الحياة بعيون مغمضة

2025-08-29 - Nour elhouda Saoudi

البعض يدعي أنه لا يحلم، لكن الحقيقة أن الجميع يحلمون. الفرق في التذكر.

الحياة بعيون مغمضة

مقال نور الهدى سعودي


Joseph Lorusso’s Sunday Afternoon

قيل إن النوم موتٌ صغير، لكن ماذا لو كان حياةً أخرى؟ ليست الحياة التي نعرفها بثقلها وحدودها، بل حياة تتحرك في فضاء آخر، لا تحكمها قوانين الزمان والمكان. النائم لا يغيب، بل يعبر. والعبور هنا ليس انتقالاً من مكان إلى مكان، بل من حالة إلى حالة، من كثافة الجسد إلى خفّة شيء آخر، شيء لا نملك له اسماً دقيقاً.

هذا العبور يحدث كل ليلة، لكننا نادراً ما نتوقف لنتأمله. نستلقي، نغمض أعيننا، نستسلم. وفي هذا الاستسلام شجاعة غريبة. نثق في أننا سنعود، في أن العالم سيظل موجوداً حين نفتح أعيننا. لكن من يضمن؟ من يؤكد أن الذات التي تستيقظ هي نفسها التي نامت؟

الغريب في النوم أنه الفعل الوحيد الذي نمارسه بالتخلي عن الفعل. نستلقي لنفعل اللافعل. نغمض أعيننا لنرى ما لا يُرى. نصمت لنسمع أصواتاً لا توجد إلا في الصمت. هذا التناقض الجوهري في طبيعة النوم يكشف عن تناقض أعمق في طبيعتنا: نحن كائنات تحتاج إلى الغياب لتحضر، إلى الموت الصغير لتحيا.

عندما نام غريغور سامسا إنساناً واستيقظ حشرة، لم يكن التحول هو المرعب، بل عادية رد الفعل. استيقظ، رأى جسده الجديد، وأول ما فكر فيه: كيف سيذهب إلى العمل؟ كافكا هنا لا يكتب عن التحول الجسدي بل عن شيء أعمق: قدرتنا المذهلة على تطبيع الكابوس، على التعايش مع أكثر الأشياء غرابة. النوم علّمنا هذا، كل ليلة نختبر تحولات لا تقل غرابة، نصير أشخاصاً آخرين، نطير، نموت ونحيا، ثم نستيقظ ونتابع كأن شيئاً لم يحدث.

النوم إذن ليس انقطاعاً عن الحياة بل تدريب يومي على قبول الغرابة. في الحلم، نتعلم أن الهوية ليست ثابتة، أن الجسد ليس سجناً، أن قوانين الفيزياء ليست مطلقة. نتعلم، دون أن ندري، مرونة وجودية تساعدنا على احتمال غرابة اليقظة نفسها.

بورخيس فهم هذا حين كتب عن ساحر يحلم إنساناً إلى الوجود، ثم يكتشف أنه هو نفسه محلوم. ليست مجرد لعبة ذهنية، بل استكشاف لطبيعة الواقع نفسه. إذا كان الحالم لا يعرف أنه يحلم، والمحلوم لا يعرف أنه محلوم، فما الذي يجعل يقظتنا أكثر "حقيقة" من أحلامنا؟ ربما الفرق الوحيد هو أن اليقظة حلم جماعي نتفق عليه، بينما النوم حلم فردي لا نشاركه مع أحد.

هذه الوحدة الجوهرية في النوم - أن نحلم وحدنا حتى حين ننام بجانب من نحب - تكشف عن وحدة أعمق في الوجود. نحن محبوسون في جماجمنا، نرى العالم من خلال نافذتين صغيرتين، نسمع من خلال فتحتين، نحس من خلال جلد يفصلنا عن كل ما عدانا. النوم يكثف هذه العزلة، يجردنا حتى من وهم التواصل. في الحلم، نحن وحيدون تماماً، في عالم من صنعنا، أو عالم يُصنع فينا دون إرادتنا.

 هذه الوحدة مُنتجة، في عزلة النوم، يحدث الإبداع الحقيقي. الدماغ، محرراً من ضرورة الاستجابة للخارج، ينسج من الداخل. يخلق قصصاً، يحل مشاكل، يجد روابط لم تكن واضحة في ضجيج النهار. كم من فكرة عبقرية ولدت في تلك المنطقة الشفقية بين النوم واليقظة، حين يكون العقل حراً وقيوده مرتخية؟

الأرق، من هذا المنظور، ليس مجرد حرمان من الراحة، بل حرمان من هذه الحرية الإبداعية. المصاب بالأرق محكوم بيقظة لا تنتهي، بوعي يأكل نفسه. سيوران، الذي عاش مع الأرق معظم حياته، وصفه بأنه "دوار من الوضوح". الوضوح المفرط عذاب. رؤية العالم بلا غشاوة النوم الرحيمة، بلا تلك الضبابية التي تجعل الحياة محتملة.

"أرقٌ على أرق ومثلي يأرق" المتنبي يصف التراكم، ليس الأرق كحدث منفصل بل كطبقات تتكدس. كل ليلة بلا نوم تضيف ثقلاً، حتى يصير الوعي نفسه عبئاً لا يُطاق. الأرق يكشف حقيقة مرعبة: أن الوعي الدائم جحيم، وأن النوم ليس ضعفاً بل رحمة.

في قرية ماركيز المصابة بوباء الأرق، النسيان يبدأ تدريجياً. أولاً الأسماء، ثم الوظائف، ثم المعاني نفسها. أهل القرية يضطرون لكتابة لافتات  تعريفية على كل شيء: هذا كرسي، الكرسي للجلوس. النوم هنا ليس مجرد راحة للجسد، بل الخيط الذي يربط الأشياء بمعانيها. حين ينقطع هذا الخيط، العالم يفقد تماسكه، اللغة تنهار، الذاكرة تتبخر هذا ليس خيالاً محضاً. النوم ضروري لتثبيت الذاكرة، لنقل المعلومات من المؤقت إلى الدائم. لكن الأمر أعمق من ميكانيكا الدماغ. النوم يثبت المعنى نفسه. في الحلم، نعيد سرد قصصنا، نعطيها شكلاً، نحولها من أحداث عشوائية إلى سردية متماسكة. بدون هذا السرد الليلي، الحياة تفقد معناها، تصير مجرد تتابع لأحداث بلا رابط.

الحلم إذن ليس هروباً من الواقع بل إعادة خلق له. كل ليلة، نفكك العالم ونعيد تركيبه. نأخذ شظايا النهار - وجه رأيناه، كلمة سمعناها، شعور أحسسناه - ونصنع منها عوالم جديدة. هذه العوالم قد تبدو عبثية في ضوء النهار، لكنها تحمل منطقاً خاصاً، منطق الروح وليس العقل، منطق الرغبة والخوف والحنين.

في الحلم، نلتقي موتانا. ليس كذكرى بل كحضور حي. نتحدث معهم، نلمسهم، نعيش معهم لحظات لا يمكن للواقع أن يمنحنا إياها. هذه اللقاءات ليست أوهاماً. في مستوى ما، في بُعد ما من أبعاد الوجود، هم موجودون فعلاً، أو نحن موجودون معهم. الحلم يكشف أن الموت ليس نهاية مطلقة، أن هناك مساحات في الوجود حيث الحدود بين الحياة والموت أقل صرامة مما نظن. الحلم يكشف أننا لسنا الكائنات المنطقية المتماسكة التي نظن أنفسنا. نحن متعددون، متناقضون، مليئون بالظلال.

نجيب محفوظ في أواخر حياته كتب (أحلام فترة النقاهة) يقول: "رأيتني أطير فوق النيل، وأنا أعلم أنني ميت". هذا الوعي المزدوج  أن تكون ميتاً وتعرف أنك ميت، أن تحلم وتعرف أنك تحلم  يكشف إمكانية ثالثة بين النوم واليقظة، بين الحياة والموت. حالة ليست هذه ولا تلك، أو هي الاثنتان معاً.

الأطفال يدخلون النوم بثقة لأنهم لم يتعلموا بعد الخوف من فقدان السيطرة. يسقطون في النوم كما يسقط الحجر في البئر، مباشرة وبلا تردد. نحن الكبار نقاوم، نتشبث بخيوط الوعي، نخاف من الاستسلام. فقدنا تلك البراءة التي تجعل الثقة ممكنة. لكن النوم، في النهاية، يفرض نفسه. الجسد أحكم من كل مخاوفنا.

الحضارة الحديثة حولت هذه الحكمة إلى ضعف. النوم صار عدواً للإنتاجية، عقبة في طريق النجاح. ننام أقل، نعمل أكثر، نفتخر بإرهاقنا. لكن ماذا نخسر في هذه المعادلة؟ نخسر ليس فقط الراحة، بل الوصول إلى ذلك البُعد الآخر من وجودنا، ذلك الجزء الليلي من أنفسنا الذي يحمل حكمة مختلفة.

الفن يحاول أن يوقظنا من هذا الحلم، أو على الأقل أن يجعلنا ندرك أننا نحلم . دالي رسم النوم كوجه ضخم مرفوع على عكاكيز رفيعة فوق صحراء. الوجه ثقيل جداً، العكاكيز هشة جداً، والتوازن معجزة مستمرة. هذه صورة دقيقة للنوم، توازن مستحيل بين الوجود والعدم، بين الحياة والموت. دالي نفسه كان يمارس تقنية خاصة: ينام قيلولة قصيرة ممسكاً ملعقة فوق صحن معدني. حين يبدأ في النوم العميق، تسترخي يده، تسقط الملعقة، يستيقظ. يقول إن أفضل أفكاره تأتي في تلك الثواني بين سقوط الملعقة واستيقاظه. هذه التقنية، رغم بساطتها، تكشف عن فهم عميق: أن الإبداع يحدث في العتبات، في المناطق البينية، حيث القوانين مرتخية والحدود مائعة.

الصورة تلخص هشاشة النوم وضرورته في آن. نحن نحتاج تلك العكاكيز الواهية لنبقى مرفوعين فوق العدم. والنوم هو توازننا اليومي بين السقوط والبقاء، بين الغياب والحضور.

الحضارة الحديثة أعلنت الحرب على النوم. المدن لا تنام، الأضواء لا تنطفئ، الضجيج لا يتوقف. نعيش في حالة يقظة قسرية دائمة، محاطين بمنبهات لا تكف عن إيقاظنا حتى ونحن مستيقظون. الهواتف تضيء، الإشعارات ترن، الشاشات تومض. كأننا نخاف من الظلام الذي يدعونا للنوم، من الصمت الذي يهمس، توقف، استرح، عُد إلى نفسك.

الرأسمالية لا تحب النائمين لأنهم لا ينتجون ولا يستهلكون. النائم خارج السوق، خارج الاقتصاد، خارج آلة الإنتاج. لذلك اخترعنا المنبهات والمنشطات، الإضاءة الاصطناعية والعمل الليلي، كل شيء لنهزم هذا الضعف البشري المسمى حاجة للنوم.

التكنولوجيا التي وعدتنا بمزيد من الراحة سرقت نومنا. الشاشات الزرقاء تخدع أدمغتنا فتظن أن النهار لم ينته. الإشعارات تقطع نومنا كل بضع دقائق. نحن متصلون دائماً، متاحون دائماً، مستيقظون دائماً أو هكذا نحاول أن نكون.

الأستيانكس، نوع من الأسماك في كهوف المكسيك العميقة، ، لا ينام أبداً. عبر ملايين السنين في الظلام الأبدي، فقد الحاجة للنوم كما فقد عينيه. يسبح في الظلام إلى الأبد، يقظ دائماً في ليل لا ينتهي. ربما هذا ما سنصير إليه إذا واصلنا حربنا على النوم، كائنات عمياء تسبح في ظلام دائم، يقظة إلى الأبد لكن لا ترى شيئاً.

هناك حالة نادرة تُسمى "الأرق العائلي المميت" حيث يفقد المصاب القدرة على النوم تدريجياً حتى يموت. الموت هنا ليس من الإرهاق الجسدي، بل من انهيار الحدود بين الحلم والواقع. الدماغ الذي لا ينام يبدأ في الهلوسة، في خلق أحلام يقظة، حتى لا يعود قادراً على التمييز. هذه الحالة المأساوية تكشف أن النوم ليس رفاهية بل ضرورة للعقل كي يحافظ على تماسكه.

لكن ربما التماسك نفسه وهم. ربما نحن نحتاج النوم ليس لنحافظ على عقولنا، بل لنتذكر أن العقل ليس كل شيء، أن هناك طرقاً أخرى للوجود والمعرفة. في النوم، نتحرر من ديكتاتورية العقل، نعود إلى حالة أقدم، أعمق، ربما أصدق.

البعض يدعي أنه لا يحلم، لكن الحقيقة أن الجميع يحلمون. الفرق في التذكر. وربما الذين لا يتذكرون أحلامهم هم الأكثر انفصالاً عن ذواتهم العميقة، الأكثر غرقاً في سطح الحياة. تذكُّر الحلم جسر بين العالمين، خيط يربط الليل بالنهار، الغياب بالحضور.

في رواية "كسالى الوادي الخصيب" لألبير قصيري، السكان في الحي الفقير يتخانقون مع أي شخص يحاول منعهم من النوم حتى الظهر. وفي قصة أخرى له، شخصية تقرر ألا تتزوج خوفاً من تغيير مواعيد نومها. قصيري نفسه عاش حتى الثانية والتسعين ينام متى شاء، يستيقظ متى شاء، في غرفة فندق متواضعة في باريس. مات وهو يفعل ما أحب: لا شيء.

في مكان ما الآن، ملايين البشر غارقون في أحلامهم. يعيشون حيوات كاملة في دقائق، يختبرون مشاعر لا توجد في قاموس اليقظة، يزورون أماكن لا خرائط لها. كل هذا الثراء، كل هذا الإبداع الصامت، يحدث في الظلام، بعيداً عن أي رقيب. النوم آخر مساحة حرة حقاً في عالم مُراقب.

السؤال الذي يطرحه النوم كل ليلة، لماذا نثق؟ لماذا نستسلم لقوة لا نفهمها، نغمض أعيننا ونأمل أن نفتحها؟ ربما لأننا نعرف، في مكان عميق جداً، أن الاستسلام ليس ضعفاً دائماً. أحياناً، الاستسلام هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى تلك الأبواب التي لا تُفتح إلا للنائمين، تلك الحقائق التي لا تُرى إلا بعيون مغمضة.

أو ربما ببساطة لأن الجسد أحكم من كل فلسفاتنا، يعرف متى يحتاج الراحة، متى يحتاج العبور إلى الضفة الأخرى. والنوم، في النهاية، ليس اختياراً بل قدراً. قدر جميل ورحيم، يمنحنا كل ليلة فرصة للموت ما وراء الجفون والولادة من جديد.


* المقال خاص بـ Boring Books

** تحتفظ كاتبة المقال بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقالها دون إذن منها



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية