كلما رأيت الحمام متبختر الخطى سائرًا حولي في باريس، أفكر في مصيره إن وُجِد في مصر. لا أتذكر أنني لاحظت وجوده بتلك الكثافة في مصر. الحمام هنا رذيل، لا يطير حين أهشه بيدي.
لماذا أخشى أن أصير نورسًا؟
نص ليوحنا وليام

أخاف الطفو على سطح المياه، لأنني أشعر حينها أنني أطير. أفقد موقع قدمي وأرضي الثابتة. لا أرى القاع، فأتخيلني على حافة سطح بناية شاهقة وعلى وشك الانزلاق. ربما لأجل هذا السبب لم أتعلم السباحة، وأستعين حتى الآن بسترة النجاة حين أذهب إلى البحر.
أتذكر يوما كنت في مصيفٍ مع العائلة قبيل مراهقتي، تجرأت وسرت في حمام سباحة الفندق حيث لا طول لدي. انتهى بي الأمر وأنا أكافح كي لا أغرق بينما أمي الجالسة على مقعدها تنصحني بأن أهدأ وآخذ نفسًا عميقًا؛ فالمياه سترفعني.
لا أعرف حتى الآن كيف نجوت من الغرق في شبر مياه، فقد بلعت كمية لا بأس بها من المياه المحلاة بالكلور، لكنني فرفصت كالكلاب، وصليت للعذراء حتى أتى تيار ما أو وجدت قدمي بقدرة قادر على سيراميك البيسين. تنفست الصعداء مع سماعي لصوت انتهاء أمي من عصيرها.
*
كلما رأيت الحمام متبختر الخطى سائرًا حولي في باريس، أفكر في مصيره إن وُجِد في مصر. لا أتذكر أنني لاحظت وجوده بتلك الكثافة في مصر. الحمام هنا رذيل، لا يطير حين أهشه بيدي. يقف على مسافة قريبة من البشر منتظرًا انتهاءهم من أي مخبوزة يلتهمونها؛ ليلتقط بقاياها منتصرًا. حين أجلس على الكافيه المجاور لمنزلي، أخبر الحمام حين يقترب مني بأن ميزانيتي لا تسمح بالأكل، فكل ما أفعله هو شرب القهوة أو إن كنا في نهاية النهار شوب بيرة.
يوترني وجودي بالقرب من أي طير في العموم، لا أعلم إن كان هذا بسبب تروما منذ الصغر حين رأيت الفرارجي وهو يذبح فرخة؛ فأقلعت منذ حينها عن التهام الطيور راجيًا أن يبقى كل منا في عالمه، لا يقرب أحدنا الآخر، أم أن الموضوع جذوره ممتدة إلى أعمق من ذلك. فأنا أخشى الأدوار المرتفعة، ركوب الطائرات أو حتى ركوب أي لعبة في الملاهي قد ترفعني عن الأرض.
أهش الحمام بعصبية كلما اقترب مني. أتعجب أنه لا يخشاني. لا يطير. يبقى في مكانه يراقبني في تحدٍ. ثم كلما انشغلت بقراءة كتاب أو إجراء مكالمة، يدنو مني وهو يحرك رأسه بطريقته المستفزة. لأُفاجأ به في جواري فأرفع رجلي في محاولة لتخويفه. أفزع حينها إثر خفقان أجنحته متوقعًا هجومه عليّ بمنقاره الحاد. ترن مقولة أمي في ذهني بأن من يعصِ والديه سيأتي الغراب ليقلع عينيه من محجريهما. أفكر "غراب أو حمام، أي حاجة بتطير وخلاص".
*
امتلكنا في شقتنا القديمة قفصًا به ببغاءين. رغبت في تحريرهما مرارًا. رفض أبي معللًا أنهما خلقا ليبقيا محبوسين بينما أخبرتني أمي أنهما لا يعرفان الطيران. لم أقتنع. انتظرت يومًا كان أبي في عمله وأمي تستحم. تسللت إلى الشرفة.
فتحت بيد مرتعشة باب القفص. انتظرتُ أن يخرجا. لكنهما بقيا في مكانهما. هززت القفص، لعلهما يخافان ويغادرانه. كم أكره أن تكون عائلتي على حق. لا أطيق الانتظار أو إحباط توقعاتي. مددت يدي كي أقبض عليهما وأحررهما، وما زال أثر منقار أحدهما في ظافري حتى اليوم.
*
أخشى النوم في الاستوديو تاركًا طرف أي نافذة مفتوحًا؛ خوفًا من أن يتسلل إلى الداخل أيٌّ من الحمام الذي يعشش جواري على السطوح.
منذ شاهدت فيلم The birds لهيتشكوك. استيقظت يومًا إثر صراخ أختي في الغرفة المجاورة. حين سمعتها تنادي أمي كي تنقذها معلنة وجود عصفور يطير في سماء غرفتها، انتفضت من على فراشي لأحكم إغلاق باب غرفتي. تتحقق نبوءة هيتشكوك.
أتشارك مع غرفة أختي في الشرفة الرئيسية. خرجت إليها لأراقب من ثنايا الشيش ما ستفعله أمي لطرد العصفور. جلست على الفراش ممسكة في يدها ملاءة. انتظرت حتى هبط العصفور المتوتر على السجادة، ثم غطته.
فكرت أن الطريقة غبية، فبسهولة يمكن للطائر الفرار. لكنه هدأ تمامًا بمجرد أن أحاطه الظلام. أمسكت أمي بالملاءة ثم فتحت باب الشرفة. ابتعدت خوفًا من أن ينالني منقار العصفور. انطلق بعد لحظات من الظلام الدامس، بمجرد فتحها.
*
أحلم كثيرًا بأنني أطير. أنظر لأصابع قدميَ فأجدها متلاصقة. أتوتر. أبحث عن أرض كي أستعيد توازني، لكنني لا أجد أمامي سوى البحر. أغوص ثم أحلق مرة ثانية باحثًا عن أرض أو فلك نوح فلا أجد. تحرق الشمس جلدي. أبحث عن أي بقعةِ ظلٍّ أختبئ بها ثم أعود بعدها للحرية، فلا أجد أمامي سوى فضاء شاسع، بلا ظلال. أنظر لانعكاسي في المياه، فأرى ريشًا نابتًا من كل ناحية ومنقارًا أصفر.
حين سألني صديقي مؤخرًا في إحدى محادثاتنا الفارغة عما أرغب في كونه إن كنت حيوانًا. صمتُّ لوهلة ثم سألته إن كان من الممكن أن يكون طائرًا. لمحت شبح ابتسامته وأفهمه. تذكرت يوم حكيت له مفزوعًا عن مهاجمة الغربان لحمامة تكافح الموت بعد أن تم دهسها. وقفت عاجزًا عن إنقاذها أو حتى هشهم بيدي. أمسكت بطوبة، لكنني خشيت إلقائها. أومأ برأسه فأجبته فورًا: "النورس". انفجر في الضحك، كما توقعت. لكنني أصررت بجدية على رأيي معللًا إجابتي بأن النورس يطير ويعوم ولعل تلك هي لعنتنا.
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
