رحلة في غرفة القراءة

2025-11-03 - Mashaan Al-mashaan

لقد خبرتُ جميع العواطف التي صوّرتها الكتب وكأنها عواطفي أنا.

رحلة في غرفة القراءة

مقال مشعان المشعان

مشعان المشعان مؤلف كتاب؛ "الأرض تحت الريح" دار رشم للنشر والتوزيع، وكتاب "ما أحمله معي" عن دار المتوسط الحائز على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.


أنت دائمًا موجود في مكانٍ ما.. لن تجد أيَّ ذكرياتٍ دون أماكن. حينما أقرأ نصًّا من كتابٍ أمامي، فيُحلّق بي خارج النافذة إلى حياتي الخاصة، أجد ماضيّ مرتبطًا بالأمكنة، بل في الأصح، بأماكن السفر، وهو ما يمنح هذه الحجرة سببًا وجوديًا يربطني بالحياة.

في روايات بول أوستر تتخذ الكتابة شكل المكان ومعناه وارتباطاتنا به. أتذكّر هنا حجرة السيّد بلانك المنعزلة في رواية رحلات في حجرة الكتابة، وأنا مستلقٍ على الأريكة الزرقاء، في غرفتي التي حبستُ نفسي فيها منذ شهر. وما كان يجعل السيّد متصلًا بالعالم الخارجي هو ما يحدث كلّ مرّة تهبّ فيها الريح من الغرب، عبر نافذة واحدة، فتصل إليه رائحة المريمية والعرعر. مثلما تصلني رائحة الصيف عبر نافذتي الوحيدة. 

لقد عاش السيّد بلانك وحيدًا قرابة أربعة أشهر، "سارحًا في مكان آخر، في الماضي، بينما يطوف متنقّلًا بين أطياف في رأسه". إنّه متنقّل بحرّية من مكانٍ لآخر، نائمًا في الهواء الطلق، ولم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة إليه "أن يعود من انفتاح تلك الأرض إلى الحدود الضيّقة لهذه الحجرة". يستطيع –كما الحاصل معي– تحمّل العزلة، وغياب المحادثة والاتّصال مع البشر، لكنه يتوق إلى الهواء والضوء ثانيةً، ويمضي متشوّقًا للنظر إلى شيءٍ آخر سوى هذه الجدران الحجرية الجرداء.

السفر خيالًا ليس إلا تأكيدًا على أن الحرية ليست حرية الجسد فقط بل حرية الفكر أيضًا. في رحلته داخل الغرفة، التي هي في الأساس رحلة اختلاءٍ بالنفس وتأمّلٍ في الذات، احتفى الكاتب الفرنسي "جزافيي دوميستر" في كتابه "رحْلَة حولَ غرْفتي" بالأشياء القيّمة التي سافر من أجلها، وباللحظات التقديرية التي عاشها، وبالمتعة المجانية التي استسلم لها خياله. فلقد أراد أن يلوذ بالخيال ويرتحل إلى مكان آخر، فيقول: "سوف نسافر في مسيرات قصيرة، نستسلم بمرحٍ لخيالنا، وسوف نتبعه حيثما يشاء أن يقودنا". 

هناك، في الغرفة التي تُشبه الزنزانة، قادتني الملذّات الخيالية –كما دوميستر– إلى رحلاتٍ حول العالم، في مسيراتٍ اختزنتها ذاكرتي وبقيت في نفسي.  كنتُ بهذا أريد أن أخلق واقعًا غير ما هو واقعيٌّ خارج النافذة، وهو ما حدث مع مارسيل بروست في رواية البحث عن الزمن المفقود. وجدتُ تعليقًا على ذلك: أن الزمن ينفلت من بين يديه، ولذلك اختار معاكسة الزمن باستحضار ذكريات الماضي وإحيائها لتشكّل هي الواقع البديل. يقول وقد اتخذ الغرفة التي مارس فيها حجره مسرحًا للذكريات: فقد تحرّكت ذاكرتي. أمضي القسم الأكبر من الليل في استذكار حياتنا السالفة في (كومبريه) وفي (بالبيك) وباريس والبندقية وفي أمكنة أخرى. إنه عبر تلك الغرفة ينتقل إلى المكان الآخر

ولهذا نرى جاستون باشلار في كتاب "جماليات المكان" يحوّل عند هذه العزلة إلى ملعبٍ للذكريات، وفضاءٍ حميم يخصب خيال الكاتب، إذ يقول: "الكثير من ذكرياتنا محفوظة بفضل البيت". أي إن الذكريات التي تداعت على بروست لم تكن لتحدث لو لم يحجر نفسه طوعًا داخل الغرفة، التي مكّنته من التحليق خارج النافذة بحثًا عن المكان الآخر المفقود. السؤال الآن: فهل بإمكان العزلة أن تتحوّل إلى ملعبٍ للذكريات كما قال باشلار؟ في الغرفة أبحث عن المكان الآخر.. فما شكل هذا المكان؟

يجيب هاروكي موراكامي: إنّه مكانٌ يمكن فيه لكلّ شخصٍ أن يمدّ ذراعَيْه وساقَيْه بحرّية، ويأخذ نَفَسًا عميقًا. مكانٌ بعيد عن التسلسل الهرميّ ومتطلّبات الفاعلية. هو ببساطة ملاذٌ مؤقّت دافئ، مكانٌ يمكن لأيّ شخصٍ أن يدخله ويخرج منه بكلّ حرّية. هي منطقة وسطى هادئة بين الفرد والجماعة، والأمر متروك للفرد أن يختار الموقع الذي يريده فيها. ويُعطي اسمًا لهذه الحالة وهو: مساحة للتعافي الفردي. عند هاروكي، هذه المساحة هي قراءة أطنان من الكتب. يقول عن الكتب: فقد خبرتُ جميع العواطف التي صوّرتها الكتب وكأنها عواطفي أنا، وسافرتُ بخيالي عبر الزمان والمكان، ورأيتُ شتّى المناظر المذهلة، وسمحتُ للكلمات بشتى أنواعها أن تمرّ عبر جسدي تمامًا. وهكذا صار منظوري للحياة أكثر توليفية.

في الغرفة (التي أهرب إليها) وجدتني أجوب عبر الخيال إلى أماكن داخل رأسي، رغبةً في إحداث التوازن من خلال إعادة الاعتبار للخصوصيات والتفرّد، متجاوزًا الواقع، أو هو سعيٌ إلى الانمحاء وطمس الذات في زمنٍ يفيض بالضغوط الهائلة، التي من شأنها أن تقوّض إنسانية المرء وتحيله إلى كائنٍ منهك. لا يدين الباحث دافيد لوبروتون في كتاب اختفاء الذات عن نفسها هذا "البياض"، كما تقول الكاتبة العُمانية ليلى عبد الله، بل دعا إلى ممارسته بطريقة فعّالة، مقتبسًا عبارة مونتيني: "علينا حجز غرفة خلفية لنا وحدنا، فيها نبني حريتنا الحقيقية، واستراحتنا الأساس وعزلتنا". على أن تُؤثَّث هذه العزلة المنشودة بطريقة لا تستنزف الذات، من خلال ممارسة حالات بياضٍ صحية كالسفر، والتأمل، والقراءة، والكتابة، ونحو ذلك؛ كي تكون بمثابة إجازة للذات، وتعود في أشدّ حالاتها قوة.

هكذا، رأيتني في عدة دول؛ مرةً في إندونيسيا مع رواية "المقيَّدون" للكاتبة أوكي ماداساري، ذلك البلد المليء بالصراعات السياسية والاجتماعية، وأيضًا عن الموسيقى الشعبية الإندونيسية المتمثّلة في الفلكلور الإندونيسي والموسيقى التقليدية الشعبية المشتقّة من الموسيقى الهندية والعربية والملاوية. 

ومرةً في رواية "وزارة السعادة القصوى" والسفر خيالًا فيها إلى الهند؛ تاريخها، صراعاتها الطبقية، تعدّد هويتها، عنف طوائفها، إلى مآسيها الكبرى؛ مسلمون، مسيحيون، سيخ، هندوس. إلى أعيادها ومهرجاناتها، إلى عاداتها وطقوسها، مساجدها ومعابدها. إنّها جولة إلى الهند قديمًا حينما كانت تضم باكستان وكشمير معًا قبل التقسيمات؛ كابُل، قندهار، بيشاور، لاهور، سيرهيند، دلهي، القلعة الحمراء التي أقامها الإمبراطور شاه جهان.

ومرةً مع روايات أورهان باموق وأليف شافاك، والرحلة إلى إسطنبول؛ رجوعًا إلى حقبة زمنية بعيدة تأخذك إلى حياة أرستقراطيّة وبرجوازيّة في ذاك العهد؛ تتجوّل في شوارعها القديمة، وتطلّ على حياتها الاجتماعية بما فيها من ألفة وترابط قبل أن تغزوها الحياة المعاصرة بالأنانية. حياة تتجلّى في بساطة الأزياء والأثاث، حياة مبنية على المرح والضحك والرقص والدفء. عن إسطنبول في الستينات والسبعينات أحاول أن أتلمّس دربي.

ومرةً أخرى، أجدني أحلّق مع "ناكاتا" إلى اليابان في رواية "كافكا على الشاطئ" لهاروكي موراكامي، وأهبط هناك في عوالم الأدب والفلسفة والموسيقى والأسماء والهواء وفنّ التواصل والحديث والنظام الياباني، ومنها أيضًا الأطعمة اليابانية ومأكولاتها، وولع ناكاتا الخاص بالوجبة اليابانية الشهيرة: الحنكليس.

وحينما تقرأ كتاب "جواز سفر" للكاتبة الإيرانية نهال تجدّد، تجد نفسك على مدى أحد عشر يومًا في مشاوير تجديد جوازها، فتعرفك ملامح إيران الإسلامية بعد الثورة؛ فتحكي لك عن الناس وحال البلد، عن ازدحام الشوارع وفوضى البناء، عن الروتين الإداري والرشاوى، عن الظروف المعيشية الصعبة والقيود المفروضة، وعن حياة المرأة كيف أصبحت، وعن تحوّل عادات المجتمع الإيراني. ولا تغفل عن حديثها لحنين الماضي والذكريات والأهل والأسرة والحياة الاجتماعية في زمن ما قبل الثورة إبّان عهد الشاه.

أحبّ التحليق في الكتب التي تتحدّث عن سيرة مدينة، شيئًا ما ينتعش بداخلي حينما أطلّ على تلك الحياة. ثم بعد ذلك أتلمّس المدينة عن طريق زيارتي لها والخوض في ماضيها وشيءٍ من غمار تحوّلاتها المعاصرة.


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية