الكاذب الأعظم في العالم

قصتان لإيتجار كيريت*

ترجمة وتقديم: شادي عبد العزيز

*إيتجار كيريت (20 أغسطس 1967): أديب إسرائيلي من أصل بولندي، تحدث أكثر من مرة عن تأثره بكتابات فرانز كافكا وويليام فوكنر، وبأفلام تيري جيليام والأخوين كوين، يتوزع إنتاجه بين القصة القصيرة وكتابة السيناريو للسينما والتليفزيون والكوميكس، بخلاف بعض الكتابات الموجهة للأطفال.

الترجمة خاصة بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الاخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.


إتجار كيريت، عن Hammer

يبدأ إيتجار كيريت إحدى قصصه بجملة: «بعد يومين من انتحاري، وجدت وظيفة هنا في مطعم ما للبيتزا».

كانت الجملة عادية لدرجة أن الكلام عن انتحار راوي القصة بدا خطأ مطبعيًّا، فأعدت قراءة الجملة. نعم، لقد بدأ عمله بمطعم البيتزا «بعد» انتحاره. ابتسمتُ، وأكملتُ القصة.

كيريت إسرائيلي، يعيش في تل أبيب ويُدرِّس بجامعة بن جوريون، وهو أيضًا مخرج وكاتب سيناريو حائز على جوائز، وسبق أن تحولت قصته التي بدأت بها كلامي إلى فيلم أخرجه جوران دوكيك بعنوان «wristcutters a love story». عرفت ذلك بالصدفة أيضًا، بعد أن شاهدت الفيلم مرتين. وقد صدرت للكاتب باللغة العربية مجموعة بعنوان «سائق الحافلة الذي أراد أن يكون ربًا» عن منشورات مركز أوغاريت الثقافي، رام الله، 2003، بترجمة عزت الغزاوي ووليد أبو بكر.

يقول كيريت في مقابلة مع الجارديان: «ككاتب، أشعر أني يهودي أكثر منّي إسرائيلي، فأغلب أصدقائي من الكتاب اليهود الأمريكيين، وأشعر أني أقرب لهم لأنهم مهووسون دائمًا بموضوع واحد هو الهوية، وما يعنيه أن تكون يهوديًا أمريكيًا. أما الإسرائيليين، فنادرًا ما يتعاملون مع السؤال عما يعنيه أن تكون إسرائيليًا. قد يكون ذلك بالغ الصعوبة، ولكنهم يميلون لكبته. هناك شيء انعكاسي جدًا في الكتابة اليهودية، بينما الكتابة الإسرائيلية أكثر نشاطًا وملحمية في طبيعتها». ينسب كيريت هذه الموالاة إلى نشأته مع «هوية مزدوجة»، وإحساسه أنه أوروبي وإسرائيلي في نفس الوقت.

كيريت ليس رحيمًا بأبطاله، فمن العادي أن يتحول البطل إلى سمكة، أو تسيطر البواسير على حياته. وربما كان تكرار موضوع (التحول) في قصصه مرتبطًا بحبه القديم لكافكا، الذي تكررت إشارته إليه في حواراته.

تزخر قصص كيريت كذلك بالصدف. ويقول: «إلى أي حد يتحكم شخصٌ ما في قدره؟ تشبه الحياة كثيرًا السقوط عن حافة جرف؛ فلديك كامل الحرية لاتخاذ كل القرارات التي تريدها في طريقك إلى الأسفل».

كانت قراءتي قصص كيريت صدفة سعيدة كذلك. أما الترجمة، فمحاولة لقراءة أعمق، ومحاولة للتعريف بحكّاء يكاد يكون مجهولًا للكثيرين.

المترجم


الكاذب الأعظم في العالم

عن ترجمة جيسيكا كوهين للإنجليزية

أنظر إليه واقفًا في منتصف الشارع تحت مطرٍ منهمر، ينفي برودة الجو أمام الجميع. درجة الحرارة تفوق حد التجمُّد بقليل، دون حتى أن يعطس. تتقاطر قطرات المطر عن جبينه كما لو كانت قطرات عرق، وفمه -ذلك الذي يجب أن تراه لتصدق حاله- ظاهرة كونية لا مثيل لها، ثقبٌ أسود يبتلع الواقع ويبصقه إلى الطرف الآخر وقد انقلب حاله تمامًا. والآن ها هو يتكلم بثقة عن المستقبل الرائع في انتظار أطفالنا، وفي أي دقيقة الآن سيشرح لمن يرغب في الإنصات كيف أن هناك إلهًا، وكيف أن هذا الإله يؤمن أننا في خير حال. وبعدها سيتخذ مقعدًا في مقهى صغير، ليشرب شايًا ساخنًا بالليمون ويقسم إنه قهوة.

لم يكن دومًا كذلك. كان طفلًا يعجز عن الكذب إطلاقًا، وفي مرة انكسرت نافذة فصله ورفع يده ليعترف أنه من ألقى الحجر. لكن صراحته لم تجلب له سوى سجل لجرائم الأحداث بتهمة تخريب للممتلكات، وفي مرحلةٍ ما على هذه الطريق الطويلة والمرهقة، بلغ مفترق طرق، وانعطف بحدة، ولم ينظر خلفه قط.

في البداية، لم يكن يكذب سوى على الأغراب، ثم اتسع ليشمل من أحبهم بحق، ليكذب على نفسه في النهاية. والكذب على النفس هو الأفضل. فلا حاجة إلا إلى دقيقة واحدة لتتحول بركة الواقع الصغيرة العكرة التي تبلل جُورَبيْك إلى شيء دافئ ومخملي. عبارة واحدة فقط، وسيتحول الفشل إلى خضوع طوعي، وتتحول الوحدة إلى اختيار، بل وحتى الموت الذي يكاد يُطبق عليك طيلة الوقت يمكن أن يتغير إلى مجرد تذكرة ذهاب إلى الجنة.

وهو ليس مغفلًا. فهو يعرف أنه لا يحوز تقدير الجميع. وأن هناك دومًا متطرفون يصرون على امتداح الحقيقة المفتقرة إلى الخيار كما لو كانت عجيبة تدعو إلى الدهشة، لا مجرد عيب محرج. هل سبق وأن رأيت كومة نفايات تكذب، أو شرغوفًا،[1] أو حشرة؟ ليس سوى الإنسان، ذلك المتربع على قمة المخلوقات، مَن يستطيع تبديل عالمه بجملة يصوغها. تخلق الجملة واقعًا. ربما لا يكون ذلك واقعًا في الحقيقة، لكنه شيء ما. شيء ما إن نتمسك به فقط بشدة كافية حتى نستطيع النجاة، ونظل طافين على السطح.

والآن، هيا نشاهده منخرطًا فيما يفعل. إلى يمينه زوجة وطفلان يستميت في حبهم. وإلى يساره نادلة شابة ونحيلة تَأمل في تحصيل درجة علمية في العلاقات الدولية. وها هو ذا، يُقبِّل النادلة ويخبر نفسه أن ذلك الصواب بعينه. يصطحب بعدها الطفلين التوأم من روضة الأطفال ويحكي لهما كيف جاء بهما بابا وماما إلى العالم. وبعدها بدقيقة سيحين وقت سيجارة ما بعد الجِماع، وسيحكي للنادلة النحيلة كما سيحكي لنفسه إنه لم يمر من قبل مطلقًا بمثل هذا الحب الهائل. ذلك الحب الذي يشبه إحدى قوى الطبيعة، بركانًا، حبًا يطيح بك في الأرجاء جيئة وذهابًا دون طائل من مقاومته.

وها هو بعد شهرين من الآن، متعب ومُقصَى في شقة مؤجَّرة في «بتاح تِكفا»، ينتظر بنفاد صبر عطلة نهاية الأسبوع كل أسبوعين، ليستطيع الاستغراق في النوم في نفس السرير إلى جوار التوأم، ويحلم أحلامًا مُثقَلة بإحساسه بالذنب، وسيظل مصرًا إن كل ما حدث ليس إلا لأنه كان منفتحًا على ذاته. ولأنه اختار أن يحيا الحياة إلى أقصاها، ولم يكتفِ بمجرد مشاهدتها ضجِرًا من خارج الملعب كما لو كانت مجرد فيلم أجنبي آخر، سحبته النادلة النحيلة خلفها لمشاهدتها في دار عرض للأفلام المستقلة.

في سبتمبر المقبل سيكون ممثلًا لنا في البطولة العالمية للكذب، والمعلِّقون متأكدون أنه سيجلب للوطن ميدالية. إنه بارع جدًا، كما يقولون، حتى إنه لو حدث المستحيل وخسر، فليس هناك أدنى شك إنه سيتمكن من إقناع نفسه -وإقناعنا كذلك- بفوزه. تلك حقيقته: بطلٌ بحق. فهو لا يرفع عينه عن الجائزة المأمولة. ولا يخاف أبدًا من لَكم الحقيقة نفسها، ليُقسم بعدها إن عين الحقيقة -السوداء من لكمته- ليست إلا وردية. إنه رجل لم ينتابه الندم على أي شيء قط، وحتى لو حدث ذلك، فلن يعترف به إطلاقًا.


مُغْلَقتان

عن ترجمة سوندرا سيلفرستون للإنجليزية

أعرف رجلًا يستغرق في التخيُّلات طيلة الوقت. لا أبالغ حين أقول إنه يمشي في الشارع مغلق العينين. يومًا ما، كنتُ جالسًا في سيارة يقودها، ونظرت إلى يساري لأجد كلتا يديه على عجلة القيادة وعيناه مغلقتان. لا أمزح، لقد كان يقود السيارة على طريق رئيسية بهذا الأسلوب.

صحتُ فيه: «يا حجاي، ليس ذلك مستحسنًا، افتح عينيك». لكنه ظل يقود سيارته كما لو كان كل شيء على ما يرام.

سألني: «أتعرف أين أنا الآن؟»

كررتُ قولي: «افتح عينيك وكفى، هذا يفزعني، إنها لمعجزة أننا لم نتعرض لحادث!»

كان الرجل يستغرق في تخيُّلاتٍ عن منازل الآخرين، وكأنها منزله. يستغرق في تخيُّلاتٍ عن سياراتهم وعن وظائفهم. لكن وظائفهم شيء، وزوجته شيء آخر. لقد كان يتخيَّل نساءً أُخريات بدلًا من زوجته. ويتخيَّل أطفال غيره كذلك، ممن يلقاهم في الشارع أو في الحديقة أو يشاهدهم في مسلسل تلفزيوني ما، وكأنهم عائلته بدلًا من أطفاله. كان يقضي ساعات في ذلك. ولو تُرِكَ له الأمر، لقضى حياته كلها في ذلك.

قلتُ له: «حجاي، حجاي، عليك أن تُفيق، دع عنك غفلتك وعُد إلى حياتك. إن لك حياة مدهشة وزوجة رائعة وأطفالًا جميلين. أفِق!»

وكان يجيبني من عُمق البين باج: «توقف، لا تفسد أمري. أتعرف مَن معي الآن؟ يوتام راتسابي، زميل الجيش القديم. أنا في جولة في السيارة الجيب مع يوتام راتسابي. ليس فيها إلا أنا ويوتي والصغير إِيفياتار مِندلسون. يا له من طفل ذكي من حضّانة آميت. وإِيفياتار، ذلك الشيطان الصغير، يقول لي: «بابا أنا عطشان، ممكن أشرب بيرة؟» تصوَّر! إنه لم يبلغ حتى السابعة من عمره. لذلك قلتُ طبعًا: «البيرة ممنوعة يا إيفي. أنت تعرّف أن أمك منعت ذلك». أمه رونا يِديديا زميلة المدرسة، طليقتي الجميلة مثل عارضة أزياء، والقاسية كالأظافر».

أردّ: «حجاي، ليس ذلك ابنك، وتلك ليست زوجتك. لست مُطلَّقًا، بل أنت متزوج وسعيد بزواجك، افتح عينيك!»

يستطرد كأنه لم يسمعني: «في كل مرة أعيد فيها الطفل إلى منزلها، ينتابني انتصابٌ. انتصابٌ كبير كسارية مركب. طليقتي جميلة، جميلة ولكن قاسية. وتلك القسوة هي ما تصيبني بالانتصاب».

أقول: «إنها ليست طليقتك، ولا انتصاب لديك». أنا متأكد مما أقول، فهو على مسافة مترٍ مني في سروال قصير، ودون انتصاب.

يحكي: «اضْطُررنا إلى الانفصال. أنا كرهتُ صحبتها، وهي نفسها كرهت صحبتها كذلك».

توسلتُ إليه: «حجاي، أرجوك، زوجتك اسمها كارني، والواقع إنها جميلة، لكنها ليست قاسية. ليس معي على الأقل». زوجته رقيقة بحق. لها روح طائر طيبة وقلب كبير، يتسع للجميع. مرت علينا تسعة أشهر معًا حتى الآن. يبدأ حجاي العمل مبكرًا، وأقابلُها أنا في الثامنة والنصف، بعد أن توصل الأطفال للحضانة مباشرةً.

يسترسل: «أنا ورونا تقابلنا في المدرسة. كانت حبي الأول وكنت حبها الأول. وبعد الطلاق، لعبتُ بذيلي هنا وهناك، كثيرًا، ولكن ولا واحدة منهنّ قاربتها في أي شيء. أتعرف! إنها تبدو كما لو كانت لا تزال وحيدة. ربما كان ذلك بسبب تباعُدنا. لكن إن تبين لي أنها ارتبطت بغيري، سأنهار، حتى رغم طلاقنا وكل شيء. سأنهار إلى حطام. فقط لن أستطيع تحمُّل ذلك. لم تكن أيًا من الأُخريات تعنيني في شيء. هي فقط تعنيني. وحدها، دائمًا وأبدًا».

أكرر: «حجاي، اسمها كارني وليست مرتبطة بغيرك. أنت ما زلتَ متزوجًا!»

يرد بينما يلحس شفتيه الجافتيْن: «رونا ليست مرتبطة بغيري كذلك. سأنتحر إن كان هناك غيري».

ها قد أتت كارني الشقة، تحمل كيس تسوق. تلقي عليَّ تحية عارضة. منذ أن صرنا معًا، تحاول أن تبدو المسافة بيننا أبعد في وجود غيرنا. لم ينل منها حجاي أي «هاي»، فهي تعرف انعدام جدوى مخاطبته وعيناه مغلقتان.

يقول: «منزلي، في مركز تل أبيب بالضبط. يا له من منزل جميل، بشجرة التوت خارج النافذة مباشرةً! لكنه صغير، أصغر مما ينبغي. أحتاج غرفة أخرى. في عطلات نهاية الأسبوع، عندما يأتيني الأطفال، يكون عليَّ أن أخرج الأريكة التي تُفتَح إلى فراش. يؤلم ذلك عنقي حقًا. إن لم أجد حلًا قبل الصيف، سيكون عليَّ أن أنتقل إلى منزل آخر».


[1]  الشرغوف صغير الضفدع.