سيتلقّى كل قارئ شيئًا مختلفًا من السرد المُذهِل والمُعَقَّد والمُرَوَّع والخانق في بعض اﻷحيان. بالنسبة لي فالموضوع المُهيمن والمُقرب للغاية من قلب جيمس هي قصة تعليم ماجي فيرفر حرفيًا وعاطفيًا معًا

كوز الذهب لهنري جيمس (1904)

مقال روبرت مكروم

ترجمة: مارينا أشرف

عن كتاب "أفضل مئة رواية في اللغة الإنجليزية" الصادر عن كتب مملة بالتعاون مع دار هن للنشر والتوزيع


هنري جيمس، عن الجارديان

تُشير دُعَابَة قديمة لا معنى لها سوى في بريطانيا إلى أنه يوجد ثلاثة تجليات لهنري جيمس وليس تجليًا واحدًا، وهم: جيمس الأول في رواية "صورة سيدة" عام 1881؛ وجيمس الثاني في رواية "دَورة اللَّولَب"؛ والمدَّعي الهَرِم في روايتي "جناحا اليمامة" عام 1902 و"كُوزُ الذَّهَبِ" The Golden Bowl.

وبينما نقترب من أديب عظيم آخَر في هذه السلسلة -حيث يعد جيمس بالنسبة للبعض الكاتب الأمريكي الوحيد الذي يحظى بأهمية أكبر من مارك توين أو ف. سكوت فيتزجيرالد - اخترتُ تخطي جيمس الأول والثاني، والاستقرار على جيمس الأخير -المدَّعي الهَرِم- ورائعته الفنية رواية "كُوزُ الذَّهَبِ" التي اِقُتبس عنوانها من سفر الجامعة 12: 6-7 "قَبْلَ مَا يَنْفَصِمُ حَبْلُ الْفِضَّةِ أَوْ يَنْسَحِقُ كُوزُ الذَّهَبِ أَوْ تَنْكَسِرُ الْجَرَّةُ عَلَى الْعَيْنِ أَوْ تَنْقَصِفُ الْبَكَرَةُ عِنْدَ الْبِئْرِ. فَيَرْجِعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ...".

ولقد اخترت هذه الرواية لثلاثة أسباب: أولًا، لأن الرواية تتناول المسألة الأساسية عند جيمس وهي اِلتقاء ثقافتين عظيمتين، وأعني بهما: الإنجليزية والأمريكية، كما إن الرواية تمزج هذه المسألة بالتهديد المشؤوم في منتصف عمره. ثانيًا، لأن الرواية جيمسية (Jamesian) بشدة؛ فيرى البعض أن الرواية جيمسية بدرجة قد تدفع للجنون، فهي غالبًا ما تتأرجح بين الصعوبة واللامفهومية. وثالثًا، لأن روايته الأخيرة تضعه حيث ينتمي، أي في البدايات الأولى للقرن العشرين.

تستهل رواية "كُوزُ الذَّهَبِ" بالأمير أمريجو (Prince Amerigo) وهو نَبِيل إيطالي جذاب مُفلِس، يحضر إلى لندن للزواج من ماجي فيرفر (Maggie Verver) وهي الابنة الوحيدة للأرمل الأمريكي الثري آدم فيرفر (Adam Verver) الذي يعمل خبير مالي وفني.

ومن ثم تُعيد الحبكة قصة هنري جيمس القصيرة (الزِيجاتٌ The Marriages) لعام 1891 التي يتورط فيها الأب والابنة بلا أمل في "محبة متبادلة، وفي مكيدة"، فهي حكاية مُعقدة عن الخِيَانَة والغدر، وما زاد من تعقيدها حقيقة أن جيمس أمِلاها على كاتب الآلة الكاتبة كل صباحٍ على مدار ثلاثة عشر شهرًا، وقد عانى جيمس بالفعل من أزمة تشنج أيدي الكاتب. ولم يحدث أن عبر كاتب بارز عن جوانب كثيرة من رؤيته من خلال وسيط الكلمة المحكية منذ أن أملى جون ميلتون المُصاب بالعمى أجزاءً من "الفردوس المفقود" على بناته.

سيتلقّى كل قارئ شيئًا مختلفًا من السرد المُذهِل والمُعَقَّد والمُرَوَّع والخانق في بعض اﻷحيان. بالنسبة لي فالموضوع المُهيمن والمُقرب للغاية من قلب جيمس هي قصة تعليم ماجي فيرفر حرفيًا وعاطفيًا معًا، وحلها الدقيق لوضع مستحيل ومُروع. ولكن في النهاية أنقذت ماجي زواجها، واستعد والدها للعودة إلى أمريكا، تاركًا ابنته أكبر سنًا وأكثر حكمةً (وعلى ما يبدو) متصالحة مع زوجُها. فلا يحتوي الأدب الأمريكي على عمل آخر يٌشبه "كُوزُ الذَّهَبِ".

ملحوظة على النص

تُعد "كُوزُ الذَّهَبِ" واحدة من الروايات الأولى التي تعود حَتمًا للقرن العشرين، فهي لم تُنشر مُسلسلة قط، ولكن نشرتها دار نشر تُسمى تشارلز سكريبنرز سونز (Charles Scribner's Sons) لأول مرة في نيويورك في ديسمبر 1904 في مجلدين، وبعد ذلك نشرتها دار نشر ميثوين (Methuen) في لندن في فبراير 1905 في طبعة ذات مجلد واحد. وظهرت طبعة منقحة في عام 1909 في المجلدين الثالث والعشرين والرابع والعشرين من طبعة نيويورك إلى جانب مقدمة من مقدمات جيمس الجليلة والتي تأمل فيها بإسهاب مُعقَّد أحيانًا فن الرواية كما فهمه. قبل عدة سنوات، ذكر جيمس في مقال "فن الرواية" عام 1884 تصريح عبقري شبه جدلي لصالح الرواية بوصفها شكلًا فنيًا، فكتب: "أن أي رواية ما هي إلا كائن حي مكتمل ومتنامي، مثله في ذلك مثل أي كائن حي آخَر وطالما بقيت الرواية حية سنكتشف على ما أعتقد إنه في كل الأجزاء ثمة شيء كامن من كل جزء في الأجزاء الأخرى". تُجسد "كُوزُ الذَّهَبِ" بامتياز هذا القول حيث توفر بنية أدبية من التعقيد والثراء المذهلين.