ماذا لو قابلنا ذاتًا (كما نفعل عادة في التحليل النفسي) لا تستطيع الاستمتاع بليلة عاطفية بالكامل إلا عند وجود "مشنقة" ما تهددها، أي بشرط أن تنتهك محظورًا ما بفعلها ذلك
كانط وساد: الزوج المثالي
مقال: سلافوي جيجك
ترجمة: مصطفى سيف
نشر المقال للمرة الأولى في العدد 13 من مجلة lacanian ink ، عام 1998 بعنوان: Kant and Sade: the Ideal Couple

من بين كل الأزواج في تاريخ الفكر الحديث (فرويد ولاكان، ماركس ولينين، ...إلخ) ربما يكون كانط وساد الأكثر إشكالية: عبارة "كانط هو ساد" هي "المقولة اللامتناهية"[1] للأخلاق الحديثة، واضعة علامة التساوي بين النقيضين الجذريين، أي مؤكدة أن الموقف الأخلاقي السامي اللامبالي متطابق أو متداخل بطريقة ما مع الانغماس غير المقيّد في العنف الممتع.
الكثير- كل شئ ربما- على المحك هنا: هل هناك خط يمتد من الأخلاق الصورية الكانطية إلى آلة القتل بدم بارد في أوشفيتس؟ هل معسكرات الاحتجاز والقتل والإبادات كعمل محايد هي النتيجة المتأصلة للإصرار المتنور على استقلال العقل؟ هل هناك على الأقل خط نسب شرعي ممتد من ساد إلى التعذيب الفاشي كما توحي بذلك النسخة الفلمية من سالو لباسوليني، والتي تنقله إلى الأيام المظلمة لجمهورية سالو الموسولينية؟
لقد طور لاكان هذا الرابط أولا في سيميناره عن أخلاق التحليل النفسي (1958-1959)[2] ثم في الكتابات Écrits "كانط مع ساد" "Kant with Sade" لسنة 1963.[3]
I
بالنسبة للاكان بالتالي، سخّر ساد الإمكانية الجوهرية للثورة الفلسفية الكانطية، بالمعنى الدقيق في أنه أخرج صوت الضمير للخارج بصدق. أول سؤال يخطر هنا بالطبع هو: علامَ كل هذه الجلبة؟ فاليوم، في عصرنا الفرويدي ما بعد المثالي، ألا يعرف كل شخص ما هو الهدف من ال"مع"- [4]وهو أن حقيقة صرامة كانط الأخلاقية هي سادية القانون، أي أن القانون الكانطي هو فاعلية موجودة في الأنا الأعلى تستمتع بشكل سادي بإخفاق الذات وعدم قدرتها على تلبية مطالبها التي لا ترحم، مثل المعلم الذي يعذب تلاميذه بمهام مستحيلة بينما يستطعم سرًا إخفاقاتهم.
ما يقصده لاكان، على الرغم من ذلك، هو النقيض تمامًا لهذه الفكرة الأولى: ليس كانط هو من كان ساديًا متخفيًا، بل ساد هو الكانطي المتخفي[5]، ما يعني أن ما ينبغي أن نضعه في الاعتبار هو أن تركيز لاكان هو دائمًا كانط، وليس ساد: إن محط اهتمام لاكان هو العواقب النهائية والفرضيات غير المعترف بها للثورة الأخلاقية الكانطية. بعبارة أخرى، لا يحاول لاكان أن يثبت المقولة "الاختزالية" التي ترى أن كل فعل أخلاقي، مهما بدا نقيًا ولامباليًا، هو دائمًا متجذر في دافع "باثولوجي"[6] ما (مصلحة الفاعل على المدى الطويل، نيله إعجاب أقرانه، وحتى الإشباع "السلبي" الذي توفره المعاناة والابتزاز المطلوبين غالبًا في الأفعال الأخلاقية)؛ إن بؤرة اهتمام لاكان تقع بالأحرى في القلب الإشكالي الذي لم يعد بواسطته للرغبة نفسها (أي التصرف بناء على رغبة الواحد، لا مساومتها) أن تكون متجذرة في أي مصالح أو دوافع "باثولوجية" وبذلك تلبي معايير الفعل الأخلاقي الكانطي، وهكذا يتداخل "اتباع رغبة الواحد" مع "أدائه واجبَه"، يكفي لذلك أن نسترجع مثال كانط الشهير من كتابه نقد العقل العملي:
"لتفترض أن شخصًا يقول إن شهوته لا يمكن أن تقاوم عندما يكون الشيء المرغوب به والفرصة حاضران. لتسأله إن كان سيتحكم بغرائزه، إذا كان أمام البيت حيث يمتلك هذه الفرصة، قد نصبت مشنقة سيعلق عليها فور إشباع شهوته، لن نحتاج أن نخمن طويلًا ما قد تكون إجابته".
حجة لاكان المضادة هنا هي: ماذا لو قابلنا ذاتًا (كما نفعل عادة في التحليل النفسي) لا تستطيع الاستمتاع بليلة عاطفية بالكامل إلا عند وجود "مشنقة" ما تهددها، أي بشرط أن تنتهك محظورًا ما بفعلها ذلك.[7]
كان هناك فيلم إيطالي من الستينات، Casanova 70 كازانوفا ٧٠، من بطولة فيرنا ليزي ومارسيلو ماستروياني، والذي علق على تلك النقطة بالتحديد: لا يستطيع البطل الحفاظ على قدرته الجنسية إلا إذا كانت الممارسة تنطوي على نوع من الخطر. في نهاية الفيلم، عندما يكون على وشك أن يتزوج من حبيبته، يريد البطل على الأقل أن ينتهك حظر ممارسة الجنس قبل الزواج بالنوم معها في الليلة السابقة للزفاف، رغم ذلك تفسد عليه العروس حتى تلك المتعة البسيطة من غير علم عندما ترتب مع القس لإذن خاص بممارسة الجنس في الليلة السابقة للزفاف، حتى يُجرَّد الفعل من وخزته المتعدية. ماذا يمكنه أن يفعل الآن؟ في آخر لقطة من الفيلم، نراه يزحف على الشرفة الضيقة على الجانب الخارجي من المبنى الشاهق، معطيًا نفسه المهمة الشاقة لدخول غرفة نوم الفتاة بأخطر طريقة ممكنة، في محاولة بائسة لربط الإشباع الجنسي بخطر مميت... لذا فإن وجهة نظر لاكان هي أنه إذا كان إشباع العاطفة الجنسية ينطوي على تعليق حتى أبسط الاهتمامات "الأنانية"، إذا كان هذا الإشباع واقعًا بوضوح "وراء مبدأ اللذة"، إذًا، وبرغم كل المظاهر بعكس ذلك، فإننا نتعامل مع فعل أخلاقي، إذًا فإن "عاطفته" بالمعنى الصارم للكلمة stricto sensu عاطفة أخلاقية.[8]
النقطة الإضافية التي يطرحها لاكان هي أن هذا البعد السادي الخفي لـ "عاطفة (جنسية) أخلاقية" لا يُقرأ في كانط من خلال تفسيرنا غريب الأطوار، ولكنه جوهري للبناء النظري الكانطي.[9] إذا وضعنا جانبًا مجموعة "الأدلة الظرفية" لذلك (أليس تعريف كانط الشهير للزواج- أنه العقد بين اثنين بالغين من جنسين مختلفين حول الاستخدام المتبادل للأعضاء الجنسية لكل منهما- ساديًا تمامًا، حيث أنه يقلّص الآخر[10]-الشريك الجنسي للذات- إلى شئ جزئي، إلى عضوه/ها الجسدي الذي يوفر متعةً، متجاهلًا إياه/ها ككلٍ لشخص بشري the Whole of a human Person؟) ، فإن الإشارة الحاسمة التي تمكننا من تبين الخطوط العريضة لـ "ساد في كانط" هو الطريقة التي يتصور بها كانط العلاقة بين المشاعر (الأحاسيس) والقانون الأخلاقي.
بالرغم من إصرار كانط على الفجوة المطلقة بين المشاعر الباثولوجية والصورة الخالصة للقانون الأخلاقي، فإن هناك شعورًا قبليًا تختبره الذات بالضرورة عندما تواجَه بأمر من القانون الأخلاقي، ألا وهو ألم الإذلال (الناتج عن كبرياء الإنسان المجروحة، بسبب "الشر الجذري" للطبيعة البشرية)؛ بالنسبة للاكان، هذا التمييز الكانطي للألم كونه الشعور القبلي a priori الوحيد مرتبط بشكل صارم بمفهوم ساد عن الألم (تعذيب وإذلال الآخر، والتعرض للتعذيب والإذلال من قِبَله) باعتباره الطريقة المخصوصة للحصول على المتعة الجنسية sexual jouissance (حجة ساد بالتأكيد، هي أن الألم يجب أن يعطى الأولوية على حساب المتعة بناء على طول مدته- تمر المتع بسرعة، بينما يمكن أن يستمر الألم إلى أجل غير مسمى) يمكن تدعيم هذا الارتباط بشكل أكبر عن طريق ما يسميه لاكان الفانتازيا السادية الأساسية: فانتازيا الجسد الآخر، الأثيري للضحية الذي يمكن أن يعذب إلى ما لا نهاية ومع ذلك وبطريقة سحرية يحافظ على جماله (انظر الشخصية النموذجية الموجودة في أعمال ساد للفتاة الصغيرة التي تتحمل إذلالات وتشوهات لا نهائية من قبل معذبها المحروم وبطريقة ما وبشكل غامض تنجو من كل ذلك سليمة تمامًا، بنفس الطريقة التي ينجو بها توم وجيري وأبطال كرتون آخرون من محنهم المثيرة للسخرية سالمين).
ألا توفر هذه الفانتازيا الأساس الليبيدي للمسَلَّمة الكانطية لخلود الروح الساعية بلا نهاية لتحقيق الكمال الأخلاقي، أي: أليس النقيض التام لـ "الحقيقة" الفانتازمية لخلود الروح، أي خلود الجسد، هو قدرة الجسد على تحمل ألم وإذلال لانهائي؟
أشارت جوديث بتلر إلى أن "الجسد" الفوكوي كموقع المقاومة ليس سوى "النفس" الفرويدية: ومن المفارقة، أن "الجسد" هو اسم الجهاز النفسي عند فوكو طالما يقاوم هيمنة الروح. وهذا يعني، أنه عندما يقلب فوكو التعريف القياسي الأفلاطوني-المسيحي للجسد كـ "سجن للروح"، في تعريفه المشهور للروح كـ "سجن للجسد"، فإن ما يسميه "الجسد" هو ليس ببساطة الجسم البيولوجي، وإنما هو متشابك بالفعل مع جهاز نفسي قبل ذاتي ما[11].[12] بناء على ذلك، ألا نقابل عند كانط قلبًا خفيًا متماثلًا للعلاقة بين الجسد والروح، لكنه في الاتجاه المعاكس: ما يسميه كانط "خلود الروح" هو بالفعل خلود الجسد الأثيري الآخر"اللاميّت"؟[13]
II
من خلال الدور المركزي للألم في التجربة الأخلاقية للذات، يقدم لاكان الفرق بين "فاعل النطق" ( الذات التي تنطق بعبارة) و"فاعل (العبارة) المنطوق(ة)"[14] (الهوية الرمزية التي تتخذها الذات من داخل ومن خلال عبارتها): لا يعالج كانط سؤال من هو "فاعل النطق" للقانون الأخلاقي، أي الفاعل الناطق بالأمر الأخلاقي المطلق- فإن من داخل أفقه، هذا السؤال ذاته بلا معنى، بما أن القانون الأخلاقي هو أمر لاشخصي "قادم من العدم"، أي أنه موضوع ذاتيًا أساسًا، وتم اتخاذه بشكل مستقل من قبل الذات نفسها- من خلال الإحالة لساد، يقرأ لاكان ذلك الغياب لدى كانط كفعل "كبت" للناطق بالأمر الأخلاقي، وجعله لامرئي، وإن ساد هو من يجعله مرئيًا في شخص المعذب-الجلاد "السادي" - هذا الجلاد هو الناطق بالقانون الأخلاقي، الفاعل الذي يجد متعة في ألمنا (ألم الذات الأخلاقية) وإذلالنا.
تعرض حجة مضادة نفسها هنا ببداهة ظاهرة: أليس كل ذلك هراءً تامًا، بما أن العنصر الذي يحتل مكان الأمر اللامشروط عند ساد، أي القاعدة التي يجب أن تتبعها الذات بشكل قاطع، ليس هو الأمر الأخلاقي الكلي الكانطي أدِ واجبك! وإنما نقيضه الأكثر جذرية، الأمر باتباع النزوات الطارئة، الباثولوجية بعمق التي تجلب لك اللذة لأقصى حد، مختزلًا بلا رحمة كل إخوتك من البشر إلى أدوات لمتعتك؟ بالرغم من ذلك، فإنه من المهم إدراك التضامن بين هذه الخاصية وبزوغ شخصية المعذب-الجلاد "السادي" كـ "فاعل النطق" الفعلي للقول-الأمر الأخلاقي الكلي. إن الانتقال السادي من الاحترام الكانطي للتجديف -أي الانتقال من احترام (رفيق الكينونة) الآخر، من حيث حريته واستقلاله، ومعاملته دائمًا أيضًا كغاية في ذاته، إلى اختزال كل الآخرين على وجه التحديد إلى مجرد أدوات يمكن الاستغناء عنها توجد للاستغلال بلا رحمة- مرتبط بشكل صارم بحقيقة أن "فاعل النطق" للأمر الأخلاقي، اللامرئي عند كانط، يتخذ الملامح الملموسة للجلّاد السادي.
ما يحققه ساد هو بالتالي عملية فصل دقيقة للرابط بين عنصرين هما، في عينَي كانط، مترادفين ومتداخلين[15]: وهما التأكيد على أمر أخلاقي لامشروط؛ والكلية الأخلاقية لهذا الأمر. يحتفظ ساد ببنية الأمر اللامشروط، واضعا كمحتوى لذلك الأمر أقصى درجات التفرد الباثولوجي.
ومجددًا، فإن النقطة الحاسمة هي أن هذا الفصل ليس غرابة خاصة بساد، بل هو كامن كإمكانية في التوتر الأساسي ذاته المكون للذات الديكارتية. لقد كان هيجل بالفعل واعيًا بهذا القلب للأمر الكلي الكانطي إلى أقصى النزوات فردية: أليست النقطة الرئيسية في نقده للأمر الأخلاقي الكانطي أنه، بما أن هذا الأمر فارغ، فإنه ينبغي على كانط أن يملأه ببعض المحتوى الإمبريقي، وبالتالي إضفاء شكل الضرورة الكلية على محتوى طارئ جزئي؟
إن الحالة النموذجية للعنصر الباثولوجي الطارئ مرفوعًا لمكانة طلبٍٍ لامشروط هي بالطبع، الفنان المتماهي تمامًا مع رسالته الفنية، مواصلًا إياها بحرية بلا أي إحساس بالذنب كقيد داخلي، غير قادر على النجاة بدونها. يواجهنا المصير الحزين لجاكلين دو بري بالنسخة الأنثوية من الانقسام بين الأمر اللامشروط وجانبه الآخر، الكليّة المتسلسلة من الأشياء الأمبريقية غير المميّزة والتي يجب أن يُضحى بها في سبيل تحقيق الواحد منا رسالته.[16] (إنه من المثير للاهتمام والمُنتِج بشدة أن تُقرأ قصة حياة دو بري لا كـ "قصة حقيقية"، لكن كسردية أسطورية: ما هو مدهش في الأمر للغاية هو الطريقة التي تتبع فيها الخطوط المحددة سابقًا لأسطورة عائلية، تمامًا كما في قصة كاسبر هاوزر التي تعيد فيها الحوادث الفردية بشكل غريب إنتاج سمات مألوفة من الأساطير القديمة). كان الأمر اللامشروط لدو بري، ودافعها، وشغفها التام هو فنها (عندما كانت في الرابعة، عندما رأت شخصًا يلعب التشيللو، ادعت بالفعل في الحال أن هذا هو ما أرادت أن تكونه...) ذلك الرفع لفنها إلى اللامشروط أحال حياتها العاطفية إلى سلسلة من اللقاءات مع رجال كانوا جميعًا قابلين للتبديل، الواحد منهم كالآخر-قيل إنها كانت "صائدة رجال" متسلسلة. وبالتالي، فقد احتلت المكان المحفوظ عادة للفنان الذكر-لا عجب أن مرضها المأساوي الطويل ( تصلب متعدد في الأنسجة، كانت تحتضر بسببه بشكل أليم من ١٩٧٣ إلى ١٩٨٧) تم اعتباره من قبل والدتها كـ "رد من الحقيقي"[17]، كعقاب إلهي ليس فقط جرّاء حياتها الجنسية متعددة العلاقات، بل أيضًا لالتزامها "المفرط" تجاه فنها...
III
تلك، مع ذلك، ليست القصة الكاملة. السؤال الحاسم هو: هل القانون الأخلاقي الكانطي قابل للترجمة إلى المفهوم الفرويدي للأنا الأعلى أم لا؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن "كانط مع ساد" تعني بالفعل أن ساد هو حقيقة الأخلاق الكانطية. إذا لم يمكن، على الجانب الآخر، للقانون الأخلاقي الكانطي أن يكون متماهيًا مع الأنا الأعلى (بما أن القانون الأخلاقي مساو للرغبة نفسها، بينما تتغذى الأنا الأعلى على مساومة الذات لرغبته/ها، كما عبر عن ذلك لاكان نفسه في الصفحات الأخيرة من المفاهيم الأربعة الأساسية للتحليل النفسي، أي أن الشعور بالذنب المستدام من قبل الأنا الأعلى يشهد لحقيقة أن الذات قد خانت أو ساومت رغبته/ها في مكان ما)[18]، فإن ساد ليس هو الحقيقة الكاملة للأخلاق الكانطية، بل شكل من أشكال إدراكها المنحرف. باختصار، بعيدًا عن كونه "أكثر راديكالية من كانط"، يعبر ساد عن ما يحدث عندما تخون الذات الصرامة الحقيقية للأخلاق الكانطية.
هذا الفرق حاسم في عواقبه السياسية: فطالما أن البنية الليبيدية للأنظمة "الشمولية" منحرفة (أي أن الذات الشمولية تتخذ موضع الشئ-الأداة لمتعة الآخر the Other's jouissance) ستعني "ساد كحقيقة كانط" أن الأخلاق الكانطية تؤوي فعليًا إمكانيات شمولية؛ على الرغم من ذلك، إذا ما تصورنا الأخلاق الكانطية كمانعة على وجه التحديد للذات من اتخاذ موضع الشئ-الأداة لمتعة الآخر، أي أنها تدعوه ليتحمل المسؤولية الكاملة لما يصرح أنه واجبه، إذًا كانط هو المناهض للشمولية بامتياز par excellence...
إن حلم حقنة إرما الذي استخدمه فرويد كحالة نموذجية لتوضيح عمليته لتحليل الأحلام هو حلم عن المسؤولية - مسؤولية فرويد ذاته عن فشل علاجه لإرما- هذه الحقيقة وحدها تشير إلى أن المسؤولية مفهوم فرويدي حاسم.
لكن كيف لنا أن نتصور ذلك؟ كيف لنا أن نتجنب الفخ المعتاد لسوء نية mauvaise foi الذات السارترية المسؤولة عن مشروعها الوجودي، أي فخ الموتيف الوجودي للشعور بالذنب الأنطولوجي الذي يلازم الوجود الإنساني المحدود بذاته، وأيضا الفخ المناقض المتمثل في "إلقاء اللوم على الآخر" ( "بما أن اللاواعي هو خطاب الآخر، فأنا لست مسؤولًا عن تَشَكُّلاته، إن الآخر الكبيرthe big Other هو مَنْ يتحدث من خلالي، أنا مجرد أداة له...")؟
أشار لاكان نفسه إلى كيفية الخروج من هذا المأزق بالإشارة إلى فلسفة كانط باعتبارها السابق الحاسم لأخلاق الواجب التحليل نفسية "ما وراء الخير". طبقًا للنقد شبه الهيجلي الأساسي، يفشل الخُلُق الكانطي الكلي للأمر القاطع في الأخذ بالاعتبار الموقف التاريخي المادي الذي تُغرَس فيه الذات والذي يوفر المحتوى المحدد للخير: ما يفلت من الشكلية الكانطية هو المادة الجزئية المخصَّصَة تاريخيًا للحياة الأخلاقية. بالرغم من ذلك، يمكن أن يقابل هذا التوبيخ بادعاء أن القوة المتفردة لأخلاق كانط تقع في هذا اللاتحديد الشكلي ذاته: لا يخبرني القانون الأخلاقي ما هو واجبي، إنما يخبرني أنه ينبغي أن أؤدي واجبي فقط، أي أنه ليس ممكنًا اشتقاق القواعد الملموسة التي يجب عليّ اتباعها في موقفي الخاص من القانون الأخلاقي ذاته -مما يعني أن الذات يجب أن تتحمل مسؤولية "ترجمة" الأمر المجرد للقانون الأخلاقي إلى مجموعة من الالتزامات الملموسة.
بهذا المعنى المحدد، يميل الواحد لأن يخاطر بتواز مع نقد ملكة الحكم لكانط: لدى التشكيل الملموس لالتزام أخلاقي محدد بنيةُ الحكم الجمالي، أي الحكم الذي من خلاله، بدلًا من تطبيق مقولة كلية على شئ جزئي ببساطة أو إدخال هذا الشيء تحت تحديد كلي معطىً بالفعل، أخترع أنا إذا جاز التعبير بُعده الكلي-الضروري-الإلزامي وبهذه الطريقة أرفع هذا الشيء (الفعل) الجزئي-الطارئ إلى كرامة الشيء الأخلاقي.
إذًا هناك دائمًا شئ سامٍ في إعلان حكم يحدد واجبنا: أقوم فيه "برفع شئ إلى كرامة الشئ" (تعريف لاكان للتسامي sublimation). يدفعنا القبول التام لهذه المفارقة لرفض أي إشارة لـ "الواجب" كعذر: "أعلم أن هذا ثقيل ويمكن أن يكون مؤلمًا، لكن ماذا يمكنني فعله، هذا هو واجبي..." الشعار القياسي للصرامة الأخلاقية هو "ليس هناك عذر لعدم تحقيق واجب الشخص الأخلاقي!"؛ بالرغم من أن مقولة كانط !Du kannst, denn du sollst ("أنت تستطيع، لأنه يجب عليك"!) تبدو أنها تعرض نسخة جديدة من ذلك الشعار، فإنه يكملها بشكل ضمني بعكسها الأكثر غرابة بكثير: "ليس هناك عذر لتحقيق الواحد واجبه!"[19] ينبغي رفض الإشارة إلى الواجب كعذر لفعل الواجب كشيء منافق؛ يكفي أن نتذكر مثال المعلم السادي القاسي الذي يعرض تلاميذه للانضباط والتعذيب بلا رحمة. بالطبع، إن عذره لنفسه و(للآخرين) هو: "أنا نفسي أجد الأمر صعبًا أن تمارس ضغطًا كهذا على الأطفال المساكين، لكن ماذا يمكنني أن أفعل -إنه واجبي!" المثال الأكثر صلة هو ذلك المتمثل في سياسي ستاليني يحب الجنس البشري، لكنه مع ذلك يمارس تطهيرات وإعدامات رهيبة. ينكسر قلبه بينما يفعل ذلك، لكنه لا يستطيع التوقف، إنه واجبه تجاه تقدم الإنسانية...
ما نقابله هنا هو الموقف المنحرف كما ينبغي المتمثل في تبني موقف الأداة الخالصة لمشيئة الآخر الكبير: إنها ليست مسؤوليتي، لست أنا من يفعل ذلك فعليًا، أنا مجرد أداة للضرورة التاريخية الأعلى... تُوَلَّد المتعة الفاحشة obscene jouissance لهذا الموقف عن طريق حقيقة أنني أتصور نفسي مبرأًً مما أفعله: أليس لطيفًا أن أكون قادرًا على إلحاق الألم بالآخرين مع الوعي التام أنني لست مسؤولًا عن ذلك، أنني فقط ألبي مشيئة الآخر... هذا هو ما تحظره الأخلاق الكانطية. يوفر موضع السادي المنحرف هذا الإجابةَ على السؤال: كيف يمكن للذات أن تكون مذنبة إذا كانت فقط تحقق ضرورة "موضوعية" مفروضة عليها من الخارج؟
من خلال تبني تلك "الضرورة الموضوعية" ذاتيًا، أي بالعثور على متعة فيما يُفرَض عليها. وهكذا، في حالتها الأكثر راديكالية ليست الأخلاق الكانطية "سادية"، بل هي على وجه التحديد ما يحظر اتخاذ موقف الجلاد السادي. في انعطافٍ أخير، يقوض لاكان مع ذلك أطروحة "ساد كحقيقة كانط". ليس من قبيل الصدفة أن نفس السيمينار الذي استدعى فيه لاكان الرابط الجوهري بين كانط وساد يتضمن أيضًا القراءة المفصَّلة لأنتيجون التي يحدد فيها لاكان الخطوط العريضة لفعل أخلاقي يتجنب فعلًا بنجاح فخ الانحراف السادي كحقيقته الخفية- في إصرارها على مطلبها اللامشروط بدفن أخيها كما ينبغي، لا تطيع أنتيجون أمرا يذلها، أمرًا منطوقًا فعليًا من قبل جلاد سادي... إذا فالجهد الرئيسي لسيمينار لاكان عن أخلاق التحليل النفسي هو على وجه التحديد أن يكسر الحلقة المفرغة لكانط مع ساد Kant avec Sade. كيف يكون ذلك ممكنًا؟ فقط عندما يؤكد الواحد -على النقيض من كانط- أن ملكة الرغبة ليست "باثولوجية" بذاتها. باختصار، يؤكد لاكان ضرورة "نقد الرغبة المحضة": على عكس كانط، الذي يرى أن قدرتنا على الرغبة "باثولوجية" بعمق (بما أنه، كما يؤكد مرارًا وتكرارًا، ليس هناك رابط قبلي a priori بين شئ أمبيريقي والمتعة التي يولّدها هذا الشيء في الذات)، يدعي لاكان أن هناك "ملكة خالصة للرغبة"، بما أن الرغبة لديها شئ-مسبب قبلي لاباثولوجي-هذا الشيء، بالطبع، هو ما يسميه لاكان objet petit a
[1] يشير إلى إحدى المقولات الاثني عشر عند كانط (المترجم).
[2] Lacan, Jacques, Le séminaire, Livre VII: L'éthique de la psychanalyse, Paris: Seuil, 1986, chap. VI
[3] Lacan, J., "Kant avec Sade", in Écrits, Paris: Seuil, 1966, pp. 765-790..
[4] ال"مع" في عنوان مقال لاكان "كانط مع ساد" "Kant avec Sade (المترجم).
[5] في الأصل: it it not Kant who was a closet sadist, it is Sade who is a closet Kantian (المترجم).
[6] يطلق كانط صفة "باثولوجي" على كل الدوافع الحسية والعاطفية والجسدية التي يرى أنها تتنافى مع طبيعة الأمر الأخلاقي القاطع، وآثرت نسخ اللفظ للعربية، عوضًا عن ترجمته، للتأكيد على المعنى الكانطي (المترجم).
[3] Kant, Immanuel, Critique of Practical Reason, New York: Macmillan, 1993, p. 30.
[4]/../ "إذا كان، كما يدعي كانط، لا شئ سوى القانون الأخلاقي يمكنه أن يدفعنا أن نضع جانبا كل مصالحنا الباثولوجية ونقبل موتنا، فإن حالة شخص يقضي ليلة مع سيدة بالرغم من معرفته أنه سيدفع ثمنها حياته هي حالة القانون الأخلاقي"، Alenka Zupancic, "The Subject of the Law", in Cogito and the Unconscious, ed. by Slavoj Zizek, Durham: Duke UP 1998, p. 89.
[7] Kant, Immanuel, Critique of Practical Reason, New York: Macmillan, 1993, p. 30.
[8] /../ "إذا كان، كما يدعي كانط، لا شئ سوى القانون الأخلاقي يمكنه أن يدفعنا أن نضع جانبا كل مصالحنا الباثولوجية ونقبل موتنا، فإن حالة شخص يقضي ليلة مع سيدة بالرغم من معرفته أنه سيدفع ثمنها حياته هي حالة القانون الأخلاقي"، Alenka Zupancic, "The Subject of the Law", in Cogito and the Unconscious, ed. by Slavoj Zizek, Durham: Duke UP 1998, p. 89.
[9] الإثبات الأكثر وضوحًا على الطبيعة الجوهرية لهذا الرابط كانط مع ساد، هو بالطبع، المفهوم الكانطي (المتنصل منه) ل"الشر الشيطاني"، أي الشر الذي تم تحقيقه لا لأي أسباب "باثولوجية"، بل عن مبدأ، فقط لأجل الشر. لم يستحضر كانط هذا المفهوم للشر المرفوع لقاعدة كلية (وبالتالي المتحول إلى مبدأ أخلاقي) إلا ليدحضه فورًا، مدعيًا أن البشر غير قادرين على هذا الفساد المطلق؛ على الرغم من ذلك ألا ينبغي لنا أن نقابل هذا النقض الكانطي بالإشارة إلى أن جسد أعمال دو ساد بكامله يعتمد بالتحديد على هذا الرفع للشر إلى أمر قاطع ("categorical") لامشروط؟ لتوضيح أكثر لتلك النقطة انظر، الفصل الثاني من Slavoj, Zizek, The Indivisible Remainder, London: Verso 1996.
[10] بحرف كبير في الأصل Other للإشارة إلى المعنى اللاكاني للآخر وللتفريق بين الآخر بحرف كبير Other والآخر بحرف صغير other (المترجم).
[11] جهاز نفسي قبل ذاتي ما: ما يعنيه المؤلف هنا أن مفهوم الجسد عند فوكو حسب فهم جوديث بتلر ليس هو الجسم بأعضائه وماديته المتمثلة في التفاعلات الكيميائية والعصبية وغير ذلك، وإنما هو مشابه لبنية النفس عند فرويد قبل تشكل الأنا أو قبل دخول الذات النظام الرمزي عند لاكان أي قبل حصول عقدة الإخصاء واكتساب اللغة. (المترجم)
[12] Butler, Judith, The Psychic Life of Power, Stanford: Stanford University Press 1997, pp. 28-29.
[13] "اللاميت": بالإنجليزية undead وتعني المخلوق (الخيالي في الغالب) الذي عاد إلى الحياة بعد الموت عن طريق معجزة أو بشكل سحري، ويلعب المؤلف على هذا المعنى في تصوره لفانتازيا ساد الأساسية حيث الجسد الذي لا يموت أو يعود إلى الحياة بشكل لا نهائي مهما وقع عليه من أذى (المترجم).
[14] في الفرنسية sujet de l'énonciation et sujet de l'énoncé (المترجم).
[15] David-Ménard, Monique, Les constructions de l'universel, Paris: PUF 1997.
[16] Du Pré, Hilary and Piers, A Genius in the Family. An Intimate Memoir of Jacqueline du Pré,
London: Chatto and Windus 1997.
[17] رد من الحقيقي: يشير "الحقيقي" في النظرية اللاكانية إلى ما يقع خارج النظام الرمزي والدلالي الذي تدرك الذات من خلاله العالم وتتفاعل معه، وهو مستحيل الوصول إليه. وهناك تقاطعات بين هذا المفهوم ومفهوم الإله الذي يدرك الواقع كما هو بدون واسطة، يدرك "الشئ في ذاته" الكانطي (المترجم).
Alenka Zupancic, op.cit., as well as Bernard Baas, Le désir pur, Louvain: Peeters 1992 [18]
[19] لتناول أكثر تفصيلا لهذه الخاصية المفتاحية لأخلاق كانط، انظر الفصل الثاني من Slavoj Zizek, The, Indivisible Remainder, London: Verso 1996.
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
