مثلما كان صمويل بيكيت يختفي وراء الكلمات المتكررة إلى ما لا نهاية في مالون ومولوي واللا مسمَّى، يختفي ماتاس وراء الاستطراد المتواصل وإرجاء النهاية إلى أبعد نقطة ممكنة
إنريكيه بيلا - ماتاس وأدب الاختفاء
مقال أحمد الزناتي
من كتاب "في خندق واحد" الصادر عن دار مزون 2022

طويت الصفحة الأخيرة وقلت في نفسي: هذا هو الأدب الذي أودُّ كتابته والكتابة عنه. جـربتُ ماتاس في «بارتليبي وأصحابه» بترجمة عبد الهادي سعدون و«مستكشفو الهاوية» بترجمة أحمد مجدي منجود، بالإضافة إلى عمل ثالث قصير عن لغة وسيطة بعنوان A Brief History of Portable Literature، وكان اكتشافًا بحق. الملاحظة المبدئية أن نصوص ماتاس تنطلق على الدوام من كتابة هوامش على متون أعمال الأسلاف ومن تعليقات على نصوص الآخرين، وانتحال هوياتهم واستدعائهم إلى الحياة ثمَّ مصادقتهم والعبث معهم والكتابة عنهم.
اشتُهرت أعماله بالتناص المكثف مع نصوص أدبية أخرى من أمثال روبرت فالزر وبيكيت وجيمس جويس ومونتاني ولورنس شتيرن، وكذلك الرسم بحُريـَّة من تفاصيل حياته الغريبة. تحوم نصوص ماتاس حول بقعة رمادية غامضة ما بين انتحال سِيَر الكُتَّاب الآخرين والسيرة الذاتية الشخصية. في هذا الكتاب دكتور باسافنتو ينهي ماتاس الثلاثية التي بدأها بكتاب بارتليبي وأصحابه حول كتاب الـ «لا» وهم الكُتَّاب الرافضون للكتابة، أو الكُـتاب الذين كتبوا عملًا واحدًا ثم هجروا الكتابة أو الذين لم ينتجوا شيئًا ذا قيمة في حياتهم، وأتبعه بكتاب Montano’s Malady [وفق الترجمة الإنجليزية] وأخيرًا رواية دكتور باسافنتو التي أنـجز ترجمتها الممتازة الشاعر والمترجم العراقي حسين نهابة.
بطل الرواية (المؤلف ماتاس شخصيًّا) يصرِّح بوضوح في مقابلاته الصحفية وأعماله الأدبية أنه مهووس بفكرة الاختفاء والتلاشي عن أعين الجميع. لماذا؟ يبرر ذلك بقوله لأنها محاولات تأكيد الذات وبعد أسبوعين من سؤال المجهولين له يعرِفُ ماتاس أن رجلًا اسمه «دكتور باسافنتو» قد اختفى قُرب برج مونتاني، البرج الذي عاش فيه أستاذه الأسلوبي كاتب المقالات الفرنسي ميشيل مونتاني من دون أن يترك أثرًا، وتبدأ اللعبة. يُدعـى السارد/الكاتب إلى إلقاء محاضرة في إشبيلية حول موضوع «كيف أن الحقيقة تراقص الخيال على الحدود»، فينطلق في رحلة كيخوتية ممزوجة بطابع ماتاسي، لكنه يقرر في اللحظة الأخيرة عدم إلقاء المحاضرة والاختفاء بدلًا من ذلك. رواية دكتور باسافنتو (إن جاز لنا نسبها إلى ذلك الجنس الأدبي) هي حكاية كاتب يسعى وراء الاختفاء، فيحاول أن يحذو حذو الكاتب السويسري روبرت فالزر الذي انسحب من مجد العالم الأدبي ليعيش في تعاسته الجميلة ولبكسب حياته عبر إخفاء هويته المطلقة في مستشفى للأمراض العقلية. بل أغالي فأقول إنها رواية عن مسيرة روبرت فالزر، ولا سيما في الثلث الأخير من العمل، فبين كل فقرة والثانية يبدأ السارد جُملته: «وضعتُ قبعة اللباد على رأسي وغادرت غرفة الكُتَّاب أو الأرواح»، وهي نفسها افتتاحية قصة روبرت فالزر «تـمـشية» DerSpaziergang(للقصة ترجمة عربية بعنوان مشوار المشي). دفعتْ رغبة باسافنتو في الاختفاء دون أن يلاحظها أحد إلى استبدال جهاز الكمبيوتر الخاص به وقلمه الحِبر بـ «قلم رصاص» (لروبرت فالزر قصة بالاسم نفسه!)، حيث إن ضربة صغيرة لسنِّ القلم الرصاص كفيلة بنسف فكرة الكتابة. يفطن السارد إلى حقيقة أن الاختفاء في الواقع سيكون صعبًا للغاية.
لكنه يفكر أيضًا في الغامضين توماس بينشون وج. د. سالينجر، فيتوجه إلى نابولي، متخذًا اسم الدكتور باسافنتو، محتفظًا باسم الدكتور بينشون كاسم احتياطي. المشكلة هي أنه لا يبدو أن أحدًا قد لاحظ اختفاءه أو اهتم به فهو رجل مُطلَّق وابنته قضتْ من جرعة هيروين زائدة. لا يمـل الكاتب على مدار الصفحات في إيراد أسماء الكُتَّاب الذين أَحَـــبَّهم وتأثَّر بهم، ولحسن الحظ أنهم من طينة الكُتَّاب الذين أعاود قراءتهم والترجمة لهم أحيانًا. كاتب ماتاس الأثير هو الكاتب السويسري روبرت فالزر، عميد أدب الاختفاء عن البلاد والعباد، فالزر هو تجسيد الأدب، أما كاتبه الأسلوبي المفضل فهو الألماني فينفريد جيورج زيبالد، الذي كان يشعر أن كل ما حوله في طريقه إلى الاختفاء والتلاشي والزوال. ماتاس مولعٌ بـ زيبالد المستشهد دومًا بشعرية الزوال والمتناصِّ دومًا مع حياة الآخرين، وكذلك موريس بلانشو، صمويل بيكيت، ج.د. سالينجر، جوايان جراك وتوماس بينشون، إلخ. ومثلما كان صمويل بيكيت يختفي وراء الكلمات المتكررة إلى ما لا نهاية في مالون ومولوي واللا مسمَّى، يختفي ماتاس وراء الاستطراد المتواصل وإرجاء النهاية إلى أبعد نقطة ممكنة. من النقاط اللافتة انشغال ماتاس المتواصل للبحث عن أسلوب، الرجل هو الأسلوب كما يُقال عادةً. فتَّش الرجل طويلًا فلم يجد الأدب الحقيقي في نظره، وفي اعتقادي مؤخرًا إلا عند لورينس شتيرن في «حياة تريسترام شاندي»، وهو العمل الضامُّ كل شيء وأي شيء، كما وجدها في مقالات مونتاني الأدبية الرفيعة، ابتكر مونتاني ولورانس شتيرن جنس المقالة/الرواية، وهو الجنس الأدبي الرفيع الذي واصلَ زيبالد تطويره وأخـذه ماتاس في سكَّة جديدة. السارد المهووس بفكرة الاختفاء يستخدم تقنية الاستطراد اللا نهائي، وهو أسلوب تريسترام شاندي. استراتيجية ترمي إلى تأجيل النهاية/الموت إلى ما لا نهاية، فبطل رواية شتيرن لا يريد أن يُولد لأنه لا يريد أن يموت. المفارقة الساخرة والمتكررة في نصوص ماتاس بوجه عام أن الكاتب باسافنتو الحالم بالهروب من نفسه ومن الموت، والمنتحل لهوية شخص آخر، لا يسعه إلا مواصلة سرد القصة (إن كانت ثمة قصة) بضمير المتكلم. كلمة واحدة: لا فرار. بل إن السارد في بحثه عن طُرق للاختفاء يقتبس تقنياته من الروايات والكتب، الرجل مستغرق بكليته في عالم الأدب، وكأنه لم يُخلق لهذا العالم مثلما قال فيرناندو بيسوَّا ذات مرة. وسط مسار السرد يطل علينا ماتاس بآرائه حول الأدب فيتساءل في حواراته مع بروفيسور مورانتي: لِمَ كان الأدب الجيِّد يتخذ دائمًا شكل رحلة؟ الأوديسة؟ رحلة الـيوم الواحد في عوليس ج. جويس؟ الكيخوته؟ فيجيب بأن الرحلة هي الحبكة المثالية لأية قصة، لأنهم اكتشفوا منذ العهود الغابرة أنه إذا كان للشيء بداية ونهاية فهي الرحلة، كان للرحلات بداية ونهاية، وهذا ما يصنع نسقًا، أو هذا ما يصنع قصة.
***
في أدب ماتاس الحياة لا وجود لها لو لم يعثر لها الإنسان على شكل سردي (حتى لو كانت رواية ملغزة ونقطة النور فيها مدفونة أسفل جملة واحدة فقط، والشاطر من يعثر عليها مثل رواية مولوي لبيكيت)، فمن دون الأدب لن تكون الحياة أكثر من شيء يحدث، سيرك يمرُّ لو استعرت عنوان رواية موديانو، أما في الفن الذي يتخذ شكل رواية/قصة/قصيدة/لوحة/مقالة/مقطوعة موسيقية تنفتح أمامك طاقة صغيرة تطلُّ منها برأسك. نقرأ في صفحة 83: «الأدب يمنح حبكةَ الحياة، منطقًا لا تمتلكه الحياة نفسها. يبدو لي أن الحياة تخلو من الحبكة وعلينا تقع مسؤولية وضعها، نحن الذين اخترعنا الأدب». أفكِّر الآن في سبب ارتباط ماتاس القوي بـروبرت فالزر. في منتصف الرواية يزور السارد في صحبة بروفيسور مورانتي مصحة هريساو التي تُوفي فالزر في أرجائها بعد سقوطه فوق الثلوج أثناء جولات المشي الطويلة الغامضة التي لم يكشف عن سرِّها أبدًا حتى وفاته، مثلما فعل البطل المتكتم في نوفيلا باتريك زوسكِند الساحرة «حكاية السيد زومر». فالزر كان منفصلًا عن الحياة العامة، كارهًا للبهرجة والابتذال. كاتب حقيقي، لا أراجوز أدبي يقفز بين المحافل مثل الكرة المطاط، واعٍ لما يعنيه الانسحاب. لم يكن يرغب بشيء سوى أن يبوح بحقائقه البسيطة وأن يخفي آلامه قبل أن يغرق في الصمت، هو مالك وسيِّد الثرثرة من أجل الكتابة بحسب كلام ماتاس، البطل السري لمعركة خاضها بالرسائل والروايات ضد العالم. هو المبدع الذي يكتب ليغيب. سؤال من عندي: ألن يقابل المبدعُ الموتَ راضيًا مرضيًّا لو عاش هكذا؟ أقوى المشاهد عند ماتاس - في ذوقي - هي المشاهد التي يحكي فيها عن الكتب التي يُحبها والكُتَّاب الذين يحبُّهم والمواقف التي اختلقها ليقابلهم. ففي كلامه عن زيارة مصحة هيرساو لمستُ سردًا ساخنًا متحركًا إذ قال: «سأكون كاذبًا إن لم أقل إن انطباعًا تولَّد فيَّ، أثناء صعودنا الصامت إلى مستشفى هريساو، بأنني أعيش المغامرة الكبرى التي بدأ فيها المستكشف يقترب أخيرًا من شيء حقيقي». نحن نكتبُ لنختفي، لنغيِّبَ أنفسنا، يقول ماتاس قرب نهاية الرواية (ص 229). وهنا المفارقة الجميلة؛ حينما يكتب الكاتب فإنه يغيِّبَ «أناه» الظاهرة، ويغرسها في أرض الاختفاء لـتنـبتَ شخوصًا أخرى أقدر على التعبير عن نفسه منه.
***
طالما شغلتني فكرة مستقبل الأدب أو أدب المستقبل. إلى أين يتجـه الأدب؟ أجاب ماتاس نفسه عن السؤال في أول الرواية، ناسِبًا الإجابة إلى الفرنسي موريس بلانشو بقوله: «يتجه نحو ذاته، نحو جوهره الذي هـو الاختفاء».
قال ماتاس في أحد حواراته إنه عثر عند الكاتب الفرنسي جورج بيريك على رأي يفيد بأن الأدب يتقدم نحو «فن الاقتباسات»، وهو ما يمثل في رأيه توجهًا إلى الأمام، وأضاف أنه يعمل على رسم شخصية مهتمة بجمع الاقتباسات النادرة من كل نصوص العالم وبكل اللغات، وهي تعمل لصالح أحد تلامذة الروائي الأميركي الغامض توماس بينشون (الكاتب الذي اختفى منذ خمسينيات القرن الماضي ويُشكِّك في وجوده من الأساس على الرغم من مواصلته إصدار المزيد من الروايات من بقعة خفية في أميركا)، البطل مشغول بإعداد موسوعة متنقلة تحوي كافة الاقتباسات والاستعارات الأدبية المتاحة في كل كتب العالم، ولا أستبعد تأثُّر ماتاس القوي بأدباء مولعين بالتناصِّ، وعلى رأسهم أديب أثير لديه أشار إليه أكثر من مرة في هذه الرواية، وهو الألماني ف.ج.زيبالد في عمليه «حلقات زحل ودوار» و«دوار. أحاسيس»، اللذين يتشابهان أسلوبيًّا مع كتاب ماتاس.
سُئِل ماتاس عن وجهة نظره حول مستقبل الأدب، فأجاب الإجابة الآتية:
(تسألينني أي نوع من الأدب سيُكتب له البقاء؟ سأروي لكِ قصة أعتقد أنها ستعطيك صورة عن شكل أدب المستقبل. لنتخيَّل أنفسنا حضورًا في آخر مهرجان للكتاب في برشلونة، وهي حفلة تقام في الثالث والعشرين من أبريل من كل سنة، وتُهدَى فيها الكتب والزهور - ربما كما تعلمين - وتشارك فيها المدينة بأسرها. في يوم 23 أبريل وعقب وصولي مباشرة إلى مكاني في الخيمة للتوقيع رأيتُ حشدًا هائلًا من الجماهير يتدافع لتخطي الحواجز على ما يبدو لمجرد ملامسة رجل سياسة سابق أصبح الآن عملاقًا إعلاميًّا. كانت لحظة طافحة بالسخافة. رُتِّبت الأمور بحيث يتعذَّر على أي شخص آخر غير هذا النجم الشهير التوقيع على الكتب. أغمضت عيني وتخيلت أن هذا الكاتب «البيست سيللر» كان يسألني عن مستقبل الأدب. سرعان ما تذكَّرتُ «مقابلات مع علماء رياضيات متقاعدين»، وهي تجمعات كان يساعد في تنظيمها الكاتب ريكاردو بيجليا في جامعة برنستون، وقد أشار إليها في مقابلة أُجرِيَت معه مؤخرًا. قال بيجليا إن علماء الرياضيات رجال متوقدو الذكاء وعلى دراية استثنائية بالأدب الغربي، فهم خُبراء في قراءة جيمس جويس ويقظة فينيجين وأعمال روبرت موزيل وميشيل بوتور وصمويل بيكيت وفيتولد جومبروفيتش، كانوا من الذين تشغفهم روايات هيرمان بروخ وأرنو شميدت وخورخي لويس بورخيس. بالنسبة إلى بيجليا لم يكن ثمَّة قُـرَّاء في العالم يضاهونهم ثقافةً، بل إن أسماءً ثقيلة مثل روبرتو كالاسو وجورج شتاينر وهارولد بلوم ليسوا إلا هواةً إذا ما قورنوا بهم: تعلَّم أحدهم اللغة اليابانية وهو في سنِّ الأربعين لقراءة أعمال ياسوناري كاواباتا. كانوا يعلمون أن الحياة لن تحمل جديدًا فكرَّسوا حياتهم للقراءة وحدها. عقد روبرت هولاندر، المتخصص الكبير في دانتي، حلقة دراسية لقراءة الكوميديا الإلهية حيث قرأوا نشيدًا واحدًا فقط في الفصل الدراسي. كان هناك ستة أشخاص أو سبعة يجلسون حول المائدة المستديرة، معظمهم من علماء الرياضيات والفيزياء النظرية، فأنهَوا قراءة الكوميديا الإلهية بعد خمس أو ست سنوات ثم أعادوا قراءتها مرة أخرى. هكذا سيكون أدب المستقبل، أو على الأقل آمل أن يكون كذلك.
وعندما فتحتُ عيني تبيَّنتُ الهوة الشاسعة بين هؤلاء العلماء في برنستون وبين نوبة الهذيان الجماعية التي ضربت مهرجان الكتاب ببرشلونة. قلتُ في نفسي إن الشيء الجيد في هذه الخيمة أنك لستَ مضطرًّا إلى تحية أحد ولا أن يحييك أحدٌ ولا أن يزعجك أحد. بعدها بوهلة قصيرة فكَّرتُ وأنا أكتم أنفاسي: لكن ما يسوؤني في هذه البقعة أنك لستَ مضطرًّا إلى تحية أحد ولا أن يحييك أحدٌ. ولا أن يزعجك أحد. وهكذا بقيتُ منغمسًا في هذه الأفكار حتى فاجأني شخص شقَّ طريقه وسط الحشود الكبيرة للوصول إليَّ، مادًّا يده بابتسامة. فرحتُ لما رأيت أنني حظيتُ بشخصٍ واحد وهو لم يكن بالقليل، بالنظر إلى كل شيء. لو تأملنا الأمر من منظور آخـر.. ألم تكن هذه لحظة قاسية؟ بدأنا نتحدث كما لو كنا اثنين من علماء رياضيات جامعة برنستون. تحدثنا عن الحياة وعن الحب والكراهية والموت.
بدا الأمر كما لو أننا عُدنا إلى الأيام التي كانت حياتنا فيها بسيطة خالية من التعقيد، الأيام التي كنتَ تدردش فيها وجهًا لوجه من دون رسائل بريد إلكتروني ولا أجهزة الآيفون، عندما كان الجميع أكثر حرية، حينما كان كل واحد يعيش بمفرده مع عالمه الروحي الخاص، حينما كان لا يزال في وسع رجليْن، في غمرة الفوضى العارمة، الحديث عن العالَم. أقول في نفسي: هذا هو أدب المستقبل).
* يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه
