لنضع في الاعتبار أنني وضعت له الترجمة، أي أنني أمليت عليه الأسلوب، وبالتالي حاول أن يقدم تحريرًا يمضي من نفس المنطلق، وبالطبع كانت لديه اقتراحات مفيدة، لكن في المقابل كانت لديه اقترحات سترسلني في داهية
ملاحظة تحريرية
ملاحظة لأمير زكي

كيف يمكن الاستفادة من شات جي بي تي في تحرير ترجمة؟
غرضي أن أكتب تدوينة عن هذا الأمر من منطلق تجربة شخصية قد تكون مفيدة للقارئ، ولكن لأننا في زمن سيال، وهذه السيولة امتدت إلى الترجمة والعمل الثقافي في العموم، وأحد أسباب هذه السيولة هو مزاحمة الذكاء الصناعي للإنسان بقوة في العمل الذهني، لا مفر من أن يتضمن هذا السؤال سؤالًا آخر، وهو كيف يمكن أن يضللك شات جي بي تي أثناء تحرير ترجمة؟ إذ أنه من الممكن الآن أن تشتمل الجملة الواحدة على الفائدة والتضليل.
أثناء عملي على مقال د. أندرو سايمون "صناعة أسطورة أحمد عدوية الموسيقية" الذي نُشر في أخبار الأدب، وضعت نسختي على شات جي بي تي وسألته عن رأيه في الترجمة. وكما يمكن أن نتوقع فقد قال لي إن الترجمة عظيمة وممتازة وأنت أفضل مترجم في الوجود (لم يقل الأخيرة)، ولكن بالطبع ذكر حاجة الترجمة إلى بعض التهذيب، وركز حديثه على وجود بعض المشكلات في طول الجمل والتكرار وبعض المشكلات في الضمائر.
كمثال على التكرار اعترض شات جي بي تي على جملة "خلال حياته (حياة عدوية) أدانه النقاد إدانة ممنهجة". واقترح أن أقول "تعرض لحملات نقد ممنهجة".
ربما يكون تعبيره أفضل، ولكن لنر وجه الاعتراض، إذ ذكر أنني يجب أن أتجنب التكرار، والحقيقة توجد مشكلة هنا، ومن السهل أن تستوعب أنه يفكر بالإنجليزية لا العربية، ففي الإنجليزية من السهل تقديم هذه النصيحة الرافضة للتكرار، لكن في العربية هذا أسلوب قائم، إذ أنني فقط استخدمت المفعول المطلق.
تقديري بعد ذلك كان عدم استخدام تصرفي المبدئي ولا تصرف شات جي بي تي، إذ فضلت "أطلق (أو بالأحرى شن) عليه النقاد حملات ممنهجة".
في جملة أخرى كتبت التالي:
"بعد حرب 1973، التي أدت إلى جمود عسكري ولكنها شكلت نصرًا سياسيًا للرئيس المصري، أعلن السادات سياسة الانفتاح الاقتصادية. ومثل هذا التغيير انتقالًا من اشتراكية الدولة إلى الرأسمالية."
وكان اقتراحه كالتالي:
"بعد حرب 1973، التي لم تغير الوضع العسكري لكنها شكلت نصرًا سياسيًا للسادات، أطلق سياسة الانفتاح الاقتصادي، معلنًا التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية."
ربما تكون "أطلق" أفضل من "أعلن" بالتأكيد في القسم الثاني من الجملة، ولكن "لم تغير الوضع العسكري" جملة إشكالية جدًا، وغير دقيقة تاريخيًا، (أم يراها الغرب تاريخية؟) في الأصل كانت military stalemate. وفي الترجمة المنشورة غيرت تعبيري ولم أتبن اقتراح شات جي بي تي وجعلتها "بعد حرب 1973، التي أنهت المواجهة العسكرية بين مصر وإسرائيل...".
في جملة أخرى وجدته موفقًا كلية، فقد كتبت: "نقاد آخرون وجدوا أن الأغنية تتحدث عن التفاوت الطبقي، ولكن سريعًا ما تم تجاهل هذا التفسير".
وكان اقتراحه: "رأى بعض النقاد أن الأغنية تصور التفاوت الطبقي، لكن هذا التفسير لم يلقَ رواجًا".
إذ وجد هنا تصرفًا أفضل بكثير من لجوئي إلى المبني للمجهول.
ما استنتاجي من كل ما سبق؟ إذ يجب أن أصل إلى استنتاج كالطالب الذي يسعى إلى لفت نظر أستاذه. والحقيقة استنتاجي متوقع تمامًا، لنتعامل مع شات جي بي تي كأداة وليس كمرجع منيع.
لنضع في الاعتبار أنني وضعت له الترجمة، أي أنني أمليت عليه الأسلوب، وبالتالي حاول أن يقدم تحريرًا يمضي من نفس المنطلق، وبالطبع كانت لديه اقتراحات مفيدة، لكن في المقابل كانت لديه اقترحات سترسلني في داهية (حرب أكتوبر لم تغير الوضع العسكري!).
إذن إذا استخدمت شات جي بي تي في التحرير فعلى الأقل ناقشه، هذا بخلاف أن هذا لن يغني عن وجود محرر بشري وقد يتدخل أيضًا. (في هذا النص مرت الترجمة بعمليات تحرير أخرى منها مع الكاتب الأصلي الذي يعرف العربية).
أما (هبد) "هذه ترجمة ممتازة"، "أنت أفضل مترجم في الوجود" (لم يقل لي ذلك) فمن الأفضل تجاهله تمامًا، لا تعطه حتى انتباه عدم الثقة.
توجد نقطة مهمة إضافية ليس لديَّ رأي راسخ فيها، وقد طرحتها د. سماح سليم في سيمنار ترجمان الأول الذي جرى في نهاية 2025، إذ ذكرت أنه علينا مراجعة أخلاقيات وضع النصوص على شات جي بي تي، فهذه نصوص (وترجمات) ذات كُتَّاب (ومترجمين) أصليين، وسوف توضع في منصة ستتعلم منها وتعيد تدويرها والغرض منها الربح. إذن فوضع نص لكاتب (أو ترجمة) على شات جي بي تي سيؤدي إلى نوع من السرقة.
الحقيقة لا أستطيع أن أجزم ما الصواب هنا، توجد حجة قوية في رأي د. سماح، ولكن بالنسبة لي لا أستطيع أن أتخلف عن الركب، عدم استخدام شات جي بي تي كليًا يمكن أن يضيِّع خبرة 15 سنة في الترجمة لصالح أي شخص يستطيع فقط أن (يفتح النت)، ليقدم ترجمة بدون فكر أو مجهود، لمجرد أن لديه كل الوسائل المساعدة، ومثل كل تغيير أنا أحتاج إلى تعلمه واستيعابه والاستفادة منه لا تجاهله تمامًا.
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانوني إذا تمت الاستعانة بتدوينته دون إذن منه
