اختار الصحفي والناقد الإنجليزي روبرت مَكروم قائمتين لأفضل مائة عمل سردي وأفضل مائة عمل غير سردي باللغة الإنجليزية، وكتب مقالًا يخص كل عمل منهم. نترجم في هذه السلسلة بعض هذه المقالات.

ترجمات هذه السلسلة جرت ضمن أعمال الدورة الرابعة من مختبر الترجمة بمعهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة بالإسكندرية (سيلاس الإسكندرية) – ربيع 2019.

قائمة مَكروم | إيما (1816) لجين أوستن

نُشر بموقع الجارديان  4 نوفمبر 2013

ترجمة: صفية محمود ومنى آدم وياسمين أكرم

الترجمة خاصة بـ Boring Books  وسيلاس الإسكندرية

يحتفظ المترجمون بحقهم في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتهم دون إذن منهم

***

كيف يمكن لي أن أختار رواية واحدة فقط لجين أوستن؟ تتصدر أوستن بكل بساطة أي قائمة، إذ يعتبرها البعض الروائية الإنجليزية الأعظم. ولأن البعض يراها الأعظم، يرشحون رواياتها الست بداية من رواية «كبرياء وتحامل» وإلى آخره من روايات. ولكن قواعدنا للاختيار لا تسمح سوى بكتاب واحد لكل مؤلف، لذا كان يجب عليَّ أن أختار من بين الروايات.

اخترت روايتها «إيما» لتمثل أدب أوستن القصصي، وذلك لثلاثة أسباب بعينها.

أولًا، لأنها روايتي المفضلة لها، كوميديا رائعة للسلوك (بالإضافة إلى أشياء أخرى كثيرة)، أكمَلَتَها قرب نهاية حياتها. ثانيًا، رواية «إيما» -التي نشرها جون موراي- تصطحبنا بداخل مشهد أدبي جديد، في بدايات عالم الكتب الذي يشق طريقه بمهِل نحو القرن الحادي والعشرين. ثالثًا والسبب الأهم، رواية أوستن الأخيرة لديها بريق رواياتها الأولى، مثل رواية «كبرياء وتحامل»، ممتزجًا بإدراك أعمق وأكثر وضوحًا. لا يُعد هذا مقياسًا للأذواق، كل ما في الأمر أنني أفضل هذه الرواية على الأخريات.

كُتبت رواية «إيما» – وفقًا للباحثين - بحماسة شديدة في الفترة ما بين 21 يناير 1814 إلى 29 مارس 1815 (عام معركة واترلو)، وجاءت لتتربع على قمة مرحلة فريدة من نوعها من الإبداع العظيم. فرواية «كبرياء وتحامل» التي كُتبت مسودتها الأولى عام 1796 بعنوان «انطباعات أولى»، نُشِرت عام 1813، ورواية «مانسفيلد بارك» أو «حديقة مانسفيلد» نُشِرت عام 1814.

شكَّلَت أعمال أوستن من حولها شيئًا أشبه بالطائفة الدينية، وكانت أوستن على دراية بجمهورها، من المؤكد إن الأمير الوصي على العرش[1] كان واحدًا من معجبيها، وإليه أهدت روايتها «إيما». لا بد أن أوستن كانت واعية أنها لم تعد تكتب لنفسها فقط بعد الآن.

كانت في ذروة نجاحها، غير أنها لم يكن لديها أكثر من سنتين لتعيشهما، وأعتقد أن كل هذا زاد من أهمية «إيما» كازدهار أخير لفنانة عظيمة ولأعمالها.

كانت الروائية نفسها على دراية بفنها إلى حد كبير، فقد كتبت إلى إحدى صديقاتها قائلة: «إيما هي البطلة التي لن يحبها أحد كثيرًا بقدر ما أحبها». ربما يصح ذلك. ولكن بالمقارنة مع بطلاتها الأخريات - إليزابيث بينيت، فإني برايس، آن إليوت، كاثرين مورلاند - إيما هي الأكثر تعقيدًا ودقة واكتمالًا. نعم إنها كذلك: جميلة، ذكية، غنية. لكنها تبلغ من العمر 21 عامًا فقط، وسيُزج بها في دورة أوستن المعتادة المتمثلة في الفكر الملتوي، الندم، التوبة، الإدراك المطلق للذات المتحقق بوجود السيد «نايتلي»، بطريقة أكثر عمقًا من المرات السابقة.

وبشكلٍ آخر، فإن إيما أيضًا تمثل أوستن الناضجة. لقد أتقنت فن الخطاب الحر غير المباشر لنقل الحياة الداخلية لبطلتها، مع احتفاظها بالسيطرة على السرد كمؤلفة متمكنة وملمة بالأحداث. يتجانس الضوء والظل بمهارة شديدة، وحبكة الرواية ذات البساطة الخادعة تُسرد بأساليب متنوعة من خلال الألعاب والرسائل والأحاجي. الكتاب ممتع للغاية للدرجة التي تجعل القارئ منخرطًا كلية فيه بل مسحورًا به. ثم هناك سعادة أوستن البالغة في محيطها، حيث قالت بنفسها في اقتباس شهير أن «ثلاث أو أربع عائلات ريفية هم الموضوع الأمثل للكتابة». ومقاطعة «هايبري» التي تقطن بها إيما تُعد تجسيدًا لهذا الاعتقاد.

وهنا وقد أحكمت أوستن سيطرتها على نوعها الأدبي، تكشف بشكل كامل عن شخصياتها ونقاط ضعفها، السيد وودهاوس والسيد والسيدة إلتون والسيدة بيتس المسكينة وجاين فايرفاكس وخطيبها المخادع فرانك تشرشل وبالطبع السيد نايتلي النبيل. هؤلاء من أكثر الشخصيات حيوية ونموذجية في الخيال الإنجليزي، وهم حقيقيون بالنسبة إلينا مثل «بيكويك» أو «جيفز».[2]

«إيما» نفسها شخصية مذهلة لأبعد مدى، امرأة يعود إليها القارئ مرات ومرات لينهل من الحميمية المغرية لأفكارها، تلاحُم خفي للأفكار والمشاعر مُطعَّم بدرس يعلمنا أنه في إدارة النفس تكون معرفة الذات معضلة، وأن الغرور مصدر أقسى الآلام، وأن العقل الباطن أداة غادرة وناقصة لإدارة الروح. يمكنك الاعتراض على كون إيما سيدة ومتفاخرة، ولكنها في ذات الوقت تناشد الخير داخل القارئ في كل زمان.

يبدو أن جين أوستن كانت تعرف أنها تنسج شيئًا مميزًا. فقد نشر توماس إيجرتون روايتها «مانسفيلد بارك»، ولكنها أرادت الحصول على شروط أفضل ومكانة أدبية أعلى هذه المرة، فلم يكن لذلك سوى عنوان واحد: 51 شارع ألبي مارل، مايفير، حيث التقت بجون موراي، الذي ينشر أشعار اللورد بايرون، وعرضت عليه مخطوطة روايتها الجديدة. وافق موراي في الحال وظهرت طبعته في ديسمبر عام 1815 بعد عملية تحرير سلسة، تعامل فيها الناشر مع الكاتبة بقدر عظيم من الاحترام، رغم أنهما في الواقع لم يلتقيا أبدًا.

تحتل رواية إيما مركزًا مميزًا في هذه القائمة لأنها إنجليزية للغاية – من حيث الشخصية والمكان والوعي والسخرية، رواية ريفية وغامضة ولامعة ومتفائلة بشكل مدهش، ولكن تشوبها أيضًا مسحة حزن وقدر من الفضيلة. وهي في النهاية تستجيب لوصفة جين أوستن المفعمة بالحياة للرواية، التي عبرت عنها في رواية «دير نورثانجر» بقولها: «وباختصار، لا يمكننا توصيل الأعمال الأدبية إلى العالم بأفضل لغة ممكنة إلا إذا احتوت على أدق معرفة بالطبيعة البشرية وعلى أنجح توصيف لأنواعها وعلى أطرف وأذكى الأفكار».

ملاحظة عن النص:

لم تُراجع جين أوستن سوى نسخة واحدة من الرواية في حياتها، وهي الخاصة بطبعة جون موراي في عام 1816، رغم أنها نُشِرت في ثلاثة مجلدات عام 1815، لم تنج أي مخطوطة. جرت في الطبعات اللاحقة، نذكر منها طبعة آر دابليو شابمان، تصويبات بسيطة للأخطاء المطبعية، لكن دون تنقيحات جوهرية، ولم يتوقف إصدار طبعات من رواية «إيما» منذ صدورها، وهذا أحد تعريفات العمل الكلاسيكي.


  1. Prince Regent وهو من صار الملك جورج الرابع، وحكم المملكة المتحدة بداية من عام 1920.  

بيكويك شخصية ظهرت في رواية تشارلز ديكنز الأولى «مذكرات بيكويك». وجيفز شخصية ابتكرها الكاتب ب. ج. وودهاوس. [2]


اقرأ المزيد من قائمة مكروم: آليس في بلاد العجائب