يوم منجِّم

قصة لر. ك. نارايان*

ترجمة: أحمد طارق أبو دنيا

خاص بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

* ر. ك. نارايان (1906-2001) أديب هندي، من الجيل الأقدم من الأدباء الهنود الذين كتبوا باللغة الإنجليزية عن أحداث وحكايات تدور في الهند، يعد أدبه أدبًا "ما بعد كولونيالي" يؤرخ لهند ما بعد الاحتلال البريطاني، قصصه ورواياته تحدث في بلدة هندية خيالية اسمها مالجودي.

***

نارايان عن BBC

في منتصف النهار تحديدًا، فتح حقيبته وجهَّز معدات العمل المكونة من دزينة من الودع وقطعة قماش مربعة الشكل عليها مجموعة من الرموز وكراسة وحزمةٍ من النصوص التدمرية. كانت جبهته مطلية بالرماد المقدس والصبغة القرمزية، أما عيناه فكان لهما بريقهما الحاد نتيجةً لبحثه عن الزبائن، لكن بدا ذلك بالنسبة لزبائنه البسطاء كنور الأولياء والأنبياء الذي ينقل إليهم نوعًا من الاطمئنان.

كانت قوة عينيه مؤكدة بشدة بسبب موقعهما بين جبهته المصبوغة وشاربيه الداكنين الممتدين على خديه، ربما حتى العيون غير الذكية لتلمع في هذا الموقع. وتوج كل ذلك بوضع عمامة بلون الزعفران فوق رأسه، لم يخلف ترتيبه للألوان هذا ظنهم مطلقًا، انجذب إليه الناس مثلما ينجذب النحل إلى أزهار الداليا. كان يجلس تحت أغصان شجرة تمر هندي وارفة الظلال استقرت على جانبٍ من زقاق يمر عبر حديقة مبنى البلدية. كان المكان ممتازًا للعديد من الأسباب: يمر الناس من ذلك الطريق ليلًا ونهارًا، وكان العديد من أنواع التجارات والمهن موجودة فيه: بائعو اﻷدوية وبائعو الخردة والسلع المسروقة، والحواة كذلك، وفوق كل هؤلاء تاجر مزادات للأقمشة الرخيصة والذي يصدر ضجيجًا طوال اليوم يستقطب كل المدينة إلى متجره. بجانب المنجم استقر بائع فول سوداني مزعج، يعطي لسلعته كل يومٍ اسمًا براقًا جديدًا، في يوم يدعوها بوظة بومباي، واليوم التالي لوز دلهي، وفي اليوم الثالث حلوى الأمير، وهكذا كل يوم. وكان الناس يهرعون إليه بأعدادٍ ضخمة، وعدد غير قليلِ من هؤلاء يقف عند قارئ النجوم كذلك. أدى المنجم عمله على ضوء شعلة النار التي صعد دخانها واحترق جمرها عند محل بائع الفول السوداني.

اكتسب موقع المنجم نصف سحره من حقيقة أنه لا يمتلك إضاءة ذاتية اعتيادية، فقد كانت إضاءة الموقع بواسطة أنوار الدكاكين. دكان أو اثنان امتلك لمبات جاز ذات أزيز مميز، دكاكين أخرى امتلكت شعلةً من نار معلقةً على عمود، واحد أو اثنان-مثل المنجم- تمكنوا من العمل بدون الحاجة إلى ضوء خاص.

كان الأمر مدهشًا، إذ تتراقص الظلال وأشعة النور، وناسب هذا المنجم جدًا، فهو لم يخطط منذ بداية حياته أن يصبح منجمًا، وهو لم يعلم ما سيحدث في حيوات الأخرين بأكثر من علمه ما سيحدث له شخصيًا بعد دقيقةٍ واحدةٍ. لم تخبره النجوم أي شيءٍ عن مستقبله بأكثر مما أخبرت زبائنه الأبرياء. ولكنه يقول رغم ذلك أشياءً بدت للجميع مثيرةً ومذهلةً، كان ذلك أمرًا يعود إلى الدراسة والممارسة وحسن الحدس، في كل الأحوال هو عملٌ شريفٌ مثل أي عملٍ شريفٍ آخر، واستحق عليه المال الذي يحمله إلى بيته في نهاية اليوم.

كان قد غادر قريته بلا أي فكرةٍ أو خطة، ولو أكمل حياته هناك لواصل عمل آبائه وأجداده في حرث الأرض ولعاش وتزوج وتقدم في العمر وسط حقل الذرة وبيت الأجداد، ولكنَّ هذا لم يحدث.

توجب عليه أن يرحل من بيته بدون أن يخبر أي أحد، لم يغمض له جفن إلى أن ابتعد عن موطن رأسه بضع مئاتٍ من الأميال. وكان ذلك بالنسبة لقروي مثله مسافةً ضخمة، كما لو أن محيطًا صار بينه وبين البيت. كان لديه تحليلٌ دقيق عن مشاكل البشر: في الزواج، والمال، وتعقد العلاقات البشرية.

شحذت الممارسة الطويلة حواسه، خلال خمس دقائق كان يفهم ما الخطأ، يتلقى ثلاثة بايات[1] لقاء السؤال الواحد، لم يفتح فمه قط قبل أن يتحدث الآخر على الأقل مدة عشر دقائق، الأمر الذي كان يعطيه دزينة من الردود والنصائح.

عندما كان يقول للزبون وهو يمعن النظر في كف يده: «من عدة نواحٍ أنت لا تتلقى العائد الكافي بالنسبة لما تبذله من جهود!» كان تسعة من عشرة أشخاص يوافقونه على ذلك. أو يسأل: «هل توجد امرأة في عائلتكِ -حتى لو كانت قريبتك من بعيد- تحمل لكِ مشاعر غير طيبة؟» أو ربما يقدم تحليل شخصية: «معظم مشاكلك بسبب طبيعتك، كيف لك أن تتصرف بشكلٍ مغاير وزُحَل في محله؟ إنك تمتلك قلبًا غير هادئ وملامحك تبدو قاسية». وجعل هذا قلوبهم تميل إليه، فحتى أرق البشر منا يحب أن يفكر أنه يملك طبيعة خارجية قاسية.

أخمد بائع الفول السوداني ناره، واستعد للمغادرة إلى بيته. كانت هذه علامة للمنجم كي يرحل هو الآخر، لأنه أصبح الآن بلا ضوء سوى بصيص ضئيل من الضوء الأخضر يصل إليه من مكانِ ما، ويمس سطح الأرض المقابل له. التقط الودع والأدوات وبدأ يضعها في حقيبته، حينها قطع شيءٌ ما بصيص الضوء الأخضر، نظر المنجم إلى الأعلى ليجد رجلًا يقف أمامه. أحس أن القادم ربما يكون زبونًا فقال له:

«تبدو مثقلاً بالهموم، ربما يفيدك أن تجلس وتحدثني قليلًا».

دمدم الآخر بإجابة غامضة. كرر المنجم دعوته بينما مد الآخر كفه تحت أنف المنجم قائلًا: «أتدعو نفسك بالمنجِّم؟»، شعر المنجم بالتحدي وبدأ يقول:

«إنك تمتلك طبيعة...».

«آخ.. توقف، قل شيئًا يستحق».

شعر صاحبنا بالانزعاج.

«إن أجري هو ثلاث بايات لقاء سؤالٍ واحد، وما سأقوله سيساعدك وستجده مناسب لما دفعته من أموال».

عند هذه النقطة سحب الآخر ذراعه أخرج آنا[2] ورماها للمنجم قائلًا: «إن لديَّ أسئلة لأطرحها، لو اكتشفت أنك تخدعني فسوف يتوجب عليك أن تعيد لي تلك الآنا وبفوائد».

«لو وجدت إجاباتي مفيدة هل تعطيني خمس روبيات[3]؟»

«كلا».

«هل تعطيني ثماني آنات؟»

قال الغريب: «حسنًا.. موافق، على شرط أن تعطيني ضعف ذلك لو كنت أنت مخطئًا».

قبل الرجلان الاتفاق بعد القليل من الجدل.

تمتم المنجم صلاةً إلى السماء بينما أشعل الآخر سيجارة رخيصة.

لمح المنجم وجه الغريب بسرعة على ضوء الكبريت.

مرت لحظاتٌ من السكوت بينما ارتفع صوت سياراتٍ على الطريق، وسبَّ قائدو عرباتٍ أحصنتهم، وملأت ضوضاء البشر الحديقة شبه المظلمة.

جلس الغريب وسحب أنفاسًا من سيجارته ونفخ الدخان وهو جالسُ تبدو عليه علامات الشر.

شعر المنجم بعدم ارتياحٍ وقال:

«خذ نقودك، أنا لست معتادًا على ذلك النوع من التحدي، أريد العودة إلى منزلي فالوقت تأخر!»

قام بعدها بلملمة أغراضه استعدادًا للرحيل، أمسك الآخر بمعصمه وقال:

«لا يمكنك الخروج منها الآن، أنت الذي استوقفتني بينما كنتُ سائرًا».

ارتعد المنجم في قبضة الغريب، ارتعش صوته وأصبح خافتًا:

«دعني اليوم، سأحادثك غدًا».

مد الآخر كف يده في وجه المنجم وقال: «التحدي تحدِّ يا هذا.. هيا!»

قال المنجم الذي جف حلقه: «هناك امرأة..».

«أنا لا أريد كل هذا، هل سأنجح في بحثي الحالي أم لا؟ أجب على ذلك ثم ارحل.. أو سأقوم بأخذ كل نقودك قبل أن أتركك ترحل!».

تمتم المنجم ببضعة تعاويذ وأجاب:

«حسنًا سوف أتكلم، ولكن هل تعطيني روبية كاملة إذا كان كلامي مقنعًا؟ هذا وإلا لن أفتح فمي. يمكنك أن تفعل ما تشاء».

بعد الكثير من الجدال وافق الآخر.

«لقد تُركتَ لتموت.. هل أنا على صواب؟»

«نعم، أكمل».

قال المنجم: «ذات مرة مرَّ سكينٌ بجسدك؟»

«رجلٌ نابه». ثم عرَّى صدره ليريه الندبة.

«ماذا أيضًا؟»

«ثم رُميتَ في بئرٍ بجانب الحقل، و تُركتَ هناك لتموت».

«كنتُ سأموت لو لم يقف عابرُ سبيلٍ لينظر في البئر». شرح الغريب وقد غمره الحماس، ثم قال وهو يقبض على يده: «متى سألقاه؟»

 قال المنجم: «في العالم الآخر! لقد مات منذ أربعة أشهرٍ في مدينة بعيدة، لن تراه مرةً أخرى!»

زمجر الآخر غاضبًا عندما سمع ذلك. تابع المنجم: «أيها المعظم ناياك!»

 قال الآخر متفاجئًا: «أنت تعرف اسمي؟»

«كما أعلم أشياءً أخرى، أيها المعظم ناياك أنصت جيدًا إلى ما سأقول، إن قريتك على بعد سفر يومين شمال هذه المدينة، خذ القطار القادم وارحل. إنني أرى خطرًا كبيرًا يهدد حياتك إذا غادرت موطنك».

ثم أخذ بعض الرماد المقدس و قربه من الغريب، «امسح بهذا الرماد على جبهتك واذهب إلى مدينتك الأم، لا تسافر مرةً أخرى جهة الجنوب وستعيش إلى أن تبلغ مائة عام».

قال الآخر متأملًا: «لماذا أفكر في ترك قريتي مرةً أخرى؟ أنا أغادر من حينٍ
لآخر فقط لكي أخنقه وأقبض على حياته إذا قابلته».

هز رأسه في ندم: «لقد فر من يدي، أتمنى على الأقل أنه مات كما استحق!»

«نعم»، قال المنجم: «لقد دهسته شاحنة».

بدت على الآخر علامات الرضا بعدما سمع ذلك. بدا المكان خاليًا عندما التقط المنجم حاجياته وأدواته ووضعها في الحقيبة، حتى بصيص الضوء الأخضر اختفى تاركًا المكان يغط في الظلام والصمت. رحل الغريب مع الليل بعدما ترك للمنجم حفنةً من العملات النقدية.

وصل المنجم بيته قرب منتصف الليل، كانت زوجته هناك تنتظره قبالة الباب وطالبته بتفسير. أخرج لها النقود وقال لها: «عِدِّي تلك العملات، لقد أعطاها لي رجلٌ واحد».

«اثنتا عشرة آنا ونصف» قالت وهي سعيدةٌ جدًا: «يمكنني شراء السكر وجوز الهند غدًا، إن طفلتنا تطلب الكثير من السكاكر مؤخرًا، سأعد لها بعض الحلوى اللذيذة».

«خدعني الخنزير، لقد وعدني بروبية كاملة».

قالت الزوجة: «تبدو قلقًا.. ما الأمر؟»

«لا شيء».

بعد العشاء قال لها وهو جالسٌ على المصطبة:

«هل تعلمين أنني أزحت اليوم صخرة كبيرة كانت جاثمةُ فوق صدري؟ كنت أعتقد كل هذه السنوات أن يديَّ ملوثتان بدم رجلٍ، و هذا  سبب هروبي من قريتي أصلًا واستقراري هنا، وحتى زواجي منكِ، إنه حي!»

شهقت الزوجة: «حاولت قتله؟»

«نعم في قريتي، عندما كنتُ شابًا أرعن، سكرت ولعبنا القمار وتعاركنا معًا ذات يوم، لماذا أفكر في كل هذا الآن؟ وقت النوم».

قال ذلك متثائبًا وتمدد فوق المصطبة.


[1]  باي indian Pie هي عملة ضئيلة قديمة كانت تستخدم في الماضي و مقدارها ثلث البايزا.

 [2]  آنا Anna عملة قديمة تبلغ واحد على 16 من الروبية.

[3]  الروبية الهندية indian Rupee هي عملة الهند الرسمية.