أوليا

قصة لأندريه بلاتونوف*

ترجمها عن الروسية: أحمد الخميسي

نُشرت القصة في مجموعة «رائحة الخبز»، وهي مجموعة من القصص الروسية ترجمها أحمد الخميسي

* أندريه بلاتونوف: من أكبر الكتاب الروس عاش من 1899 حتى 1951. اشتهر بأنه «كافكا الروسي». له أعمال تعد من عيون الأدب العالمي في الرواية والقصة القصيرة، عدد كبير منها مترجم بالعربية.

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه

***

آندريه بلاتونوف، عن Russian Life

فى زمن ما.. كانت تعيش في دنيانا طفلة رائعة، نسيها الآن جميع الناس بل ونسوا اسمها كذلك، فلم يعد أحد يتذكرها أو يتذكر وجهها، باستثناء جدتي التي لم تغب تلك الطفلة الرائعة عن ذاكرتها، فحكت لى عنها، وعمن كانت..

قالت جدتي إنهم أطلقوا على تلك الطفلة اسم أوليا. وكان كل من يرى أوليا الصغيرة يستشعر فى قلبه وخز الضمير حين يستيقظ، لأن أوليا كانت حبيبة الوجه، خَيِّرة الطبع، على حين لم يكن كل من يرمقها شريفًا وطيبًا.

كانت ذات عينين واسعتين صافيتين شاهد كل الناس في عمقهما، وفى أبعد نقطة فيهما، أحب وأهم ما في الدنيا، ولذلك تمنى كل إنسان أن يحدق في عيني أوليا ليستجلى في غورهما أقصى ما يبعث السعادة فيه.

غير أن أوليا كانت تطرف بعينيها، ولهذا لا يستطيع أحد أن يستبين ما في عمق مقلتيها الرائعتين.

وذات مرة، نظر البعض إلى عيني أوليا، وحين شرعوا يلمون بشيء مما يبصرونه طرفت أوليا بعينيها مرة ثانية، فاستحال على الناظرين أن يحيطوا بكل ما في غورهما البعيد.

بيد أن شخصًا ساعفه النظر واستطاع أن يمده إلى أقصى مدى في عيني أوليا، وهناك لمح ما كان. كان اسم ذاك الشخص دميان، عاش على شراء الحبوب رخيصة من الفلاحين في سنوات المحصول الوافر ثم بيعها غالية في السنوات العجاف، وبهذا كان على الدوام يحيا في ثراء ورفاهية.

في قاع عيني أوليا رأى دميان صورته، ليس كما كان يبدو للناس وإنما كما كان في دخيلته حقًّا: «شدق بشع ونظرة وحشية». لقد ارتسمت على وجهه روحه غير المرئية واضحة في عيني أوليا. وما كاد دميان يرنو إلى صورته حتى ارتحل عن مكان معيشته ومنذ ذلك الحين انقطعت عن الناس أخباره فترة طويلة، وأخذوا ينسونه شيئًا فشيئًا.

في عيني أوليا كانت تنعكس الحقيقة الخالصة فقط. فلو أن شخصًا قاسي القلب، جميل الوجه، فاخر الملبس نظر في مقلتيها لتجلى فيهما بَشِعًا تتآكله القروح بدلًا من الزينة.

أما أوليا نفسها فلم تكن تدري أن الحقيقة تنعكس في عينيها. كانت ما تزال صغيرة، لا تدرك.

وبالرغم من أن باقي الناس لم يستطيعوا أن يلمحوا صورهم في عينيها، إلا أنهم جميعًا هاموا بها، وقدَّروا أن الحياة بخير ما دامت أوليا تحيا بهذه الدنيا.

لم يعرف أحدٌ لأوليا أبًا ولا أمًا، فقد عثروا عليها في الصيف تحت شجرة الصنوبر عند البئر وقد مرت على ولادتها عدة أسابيع، ملقاة على الأرض، ملفوفة في شال دافئ، تتطلع نحو السماء في سكون بعينين واسعتين يتبدل لونهما: فمرة تبدوان رصاصتين، وأخرى سماويتين، وثالثة سوداوين حالكتين. واحتضن الناس الأخيار الطفلة فتبنتها أسرة قروية لم يولد لها طفل، وعمدتها باسم «أوليا».

وقضت أوليا كل طفولتها المبكرة فى كوخ والديها بالتبني. وكان يحدث عندما تنام أن عينيها تظلان نصف مغلقتين وكأنها تبصر بهما. وحين كان الفجر يقترب وينشر نوره في الكوخ، كان كل ما يبين في الضوء خارج الشباك ينعكس في عينيها نصف المفتوحتين. كانت تنام على الدكة فيضيء أول النهار وجهها. وكانت الحياة تعيش أولًا خارج الكوخ: فروع الصفصافة النامية خلف الشباك، والسحب المزدهرة بشمس وليدة هادئة، والطيور المحلقة. ثم تعيش ثانية حين تتألق في عمق عيني أوليا. لكن السحب وأوراق الصفصافة والطيور كانت تلوح أجمل وأصفى وأكثر بهجة في عيني أوليا مما تبدو للناس في الطبيعة.

أحب الوالدان أوليا الصغيرة حبًا عميقًا، فكانا يستيقظان في الليل من فرط شوقهما إليها ويغادران غرفتهما ويقتربان من أوليا، وفي العتمة يطيلان النظر إلى تلك الطفلة النائمة الغريبة التي صارت أحب إليهما من أي مخلوق في العالم. وكان يلوح لهما أن عيني أوليا تفتران عن ضياء فيفيض الكوخ الفقير بجو صبيح حينذاك، وكأن الوقت يوم عيد من ماض من شباب الزوجين.

قالت الأم بصوت هادئ:

ـ ستموت أوليا عما قريب.

نهرها الأب:

ـ اسكتي، لا تجلبي المصائب بمثل هذا الحديث. ما الذي يجعلها تموت وهى طفلة؟

قالت الأم ثانية:

ـ أمثالها لا يعيشون طويلًا.. إن عينيها لا تنغلقان أثناء نومها.

كان الناس في قريتنا يعتقدون أن الأطفال الذين لا تنغلق عيونهم أثناء النوم يموتون في سن مبكرة.

أكثر من مرة أرادت الأم أن تسدل بيدها جفني أوليا وهى نائمة، لكن الأب أمرها ألا تلمسها وهي نائمة حتى لا تفزعها. وكانت أوليا في النهار تلعب بقصاصات الأقمشة في ركن الكوخ، أو تسكب الماء بالتناوب من القصعة الفخارية في كوب معدني، في هذا الوقت تحاشى أبوها أن يمسها كأنما خشية أن يؤذي جسمها الصغير.

نما شعر أوليا فاتح اللون يكسو رأسها، وتجعدت خصلاته كأن الريح دخلت ما بينها ثم تجمدت، أما وجهها فقد بدا ـ في اليقظة أو في النوم ـ جزعًا يمعن النظر في اتجاه ما. لذلك كان الوالدان يحسبان أن أوليا تعانى لتسألهما عن شيء يعذبها، لكنها لا تقدر، لأنها لم تكن تستطيع الكلام.

وتوجس أبوها أنها تكابد وجعًا ما فاستدعى لها الممرض لعله يخفف عنها.

أنصت الممرض إلى تنفسها وقال إن كل ما بها سيزول حين تصبح كبيرة.

تساءل الوالد:

ـ لماذا يحبها الجميع هكذا؟ ليتها كانت أقل جمالًا.

قال الممرض:

ـ إنها تحفة الطبيعة.

استاء والداها وقالا:

ـ أية تحفة؟ إنها كائن حي وليست لعبة.

وحاول أناس آخرون، كما في السابق، أن ينظروا إلى عيني أوليا لكى يروا هناك من هم.. في الحقيقة؟ ولعل أحدهم قد رأى نفسه على حقيقتها لكنه لم يبح للآخرين بذلك قائلًا إن الفرصة لم تواته، لأن أوليا طرفت بعينيها.

وقد عرف الناس كلهم أن لون عيني أوليا يتبدل، فهي حين تشخص إلى ما هو خير، إلى السماء، إلى فراشة، إلى زهرة أو إلى عابر طريق فقير وعجوز، فإن عينيها تفيضان بضوء صاف، وهي حين تشخص إلى ما ينطوي داخله على الشر تعتم عيناها وتصيران حالكتين. وكانت صورة المرء أو الشيء الذي ترمقه أوليا تنعكس في عمق عينيها، في منتصفهما، في النور الذي يشع هناك جليًا ثابتًا، في هذا النور كان يبين المطموس سرًا في الأعماق ولا يراه أحد، فينعكس، لا كما يلمحه الناس من الظاهر، لكن ينعكس على حقيقته.

بدأت أوليا تنطق في عامها الثاني، وكان كلامها قليلًا، لكنه واضح. وكان عدد الكلمات التي عرفتها محدودًا. شاهدت فى شوارع القرية وحقولها ما شاهده الجميع فألفوه، لكن أوليا كانت تندهش بصورة دائمة من كل ما تراه، وتصرخ من الرعب وتبكي أحيانًا وهى تشير إلى ما نظرت إليه…

سألها أبوها وهو يرفعها إليه دون أن يفهم ما يفزعها:

ـ ما بكِ يا حبيبتي أوليا؟ ماذا جرى؟ لماذا تحدقين فيَّ هكذا؟ أنا هنا معك.. تلك أبقار تمشى إلى حظيرتها هناك.. لا أكثر.

وتطلعت إلى أبيها برهبة كأنه غريب لم تره أبدًا من قبل ثم انزلقت مذعورة إلى الأرض وفرت منه.

كذلك كانت أوليا تخاف أمها وتختبئ منها.

كانت تهدأ في العتمة فحسب. هناك حيث لا ترى عيناها أي شيء.

كانت تستيقظ في الصبح، وتعتزم أن تهرب على الفور من البيت، فتمشى إلى صومعة الحبوب المعتمة أو إلى الحقل. وهناك في الوادي الضيق، حيث الكهف الرملي، كانت تقبع في الغبشة إلى أن يعثر عليها والداها. وحين كان أحدهما يحملها على ذراعيه ويضمها إليه ويقبلها في عينيها كانت تبكي خوفًا وجسمها كله يرتعد، وكأن والديها لم يكونا يدللانها، بل كأن ذئابًا تتناوشها.

وكانت إذا لمحت فراشة هشة ترفرف فوق أعشاب جعلت تصيح وتفر بعيدًا عنها، ويستمر قلبها يخفق بالذعر فترة. وكانت جدتي بالذات هي أكثر شخص تهابه أوليا. وجدتي تلك كانت طاعنة في السن، إلى درجة أن العجائز الأخريات كن ينادينها بـ «جدتنا»، وقلما ترددت جدتي على الكوخ الذي تسكن فيه أوليا، وكانت ـ إذا توجهت إلى هناك ـ تحمل معها كل مرة هدية للطفلة: قرصًا من الدقيق الأبيض، أو سكرًا، أو قفازًا من صوف تحوكه بالإبر أربعين يومًا كاملة، أو أي شيء مما تحتاج إليه طفلة..

قالت جدتي عن نفسها إنه كان من المفروض أن تموت، فقد حان أجلها منذ زمن! والآن لا يمكنها أن تموت، ذاك لأنها حين تتذكر أوليا يتنفس قلبها الضعيف من جديد، ويخفق كأنه قلب شاب يتنفس من محبته لأوليا، ومن عطفه عليها، وفرحته بها.

لكن أوليا كانت ما أن ترى جدتي حتى تجهش بالبكاء على الفور، ولا ترفع عنها مقلتيها المعتمتين، بل وتأخذها رعشة من الخوف.

قالت جدتي:

ـ هذه البنت لا تبصر الحقيقة، فهي ترى في الشر خيرًا، وفي الخير شرًا.

تساءل أبوها:

ـ كيف ذلك؟ في حين يرى الآخرون الحقيقة الخالصة في عينيها؟

قالت الجدة ثانية:

ـ هكذا تضيء الحقيقة الكاملة في عينيها، أما هي نفسها فلا تدرك.. ويبدو لها كل شيء معكوسًا. كان الأفضل لها لو أنها عمياء، فحياتها أشد مرارة من حياة العمياء.

فكر أبوها حينذاك: «بالفعل، أوليا ترى السيء حسنًا، والطيب قبيحًا، يجوز أن ما قالته الجدة صحيح؟».

لم تحب أوليا الزهور ولم تقربها أبدًا، لكنها كانت تجمع وسخ الأرض بطرف جلبابها وتذهب إلى مكان معتم، وتلعب وحدها، تحرك الوسخ بيديها وقد أغمضت عينيها. كذلك لم تصادق أطفال القرية، فكانت تولي عنهم راكضة إلى البيت.

صرخت أوليا:

ـ إنهم بشعون.. أنا خائفة.

ضمت الأم رأس أوليا إلى صدرها كأنما ابتغت لو أخفتها في قلبها لتطمئنها. ولم يكن الأطفال في القرية مدللين، بل طيبين وأبرياء يميلون إلى أوليا ويبتسمون لها.

لم تستشف الأم ما يفزع أوليا، ولم تعرف ما هو الشيء الدميم في هذه الدنيا الذي تبصره عيناها البديعتان التعيستان دون غيرهما من العيون.

قالت لها:

ـ لا تخافي يا حبيبتي.. لا تخشي شيئًا يا ابنتي، أنا معك.

فنظرت أوليا إلى أمها وصرخت ثانية:

ـ أنا خائفة.

ـ من يخيفك هنا؟ هذه أنا.. أمك!

ـ أخاف منك.. أنتِ مخيفة!

وأطبقت أوليا عينيها لكي لا ترى أمها.

لم يدر أحد ما الذي تراه أوليا، ولم تتمكن هي لذعرها من أن تقول شيئًا.

بنت أخرى نمت فى القرية، بنت اسمها «جروشا»، وكان عمرها فى ذلك الوقت أربع سنوات. وفقط مع هذه البنت شرعت أوليا تلعب، بل وهامت بها حبًا. وكان وجه جروشا مستطيلًا، ولهذا سموها «رأس الفرس». وكانت حانقة بطبعها، والأكثر من هذا أنها كانت تكره والديها وتردد أنها عما قريب ستفر من بيتها، ستفر بعيدًا بعيدًا، ولن تعود ثانية أبدًا، هذا لأن: (هنا سيء.. وهناك حسن).

طفقت أوليا تتحسس بيديها وجه جروشا، قائلة لها إنها جميلة. وراحت عينا أوليا تسرحان بوله فى وجه جروشا المتجهم الحانق كأنها تبصر أمامها صديقة بهية الوجه محبوبة وطيبة. وذات يوم، تفرست جروشا بالصدفة في عيني أوليا، وساعتها لحظة رأت فيها نفسها هناك، كما هي في الواقع، فزعقت من الهلع هاربة إلى بيتها.

منذ ذلك الحين صارت جروشا أطيب قلبًا، وكفت عن الغضب على والديها، وعن تكرار أن البيت لا يرضيها. وكانت حين تنتابها من جديد مشاعر النقمة، تتذكر هيئتها المخيفة في عيني أوليا، فتصاب بالذعر من نفسها، وتعود مسالمة وديعة.

وعلى الرغم من أنه كان محزنًا لأوليا نفسها أن ترى الوجوه الطيبة قبيحة، والورود أيضًا قبيحة، إلا أنها كانت طفلة، وشأن كل الأطفال الصغار طعمت الخبز، واحتست اللبن، فكبرت، ومضت الحياة، وما أسرع ما تمضي، فأتمت أوليا عامها الخامس ثم السادس فالسابع.

في هذا الوقت عاد إلى القرية دميان، ذلك الرجل الذي كان قد هاجر منذ زمن، ولم يدر أحد حينذاك إلى أين ذهب؟ عاد بسيطًا وفقيرًا، وجعل يحرث الأرض مثل باقي الناس. وعاش حتى سنوات شيخوخته رحيم القلب. بل وتمنى لو يأخذ أوليا لتعيش معه ابنة له في بيته، لأنه عجوز ووحيد. لكن والدي أوليا رفضا ذلك، لأنهما، منذ حملاها إلى الكوخ صغيرة، لم يعودا قادرين على الحياة بدونها.

في عامها الخامس كفت أوليا عن الصراخ والهرب فزعًا، وأصبح الحزن لا غيره يستولى عليها حين ترى أمامها إنسانًا طيبًا ورائعًا حتى لو كان جدتي العجوز، أو شخصًا آخر رقيقًا. وكانت تبكى في أغلب أوقاتها. لكن الصورة الحقيقية لمن تنظر إليهم ظلت تسطع في عمق عينيها الواسعتين كما من قبل. أما هي نفسها فلم تكن تبصر الحقيقة، لكنها كانت تبصر الكذب. وكانت عيناها وهما تطالعان الدنيا، كأنما تتجمدان دهشة مما تبصران… صريحتان، حزينتان، لا تفهمان ما تراه.

حين أتمت أوليا السنة السابعة من عمرها، صارحها والدها بأنهما لا يمتان إليها بصلة قرابة، أما عن والديها الحقيقيين، فلا يدري أحد أين هما، وهل هما في عداد الأحياء أم الأموات؟ رأى والداها أن هذا هو التصرف السليم، ورغبا أن تعرف أوليا الحقيقة منهما لا من الغرباء الذين سيخبرونها بتلك الحقيقة في يوم ما، لكن بطريقة مؤلمة تؤذي روح الطفلة.

وسألت أوليا:

ـ وهل هما أيضًا مخيفان؟

أجاب والداها:

ـ لا.. إنهما والداك. ولا يجب أن يكون هناك من هو أحب منهما لديك.

وتنهدت أمها قائلة:

ـ أنتِ لا تبصرين الحقيقة يا ابنتي. إن عينيك تالفتان.

وازدادت أوليا كآبة منذ ذلك الوقت. وانقضى صيف بعد ذلك، وقررت أوليا أن تهجر الكوخ عند حلول الخريف باحثة في العالم عن والديها اللذين هجراها. ولكن لم يكد الصيف ينقضي حتى جاءت إلى القرية فلاحة متقدمة في السن، تنتعل خفين من اللوف، حاملة على ظهرها بقجة خبز. وكان من الواضح أنها متعبة وأنها قطعت طريقًا طويلًا على قدميها.

وفي الطريق، حيث انتصبت شجرة الصنوبر العتيقة عند البئر، جلست المرأة، وأخذت تتطلع إلى الشجرة. ثم نهضت بعد ذلك وتحسست الأرض من حول الشجرة كأنها تبحث عن شيء ما، ملقى، ومنسي، منذ وقت بعيد. بدلت المرأة خفيها، ثم مشت صوب كوخ دميان، وقعدت على المصطبة.

لم يكن هناك مارة في الطريق، كان أغلب الناس في ذلك الوقت يعملون في الحقول. وظلت المرأة القادمة من بعيد جالسة وحدها فترة طويلة. حتى خرجت طفلة من أحد الأكواخ ونظرت إلى المرأة الغريبة وراحت تدنو منها.

قالت البنت ذات العينين الواسعتين صافيتي الضياء:

ـ أنتِ لست مخيفة.

ونظرت المرأة القادمة من بعيد إلى البنت، وأمسكتها من يدها، ثم ضمتها إليها وأطالت احتضانها.

لم ترتعد البنت، ولم تصرخ. وحينذاك قبلت المرأة عين الطفلة، ثم الثانية، وانخرطت في بكاء. لقد أيقنت أن أوليا ابنتها، ميَّزتها بقلبها الذي ارتعش، ميَّزتها بعينيها، بالحسنة التي على رقبتها، وبتكوين جسمها الدقيق.

قالت المرأة:

ـ كنت شابة وغبية فرميتك للناس. والآن عدت لآخذك.

التصقت أوليا بصدر المرأة الناعم الدافئ ونعست. قالت المرأة وهي تقبل عيني أوليا نصف المغلقتين: «أنا أمك».

داوت قبلة الأم عيني أوليا فصارت ترى الضوء الأبيض المشمس بشكل مألوف مثل كل الناس. وأصبحت في هدوء وثبات تتطلع أمامها، بعينين رصاصيتين، واضحتين، ولم تعد تهاب أحدًا. صارت ترى كل ما هو طيب على الأرض باهر، في صورته السليمة، دون أن يلوح لها مفزعًا ودميمًا، وكفَّت عن رؤية الشر والقسوة رائعين كما كان يحدث في السابق وهي بلا أم. غير أنه منذ تلك اللحظة، اختفى ما كان يلمحه الآخرون في عمق عيني أوليا، وتوارت منهما صورة الحقيقة المستخفية، ولم تحس أوليا فاجعة أن الحق لم يعد يضيء في عينيها، ولم تحزن أمها حين علمت بهذا.

قالت أمها:

ـ لا يحتاج الناس إلى رؤية الحقيقة، إنهم يعرفونها من أنفسهم، أما الذي لا يعرفها فإنه لن يصدقها، حتى لو شاهدها بنفسه.

في ذلك الوقت ماتت جدتي العجوز، ولم يعد بوسعها أن تحكي لي أكثر من هذا عن أوليا.

لكني بعد مرور زمن طويل، رأيت أوليا بنفسي. كانت قد صارت شابة جميلة جمالًا أكثر مما يحتاجه الناس. لذلك امتلأ الناس بها إعجابًا.. لكن قلوبهم غدت فاترة نحوها.