك حال أغلب الكتاب الرجال، عربهم وعجمهم، قديمهم ومعاصرهم، فلا تخرج المرأة من فوهة أقلامهم إلا وهي متشحة برداء مسخ من القبح والدمامة والتشييء الجنسي والتنميط الغبي الذي يكاد يقترب إلى الطفولة والسذاجة والسطحية التي لا تتجاوز البورنوجرافيا، مرورًا إلى عدم الكتابة عن النساء إلا بوصفهن لوازم وأدوات لتعميق شخصية البطل الرجل، انتهاء بكره النساء العزيز على كل قلب رجل أصيل يتفصد التيستستيرون من كل مسامه.

لكننا نتساءل فقط: هل كان للأمر أن يحدث عكس ذلك؟ إن كان الجندر وعلاقاته معقدة كما قلنا ومقترنة بالكثير من العوامل مع الإضافة إلى ألوف مؤلفة من الذكورية كنظام اجتماعي، حيث أن الذكورية بالأساس نظام اجتماعي طبقي ينظم ويقسم العمل بين الرجل والمرأة (ناهيك عن من يخرجوا عن نمط الغيرية) وفي هذه الحالة العمل موضوع التنظيم والتقسيم هو ببساطة شديدة وظائف المرأة التناسلية، وهو بالأساس علاقة قوة، وكأي علاقة قوة فهي متفاوتة وتأثيراتها العديدة لاشعورية. إن كان ذلك كذلك فيستحيل أن يكون التعبير عن النساء في أعمال الرجال غير كاريكاتوري، جنسي، ذكوري، ميزوجيني، نمطي أو حتى غير وهمي. فهذا نتيجة طبيعية لكل هذه الأمور. 

هل من الممكن أن يشعر كاتب بكل ما تحمله كلمة يشعر من معنى بآلام وعذابات الحمل والمخاض، والكثير من المشاعر الفوضوية المتناحرة في دواخل الأمهات وهذا الإحساس بالذنب الدائم إن لم يكن خارج تجربتهم كأبناء لأمهاتهم الشديدة الذاتية والتي قد لا تخلو من التعقيد بحيث يزيد فيها الانحياز الذي يمنع التعبير الصادق عن هذه التجارب، التي مهما حدث لن يستطيع رجل أن يدعي أنه يتفهمها بله أن يشعر بها؟ هل يمكن لرجل أن يفهم ويشعر جنسانية المرأة؟ أو شعورها باللذة والنشوة الجنسية؟ خاصة وإن كان محمل بالكثير من الصور النمطية والأفكار الخاطئة (مثل أن الجنسانية النسائية لغز يصعب تفسيره) والنمطية عن هذه الجنسانية؟ هل يستطيع رجل لا يعاني من الدورة الشهرية أن يفهم بله أن يعبر عن آلامها وتأثيرها النفسي على شخصيته النسائية دون أن يقع في فخ التسطيح أو السخرية المكرسة ذكوريًا أو الاحتقار اللاشعوري والتقزز المكرس له أبويًا وذكوريًا؟ حتى في أفضل الأحوال، إن اعتمد الكاتب على تجاربه الذاتية مع النساء من حوله، وحاول قدر المستطاع أن ينقل لنا تجاربهن في عمل أدبي، هل يمكننا أن نعتبر هذه المحاولة الغارقة في ذاتيتها صادقة خالية من أي انحيازات؟ كيف يتأتى لها أن تصل إلينا بكل صدقها دون أن نشعر أن هناك شيئًا ما ناقص؟ شيء ناقص دائمًا نجده مكتملًا حين تكتبه امرأة؟ هل يمكن لعلاقة من ضمن مكوناتها أنها جنسية بالأساس أن تخلو من التشييئ الجنسي أو النظرة الجنسية؟ إلى أي حد ينطبق ذلك على كلا الجنسين وما علاقة الذكورية والرأسمالية بكل ذلك؟ 

ثمة أمر ظاهر جدًا في السينما يعرف في الأوساط الجندرية النقدية النسوية بـ"النظرة الذكورية". لكننا هنا نتساءل على سبيل شحذ ذهن القارئ واستفزازه: هل قام عبد الرحمن كشيش بشيء من عجائب الأمور عندما صور العلاقة الجنسية بين بطلتي فيلمه "الأزرق هو اللون الأكثر دفئًا: حياة أديل" بطريقة لا تختلف شيئًا عن مقاطع المواقع الجنسية الساخنة؟ وألا توجد هذه المقاطع نفسها في سياق أوسع قديم جدًا ومنتشر في الثقافة الذكورية بل وفي مخيال الرجال الجنسي بشكل عام المهندس اجتماعيًا وثقافيًا أن يكون كذلك، ألا وهو المخيال الجنسي المرتبط بالسحاق والسحاقية، المعادل الغيري لاحتقار الرجل "للشاذ"؟

بعبارة أخرى، هل يستطيع أصلًا المؤلف الرجل الخاضع والرازح تحت نير كل هذه العوامل الخارجية الضاغطة اللاواعية أن يخرج عن هذه الأطر ولا يرتكب هنا أو هناك خطأ الوقوع في فخ التنميط أو عدم المصداقية حين يحاول التعبير أدبيًا عن المرأة؟ بالطبع هذا ليس من المستحيل ولكنه يحتاج إلى الكثير من التعاطف ثم التعاطف ثم التعاطف ثم البحث وأخذ وجهة نظر النساء بطريقة قد لا تكون في متاح المؤلف.

تبدو المسألة معقدة لأن فيكتور هوجو كان أسيرًا للجماليات الرومانسية والذكورية مما جعله يرسم شخصيات نسائية من شدة تنميطها تكاد تصل إلى حد السخف واللاواقعية، ففي الناحية الأخرى، نرى ديفيد فوستر والاس في رائعته "السخرية اللانهائية" -التي نعتبرها من أعظم ما كتب في أواخر القرن العشرين إن لم تكن أيضًا في القرن الحادي وعشرين لصحة ما تنبأت به عن عالم الاستهلاك الترفيهي المعولم من "نتفلكس" إلى "فلترات إنستجرام"- رغم قوتها التعبيرية الشديدة فما يتعلق بمشاعر وتجارب يصعب التعبير عنها دون الانزلاق في الكليشيه، كالاكتئاب والإدمان، فنجد أن هناك فعلًا عدم تناسب بين الشخصيات الرجالية والنسائية (فالرجال ليسوا فقط أكثر ولكننا كقراء نفهمهم جيدًا لما أتيح لهم من طول فترة الظهور والتعبير عن النفس، بينما الشخصيات النسائية وإن لم يكن سطحيات فهن غامضات ولا يعبرن عن تجاربهن بصيغة الراوي المتكلم، وما يروى عنهم قصير النظر وشبه سطحي وتطفح من كل مسامه وفتحاته نظرة الرجل المحتقر للمرأة بشكل دفين) وألا يعكس هذا الغموض عدم قدرة الكاتب نفسه أو ربما خشيته عن التعبير عن هذه الشخصيات النسائية بصيغة المتكلم لأنه مفصول عنهن ككينونة؟

الكراهية المبطنة وعشق جسد المرأة الميت

أرغب هنا التشديد على ما قلته سابقًا عن طريق تأمل تجارب عملية في عملين أدبيين مهمين تتقاطع فيهما إشكالية التعبير المستحيل النابعة من الاحتقار الدفين الذي يكنه رجل الإنتليجينسيا في القرنين التاسع عشر والعشرين لكل ما هو أنثوي. وللتأكيد على عالمية الظاهرة، سنتناول عملين من ثقافتين مختلفتين تمامًا، فرنسية وإيرانية. العمل الأول الذي سنتناوله هو "مدام بوفاري" للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، وهي رواية مشهورة عن الخيانة الزوجية في القرن التاسع عشر وملل الحياة العادية "المديوكر" في مواجهة التطلعات الحالمة الرومانتيكية لامرأة من الطبقة البورجوازية الصغيرة الفرنسية في القرن التاسع عشر. رواية عن الرغبة الجامحة إلى التحرر والشب عن الطوق المربوط حول أعناقنا وتطويع حياتنا العادية المفرطة في عاديتها لأحلامنا الرومانسية التي لا تعرف حدود أو مدى. رواية يظنها البعض نسوية بينما يظن البعض الآخر أنها كارهة للنساء. ما سأحاول توضيحه، أنها شيء أفظع من ذلك؛ أما العمل الثاني فهو رواية "البومة العمياء" للكاتب الإيراني صادق هدايت. قد يستغرب أحدكم عن اختياري هذه الرواية بالذات كمثال لأطروحتي، فهي رواية سوداوية تهتم أكثر بوصف ذهان ومخاوف راويها الرجل، الأشبه بشخصيات كافكا ونزيل قبو دستويفسكي، ولا تمت بصلة لأي محاولة للتعبير عن أي شخصية نسائية. نعم نقر بكل ما سبق وهو صحيح، لكننا نرى في الرواية الكثير من التوترات الذكورية والاحتقار للنساء (على الأقل على لسان الراوي، على أننا في حالة صادق هدايت لن يجانبنا الصواب في الفصل بين الراوي والمؤلف نظرًا لتقاطع الكثير من الأفكار المعبر عنها في الرواية مع أفكار الكاتب) التي نجد فيها الحل المفتاحي للإجابة على تساؤلنا الذي طرحناه في المقالة الأولى: لماذا يفشل الرجال في التعبير عن النساء في أدبهم دون أن يشوب تعبيرهم هذا التوتر الذكوري؟ 

"مدام بوفاري" نجاح منقوص؟ أم احتقار مبطن؟ 

قرأت "مدام بوفاري" وأنا في الصف الثاني من كلية الحقوق فرنسي جامعة القاهرة، تحديدًا في عطلة الصيف. لا أتذكر أن الرواية أعجبتني في أول الأمر. مستوى اللغة الفرنسية كان أعلى من حصيلتي اللغوية وقتئذ، مما فرض علي التوقف كثيرًا للبحث عن معاني الكلمات مما عطل من سيل وتدفق القراءة ومتعتها. بالإضافة إلى الوصف الكثير في هذه الرواية الذي لم تستطع معدتي الأدبية المبتدئة هضمها. لكن رويدًا رويدًا، بدأت أتعود عليها وانتهى بي المطاف بتذوق عبقرية هذا الوصف الذي فاق أي شيء قرأته من قبل في دقة تفصيليته. ثم ما أن تتعرف إيما بوفاري برودولف وليون، تتسارع الأحداث وتشتد وتأخذك الحبكة من تداعي إلى تداعي آخر، ومن كارثة إلى كارثة تجد إيما حبيسة لها، حتى تصل لنهايتها التراجيدية. أتذكر وقتها إنني لم أتعاطف مع شخصية إيما بوفاري على الإطلاق، وجدت فيها شخص غير مسؤول على الإطلاق وأناني وظلمت ابنتها أيما ظلم. ولا أنكر أنني تعاطفت مع شارل، ولكن الشخصية الوحيدة التي تعاطفت معها حقيقةً كانت شخصية ابنتهما، التي دفعت ثمن أخطاء كل من إيما وشارل بوفاري في نهاية الرواية. 

لماذا أحكي عن تجربتي النسبية في قراءة الرواية؟ لأني ما أن انتهيت من قراءة الرواية، خضت نقاشًا مع والدتي عن هذه الرواية التي اتضح لي أنها أيضًا قرأتها أثناء المدرسة. ما صدمني كان تعاطف والدتي الشديد مع إيما بوفاري. أعربت عن اعتراضي وانفعلت، كيف؟ هي ليست فقط خائنة لزوجها، بل شخص غير مسؤول ولا تعرف معنى الأمومة! ماذا تقصدين يا أمي أنك تتعاطفين معها؟ بهدوء ردت أمي: نعم، هي امرأة مسكينة عاشت في الروايات الرومانسية والأحلام الخيالية ولطالما تخيلت أنها ستحظى بنفس تلك الحياة التي قرأت عنها في الكتب الرومانسية، لكنها اصطدمت بصخرة الواقع "الميديوكر" والباهت، وتزوجت شخص عادي محدود الذكاء بلا طموح ولم يبذل أي جهد في أن يتعرف عليها ويتكلم معها حتى أو يبني علاقة أعمق معها، كل ذلك دفعها لارتكاب ما فعلت. 

من طبيعي أن تختلف القراءة حسب موقعك وتجربتك، فما هو الأمر إذا؟ هل أراد فلوبير كما ظننت تصوير شخصية كريهة لكي نحكم عليها؟ أم أراد أن يعبر عن نوع معين من النساء عشن في محيطه بمنتهى الحياد؟ أم أن الأمر، كما سأحاول أن أبين هنا، أفظع من مجرد تأطير الرواية في ثنائية "رواية نسوية" ضد "رواية كارهة للنساء". 

لا شك أن فلوبير، بالمقارنة مع أقرانه من كتاب ومفكري القرن التاسع العشر الرجال، كان إلى حد كبير متفتحًا جدًا في نظرته للنساء، فعلى الأقل، على العكس من جوزيف برودون أو بودلير أو حتى نيتشه، كان الرجل على علاقة صداقة أدبية بجورج صاند. جورج صاند التي شبهها كل من برودون وبودلير بالمسخ والكائن الشاذ لأنها امرأة تكتب، أي مسترجلة، والتي نعتها نيتشه بالبقرة السمينة في "غسق الأوثان"، كان فلوبير يحترمها ويقدرها جدًا ويعتبرها أستاذًا من أساتذته. نعم نعم، هذا ليس خطأ إملائي، كان يخاطبها بصيغة المذكر حين يقرظ موهبتها الأدبية. وأعتقد في هذه لفتة البسيطة تتلخص كل المشكلة التي نجدها في رواية مدام بوفاري: فلوبير لم يكن قادرًا على التعاطف مع شخصيته النسائية لأنه غير قادر عن تخيل أي شيء مغاير للكينونة المذكرة. 

من المعروف لأي قارئ متمعن لفلوبير أن شخصية إيما بوفاري هي تخيل أنثوي لجوستاف فلوبير نفسه. فقد نسب له أنه قال "أنا مدام بوفاري". هذه المقولة مشكوك في أمرها ولكننا نجد على صحتها شواهد كثيرة، أولًا لتشابه حياة فلوبير مع إيما في أن كلاهما أراد الانعتاق من نير الريف الخانق والذهاب إلى باريس للاستمتاع بأضوائها. هذا من الجهة المباشرة في التوازي بين سيرة كل من المؤلف والشخصية. علاوة على ذلك، نرى التشابه بين المؤلف وشخصيته يظهر في جلاء أكبر حين نقرأ ما كتبه فلوبير عن رحلته في مصر. أتى فلوبير إلى مصر وهو معبأ بالكثير من الصور والخيالات والألوان التي استقاها من كتب ألف ليلة وليلة والشعر الرومانسي الذي يتكلم عن الشرق الخالد. كان متطلعًا لإيجاد الألوان الزاهية في مواجهة لون المدن الفرنسية الباهتة، والغيد والغلمان الحسان في مقابل النساء البرجوازيات الكاثوليكيات الطهرانيات المتخشبات، والجنس المنفلت من عقاله في مقابل المحافظة البورجوازية المنافقة... لكنه خاب أمله أيما خيبة حين لم يجد في مصر الحقيقية التي رآها رأي العين أي من هذا... إن لم تكن هذه البوفارية فماذا تكون؟ 

هذه واحدة. أما الثانية فنحن نرى أن الطريقة التي كتب بها المؤلف إيما كانت مشبعة بالنظرة الذكورية للأمور. فعلى مدار الرواية كبيرة الحجم وكثيرة الفصول، لا يمكن للقارئ الغوص في عمق شخصية إيما. إيما بوفاري كانت شخصية مسطحة. بلا عمق. نعم هي ضحية مسكينة للأدب الرومانتيكي ولم تستطع أبدًا تقبل الواقع والخروج من توحدها مع ذاتها وخيالاتها، تمامًا مثل المؤلف، وكان حبيسة زيجة تحد من طموحها في أن تعيش أوهامها الرومانتيكية. كل هذا صحيح، إلا أننا عدى ذلك لا نجد أي شيء آخر في إيما. لم يكن لها أي تطلعات شخصية في أن تعمل مثلًا أو تكمل تعليمها أو أن تترقى اجتماعيًا، بل كان دافعها الوحيد والأساسي، هو رغبتها أن تعيش علاقة عاطفية مليئة بجموح الرغبة الجنسية. فكما بينت الناقدة الأدبية والمنظرة النسوية آندريا دوركن في كتابها "الجماع" أن حرية بوفاري كما تخيلها فلوبير تكمن في تعطشها للجنس وأن يتم مضاجعتها من الرجال. فإيما لم تستمتع بالجنس مع شارل. فذهبت لتبحث عن هذه اللذة المحرمة عند غيره. كما أنها لم تجد نفسها أبدًا في حياة سيدة المنزل أو الأم. وهذا بالطبع أمر مفهوم وجميل أن يقوم كاتب رجل بتصوير هذه الحالة. لكن حين نتذكر السبب الحقيقي وراء مقت إيما بوفاري للأمومة، يتضح لنا أنه لم يكن أي شيء غير إنها رزقت ببنت بينما كانت تحلم أن تلد ولدًا. بالتأكيد، في مجتمع ذكوري من الطبيعي أن تشعر أمهات كثر بمثل هذه المشاعر نظرًا للضغط المجتمعي. لكن فلوبير لم يظهر لنا أي من هذا، بل حتى في هذا الأمر، ربط رغبتها في أن ترزق بولد بهوسها بالأفكار والأحلام الرومانتيكية، تماماً كرجل رومانسي. 

لا شك أن بوفاري كانت مجرد وسيلة لفلوبير للتحذير من مخاطر رفض الواقع واستبداله بالأوهام (نصيحة لم يقم هو بتطبيقها حين زار مصر)، ولا نريد أن يفهم من كلامنا أن هذا التصوير للشخصية لم يكن "واقعيًا" بمعنى أنه لم توجد نماذج من النساء مثل إيما بوفاري. بالتأكيد. لكن ما نريد توضيحه، من الناحية الفنية، أن إيما بوفاري شخصية تنضح بالذكورية، ليس فقط بالطريقة التي تم وصفها، أو كونها بطريقة ما إسقاط لفلوبير نفسه (وهو أمر طبيعي إلى حد ما، فأي عمل إبداعي يكون مطبوعًا بشيء من حياة وشخصية المبدع) لكن أيضًا لأنها في كثير من أفعالها وأفكارها كانت تشبه أفعال الرجال وأفكارهم: سواء في جفائها العاطفي، أو بحثها المحموم وراء اللذة العارية من أية مشاعر، في برودة عاطفتها وقسوتها مع ابنتها.. إلخ. في كل ذلك كانت تتصرف كما يتصورها رجل. فالمرأة النيمفومانية هي نتاج خيال ذكوري أكثر منه واقعي. إلا أننا يجب أن نؤكد على عبقرية فلوبير، فكما بينت دوركن، مهما تشابهت بوفاري مع رودولف وليون، من حيث عدم الارتباط العاطفي (فهي وجدت فيهم أداة للذة وتذكرة خروج من ضيق الريف إلى رحابة باريس، مخطئ من يظن أن إيما أحبت أي منهما) وسعيها الحثيث وراء شهوتها، إلا أنها كامرأة افتقدت ما تمتع به كل منهما: قوة الهرب وعدم الالتزام بأي شيء. ولذلك حين احتاجت إلى مساعدتهما لإنقاذها من غرقها في رمال ديونها المتحركة، لم يكن أمامها بد، إلا أن تقوم بحل راديكالي لئلا يفتضح أمرها متسق مع شخص مسطح وأناني كما كتبها فلوبير: الانتحار.

هنا لن أقوم بالغوص في تفاصيل مشهد انتحار إيما بوفاري القاسي، لكن أريد فقط لفت النظر أن هذا المشهد، بطوله وتفاصيله المبالغ فيها كانت إلى حد ما انتقام للمؤلف من الشخصية، وكأنه بعد أن مهد لك الأرضية لاحتقار إيما بوفاري وعدم التعاطف معها (النابع من النقص في القدرة التعبيرية التي لم تستطع تجاوز الكينونة الذكورية الرجالية والسطحية والأحادية التي كتبت بها الشخصية) وبعد أن نصب لها محاكمة، أنزل عليها حكمه بالموت وفصل لك موتها وآلامها بتفاصيلها المملة لكي تشعر وكأن عدالة السماء حلت على تلك المرأة الشبقة القاسية. قد يقول قائل إنني أبالغ وأقرأ ما ليس في النص وأحمله الكثير مما ليس فيه، فربما كان الوصف الممل لموت إيما بوفاري مجرد نزعة طبيعانية في الوصف المنتشرة في روايات القرن التاسع عشر الفرنسية. ربما، لكن لا يجب أن نغفل أن مشهدية موت جسد المرأة وربطه بالإيروسية والجمالية هي واحدة من أقدم حيل كتاب القرن التاسع عشر، روائيون كانوا أو شعراء. 

لا أدري، ربما يكون كلامي مجرد كلام فارغ. لكنني على يقين أن لو قدر لرواية "مدام بوفاري" أن تكتب من قبل كاتبة، لكانت اختلفت 180 درجة في أشياء كثيرة. 

بغي هدايت وجماليات النيكروفيليا في "البومة العمياء"

"إن موت امرأة جميلة لهو أكثر الموضوعات شاعرية في العالم دون شك"

~ إدجار آلان بو

من وجهة نظري، تكمن المشكلة الحقيقية في الطريقة التي يفكر ويفهم بها الرجال بشكل عام مفاهيم كالحب والجنس والعلاقة مع الآخر. بالنسبة للأغلبية العظمى من النساء، العلاقة مع الرجال، سواء كعلاقة عاطفية وجنسية، هي علاقة محفوفة دائمًا بالعنف والسيطرة. ثقافة "الشقط" والنزوات هي في أعماقها تستبطن صورة الصياد الذي يذهب ليصطاد، أي ينتهك ويزهق روح لكي يأخذها غنيمة، إما ليلتهمها، أو في معظم الوقت لكي يستعرض جثتها على الملأ. وحال النساء في هذه المعادلة ليس بالمختلف عن الصيدة. وكذلك الجنس، فهو ساحة حرب لا تهدأ أوارها إلا بالهيمنة والعنف والكثير من الإهانة. هذه الصورة تظل ثابتة في وعي الرجال وتترسخ بشكل يجعلهم يستحضرونها في ظروف لا تمت للعلاقة الجنسية بصلة، كأن يسب رجلاً آخر بها. كل الشتائم مثل "هنيكك"، "هحطهولك صح"، "ركبتك"، بالإضافة إلى السباب الأثير عند كل الرجال "كس أمك" و"يا ابن المتناكة"، تستبطن وتستحضر جميعها، ليس احتقار شديد للفعل الجنسي فحسب، بل النظر إلى المؤنث في العملية أنه مصدر الإهانة لأنه الموضوع المسيطر عليه أثناء العملية، متلقي، مفعول به بغيض يجب الهيمنة عليه.. إلخ. لذلك تتضافر وتتواشج مع هذه الصورة العنيفة كل أشكال العنف الجنسي، من الاغتصاب، إلى السادية انتهاء بالنيكروفيليا. 

هذه الظاهرة موجودة في كل من الثقافة الغربية والثقافة العربية/ الإسلامية (ونحن لا نفرق بين الثقافتين فبين الاثنين تقاطعات وتكامل وتشابه كثير وتاريخياً منبعهم واحد ولا يمكن ذكر واحدة دون الأخرى) ولذلك ليس من الغريب أن يكون لها تمظهراتها المتسامية في الأدب الذي ينتجه أدباء هذه الثقافات. أنى لكاتب هذه هي نظرته للعلاقة الجنسية القدرة على وصف صادق للآخر بينما يستبطن في نفس الوقت احتقار دفين للآخر داخله ويرغب في أعمق أعماق لاشعوره بالفتك به ليستمتع بجثته الباردة؟ 

في هذا الصدد، عبر إدجار آلان بو عن كبد الحقيقة ولخص بمقولته التي اقتبسناها أعلاه تاريخ كل الأدب والفن من رواية وشعر وقصة قصيرة تصوير وفن تشكيلي وسينما أنتجه الرجال في القرنين المنصرمين ونصف الربع الأول من القرن الحادي والعشرين (هذا دون التعرض للفيل الرابض في الغرفة "البورنوجرافيا"). ليس الأمر مجرد استحالة تعبيرك عن الآخر، لكن استحالة التفكير عنه بشكل حقيقي ومتعاطف بسبب تحكم أفكار شائهة فيك كإنسان قبل تحكمها فيك ككاتب... هذه هي المشكلة. وكما كانت نهاية مدام بوفاري تخليدًا لقاعدة بو، كذلك نجد رواية "البومة العمياء" لصادق هدايت. 

كتابة صادق هدايت كتابة جميلة وشاعرية يمكننا وصفها بالكتابة الخنثوية كما نظرت لها فيرجينيا وولف في "غرفة تخص المرء وحده". فمثل كتابة جان جينيه، في أسلوب هدايت الكثير من الحمى الشاعرية والعاطفية التي غالبًا يقرنها أصحاب العقول الغليظة والسمينة بما يسمى "الكتابة النسائية"، وفي نفس الوقت هي كتابة محملة بأفظع وأحط الصور الذكورية والميزوجينية في تعبيرها عن المرأة التي تتفصد تستسترون. لكن الجميل في كتابة هدايت ورواية البومة العمياء بشكل خاص، أنها تظهر مركب النقص الكامن وراء تلك الرؤى. فهو كره للنساء نابع من احتقار للذات الذكورية لعدم قدرتها على إثبات فحولتها. 

الراوي في البومة العمياء هو نموذج يجب تدريسه في كيفية كتابة الراوي غير موثوق فيه. وإن شئنا أن نلخص العقدة الأساسية التي يعاني منها راوي البومة العمياء فهي عدم قدرته على إثبات فحولته على جسد زوجته، حيث ينعت الراوي زوجته دائمًا بالبغي وطوال الرواية لا نعرف اسمها، بل هي مجرد بغي تخونه مع رجال الحي كما يظن. ثم، بعد الكثير من الخلط بين الواقع والذهان والخيال والكذب والحقيقة (فالراوي ينسال في سرد لا يفرق بين كل هذه الأشياء، فهو غارق في لجة من الذهان من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة). نعرف أن تلك "البغي" هي ابنة عمته التي تزوجها في سن مبكر وكانت تمنع نفسها عنه في الفراش، مما جعله، وهو مريض الذهان والمكبوت جنسيًا، ينسج سيناريو خياليًا بأنها تخونه. لا يقدم لنا الراوي أي دليل، بل يتوه ويتوه القارئ معه في متاهة من الضلالات والأكاذيب التي لا نهاية لها، لدرجة أن القارئ يتشكك إن كان أي مما يسرده علينا الراوي قد حدث بالفعل. يشد انتباهنا هنا أن ولا مرة تكلم الراوي عن زوجته بوصف يشي بوجود أي مشاعر لها علاقة بالحب أو التواصل الإنساني. بل هي البغي. يصفها بهذا الوصف حتى وهي صغيرة، حين كانت تلعب معه أثناء أيام الطفولة. ونعرف بعد ذلك سبب نقمته الحقيقية عليها: امتنعت عن ممارسة الجنس معه، مما جعله يشعر أنه شخص ناقص الذكورة والفحولة. ثم في مشهد الذروة، نجد هذا المشهد: 

"ودخلت الحجرة ببطء في الظلمة. وخلعت العباءة وشال رقبتي. وتعريت ولكن لا أدري لماذا ذهبت إلى الفراش والسكين ذات المقبض العظمي في يدي، وكانت حرارة فراشها كأنما تنفث روحًا جديدة في جسدي. ثم احتضنت جسدها الجميل الندي حلو الحرارة على ذكرى نفس الصبية الشاحبة الوجه النحيلة التي كان لها عينان منحرفتان بريئتان وكنا نلعب سويًا الاستخفاء على شاطئ نهر سورن- لا، لقد حملت عليها مثل حيوان مفترس جائع ولكني في أعماق قلبي كنت أحس أني مكره عليها، وكان يبدو لي أن احساس الحب والحقد أصبحا توأمين. جسدها الشاحب الندي، جسد زوجتي، كان مثل حية الكوبرا التي تلتف حول صيدها، انفرج وحبسني بين شقيه، كان عطر صدرها مسكرًا، وكان للحم ذراعها الذي التف حول رقبتي حرارة لذيذة وفي هذه اللحظة تمنيت لو تتوقف حياتي، لأنني أحسست في تلك الدقيقة أن كل الحقد والبغض اللذين كنت أحملهما لها قد انتهيا... كنت أحس بالحرارة اللذيذة لهذا الجسد الندي النضر، وكانت كل ذرات جسدي المشتعل ترتشف هذه الحرارة، كنت أحس أنها تجذبني إلى داخلها كالطعام. كان احساس الخوف قد اختلط بإحساس اللذة. كنت أتصبب عرقًا:

ولما كان جسدي، كل ذرات جسدي هي التي تسيطر علي، فقد أخذت تغني نصرها وفتحها بصوت عال- أما أنا المدان المسكين، فكنت قد أحنيت رأسي تسليمًا في هذا البحر الذي لا نهاية له في مواجهة أهواء الأمواج ونزواتها، وكان شعرها الفواح برائحة عطر "الموجرا" ملتصقًا بوجهي، كانت صرخات الاضطراب والفرح تخرج من أعماق وجودنا- وأحسست أنها عضت شفتي بشدة بحيث شقتا من الوسط.... وأردت أن أنقذ نفسي، ولكن أقل حركة بالنسبة لي لم تكن ممكنة، ومهما جاهدت كان عبثاً. كان لحم جسدينا قد التحم.

وظننت أنها قد جنت، وأثناء المحاولة، حرك[ت] يدي دون إرادة وأحسست أن السكين الذي كان في يدي قد انغمس في مكان ما بجسدها وانبثق السائل الحار على وجهي. وصرخت وأطلقتني، واحتفظت بالسائل الحار الذي كان قد ملأ قبضتي وألقيت بالسكين بعيدًا، وحين فرغت يدي مررت بها على جسدها، كانت قد بردت تماما-كانت ميتة. وأثناء ذلك سعلت... كان صوت ضحكة جافة كريهة تصيب جسد المرء بالقشعريرة... ثم ذهبت إلى حجرتي، وفتحت قبضتي أمام السراج، فرأيت عينها في يدي وكل جسدي قد غرق في الدم". 

بهذا المشهد الذي خلط بين الكذب والحقيقة، الوهم والواقع، وزين بكلمات من ورد ما هو في الواقع حادثة اغتصاب زوجي وقتل ثم علاقة نيكروفيلية، نحب أن نختم كلامنا في هذا الصدد.

تختلط في رأس الكاتب الرجل الأمور في أغلب الوقت. فما بين الميزوجينية الصارخة وعدم الاكتراث والتصوير أحادي البعد مهما اتشح بحسن النية (فلوبير)، هناك دائمًا حاضر غائب في المعادلة: الرؤية الذكورية الشائهة للحياة، الحب، الجنس والآخر. لا يكفي أن يتحلى الكاتب الرجل بالصدق والتعاطف، بل عليه أولًا تفكيك الكثير من الأفكار المشوهة والسامة التي لديه عن الحياة، خاصة أفكار تتعلق بذاته وكينونته كرجل، قبل أي شيء. إن لم يحدث ذلك فسترتد كتاباتنا إلى نفس الحلقة المفرغة: الدوران في دوامة جماليات النيكروفيليا وتخيل النساء في أطر ضيقة تنم عن أنفسنا أكثر مما تنم عن الآخر.


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية