العالم رواية بوليسية

سلسلة يكتبها أمير زكي

نُشرت بموقع مدى

نُشر المقال الأول في 8 يوليو 2019

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.


العالم رواية بوليسية

من النادر أن تجد محبًا للقراءة لم يمر في فترة من حياته على الروايات البوليسية، ويستوي في ذلك القراء العاديين بالقراء المحترفين، وكذلك بالقراء الذين تحولوا إلى كُتَّاب. تتنوع الروايات التي مروا بها، فمنهم من قرأ شرلوك هولمز ومنهم من قرأ إجاثا كريستي، أو ريمون شاندلر، أو حتى من قرأ في مراهقته سلسلة «المغامرون الخمسة» لمحمود سالم.

عدد من الروايات البوليسية تحول على مر الزمن إلى أعمال كلاسيكية، ففي اختيارات الجارديان لأفضل مائة رواية إنجليزية، تجد أعمال آرثر كونان دويل عن شرلوك هولمز، ورواية «مون ستون» لويلكي كولنز. ولكن رغم ذلك يظل التعامل مع هذا الأدب على أنه نوع أقل قيمة، نقرأه في فترة حياتية مبكرة ثم ننتقل إلى أدب أعمق وأرفع. حتى الكتّاب الكبار الذين تأثروا في صباهم بهذا النوع، يتذكرون تلك القراءات عابرًا، وكُتَّاب سيرهم الذاتية كذلك يعبرون بها وكأنها قراءات طفولية لا تستدعي الانتباه.

ولكن ماذا لو رأينا في الأدب البوليسي والأدب الرفيع مزيجًا واحدًا؟

نحن جميعًا نعرف قيمة رواية مثل «الجريمة والعقاب» لفيودور دوستويفسكي، ولا يمكن أن نتجاهل العناصر البوليسية فيها، وينطبق الأمر نفسه على رواية «الأخوة كرامازوف» للكاتب نفسه.

في ثقافتنا العربية أيضًا كان الأدب البوليسي حاضرًا وسط الأدب الرفيع، منذ بداياته استعان نجيب محفوظ بعناصر بوليسية في قصصه ورواياته، يعود ذلك إلى روايته المبكرة «السراب»، وذِكْر تفاصيل التحقيق في مقتل «رباب» زوجة الشخصية الرئيسية، وتتناثر العناصر البوليسية في قصصه ورواياته الأخرى حتى لو لم تكن الخيط الرئيسي أو البارز فيها. في تلك الأحوال لا يُصَنَّف العمل بوليسيًا ولكنه يستعين بالنوع البوليسي ليكشف شيئًا آخر، جريمة أو وضعًا مجتمعيًا أو يُستخدم ليسبر أغوار الشخصيات.

في نمط شائع وسط النوع البوليسي يدخل المحقق عالمًا مجهولًا، يحاول استكشافه شيئًا فشيئًا، وفي الحالة النموذجية يصل في النهاية إلى تفسير لكل شيء ويقدم حلًا للجريمة، ولكن في حالات أخرى، يظل سر الجريمة الرئيسي محجوبًا لصالح معارف أخرى، أو تصير الأمور أكثر غموضًا.

النوع البوليسي مناسب ومرن جدًا في الكشف عن القصص والمعلومات، نمارسه نحن يوميًا في حياتنا حين نتعرف على أشخاص جدد، أو حين نبدأ عملًا جديدًا، أو حتى حين نسافر بلدًا آخر. أليس إطار التفكير الذي يعمل به المحقق شبيهًا بإطار تفكير الطفل الذي يحاول فهم ما حوله واستكشافه؟ أليس شبيهًا بإطار تفكير الفيلسوف والباحث الذي يحاول استكشاف موضوعه والإحاطة به؟

في هذه السلسلة نتحدث عن أربع روايات، تتميز بقيمتها الفنية، ولكنها جميعًا تحمل هذه السمة، هذا العنصر البوليسي الذي استخدمه الكُتاب، من أجل جذب القارئ، أو مساعدته للدخول إلى عالمهم غير المألوف. نستكشف العناصر البوليسية في تلك الروايات، مقتفين أثر شخصية المحقق في كل منها، وفي الوقت نفسه نعيد قراءة هذه الروايات، ولكن من منظور جديد.


1. يوميات جريمة في الأرياف

يوميات نائب في الأرياف

«إنني أعيش مع الجريمة في أصفاد واحدة. إنها رفيقي وزوجي أطالع وجهها في كل يوم».

هكذا يكتب الراوي/النائب في مطلع رواية توفيق الحكيم الرائدة «يوميات نائب في الأرياف»، ليبدأ بعدها مشاهداته الواقعية أثناء عمله كممثل للقانون في ريف مصر، ومشاهداته للجرائم المتباينة التي تتراوح بين سرقات صغيرة وخلافات عائلية وحتى جرائم القتل، ويبرز بينها جريمة إطلاق النار على قمر الدولة علوان.

في نهاية الكتاب الصادر عن «مكتبة مصر»، يذكر الناشر بعض آراء النقاد الغربيين في الرواية، إذ يقول الصحفي الفرنسي جان لاكوثور: «الكتاب قبل كل شيء وثيقة (أنثروبولوجية) عظيمة.. وصورة من أكثر الصورة أمانة، وأبلغها تأثيرًا، لمجتمع القرية في مصر».

في مقابل هذه النظرة «الأنثروبولوجية» للرواية، يتحدث غالي شكري في كتابه «ثورة المعتزل» عن واقعية الرواية التي انفصلت عن الحس الرومانسي، الذي اتسمت به كتب الحكيم والروايات العربية قبل «يوميات نائب»، وكيف أثرت واقعية هذه الرواية في الأدب الواقعي الاشتراكي المصري التالي للحكيم.

ورغم وجاهة هذين الرأيين إلا أنهما يغفلان جانبين آخرين مهمين لرواية «يوميات نائب في الأرياف»؛ أولهما الجانب الوجودي في وضع النائب، المغترب الذي سقط على إحدى القرى ويعي تمامًا عبثية موقفه ووظيفته وعبثية القانون الذي يطبقه، هذا الوضع الذي صار يصيبه بالتبلد.

والجانب الآخر هو الجانب البوليسي في القصة، فوسط مشاهدات النائب وأوصافه الواقعية للقرية ومحاولات تطبيق القانون فيها، يظل حجر الأساس في الرواية كلها، أو الهيكل الذي يمسك مفاصلها هو حادث إطلاق النار على قمر الدولة علوان، الجريمة التي تتكشف شيئًا فشيئًا أثناء مُضي الرواية، وينتظر القارئ معرفة معلومة جديدة أو كشف جديد عنها.

حين ننظر لخلفية توفيق الحكيم الثقافية نهتم باطلاعه على الثقافة الفرنسية الرفيعة، ومن ثم الكلاسيكيات الغربية، ونرى متابعة للحركة الفنية المصرية في شبابه، وهي التي كانت في أصلها حركة ترجمة اعتمد عليها المسرح المصري في بداياته، ولكن هناك خلفية أخرى تحدث عنها الحكيم، ففي صباه، ومثلما نقرأ جميعًا في صبانا، كان يقرأ كتب المغامرات والقصص البوليسية، يقول الحكيم للغيطاني في كتاب «توفيق الحكيم يتذكر» إنه قرأ «… حلقات وسلاسل المغامرات التي كانت تطيش بلُبِّي، فبعد سلسلة (زنجومار) جاءت حلقات (فانتوماس)، هذا إلى جانب روايات (روكامبول)».

وكثيرًا ما نتعامل باستهانة مع هذا الجانب من الثقافة حين نتحدث عن الكتاب الكبار، وهذه الاستهانة تمتد إلى النقد الراسخ، ففي كتابها «تاريخ حركة الترجمة الأدبية» تنتقد لطيفة الزيات الفترات التي اهتم بها المترجمون بهذه النوعية من الروايات، روايات «شرلوك هولمز» و«روكامبول» وغيرها، وبدا أنها تعتبر ترجمة هذا النوع «التجاري» انحرافًا عن مسار الترجمة المناسب، قبل أن يعود المترجمون المصريون لترجمة عيون الأدب العالمي.

ولكن رغم ذلك، لم يخل هذا الأدب من تأثير على الأدب المصري الرائد، ولا مفر من ذلك طالما نشأ الأدباء المصريون عليه. فالحكيم هنا يستخدم في روايته الحس البوليسي، ونجيب محفوظ استخدمه كثيرًا في أعماله، هو الذي قال إنه كان يقرأ سلسلة «جونسون» البوليسية التي يترجمها حافظ نجيب. فبخلاف مجموعة قصصية مثل «الجريمة»، استخدم محفوظ عناصر بوليسية في رواية تتسم بالفكر الفلسفي والصوفي مثل «الطريق».

لماذا اتجه الحكيم هذا الاتجاه في «يوميات نائب»؟ بالطبع كان لعمله في النيابة تأثيرًا عليه. ولكن في الرواية نفسها يقول الراوي بحسه الساخر إن حتى الجرائم الجنائية لم تكن تؤثر فيه، ويذكر موقف تعلم فيه من رئيس النيابة أن حجم محضر جريمة القتل يجب أن يكون كبيرًا ولا يصح أن يكون 10 صفحات فقط، أي أن العبرة بوزن المحضر وليس بأهميته أو بأهمية التعرف على الجاني.

إذن لدى الشخصية المبرر الكافي بأن تعتبر الجناية هنا أمرًا عابرًا، النائب نفسه لا يتعاطف –أثناء عمله- مع المجرم بسبب الجوع أو عدم الفهم، يمكن أن تصبح الجريمة هنا مشاهدة وسط المشاهدات، يعلق عليها النائب بحسه الساخر. وأصلًا الرواية العربية كانت فنًا ناشئًا، متأخرة عن المسرح أصلًا، ولن يُلام إذا لم يعزز في روايته حبكة، ناهيك بحبكة بوليسية. ولكن ربما كان الاختيار تلقائيًا، أو تأثر الحكيم بقراءات صباه، ولكن من المرجح أيضًا أن الحكيم أراد أن يظل القارئ منجذبًا للرواية، فكان الاختيار الأمثل هو متابعة هذا الخيط الدرامي المثير، وربما يكون هذا أيضًا ليكسب أرضًا جديدة وقارئًا جديدًا.

بعد المطولات التأملية والواقعية التي كانت تتخلل العمل، يعود الحكيم من آن لآخر ويذكر تطورًا في الأحداث وكشفًا آخر في الجريمة، فبعد إطلاق النار على قمر الدولة علوان نعرف أن هناك شخصية في حياته هي ريم، شقيقة زوجته، الفتاة الصغيرة الجميلة، التي يندهش جميع ممثلي القانون من جمالها، وقبل وفاة قمر الدولة علوان يتفوه باسم «ريم» حتى نتخيل أنها من أطلقت النار عليه. يظل الوضع غامضًا: هل هو في علاقة معها؟ هل يحبها ويمنع جميع من يتقدم لخطبتها؟ وبعدها نعرف أن زوجة قمر الدولة توفت مخنوقة، ما يجعلنا نتصور أركان مكتملة للجريمة، هل كان قمر الدولة وريم في علاقة، وأراد إزاحة زوجته؟ وأخيرًا تغرق ريم في الريَّاح. لتظل سلسلة الجرائم غامضة.

هكذا تظل الرواية جذابة حتى للقارئ العصري، فإذا كنت لا تولي اهتمامًا بوضع الفلاح المصري وطرافة تطبيق القانون الفرنسي عليه، أو وضع النائب بثقافته المختلفة في ريف مصر، أو السخرية من النظام القضائي (لنتخيل عملًا فنيًا يحمل سخرية مشابهة في عصرنا الحالي!)، فما زال لديك خط مثير للاهتمام تود معرفة تطوره باستمرار.

في النهاية لا يشبعك الحكيم بتقديم حل للجريمة، ولا شك أن وجود الحل كان سيقلل كثيرًا من قيمة الرواية. يُحفَظ محضر الجريمة كتعبير عن القانون الشكلي الذي يغلف كل شيء في مصر في ذلك الوقت، وحتى وقتنا هذا.

«يوميات نائب في الأرياف» رواية رائدة في فن القص العربي، وثيقة تاريخية عن عصر ما، تشتمل على حس ساخر للراوي يتميز به الحكيم، وموقف وجودي تقع فيه الشخصية الرئيسية، ولكن تصير الرواية أكثر إمتاعًا حين ننتبه إلى التقنية البوليسية التي استخدمها الحكيم، لتكون الأساس الذي يبني عليه كل شيء آخر.