لما احترام القارئ اللي بيحاول يفهم ويفكر ويحلل بيتحول إلى علاقة صحوبية، ضبط الكتابة البيِّنة بيختفي لصالح الكلام بالوَيَم، ورغم إن الوَيَم مفيد في العلاقات الشخصية الحميمة، فهو بيكسر قدرة النص على التأثير في الحوار العام.
عن الفَلفَصة والفذلكة
مقال لشهاب الخشاب

في بحر النصوص اللي الواحد بيقراها كل يوم، بين كتب ومقالات وروايات وقصائد وبوستات وبلوجات، بيلاقي نفسه هارش الكلام اللي هيتقال قبل ما يقراه. جزء من القدرة دي مرتبط بالخطاب، يعني بالمساحة المعرفية اللي الواحد مسموح له يتكلم عنها وفيها تحت ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية محددة، والشخص اللي فاهم خطاب زمنه ومكانه يقدر يعرف آخرته من بداية الكلام – سواءً كان متماشي مع سردية الدولة أو سردية المؤسسات الدينية أو سردية ذكورية أو غيرها من السرديات المهيمنة في المجتمع. جزء تاني من القدرة دي مرتبط بعادات القراءة المترسّخة المتجسّدة في كل واحدة فينا، واللي بتشكّل البني آدم حسب خلفيته وتربيته وتعليمه. الشخص اللي متربي على نوع معيّن من القراءة يقدر يتنبأ بآخر النص لو عنده دراية بالتعبيرات الشائعة والأنواع الأدبية المفضلة والقوالب اللغوية المُستَهلَكة اللي بيستخدموها الكُتاب المعتادين المعروفين.
ولكن بعيدًا عن الخطاب العام والتربية الخاصة، الواحد بيبقى هارش الكلام من غير ما يكون شاربه عشان الكلام مش دايمًا بيبقى واضح، أو بمعنى أدق، الكلام مش دايمًا بيبقى "بَيِّن". القيمة البلاغية اللي كانت بتتسمّى "البيان" عند قدماء العرب قيمة ضاعت في نصوص حديثة كتيرة، بسبب إن الكاتب نفسه، أثناء تجميع النص، بيتوقع إن القارئ هيُهرش الموضوع بالوَيَم، بدل ما يحاول يوضّح للقارئ قصده إيه تحديدًا. فمثلًا لما الواحد بيقرا خبر صحافي النهارده، كمية المعرفة الضمنية والعادات المتجسّدة اللي لازم يعتمد عليها عشان مجرّد يفهم الموضوع إيه في المُجمل أكبر بكتير من رغبة الصحافي في إنتاج نص بيّن قادر يقوم بذاته، بغض النظر عن المكان والزمان.
على سبيل المثال، قبل انتهائي من كتابة المسودة الأولى للمقال ده بكام ساعة، تحديدًا يوم 6 ديسمبر 2025 الساعة 6:23 صباحًا، صحيفة اليوم السابع نشرت خبر عنوانه "إنقاذ شخص من الغرق في نهر النيل بالجيزة"، كتبه صحافي اسمه عبد الرحمن سيد. الخبر عبارة عن سطرين بيقولوا الآتي:
"انقذ رجال الحماية المدنية شخص من الغرق بعدما سقط في نهر النيل من أعلى كوبرى الجامعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، لتتولى النيابة المختصة التحقيق.
وتلقت غرفة النجدة بلاغًا يفيد غرق شخص في نهر النيل بالجيزة، وانتقل رجال المباحث إلى محل الواقعة، وتبين أن شخص تم تحديد هويته، سقط فى مياه النيل وقام رجال الحماية المدنية بإنقاذه وتم إجراء اسعافات أولية له وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه الواقعة."
الواحد ممكن يفهم إن فيه تعبيرات زي "رجال الحماية المدنية" أو "كوبري الجامعة" ربما تكون مُبهمة بداعي الاختصار، باعتبار إن الصحافي بيفترض إن جمهوره القاهري المُتعلم عارف إن فيه إدارة جوه وزارة الداخلية اسمها "الإدارة العامة للحماية المدنية"، وإن جزء من مسؤوليات الإدارة دي إنقاذ المواطنين من الحرائق أو الغرق أو غيرهم من الحوادث الخطرة، وإن الحادثة اللي حصلت دي في مكان بين حي الجيزة وجزيرة المنيل اسمه "كوبري الجامعة" هيكون معروف للجمهور ده. وإنما فيه برضه نوع أعمق من الإبهام، بيتمثّل في تعبيرات زي "اتخاذ الإجراءات اللازمة" أو "تتولى النيابة المختصة التحقيق". إيه هي الإجراءات اللازمة؟ ومين النيابة المختصة؟ والتحقيق في إيه بالضبط؟ وإشمعنى ده خبر يستاهل إنه يتداول أصلًا؟ وهل تم إنقاذ الشخص بالفعل زي ما أول سطر بيقول، ولا هل الشخص غرق زي ما البلاغ موصوف في السطر التاني؟
طبعاً نقدر نفسّر وجود الأخبار دي كنوع من إنتاج المحتوى الساخن السيّار، وكمحاولة مستمرة بعد ثورة 25 يناير لتعزيز وتقدير دور رجال الشرطة في تأدية مهمتهم المتمثلة في حماية المدنيين أولًا. إنما بعيدًا عن السياق ده، النص نفسه مالوش ملامح واضحة، ولا مفهوم هو عن مين وإيه، وإشمعنى اتكتب من أساسه، ولولا قدرة القارئ على استباق الكلام وهرشه بالوَيَم، الخبر نفسه مالوش معنى. الوضع ده قائم في مقالات كثيرة على المواقع السيارة، وبعض البوستات اللي الواحد بيقراها كل يوم على الفيسبوك.
***
اندثار البيان بيأدي إلى أنماط محددة من الإبهام والتشويش واللخبطة. معظم النصوص اللي الواحد بيقراها اليومين دول – بالمعنى الواسع لكلمة نص – بتعيد إنتاج نمطين من عدم الوضوح المنهجي، نقدر نسميهم نمط الفَلفَصَة ونمط الفذلكة. النص المفَلفَص مالوش كيان مستقل. تيجي تمسكه من ناحية، يجيلك من الناحية التانية؛ تروح له الناحية التانية، تلاقيه رجعلك من الناحية الأولى؛ تحاصره من الناحيتين، يطلعلك من الناحية التالتة. الفلفصة النصية بتعتمد على قدرتين أساسيتين عند الكاتب: أولًا القدرة اللانهائية على إنتاج الكلام الفارغ (يعني الكاتب بيقعد يعيد ويزيد في نفس الكلام بصيغ مختلفة بدون ملل ولا خجل)، وثانيًا القدرة النرجسية على اعتماد جميع وجهات النظر المتعارضة المتناقضة في نفس الوقت، بشرط إنها تكون رؤية الكاتب النحرير المثقف الفاهم لوحده فقط.
على سبيل المثال، آخر عامود منشور في سلسلة "أفكار" للصحافي ومدير التحرير محمد الأنور في جريدة الأهرام عنوانه "قبل الانفجار"، منشور يوم 17 يناير 2026. العامود متقسّم لفقرتين. الفقرة الأولى عن "مجريات الأحداث والتطورات الدراماتيكية المتسارعة وغير المتوقعة" في العالم، بإشارات سريعة جدًا للوضع الحالي في فلسطين والسودان وليبيا واليمن وسوريا وفنزويلا والدنمارك، وطبعًا بدون شرح إيه الوضع في البلاد دي بالضبط ولا إيه الفروق بينها ولا إيه موقف الكاتب منها. الفقرة التانية عن "الأمر الذي لا جدال فيه"، وهو باختصار إن الطريقة الوحيدة للنجاة من المصايب المُحتملة دي كلها هي "نسف وبتر أي عوامل أو عناصر تضعف بنيان هذا الوطن"، ودي برضه إشارة مُبهمة لأي شكل من أشكال العداوة لمصر حاليًا.
بعد قراءة الفقرتين دول، القارئ ما فهمش حاجة جديدة عن وضع البلاد المذكورة، ولا فهم مين اللي عمل إيه لمين، ولا فهم إيه موقف الكاتب نفسه من اللي بيحصل في البلاد دي إلا عبر ترديد إشارة في غاية الهشاشة عن "بنيان هذا الوطن"، اللي هو أصلًا مش مفهوم ماهيته من وجهة نظر الأستاذ محمد الأنور، ولا مين اللي بيضعف الوطن بالضبط، وإشمعنى لازم نطرح في الصحف الرسمية إن الحل الوحيد هو بتر جميع العوامل والعناصر دي. الإبهام والتشويش هنا مش جايين من إن الكلام غير مفهوم حرفيًا، ولا إن الكلام غير مفهوم بحسب السياق الآني اللي بيعبّر عنه الكاتب، وإنما الكلام ده مفلفص في كذا اتجاه وكذا رؤية وكذا تحليل وكذا طموح، ومالوش ماسكة من أي اتجاه ولا فائدة فعلية إلا في إطار سد الخانات في الجرائد الرسمية. النوع ده من الفلفصة واضح من زمان في الكتابة الحكومية، وبنلاقيه منتشر في عواميد كثيرة زي العامود الأخير ده.
أما النص المتفذلك، فهو يبدو شديد الدقة والوضوح، عشان ما بيسيبش أي تفصيلة إلا ولو ذكرها وفصصها وأيّدها في الكشكول، وبيقعد يزود ويزود في التفاصيل لغاية ما يدفن القارئة تحت تل من المعلومات المتينة. النص المتفذلك ما بيسيبش للقارئة أي فرصة للتنفُّس، عشان هو جاي يشِد فريسته تحت الأرض بدون ما يتيح فرصة الاشتباك أو النقاش قبل ما تموت فطسانة منه. الفذلكة النصية عبارة عن موقف هجومي ودفاعي في نفس الوقت: هجومي ضد القارئة اللي عايزة تقرا وتفهم وتنبسط من القراءة بدون تعقيد، ودفاعي ضد القارئة اللي جاية تغلّط الكاتبة وتدمّرها وتطلّع لها القطط الفطسانة. الفذلكة بتسمح للكاتبة بإنها تدعي الإلمام بجميع جوانب الأمر المعني – اللي هي حاجة مستحيلة أساسًا – وفي نفس الوقت، إنها تقول للقارئة بتاعتها إنه مهما قرأت، مش هتوصل للعبقرية اللي وصلت لها الكاتبة النحريرة المثقفة الفاهمة.
على سبيل المثال، في وسط الجدل اللي أثاره فيلم "الست" بطولة منى زكي وإخراج مروان حامد، صفحة "سيدات مصر" على الفيسبوك نشرت مراجعة للفيلم يوم 29 ديسمبر 2025، بقلم لمياء الخولي. المراجعة إيجابية في المجمل، ومضمون المقال باختصار إن الناقدة انبسطت من الفيلم جدًا وشايفة إنه لازم ينتشر في مصر والعالم، ولكن تحليل أسباب الانبساط ده بياخد شكل متفذلك بامتياز. المقال عبارة عن لستة عناصر الفيلم – الموسيقى التصويرية، التصوير، السيناريو، التمثيل، الأكسسوارات، المكياج – وقد إيه كانت عظيمة وجميلة ومبهرة ومبهجة بالتفصيل، وآخر فقرات المقال بتدعي إن الهجوم ضد الفيلم جاي من الإخوان المسلمين وأتباع الإسلام السياسي عمومًا؛ وإن الناس اللي بتحب الفن بجد، وبتحب مصر بجد، لازم تحب فيلم "الست".
المثير للانتباه مش رأي الكاتبة في الفيلم أو في الفن، ولا هشاشة الأسباب الموضوعة للإعجاب بالفيلم، وإنما الادعاء بالفهم في السينما والفن باستخدام آلية نقد متفذلكة، بتعتمد في الأساس على رص عناصر الفيلم كأنها في كشكول دراسي، وكأن مفيش طريقة تانية لتحليل الفيلم أو لفهم الأفلام أو للتعاطي مع المضمون البصري أو النصي جوه الفيلم إلا برَصّ العناصر دي. كذلك الكاتبة بتتعامل بتعالي مع أي إنسان عنده نقد ما للفيلم، بوصفه أكيد عدو الفن وعدو مصر، والطرح الضمني هنا إن أي حد هيفصص الفيلم بعناصره زي ما الناقدة النحريرة فصصته هيوصل لنفس النتيجة، وهو إنه فيلم عظيم وجبار وما حصلش ويستاهل يتحط بالتوازي مع أفلام عالمية كثيرة، ولكن مفيش أسباب تؤدي للاستنتاج ده لولا الفذلكة في تحليل عناصر الفيلم نفسها.
***
إيه أسباب انتشار الفلفصة والفذلكة في الكتابة؟ فيه إجابات كتيرة ما نقدرش نجزم بإن أي واحدة فيهم هي الوحيدة الصحيحة، بس فيه سببين يستحقوا النقاش في تقديري. أولًا فيه سبب تكنولوجي مرتبط بغزارة الإنتاج النصي اللي أتاحته شبكة الإنترنت، من أول انتشار البلوجات ووسائل التواصل الاجتماعي لغاية صعود البودكاست مؤخرًا. الوسائل دي كلها خلقت انطباع إن العلاقة بين القارئ والكاتب زي علاقة الصديق بزميله في التشات، وكأن الواحد يقدر يقعد يهري في اللاشيء أو يحكي تفاصيل التفاصيلٍ، وصاحبه ده هيفضل يسمع له ويقول له: "كمّل أصاحبي". ولما احترام القارئ اللي بيحاول يفهم ويفكر ويحلل بيتحول إلى علاقة صحوبية، ضبط الكتابة البيِّنة بيختفي لصالح الكلام بالوَيَم، ورغم إن الوَيَم مفيد في العلاقات الشخصية الحميمة، فهو بيكسر قدرة النص على التأثير في الحوار العام.
ثانياً، انتشار الفلفصة والفذلكة مرتبط بتقييد حريات التعبير. كلما كان الكلام فارغ أو مليان على آخره، كلما قدرته على إنتاج خطاب نقدي معارض للخطاب المهيمن بيقِل، وفرصة ابتكار مساحات للتحرر الفكري بتقل معاها. بالتالي، الجرائد والمجلات والمواقع الرسمية بتحشي صفحاتها بالكلام الفارغ والمليان عشان ما تسيبش أي مساحة للكلام بجد؛ الكلام اللي يقدر يربط بين الحاجات وبعضها عشان يعبّر عن وجهة نظر بعيدة عن الشائع ومفيدة للقارئ. كذلك اللي مهتم ينتشر ويتعايش مع الظرف الحالي مضطر يحشي عشان يبان مثقف وفاهم ومهم، رغم إن مقال بَيِّن واحد ممكن يهدم هرم الهراء والتفاصيل اللي الواحد بيقعد يقرا فيه في الكتابات المنتشرة.
باختصار، النص المتفذلك ممكن يديك انطباع إنه أدق (عشان بيملا دماغك بالتفاصيل المتينة المملة)، والنص المفلفص ممكن يديك انطباع إنه أهم (عشان بيملا دماغك بالأفكار القديرة القيّمة)، ولكن في الآخر، الاتنين طالعين من نفس المنظومة الفكرية المعادية لصفاء الذهن، عشان الاتنين بيحاولوا ينيموك في الذُرة وياخدوك على غفلة ويغرّقوك في البحر. النص المفلفص بيحاول ياخدك في قارب لواحدك زي إخوات "رام" في فيلم المهاجر، ويخليك تستأمن إن كلما بتتعمّق في البحر، كلما بتكون قرّبت من بر المعرفة؛ بس في الآخر بيرموك في قلب البحر عادي، ولا أنت فهمت الموضوع إيه، ولا إيه لازمة كل الكلام في المركب، ولا إيه وجهة نظر الإخوات في الموضوع، بخلاف إنهم عايزين يغرّقوك في الآخر وخلاص. أما النص المتفذلك، فهو بيقعد يخرم خروم صغننة في المركب، وكل مرة يقول لك إن الخرم ده ممكن يطلع منه سمكة معرفية دسمة، وتسيبه يخرم خرم تاني وتالت ورابع، لغاية ما تلاقي المركب غرق والسمك عايم معاك زي اللبن والتمر الهندي، ومافيش فرق بينك وبينه، وأنتم الاتنين عايمين في بحر المعرفة بدون وضوح للرؤية العامة ولا فرصة للنجاة.
إذا اعتبرنا إن المعرفة بحر، وإن صفاء الذهن والحس النقدي هي المركب اللي بتسمح لنا نستكشف البحر ده كويس ونصطاد فيه سمك الفكر، ما ينفعش نعتمد على عصابة "رام" ولا قبطان السفينة المخرومة عشان نعرف نوصل لهدفنا؛ لا النص اللي بيقول أي حاجة عن أي حاجة مفيد، ولا النص اللي بيقول كل حاجة صغنونة عن كل حاجة صغنونة مفيد برضه. في تقديري، النص البيّن هو اللي بيوضّح التداعيات المباشرة للموضوع اللي الكاتب شايفه وبيكتب عنه، ولما الكاتب بيستخبّى ورا الكلام الفارغ والتفاصيل، هو بيتخلى في نفس الوقت عن مسؤوليته تجاه القارئ وتجاه النقد.
المقال خاص بـ Boring Books *
** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
