لم أفكر أبدًا في وجهي على أنه جميل. كانت عيناي غير متناسقتين، وذقني مدببة، وشعري أجعد غير مهندم بالمرة. أحببت شكل جبهتي، ليس لأنها جميلة، بل لأنها تبدو كجبهة أبي الراحل.
مسابقة الجمال
قصة ليوكو أوجاوا
ترجمة: آسر حريري
عن الترجمة الإنجليزية لستيفن سيندر
نُشرت في النيويوركر، نوفمبر 2023
يوكو أوجاوا، كاتبة يابانية مواليد مدينة أوكاياما عام 1962، بدأت في نشر أعمالها الأدبية منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين. فازت العديدُ من كتبها بجوائز أدبية مرموقة أهمهما جائزتا: يوميوري وأكوتاجوا. وصل كتابها: شُرطة الذاكرة للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية عام 2020. كما تحولت بعض قصصها إلى أفلام أشهرها: معادلة الأستاذ المحبوبة عام 2006.

كان لأمي كنزان. أحدهما خاتم من الأوبال، الهدية الوحيدة التي تلقتها من أبي الراحل. احتفظت به في صندوق صغير ولم تكن تخرجه سوى مرة أو مرتين في العام، في مناسبات خاصة، ولبضع ساعات قصيرة. الصندوق، المغطى بقطيفة زرقاء داكنة، كان يصدر صوتًا، شبيهًا بتثاؤب قطة صغيرة، عندما يُفتح.
وعندما يحدث وأكون بمفردي في البيت، كنت أفتح الصندوق كثيرًا لأحدق إلى الأوبال. لم يكن هذا محظورًا بشكل علني، ولكنني كنت مجرد طفلة، شعرت بطريقة ما أن من الأفضل فعل هذا في الخفاء.
كان الخاتم قديمًا، حقيقة كانت واضحة من حالة الصندوق. الورق المقوى كان قد بدأ يظهر في المواضع التي نحلت عندها القطيفة، والعنوان المطبوع داخل الغطاء يذكر شارعًا تغير اسمه مع إعادة تخطيط المدينة.
كان الخاتم مدسوسًا في حشوة قطنية متصلبة ومنعدمة اللون، وكنت قلقة من أن هذا الغلاف الرديء قد يكون سيئًا على الحجر. ولكن لم يحدث لأمي أبدًا أن غيرته.
لمّا كنت أنظر إلى الأوبال، كنت أتذكر دومًا الآيس كريم، نكهة تدعى "ليلة مرصعة بالنجوم" على الأخص، والتي كانت تباع في محل حلوى أمام المحطة. آيس كريم فانيليا مرقط برقائق ثلج برتقالية، ووردية، وصفراء، وزرقاء باهتة. التغليف، كذلك، كان جذابًا للغاية، علبة من الألومنيوم كبيرة كرأس رضيع، ومغطاة بنجوم ورقية فضية. كانت الأطباق مرصوصة في ثلاجة إلى جوار نافذة المحل، ولكن، لست بحاجة لأن أقول إنه لم يسبق لي أبدًا أن تذوقت "ليلة مرصعة بالنجوم"، أو حتى رأيت هذه الحلوى على الحقيقة. كنت ألمح فقط النموذج البلاستيكي المعروض أعلى الثلاجة. في الواقع، لم يسبق لي أن اشتريت حتى قطعة بسكويت واحدة من هذا المحل، الذي كان باهظًا للغاية بالنسبة لنا.
كنت أضع الخاتم فوق مقلمتي، أو أرفعه عاليًا نحو الضوء الفلوري، أو حتى أجربه للحظة واحدة. ولكنه كان كبيرًا للغاية على أي من أصابعي، ولمّا كان يتدلى من يدي، كنت أشعر أنه أقل جاذبية بكثير من علبة "ليلة مرصعة بالنجوم".
كنت أعيد الخاتم دومًا قبل أن ترجع أمي إلى البيت. أضع القطنة في مكانها وأحكم الغطاء، حريصة على عدم ترك أية بصمات على القطيفة.
الكنز الثاني كان قصاصة صحيفة تحتفظ بها في مغلف بلاستيكي. ورقة ملطخة وذات حواف مجعدة، ومع ذلك كان ما يزال بإمكانك تمييز التاريخ – 30 نوفمبر، 1962- وكذلك صورتي، كفائزة بمسابقة جمال الرضع.
على خلاف الخاتم، كان يتم إخراج هذا الكنز كثيرًا ليُعرض على الآخرين. في كل مرة يزورنا في البيت أحد الأقارب أو الأصدقاء أو أي شخص على الإطلاق، وإذا عرّج موضوع الكلام ليكون عني، تُخرج أمي القصاصة وتتحدث عنها بنبرة توحي كما لو أنها لم تفكر فيها منذ وقت طويل. أغلب الناس كانوا طيبين بما فيه الكفاية ليردوا بصيحة –" كم هي لطيفة!!"- ولكنهم لم يكونوا متأكدين بالضبط مما عليهم أن يضيفوا بعد هذا. لذا كان عليهم أن يصطنعوا الاهتمام ويدّعوا أنهم يقرأون المقال بينما أمي تسترسل في الحديث عن معايير الحكام، وعدد المتسابقات، والجوائز (مجموعة من المكعبات الخشبية من أوروبا وعلبة لبن أطفال)، والمشهد في القاعة، وأسئلة الصحفيين.
بعمر ثمانية أشهر، ظهرت في الصورة برداء دانتيل معقود تحت ذقني. ولمّا كنت ما أزال أرتدي الحفاضات، فقد بدت تنورتي الصغيرة المزخرفة منتفخة. ورأسي مائلة بخجل، بينما أحدق إلى مصاصة وضعها أحدهم في يدي.
بقدر ما كانت هذه القصاصة ثمينة بالنسبة إليها، لم تكلف أمي نفسها عناء قراءة المقال الموجود على الجزء الآخر منها، ورغم ذلك كنت أحفظه عن ظهر قلب:
" .... في مساء يوم 28، أعدَّت (...) التي تبلغ من العمر 72 عاما لعائلتها طبق سوكياكي من الفطر الذي جمعته من الجبال القريبة من بيتها، وفي صبيحة يوم 29، ظهرت أعراض التسمم على زوجها (...) 76 عاما، زوجة ابنها (...) 39 عاما، وحفيدتها (...) 6 سنوات. تم نقلهم جميعًا إلى المستشفى المحلي بالإسعاف. ما يزال (...) و (..) مصنفين كحالتين حرجتين. أرسلت الشرطة بقية الفطر ليتم تحليله والتعرف عليه...".
بقية المقال كان مقطوعًا، ورغم هذا، في كل مرة تخرج أمي القصاصة، كنت أتذكر الطفلة الصغيرة التي أُطعمت فطرًا مسممًا، وأشعر بالغثيان في معدتي.
لم أفكر أبدًا في وجهي على أنه جميل. كانت عيناي غير متناسقتين، وذقني مدببة، وشعري أجعد غير مهندم بالمرة. أحببت شكل جبهتي، ليس لأنها جميلة، بل لأنها تبدو كجبهة أبي الراحل.
ولكن أمي كانت عازمة دومًا على إقناع العالم بجمالي. خاطت كل ملابسي بنفسها، ناسخة تصاميم رأتها في أفخم محلات الأطفال، ولذا، حتى لزيارة طبيب الأسنان، كانت تحرص على أن يكون شعري مربوطًا بشرائط وأن أرتدي حذاء لامعًا. ويحدث أن نجوع من وقت لآخر، ولكنها لا تبخل أبدًا حين تشتري خامات الأقمشة. وفي عيد ميلادي من كل عام، تأخذني إلى الاستوديو لالتقاط صورة، وتتفق معهم على عرض صوري على واجهة محلهم واستخدامها في الكتيبات مقابل نسخ إضافية مجانية.
عندما مات أبي في حادث سير، بعد فترة وجيزة من عيد ميلادي الأول، ذهبت أمي للعمل في مغسلة ملابس، وانتقلنا للعيش مع جدتنا لأمي. في أي مرة كنت أشعر فيها بالحزن على وفاة أبي، كانت أمي تجد طريقة ما لتبهجني: تشغل ماكينة الخياطة أو تعقد ضفائري أو تخرج قصاصة الصحيفة.
في نظرة للوراء، كان فوزي بمسابقة جمال الرضع هذه هو بمثابة شعاع الشمس الذي أنار اللحظات الأخيرة من حياة أبي. تضمن المقال اقتباسًا من أمي: "إنها طفلة سهلة للغاية. يغني زوجي لها ألحانا أيرلندية، تضحك دومًا وتتظاهر أنها تغني معه. لا، لا يفلح الأمر مع الأغاني اليابانية، يجب أن تكون أيرلندية. إنها متيمة بأبيها وقد تعلمت حتى أن تميز وقع خطواته. لا يهم ما الذي تفعله، عندما تسمعه عائدًا إلى البيت من العمل تزحف ناحية الباب بأقصى سرعة ممكنة. تجر خلفها طوال اليوم دمية محشوة على شكل دجاجة، وإذا استيقظت مرة باكية أضعها فقط في سريرها فتعود لنومها بسرعة في ظرف لا شيء".
عندما كنت في العاشرة من عمري، عثرت أمي على طلب تسجيل في مسابقة جمال أخرى في مكان ما وسألتني عما إذا كنت مهتمة بدخولها. أخبرتها أنني لست كذلك، ولكنها بالطبع لم تستمع إليّ.
"إنها برعاية مجلة، أي لا تشبه البتة مسابقة الرضع، التي كانت مجرد جزء من احتفال محلي. رايكو، لا بد أنكِ رأيتِ مجلة "فتاة المدرسة"؟ لم نشترها أبدًا، ولكنها هناك على رفوف متجر الكتب. إذا فزتِ، ستكون صورتك على الغلاف. تمامًا كموديل حقيقية. سيكون هذا رائعًا، أليس كذلك؟"
"رائع" كانت كلمتها المفضلة، وأعظم آمالها هو أن أثبت أني "رائعة" بطريقة أو بأخرى.
قلت لها:
"ولكن ليس لدي فرصة للفوز".
"كيف تعرفين إن كنتِ لم تجربي؟ ثم إنه ليس مهمًا أن تفوزي. فكري بكل هذا القدر من المرح الذي ستعيشينه بالذهاب لمكان جديد، والتعرف إلى أصدقاء جدد".
"تعرفين أني أمرض في الباص".
"بإمكانك أن تأخذي شيئا لهذا. سأذهب معك، وإذا قدّمتِ أفضل ما عندك، سأشتري لكِ هدية، أي شيء تريدينه. ماذا تتمنين؟"
"علبة من آيس كريم ليلة مرصعة بالنجوم".
انكبت من فورها تعمل على فستان جديد لي. القماش مزيج من الحرير والصوف ذي اللون البني المحمر، وقد أضافت له ياقة بيضاء وأكمام وشريط مزركش لتبرز الخصر المرتفع. كان هذا التصميم معروضًا على واجهة المحل الذي تقلد منه الفساتين عادة، والذي قد يكلفها ربع أجرها الشهري بلا شك حال أرادت أن تشتري من عنده.
جازفت جدتي بالقول بأن لون الخامة ربما يبدو باهتًا بعض الشيء، قوبل رأيها بالتجاهل التام. رأت أمي أن الملابس المبهرجة تخفي الجمال الداخلي للطفل، وأن سحر فتاة ذكية مثلي ستبرزه ألوان هادئة تؤكد على رقتي وذكائي.
لتفادي الإصابة بالبرد، كان لزامًا أن ألبس سروالًا تحتانيًا من الصوف في طريقي للمدرسة كل يوم. مع أخف حمى كانت تظهر على شفتيّ قرح البرد، لذا كان عليّ أن أتجنب المرض بأي ثمن. بعد الاغتسال بالشامبو، كان يجب أن أدعك فروة رأسي بزيت الكاميليا ومن ثم أسرحه خمسين مرة بالفرشاة. لزيت الكاميليا رائحة تشبه الخنافس الجافة ضمن مجموعة الحشرات التي جمعتها ذات صيف في مهمة مدرسية.
كان الطقس دافئًا والسماء صافية في يوم المسابقة. أكلت كرتي الأرز اللتين أعدتهما جدتي، أخذت دواء دوار الحركة، وارتديت فستاني الجديد. أمي، هي الأخرى، بذلت جهدها. ارتدت خاتم الأوبال وأفضل بذلاتها على الإطلاق، حتى وإن بدت باهتة بعض الشيء.
قالت بينما تلفني أمام المرآة مرارًا:
"رائعة. رائعة بكل معنى الكلمة".
كما ذكرت قبلًا، لقد كانت كلمتها المفضلة.
"المهم هو أن تجيبي على الأسئلة بسرعة. أتفهمين؟ لا تترددي أو تخافي. قفي مستقيمة، تحدثي ببطء وبصوت مسموع، ولا تتظاهري بشيء لستِ عليه. الفستان مثالي عليكِ، لقد كنتُ محقة بشأن الشريط. تكلفة المتر منه حوالي نصف تكلفة القماش نفسه، ولكن هذه اللمسة البسيطة حلَّت الطقم كله، أليس كذلك؟"
أقيمت المسابقة بقاعة في وسط المدينة. تجمعت أزواج من الأمهات والبنات، مثلنا، في الردهة. بعض الفتيات كن بصحبة آبائهن، وبعض آخر مصحوبات بعائلات كاملة، بإخوة صغار وأخوات في عربات الرضع.
ثبتت امرأة شابة عند طاولة الاستقبال شارة مرقمة على فستاني. رقم 34. كانت الشارة كبيرة للغاية حتى أنها غطت تقريبًا كل الجزء الأيسر من الصدر، وبذا أخفت معظم الشريط المزركش الذي كانت أمي فخورة به.
كانت غرفة الملابس مكتظة وخانقة. عثرنا على كرسيين شاغرين في زاوية وجلسنا. ما يزال هناك ساعتان تقريبًا قبل أن تبدأ المسابقة.
غمغمت أمي:
"لماذا يستخدمون مثل هذه الشارات الكبيرة لفاعلية تضم طفلات؟ ستبدن كأرقام عملاقة تتحرك فوق المسرح".
حاولت أن تحرك الشارة المزعجة قليلًا لتكشف ولو جزءًا صغيرًا من الشريط، ولكن دون نجاح يذكر.
كان بقية الآباء مشغولين ببناتهم. فتاة صغيرة ذات فستان مزين بالكشاكش عند الياقة، والكمين، والخصر، بدا أنها قد تعثرت في طريقها للمسابقة فلطخت جوربيها بالطين، كانت أمها توبخها. وبينما تمسح الأم على الجوربين بمنديل مبلل، كانت الفتاة تؤرج قدميها العاريتين للخلف والأمام وتتثاءب مرتين متتاليتين.
فتاة أخرى، ذات شعر معقود على شكل كعكة فوق رأسها، تركت أمها تدهن وجهها بكريم. كانت أمها ترتدي الكثير من الحلي المقلدة التي تصلصل مع كل حركة. بعد أن انتهت من دعك الكريم، وضعت أحمر الشفاه على شفتي البنت. بدت عيناها بتأثير من كعكة الشعر المثالية كما لو تم سحبهما لأعلى، ما منحها تعبيرًا غاضبًا بعض الشيء.
همهمت أمي:
" كم هو مبتذل وضع المكياج على الأطفال!".
كنت صغيرة للغاية في تلك اللحظة على أن أفهم معنى كلمة "مبتذل"، ولكن من نبرة صوتها كان بإمكاني أن أخمن أنها ليست مجاملة.
"ما من شيء أبشع من وضع مكياج لطفلة صغيرة كي تبدو كامرأة بالغة".
بدا أن أمي قد استسلمت أخيرًا عن محاولة زحزحة الشارة، ولكن بعد أن خلفت عددًا من الثقوب في فستاني من كثرة ما غرست فيه الدبوس.
في تلك اللحظة، انتبهت فجأة للفتاة التي تجلس بجواري. كانت وحيدة، دون بالغ يعتني بها. بدت هادئة للغاية، وتعابير وجهها مسترخية، بينما تحدق إلى نقطة ما في الأرجاء. السبب الذي جعلني ألحظها أنها لم تبد جميلة على الإطلاق.
بطبعي لا أنشغل كثيرًا بمظهري، ولا أعبأ بمظهر الآخرين. وبالرغم من أنني كنت في مسابقة جمال، فلم أُضع وقتًا في مقارنة مظهري مع أي من باقي الفتيات في الغرفة. ولكن شيئًا ما أسرني في هذه الفتاة ولم أفلح في الهرب منه. لست متأكدة من أن افتقادها للجمال هو الشيء الذي شغلني. ورغم ذلك فقد كنت واثقة أنها مختلفة عن كل الفتيات الأخريات.
ملامحها كلها عادية للغاية: وجه بيضاوي، بشرة شاحبة، عينان صغيرتان مدورتان بجفنين مزدوجين. أنفها وشفتاها وحاجباها غير مميزين بالمرة، وشعرها مقصوص على شكل تسريحة "بوب" بجانبين بالغي التساوي كأنهما مضبوطان بالمسطرة. كانت ملابسها بسيطة، بلوزة بيضاء ومريلة رمادية. ولكن شيئا فيها بدا غير منسجم، كما لو أن مظهرها يناقض نفسه. كان شكلها مربكًا بشكل غير مفسر، ورغم هذا لم أستطع التوقف عن النظر إليها.
ألقت أمي نظرة خاطفة على الفتاة التي بجواري، همست بعدها في أذني:
"بعض هؤلاء الفتيات لسن جميلات على الإطلاق. رغم ذلك فقد مررن بمراحل التقديم".
شعرت بالغضب منها، رغم أنها لم تنطق سوى بما فكرت فيه. كانت تتحدث بصوت خفيض بحيث أن ما من أحد، ولا حتى الفتاة نفسها، كان بإمكانه سماعها، ولكن هذا لم يخفف من الأمر.
أعلن مدير المسابقة:
"نرجو من أفراد العائلات أن يأخذوا مقاعدهم مع الجمهور الآن، نريد أن نعقد اجتماعًا مع الفتيات".
تعالى الضجيج في غرفة الملابس. لم تبد أي أم على استعداد للمغادرة دون كلمة أخيرة لبنتها.
قالت أمي:
"تأكدي من الحديث بصوت مسموع، لا تهتزي. ذقنكِ مرفوعة، ظهركِ مستقيم، هذا كل ما في الأمر".
أعطتني نظرة أخيرة، لوحت بيدها، وغادرت الغرفة.
جلست هناك وشفتاي مضمومتان. عندما هدأ انفعالي، بدأت أشعر بالحزن. لم أكن متأكدة إن كان السبب هو المسابقة التي على وشك أن تبدأ، أو لأن عيني ما زالتا مثبتتين على الفتاة التي بجواري.
وصف مدير المسابقة كيف ستسير الأمور بإيماءات مسرحية مبالغ فيها. كان يحمل في يده اليسرى ما بدا أنه سيناريو ملفوف، كان يضرب به على الطاولة من حين لآخر ليؤكد على نقطة ما.
رفع يده فوق رأسه باسطًا ثلاث أصابع وقال:
"هناك ثلاثة أشياء عليكن الانتباه إليها. واضح؟ أولًا، لا ثرثرة فارغة. تمامًا كالمدرسة. ثانيًا، لا جري، لا على المسرح ولا في الكواليس. توجد أشياء مهمة هنا: لوحات، ألواح أبلكاش، أسلاك كهرباء. لذا فالجري هنا خطر. مفهوم؟"
صرحت بعض الفتيات باستيعابهن لما قاله. الفتاة التي بجواري لم تنطق بحرف، بالكاد تغير تعبير وجهها الذي رأيته منذ أول مرة لفتت انتباهي فيها. من الصعب تحديد ما إذا كانت تنصت باهتمام أو أنها تموت من الضجر.
"أحسنتن أيتها الفتيات اللائي أجبنني. الأخلاق واحدة من معايير الحكام لاختيار ملكة الجمال. ثالث شيء عليكن الانتباه إليه هو أن تتحركن في ثنائيات طوال المسابقة. بينما تدخلن القاعة، بينما تقتربن من الميكروفون، وبينما تخرجن، لذا أرجو أن تمسك كل واحدة منكن بيد شريكتها وتمشي إلى جوارها".
هذه المرة، أجاب الجميع بانسجام، عدا، طبعًا، الفتاة التي إلى جواري، وعداي كذلك، حيث أنني كنت مشغولة للغاية بمراقبتها.
"حسنا، هيا، اصطفوا هنا وفقا لأرقامكن. أسرعوا".
تعالت ضجة لما شرع الجميع يتحرك دفعة واحدة. رقمي، 34، سيكون في موضع ما عند منتصف الصف الذي بدا أنه يتمدد كثعبان في الغرفة. الفتيات ذات الأرقام الفردية يقبضن على أيدي الفتيات ذات الأرقام الزوجية. رقم 33 كانت هي الفتاة التي تجلس إلى جواري.
استجمعت شجاعتي وسألتها:
"هل أتيتِ هنا وحدك؟"
التفتت لتنظر إليّ ثم رمشت مرة، ببطء شديد. وقالت:
"بلى".
قلت:
"لا بد أن هذا صعب".
"ليس صعبًا للغاية. لم يكن ثمة أحد ليصحبني".
"لماذا؟"
"لأن كلبنا مات هذا الصباح، البيت انقلب. نسوا كل شيء بخصوص المسابقة".
كانت يدها باردة وعظمية.
عن قرب، اتضح أن مظهرها في نهاية المطاف كان ملفتًا. شكل ومساحة تقاسيمها، لون بشرتها، الطريقة التي يتحرك بها شعرها، نبرة صوتها، كل شيء حولها جعلني أحس بشيء لم يسبق أن شعرت به، شيء دقيق ولكن من المستحيل تجاهله، إحساس غريب وهش في آن. شيء واحد فقط كان أكيد، أنه لم يكن شعورًا مزعجًا بأي حال.
سألتها:
"أكان مريضًا؟"
"لا. لقد اختنق".
كررتُ رغمًا عني:
"اختنق!".
أومأت برأسها، بينما ترفع حمالة المريلة على كتفها.
"لقد حفر حفرة تحت بيته، عثرنا عليه ورأسه عالقة في هذه الحفرة. بيت الكلب مثبت بأوتاد، لا بد أن حافة أحدها انغرست في رقبته من الخلف".
"ولكن لماذا فعل هذا؟"
مالت برأسها جانبًا، كما لو كانت تسأل نفسها ذات السؤال.
"عندما عثرت عليه صباحًا، لم أظن أنه ميت. ظننت أنه ربما قد ارتكب شيئًا شقيًا، وأنه خائف من أن ينظر إليَّ. كانت رأسه تحت الأرض، لكن قائمتيه الخلفيتين كانتا مطويتين تحته، كان يجلس بشكل طبيعي. ولكن لمّا ذهبت لأداعبه وجدته باردًا. حفرت وأخرجته بأقصى سرعة ممكنة. كان وجهه خاليًا من أي شيء يدل على أنه عانى. بدا متأملًا، كما لو كان يحاول أن ينصت لصوت بعيد. العلامة الوحيدة على حدوث شيء سيء ظهرت على مؤخرة عنقه. حيث تشعث فروه، وكان على جلده بعض الجروح ولطخ الدم".
اختناق، جروح، دم. بدت الكلمات سهلة عليها، كما لو كانت تستدعي قصة خيالية سمعتها وهي طفلة.
ولا واحدة من باقي الفتيات في الصف كانت تتحدث. بدا أن جبال الحماسة والتوتر قد أسكتتهن. أو ربما فقد كن ما زلن يتذكرن أولى التعليمات التي ذكرها مدير المسابقة. إلا أن الفتاة التي بجواري بدت غافلة تمامًا عن كل ما يحدث من حولنا.
سألتني فجأة:
"إذا، ماذا ما رأيكِ في الطريقة التي مات بها؟"
كنت مرتبكة، وليس لدي أدني فكرة عما يمكن أن أجيبها به. لم يسبق أن امتلكت كلبًا، ولم يسبق أن فكرت في الأسباب المحتملة للموت، سواء للكلاب أو لنفسي.
أكمَلت:
"أن تعلق رأسكِ في مكان شديد الضيق والظلمة.. تُدخلي رأسكِ بسهولة، بمنتهى السلاسة، ولما تحاولين إخراجها تكتشفين أنك عالقة. تفكرين في البدء كم أن هذا غريب وتجربين شتى الوسائل، تلوين عنقكِ هذه الناحية وتلك. ولكنك تدركين بشكل تدريجي أن ما من فائدة، وأن لا شيء بإمكانك فعله. وبمرور الوقت يزداد التنفس صعوبة. رقبتك تتمزع. تبدأ عظامك في التصدع. يتسلل اليأس إليكِ... ها، ما رأيكِ بهذه الطريقة في الموت؟"
كان صوتها هادئًا وبه بحة بعض الشيء. يدها، التي كنت ما أزال أمسك بها، كانت باردة.
سألتها دون أن أجيب عن سؤالها:
" هل كنتِ تحبين كلبك؟"
" لقد كان موجودًا بالفعل عندما ولدت. كان كلبًا هجينًا نحيلًا ببقع سوداء داخل أذنيه. يحب اللعب ببكرات ورق التواليت".
" ولكن لماذا أراد أن يحفر حفرة في مكان كهذا؟"
"ربما كان يحاول اصطياد دودة".
"ولكنكِ لم تسمعي نباحًا غريبًا أو شيئًا من هذا القبيل؟"
هزت رأسها، فتأرجح شعرها ذهابًا وإيابًا.
قالت:
"أتساءل ما الذي تفكر به الكلاب بينما تموت؟ أيفكرون بالذكريات السعيدة كالبشر وهم يستدعون طفولاتهم؟ أو لعلهم يفكرون بشخص يحبونه".
راقبتها بزاوية عيني، عاجزة عن التفكير في شيء أقوله. الغريب، أنها لم تبد حزينة على الإطلاق. كانت ترمش ببطء بين حين وآخر، كما لو أن هذا قد يساعدها على أن ترى ما يفكر به الكلب.
أعلن مدير المسابقة:
" حسنًا إذن، نحن على وشك أن نبدأ. هل أنتم جاهزون؟"
كان بإمكاننا سماع صخب الجمهور يأتي من مكان ما.
كانت أنوار المسرح ساطعة للغاية حتى أنه كان صعبًا عليّ إبقاء عيني مفتوحتين. أما خداي فكانا دافئين وحمراوين. مررنا أمام الجمهور، اثنين باثنين، ثم اصطففنا على طول مدرجات فوق خشبة المسرح. كانت القاعة مظلمة، ومن الصعب أن ترى ما وراء كشافات المسرح، إلا أن المقاعد الخلفية بدت نصف فارغة. مقدِّمة الحفل، وهي سيدة لم تعد بعد شابة بفستان مزخرف، تعثرت مرتين وهي تنطق اسم رئيس لجنة التحكيم.
كان علينا أن نخطو أزواجًا إلى مقدمة المسرح لنجيب على أسئلة الحكام. ما هي مادتك المفضلة في المدرسة؟ كيف تصفين شخصيتك؟ أي كتاب خلّف انطباعًا كبيرًا عليكِ؟ ماذا تودين أن تفعلي في المستقبل؟ من أكثر من تعشقينه في هذا العالم؟ بعض الفتيات ممن كن غير راضيات بالاكتفاء بإجاباتهن شرعن في الرقص أو الغناء المرتجل.
بدا أن وقتًا كبيرًا قد مر. وكان بإمكاني الشعور بأن حبة عرق تشكلت على قمة أنفي. أردت أن أمسح وجهي، ولكن لم تكن معي أية مناديل، فأمي لم تضف جيوبًا للفستان.
من وقت لآخر، كنت ألقي نظرة على الرقم 33. أما زالت تفكر بالكلب؟ أفترضُ ذلك. الجميع هنا، سواء أكانوا بالغين أو أطفال، يفكرون فيمن هي الفتاة الألطف. عدانا نحن الاثنتان. كنا نفكر في الكلب الذي اختنق.
حان دورنا. هبطنا المدرجات واقتربنا من الميكروفون. كان بإمكاني الشعور بشعرها وهو يتمايل ذهابًا وإيابًا بالقرب من أذني. سطع ضوء أشد على وجهينا مباشرة. فجأة، انتبهت إلى أنها تنتعل زوجًا من الأحذية الرياضية المطاطية العادية، وأن ساقيها للمفاجأة كانتا نحيفتين وأنيقتين. حذائي ذو الجلد اللامع، والذي كانت جدتي قد صقلته هذا الصباح، كان يبرق تحت الأضواء.
قالت مقدِّمة الحفل:
"إذن، فلنبدأ بالرقم 33".
سُئلت الفتاة التي بجواري عن اسمها، وسنها، وصفها في المدرسة. أجابت بصوت رتيب، ينطوي على نبرة شخص بالغ إلى حد ما. كان اسمها عاديًا تمامًا وغير مثير للاهتمام، على عكس ما حدست إثر الانطباع الغريب الذي خلفته في نفسي.
سأل رجل ممتلئ الجسم وذو شارب:
"أي نوع من البرامج التليفزيونية تحبين مشاهدتها؟"
بعد برهة صمت أجابت:
"إعادة مباريات الملاكمة".
قالت مقدِّمة الحفل بدهشة مبالغ فيها:
"يا إلهي!! هذا شيء مدهش بالنسبة لفتاة!".
تابع الرجل:
"وما الذي تحبينه في الملاكمة؟"
"أحب التفكير في الصوت الذي يدوي حين يُلكم جسد بشري".
أدركت أنها لا تهتم البتة بالملاكمة، كانت تلك مجرد كلمات فارغة تخرج من فمها.
انتحت جانبًا قليلًا كي أتمكن أنا من الاقتراب من الميكروفون. كان هذا دوري. الاسم، السن، الصف الدراسي. ما من شيء صعب في ذلك. يمكن لفتاة في الحضانة أن تخبرك بهذه الأشياء. حاولت فتح فمي، أن أستدعي الصوت من أعماق حلقي، ولكن شيئًا لم يخرج. فقط نفس ضعيف بدا على وشك أن ينسرب مني، ما من شيء آخر.
اقتربت مقدِّمة الحفل مني ووضعت يدها على كتفي. وسألتني:
"هل أنتِ بخير؟ أظن أنكِ متوترة قليلًا. استرخي فقط وأخبرينا باسمك".
كان بإمكاني شم عطرها. سرت همهمة بين الجمهور، همسات خفيضة، ضحكة مكتومة هنا وهناك، وسعال. غمرني كل ذلك. تحدثي بصوت مسموع، لا تهتزي، ظهركِ مستقيم. تردد صدى صوت أمي في أذنيّ. حاولت مرة أخرى أن أفتح فمي، حاولت أن أتذكر أية عضلات أستخدمها للكلام، وكيف تتحرك أنفاسي؟ لكن حلقي كان ما يزال متجمدًا.
ضغطتُ على يد الطفلة رقم 33 بقوة، فشعرت بغتة كما لو أني أداعب الكلب الميت. لون فرائه، تحدب ظهره، والقدمان المطويتان تحت جسده، حتى صورة بيته القديم. كل هذه الأشياء التي لم أرها أبدًا ظهرت طافية أمام عيني. الأذنان المتدليتان، الأنف المغطى بالقذارة، ولمحة من اللسان الوردي.
شرعت المقدِّمة تثرثر قليلا محاولة أن تكسب لي بعض الوقت:
"حسنًا، إذن، فلنتجاوز مسألة الاسم. خذي نفسًا عميقًا. الجميع يتوتر بين الحين والآخر. حتى أنا يحدث هذا معي. لا تقلقي أبدًا".
قال الرجل ذو الشارب:
"ربما بإمكانك أن تخبرينا عن شيء من أشيائك الثمينة. كنزك الخاص!!".
كررتُ الكلمة لنفسي:
"كنز.. كنز..".
الفتاة التي بجواري ثابتة تمامًا وتنظر أمامها مباشرة.
غمغمتُ:
"...كلب..".
قالت مقدمة الحفلة:
"ماذا؟"
كررتُ:
"كلب... كلب هجين نحيل ببقع سوداء داخل أذنيه. يحب اللعب ببكرات ورق التواليت".
خرجت الكلمات من فمي أخيرًا.
بدت مرتاحة أنني تمكنت أخيرًا من التفوه بشيء يبدو كرد مناسب. قالت:
"فهمتك، حسنًا، لا بد أنه كان كلبًا ظريفًا. أشكركِ شكرا جزيلًا! فلننتقل الآن للثنائي التالي رقم 35 و36".
غادرنا المسرح متشابكتي الأيدي.
في النهاية، كانت الفتاة رقم 46 أو 47 هي من فازت. فتاة بذراعين وساقين طويلتين كانت تُقلِّب عينيها من حولها باستمرار.
لم تقل أمي شيئًا البتة في طريقنا إلى البيت بالباص. تعمدت الجلوس بعيدًا عني ببضعة كراسي، بينما تضم حقيبتها إلى صدرها وتحدق خارج النافذة. أدركت أنني مدينة لها بتفسير، إلا أنني لم يكن لدي أدنى فكرة عن كيفية وصف ما حدث، لذا، بقيت صامتة أنا الأخرى.
عندما وصل الباص إلى نهاية الخط، عند الصِنية الموجودة أمام المحطة، وقفت أمي ونزلت دون أن تنظر للخلف. تبعتها بسرعة. مشت نحو محل الحلوى واشترت علبة من "ليلة مرصعة بالنجوم".
في النهاية، لم تكن النكهة لذيذة كما تخيلتها. وضعتُ العلبة على الطاولة واغترفت بالملعقة. كان لقطع الآيس كريم مذاقًا غريبًا كأن حصًى في فمي، ومهما أكلت، لم يبد أن الكمية في العلبة تتناقص. وأمام ناظريّ كانت نجوم ملونة تظهر الواحدة بعد الأخرى.
همهمتُ:
"مع ذلك، فهي أفضل من الفطر المسمم!!".
لم يعقب أحد عليّ. فدسست في فمي ملعقة أخرى، محشوة عن آخرها.
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
