إذا تساوى الحاكم والمحكوم في السلطة، لا يصبح هناك حاكم ولا محكوم، وإذا تساوى الغني والفقير في الثروة لا يصبح هناك أغنياء ولا فقراء. المساواة بين الطبقات تعني منطقيًا، محو الطبقات، ولا علاقة للـ "لطف" أو "حسن المعاملة" بالموضوع.
انتفاضات عند التقاطعات: النسوية والتقاطعية والأناركية
مقال آبي فولاكانو وجي روج
ترجمة وتعليق: جنة عادل.
نشر على موقع libcom.org عام 2013، وصدر في الطبعة الجديدة من Quiet Rumours: An Anarcha-Feminist Reader عن دار AK Press.

مقدمة المترجمة:
النص التالي هو ترجمة ومحاورة لمقال "انتفاضات عند التقاطعات: النسوية والتقاطعية والأناركية"، وهو نقد للفهم الليبرالي للتقاطعية وتصور لمقاربة أناركية قائمة على الصراع الطبقي. والترجمة معروفة، أما ما أقصده بالمحاورة -فكرت أيضًا في تسميتها مراقصة- فهي تلك الفقرات التي تجدونها تتخلل الترجمة، والتي هي أقرب للحواشي النقدية، وفيها وضعت تعليقاتي على النص الأصلي، سواء بإفراد مساحة أكبر للأحداث والسياقات المشار إليها فيه، أو باختبار أفكاره وتحوراتها إذا ما استخدمت في السياق المصري، وتخلل هذا كله -ومن هنا أتت فكرة المراقصة- مقاطع لأغنيات وجدتها ذات صلة.
فلنبدأ..
*
"نحن بحاجة إلى أن نفهم الجسد لا بوصفه مقصورًا على الخاص أو على الذات—تلك الفكرة الغربية عن الفرد المستقل—بل بوصفه مرتبطاً بشكل جوهري بالتجليات المادية للجماعة والفضاء العام. بهذا المعنى، لا يوجد فصل واضح بين الجسدي والاجتماعي؛ بل هناك ما يُسمى بـ«اللحم الاجتماعي»."
– ويندي هاركورت وأرتورو إسكوبار1
ولادة التقاطعية
ردّاً على الأشكال المختلفة للنسوية وجهود التنظيم النسوي في أمريكا، كتبت مجموعة نهر كومباهي2 (وهو تنظيم من النسويات السوداوات المثليات الاشتراكيات)3 بياناً أصبح بمثابة القابلة التي ولّدت التقاطعية. نشأت التقاطعية من السياسات النسوية السوداء قرب نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وغالباً ما تُفهم كردّ على البناء النسوي الشائع حول أفكار خاطئة مثل "المرأة العالمية" أو "الأختية".4
في قلب التقاطعية، يكمن السعي إلى إظهار الطرق المتعددة التي تتقاطع بها التصنيفات والمواقع الاجتماعية، مثل العِرق، والنوع الاجتماعي، والطبقة، وتتفاعل وتتداخل لإنتاج نظم اللامساواة الاجتماعية. بالنظر إلى هذه الحقيقة، كان الحديث عن "تجربة المرأة" قائماً بوضوح على أساس زائف (عادة ما كان يعكس الفئات الأكثر امتيازاً من النساء—أي: البيضاء، غير المعاقة، "ابنة الطبقة الوسطى"، المغايرة جنسياً، وهكذا).
في البداية صيغت التقاطعية حول ثلاثية "العرق/ الطبقة/ النوع"، لكن باتريشيا هيل كولينز وسّعتها لاحقاً لتشمل تصنيفات اجتماعية مثل الجنسية، والقدرة البدنية/ الإعاقة، والميول الجنسية، والعمر، والإثنية.5 والتقاطعية ليست نموذجًا تراكميًا، بل عدسة لفهم العرق، والطبقة، والنوع، والجنسانية،… إلخ، بوصفها عمليات يكوّن بعضها بعضًا (أي أنها لا توجد مستقلة عن بعضها البعض، بل تدعم بعضها بعضاً)، وعلاقات اجتماعية تتجسد مادياً في الحياة اليومية بطرق معقدة. فبدلاً من كونها تصنيفات منفصلة، تنظّر التقاطعية للمواقع الاجتماعية بوصفها تراكيب متداخلة، مركّبة، متفاعلة، متقاطعة، وغالباً متناقضة.
*
تعليق:
في أية سيرورة نضالية، من الشائع أن تتصدر النخب المثقفة الخطاب، وتحدد الأولويات. من الشائع أيضًا أن تنحي هذه النخب بعض القضايا، أملًا في إحراز بعض التقدم في قضايا أخرى. مررنا في ثورتنا المصرية بشيء مشابه، حين اندلعت، في أعقاب سقوط نظام مبارك، مطالب العمال والفقراء عمومًا في موجة واسعة من الإضرابات والتظاهرات، وُصفت - من قبل النخب الثورية وبقايا النظام على السواء- بالمطالب الفئوية التي يجب تنحيتها جانبًا، والعودة إليها بعد استعادة الأمن، وحسم مسائل أكثر إلحاحًا مثل "الدستور أولًا أم الانتخابات؟"، وبوسعنا دومًا العودة إلى مقال العزيز الراحل محمد أبو الغيط "الفقراء أولًا يا ولاد الكلب"، لتلخيص هذه الحالة.
بالعودة لمجموعة نهر كومباهي، تأسست المجموعة انشقاقًا عن المنظمة الوطنية للنسويات السود، والتي شكلت نخبتها أكاديميات سوداوات مغايرات جنسيًا، لأن المنظمة اعتبرت المسألة المثلية صدامية أكثر من اللازم، ويمكن تأجيل النضال لأجلها لصالح موضوعات أخرى "أكثر إلحاحًا”. لكن من يقرر ما الملحّ، وما الذي يمكن تأجيله؟ وبأية صفة؟ لإجابة هذا السؤال، تكونت المجموعة، وتبنت هذا التوجه الجذري. كرد فعل على إعادة إنتاج التراتبيات الهرمية داخل المجموعات النضالية نفسها، وعلى احتكار النخب - المناضلة - تحديد الأولويات. أقتبس هنا من بيان مجموعة نهر كومباهي المشار إليه، فقرة مثيرة للتأمل، ترسم أسباب ولادة الفكر التقاطعي:
"المصدر الأهم للصعوبة في عملنا السياسي هو أننا لا نحاول محاربة القمع على جبهة واحدة أو اثنتين وحسب، بل [نحارب] تشكيلة واسعة من صنوف القمع. ليست لدينا امتيازات عرقية أو جنسية أو مغايرة أو طبقية لنعتمد عليها، ولا لدينا حتى الحد الأدنى من الوصول للموارد والسلطة المتاح للمجموعات المتمتعة بأحد تلك الامتيازات."
إذا سلمنا بأن بيان مجموعة كومباهي هو نقطة الانطلاق نحو فكرة التقاطعية في السياق الأمريكي، فيمكننا، من استعادة هذا التاريخ، أن نستنتج أن الفكرة الأولية، لم تكن محاولة لإضافة فئة جديدة، فريدة ومركّبة، للفئات المتصارعة على تموضعات أفضل في بنى القمع والاستغلال، بل كان المسعى هو نسف هذه البنى، مرة واحدة وإلى الأبد. يبدو هذا بديهيًا بالنظر لتموضع عضوات المجموعة أنفسهن، وتركيبهن الهوياتي الفريد؛ فهن أمريكيات سوداوات، مثليات، وعاملات وفقيرات واشتراكيات، أي في أسفل سافلين بنتيهم الاجتماعية، ولا أمل لهن في نيل المساواة إلا بتدمير كل بنية ممكنة للقمع، كما يوضح الاقتباس التالي:
".. علينا أن نستغل موقعنا، في القاع، لتحقيق قفزة واضحة في العمل الثوري. إن حرية النساء السوداوات تعني أن ينال الجميع حريتهم، لأن حريتنا تستوجب تدمير كل أنظمة القمع."
في احتكاكي الأول بفكرة التقاطعية، قرأت عن قضية كيمبرلي كرينشو الشهيرة، وهي أيضًا محامية وأكاديمية، واستوقفني رد القاضي: إلى أي مدى بالضبط يمكننا أن نذهب في هذه التباديل والتوافيق؟ اليوم تدافعين عن نساء عاملات سود، غدًا فلاحون مثليون، بعد غد مهاجرات عابرات جنسيًا.. ما الأفق بالضبط؟ إذا كان الشعور بالظلم يرتكز على تركيب هوياتي فريد، والمطلوب هو حماية حقوقه بإدراجه -كفئة مستقلة عن مكوناته الأكبر- في هذه الحالة: السواد/ النسونة -في النصوص القانونية، فما إمكانية فعل ذلك مع كل تركيب هوياتي آخر؟ كان رد القاضي سخيفًا، لكن لهذا بالتحديد لا تصلح التقاطعية كنظرية أو أداة تحليل تراكمية، ببساطة لأن حدود تراكماتها هي حدود التنوع البشري نفسه، أي بلا نهاية.
*
نحو نقد أناركي للتقاطعية الليبرالية
كثيرًا ما كانت التقاطعية ترتكز على الهوية، وفي الأغلب، ما زالت. ومع أن النظرية تقترح أن التراتبيات وأنظمة القمع متشابكة ومكوّنة بعضها لبعض، بل ومتناقضة أحيانًا، فقد استُخدمت التقاطعية في أغلب الأحيان بطريقة تُسطّح التراتبيات وأشكال القمع البنيوية. على سبيل المثال، عادةً ما يُنظر إلى "العرق، الطبقة، والنوع" كصور للقمع، يختبرها الجميع بدرجات متفاوتة—إذ لا مفر لأحد من الهويات التي تُفرض عليه. هذا المفهوم قد يكون مفيدًا خصوصًا في سياقات النضال، لكن "التصنيفات" الثلاثة غالبًا ما تُعامل كهويات فقط، كما لو كانت كلها سواء لأنها كلها "صور للقمع". على سبيل المثال، من المتفق عليه أننا جميعًا لدينا عرق، ونوع اجتماعي وطبقة. ولأن الجميع يختبرون تلك الهويات بطرق مختلفة، يشير الكثير من المنظرين للتقاطعية في كتاباتهم إلى ما يُدعى "التمييز الطبقي classism"، تنويعًا على التمييز العرقي، والجنسي.
لكن هذا يمكن أن يقود إلى فكرة مشوَّشة ترى أن التمييز الطبقي يمكن تصحيحه بأن يعامل الأغنياء الفقراء "بمزيد من اللطف"، مع الإبقاء على المجتمع الطبقي. هذا التحليل يتعامل مع الفوارق الطبقية كما لو كانت محض فروق ثقافية، ويقود إلى استراتيجية "احترام التنوع" المحدودة، بدلاً من معالجة جذر المشكلة. هذا الطرح يستبعد تحليل الصراع الطبقي الذي يرى الرأسمالية والمجتمع الطبقي كظواهر مؤسسية، ومعادية للحرية. نحن لا نرغب في "التعايش" داخل الرأسمالية عبر إلغاء العجرفة والنخبوية الطبقية، بل نرغب في إسقاط الرأسمالية وإنهاء المجتمع الطبقي بالكامل. ومع ذلك، نحن ندرك أن هناك نقاطًا مهمة يثيرها من يتحدثون عن التمييز الطبقي؛ ولا نقصد تجاهل واقع التفاوت في الدخل داخل الطبقة العاملة. إن التنظيم داخل الطبقة العاملة الأميركية، شديدة التنوع، يتطلب أن نعترف بهذا التنوع ونعيه. لكننا نرى أنه من غير الدقيق الخلط بينه وبين امتلاك سلطة بنيوية على الآخرين. فالكثيرين ممن يُسمون بـ "الطبقة الوسطى" قد يتمتعون بامتياز نسبي في الدخل مقارنةً بزملائهم من ذوي الأجور المتدنية، لكن ذلك لا يعني أنهم يستغلونهم أو يملكون سلطة حقيقية عليهم.
هذا التحليل الطبقي السوسيولوجي يُربك الناس أكثر، لأنه يدفعهم إلى الاعتقاد بأن "هويتهم" كأفراد من "الطبقة الوسطى" (وهو مصطلح لم يعد ذي صلة من كثرة تعريفاته) تضعهم في مصاف الطبقة الحاكمة/ المستغِلة، مما يساهم في غياب الوعي الطبقي في الولايات المتحدة. الرأسمالية هي نظام استغلال حيث تعمل الغالبية الساحقة لكسب العيش، بينما قلّة قليلة تملك (أي تنهب) لتعيش. ومصطلح "التمييز الطبقي" لا يفسر الاستغلال، مما يجعل المفهوم معيبًا. إننا نريد إنهاء المجتمع الطبقي، لا مجتمعًا "تحترم" فيه الطبقات بعضها بعضًا. فمن المستحيل القضاء على الاستغلال بينما المجتمع الطبقي ما زال قائمًا. ولإنهاء الاستغلال يجب أن ننهي المجتمع الطبقي (وجميع التراتبيات المؤسسية الأخرى).
هذه القضية الجوهرية كثيرًا ما تجاهلها المنظّرون الذين يستخدمون التقاطعية للمطالبة بإنهاء "التمييز الطبقي". بينما ندعو، كـ أناركيات، إلى إنهاء كل أشكال الاستغلال والقمع، ما يشمل إنهاء المجتمع الطبقي نفسه. التفسيرات الليبرالية للتقاطعية تفشل في إدراك خصوصية الطبقة لأنها تنظر إليها كـ"هوية"، وتتعامل معها كما لو كانت مماثلة للتمييز العرقي أو الجنسي، فقط لأنهم أضافوا كلمة "تمييز" قبل كلمة طبقة. القضاء على الرأسمالية يعني القضاء على المجتمع الطبقي؛ أي حرب طبقية. وبالمثل، فإن العِرق، والنوع الاجتماعي، والجنسانية، والإعاقة، والعمر—وكل أشكال العلاقات الاجتماعية بتراتبياتها—لها تميّزها الخاص بطريقتها. وكأناركيات، قد نوضح تلك الخصوصيات بدلاً من تسوية جميع هذه العلاقات الاجتماعية داخل إطار واحد مسطّح.
إن النظر إلى الطبقة باعتبارها "مجرد هوية أخرى" يجب أخذها بالاعتبار في محاولة فهم "هويات" الآخرين (وهوية المرء ذاته)، يجعل التصورات التقليدية للتقاطعية مُضرّة بعمليات النضال والتحرّر. صحيح أن التقاطعية توضّح الطرق التي تتفاعل بها علاقات الهيمنة وتحفز بعضها، لكن هذا لا يعني أن هذه الأنظمة متطابقة أو يمكن دمجها معًا. فهي أنظمة متمايزة وتعمل بطرق مختلفة. كما أنها تعيد إنتاج بعضها. التفوّق الأبيض يُجَنسَن ويُجَندَر، الغيرية المعيارية heteronormativity تأخذ طابعًا عرقيًا وطبقيًا. المؤسسات والبنى القمعية والاستغلالية تتشابك بإحكام وتدعم بعضها البعض، وتسليط الضوء على تقاطعاتها—"عُراها" التي تُمسكها معًا—يمنحنا زوايا مفيدة لتمزيقها، وبناء علاقات أكثر تحررًا ومرغوبية واستدامة، ومنها نبدأ في تفصيل مستقبلنا.
*
تعليق:
يتضح في الجزء السابق الملمح الأول للنقد الأناركي للتقاطعية الليبرالية، وهو اختزال الطبقة والتعامل معها كهوية أخرى، وهو نقد يتفق معه الماركسيون، كما أتفق معه تمامًا.
الفرق الجذري بين الطبقة، والهويات الأخرى مثل العرق والنوع والميل الجنسي، أنه من الممكن، منطقيًا، تحقيق المساواة -في العمل والثروة والسلطة- بين الهويات المختلفة، دون محو الهويات نفسها. المساواة بين الأعراق في توزيع العمل والثروة والسلطة لا تحولنا جميعًا إلى عرق واحد؛ سيظل الأبيض أبيض والأسود أسود، وكذلك الحال مع الذكور والإناث، والمغايرين والمثليين، ومعتنقي الأديان المختلفة. المساواة بين الهويات لا تتناقض منطقيًا مع بقاء الهويات وتنوعها.
لكن هذا لا ينطبق على الطبقة، فالمساواة بين الطبقة العاملة والطبقة الحاكمة -في العمل والثروة والسلطة- يعني، منطقيًا، محو الطبقات. إذا تساوى الحاكم والمحكوم في السلطة، لا يصبح هناك حاكم ولا محكوم، وإذا تساوى الغني والفقير في الثروة لا يصبح هناك أغنياء ولا فقراء. المساواة بين الطبقات تعني منطقيًا، محو الطبقات، ولا علاقة للـ "لطف" أو "حسن المعاملة" بالموضوع.
لهذا لا يمكن ضم الطبقة إلى بقية الهويات الأخرى، ولهذا تصبح فكرة "التعايش بين الطبقات" مناقضة لنفسها، فمحض وجود الطبقات يعني استمرار التفاوت واللامساواة، يعني وجود قامع ومقموع، مستغِل ومستغَل، مما يعني استمرار الصراع باتجاهيه: صراع المقموع لنيل حريته، وصراع القامع لإحكام سيطرته، وبهذا المعنى تبدو الصورة الوحيدة الممكنة للتعايش الطبقي هي الخضوع، لكن مُنظري "التعايش الطبقي" لا يذكرون هذا صراحة.
استوقفني في هذا الجزء إعادة النظر في التعامل الشائع مع "الطبقة الوسطى" التي تُساوَى، في تورطها في الوضع القائم، بطبقات أنصاف الآلهة الذين يهندسون عالمنا جميعًا، وهو ما أتفق معه أيضًا. فقط لأن مبرمج ما يتقاضى ١٠ آلاف دولار شهريًا، أو لأن "رائدة أعمال" أسست شركة ناشئة، لا يعني أن أي منهما هو "عدو الشعب".
وبالطبع، لديهما الكثير جدًا ليخسراه بالمقارنة بعاملة في مصنع وبريات سمنود تتقاضى زهاء ١٣٠ دولار شهريًا وتخاطر بحياتها ليقفلهم رب عملها ١٥٠، وبالطبع ستعرقل مخاوفهما وتطلعاتهما أي حل جذري يهدد بنسف هذه المهزلة، ويبدد أحلامهما بالترقي إلى مراتب أنصاف الآلهة، وبالطبع يجب أن يؤخذ هذا في الحسبان في التنظيم والممارسة النضالية، شرط الانتباه أيضًا لأن أي منهما ليس متحكمًا في البنية التي أتاحت له أن يتقاضى هذا الأجر (وهو في النهاية، أجر) أو تأسيس تلك الشركة، والتي تحدد لهما أوجه إنفاقهما أيضًا.
"أعداء الشعوب" الحقيقيون يجنون أضعاف هذا في الدقيقة الواحدة، ودون أن يُنتجوا شيئًا للبشرية سوى آليات ضبط، تضمن التدفق المستمر لهذا المال السائب من أسفل إلى أعلى، أيا كانت تلك الآليات والتي قد تبدأ -كما رأينا في السنوات الماضية- بتسريح أخينا المبرمج نفسه برسالة بريد إليكتروني، أو فرض تعريفة جمركية تدفع بشركة صاحبتنا للإفلاس، وتمتد -كما نرى الآن- لتخطيط منتجع سياحي على أنقاض إبادة جماعية في غزة.
استراحة وفاصل الغنائي، والفاتحة لزياد الرحباني.
*
تقاطعيتنا الأناركية
رغم أننا أشرنا إلى هذا الخطأ الشائع بين المنظّرين والنشطاء الذين يكتبون في التقاطعية، إلا أن النظرية نفسها لديها الكثير لتقدمه، مما لا يجب تجاهله. فالتقاطعية، مثلاً، ترفض فكرة وجود اضطهاد مركزي أو أساسي. بل توضح، كما ذكرنا، كيف تتقاطع أنماط الاضطهاد وغالبًا ما تكوّن بعضها البعض، وفهمها على المستويات البنيوية والمؤسسية يعني أن النضال ضد الرأسمالية يجب أيضًا أن يكون نضالًا ضد التمييز الجنسي المنحاز للغيرية، والأبوية، والتفوق الأبيض، وخلافه. غير أن التقاطعية غالبًا ما تستخدم كمحض أداة لفهم كيف تتداخل هذه الصور من القمع في الحياة اليومية للأفراد لتنتج هويات فريدة مختلفة من حيث الدرجة والتركيب.
ما يفيدنا أكثر، كأناركيات، هو استخدام التقاطعية لفهم كيف يمكن للحياة اليومية للناس أن تفتح المجال للحديث عن الكيفيات التي تتقاطع بها البنى والمؤسسات وتتفاعل. هذا المشروع يمكن أن يثري تحليلاتنا واستراتيجياتنا ونضالاتنا ضد جميع أشكال الهيمنة. بمعنى، أن الأناركيين قد يستخدمون الواقع المُعاش كمدخل لتتبع الصلات مع العمليات المؤسسية التي تخلق وتعيد إنتاج وتحافظ على علاقات الهيمنة الاجتماعية. ولسوء الحظ، يستبعد التفسير الليبرالي للتقاطعية هذا النوع من التحليل المؤسسي، لذلك، وبينما يمكننا أن نستعير من التقاطعية، نحتاج أيضاً إلى نقدها من منظور أناركي بحت.
ومن المهم أن نلفت النظر إلى أنه لا توجد في الواقع قراءة واحدة متفق عليها للتقاطعية. مثل النسوية، تحتاج التقاطعية إلى توصيف إضافي لتصير دالّة بحق، ولهذا سنستخدم مصطلح "التقاطعية الأناركية" لوصف منظورنا في هذا المقال. نحن نؤمن أن المنظور المناهض للدولة وللرأسمالية (إلى جانب الموقف الثوري من التفوق الأبيض والأبوية المغايرة) هم الغاية المنطقية للتقاطعية. مع ذلك، هناك كثيرون ممن يستلهمون من التقاطعية لكنهم ينتهجون نهجًا أكثر ليبرالية. وهذا يظهر مثلاً في انتقادهم لـ "التمييز الطبقي" بدلاً من الرأسمالية والمجتمع الطبقي، وكذلك في الغياب المتكرر لتحليل الدولة.6 بالإضافة إلى ذلك، هناك ميل أحيانًا للتركيز بشكل شبه كامل على التجارب الفردية بدلاً من الأنظمة والمؤسسات.
ومع أن كل هذه النقاط النضالية مهمة، فمن الحق أيضًا أن الناس الذين نشأوا في الولايات المتحدة—و أُنتجوا اجتماعيًا في ثقافة شديدة الفردانية—يميلون إلى التركيز على قمع الأفراد وكبتهم، غالباً على حساب تبنّي منظور أوسع وأكثر نظامية.
إن اهتمامنا ينصبّ على كيف تعمل المؤسسات وكيف يُعاد إنتاجها عبر حياتنا اليومية وأنماط علاقاتنا الاجتماعية. كيف يمكننا أن نربط "تجاربنا الفردية" بالأنظمة التي تتولى/ تُعيد إنتاجها (والعكس)؟ وكيف ننتبع أساليب هذه الأنظمة في إنتاج/ إعادة إنتاج بعضها؟ وكيف يمكننا تحطيمها وخلق علاقات اجتماعية جديدة تعزز الحرية؟ من خلال تحليل مؤسسي ونظامي للتقاطعية، يستطيع الأناركيون إبراز مفهوم اللحمة الاجتماعية الوارد في الاقتباس الافتتاحي.
وإذا أردنا أن نعطي وصفًا كاملًا لهذه اللحمة الاجتماعية—أي الطرق التي تتداخل بها التراتبيات واللامساواة داخل نسيجنا الاجتماعي—فسنكون مقصّرين إن لم نسلّط الضوء على المبدأ الغائب تمامًا في معظم ما كتب في النظريات التقاطعية: الدولة. إننا لا نعيش في مجتمع من المتساويين سياسيًا، بل في نظام معقد من الهيمنة حيث يُحكم البعض ويُراقبون ويُسيطر عليهم من خلال عمليات مؤسسية يسميها الأناركيون الدولة. غوستاف لانداور -الذي ناقش هذا التنظيم التراتبي للبشرية حيث يحكم البعض الآخرين في هيئة سياسية تتجاوز سيطرة الناس- رأى الدولة كعلاقة اجتماعية.7
نحن لسنا مجرد أجساد موجودة في هويات فُرضت علينا مثل العرق أو الطبقة أو النوع أو الإعاقة، إلى آخر القائمة. نحن أيضاً ذوات سياسية في مجتمع تحكمه طبقة من السياسيين والقضاة والشرطة والبيروقراطيين بمختلف أشكالهم. إن تحليلًا تقاطعيًا يأخذ بعين الاعتبار اللحمة الاجتماعية يمكن أن يمده الأناركيون نحو غايات ثورية، لأن بؤسنا متجذّر في مؤسسات مثل الرأسمالية والدولة التي تُنتج وتُعاد إنتاجها عبر شبكة الهويات المستخدمة لترتيب البشر في مجموعات محكمة من قامعين ومقموعين.
كأناركيون، وجدنا أن التقاطعية مفيدة بقدر ما يمكنها أن تُثري نضالاتنا. ساعدتنا التقاطعية على فهم الكيفية التي تتضافر بها أنماط الاضطهاد وتنعكس في الحياة اليومية للناس. لكن حين تُفسَّر من خلال الأطر الليبرالية، غالبًا ما تفترض التحليلات التقاطعية التقليدية أن جميع أشكال الاضطهاد تعمل بالطريقة نفسها. وهذا الافتراض قد يعيق تحليلاً طبقياً، أو تحليلاً للدولة، أو تحليلاً للمؤسسات التي تحكمنا.
تقديرنا هو أن التجارب اليومية للقهر والاستغلال مهمّة ومفيدة للنضال، إذا استطعنا استخدام التقاطعية بطريقة تشمل الأساليب المختلفة التي يعمل بها التفوّق الأبيض، والغيرية المعيارية، والأبوية، والمجتمع الطبقي، إلخ، في حياة الناس، بدلاً من الاكتفاء بسردها كما لو أنها جميعًا تعمل بطرق متشابهة.
الواقع هو أن تاريخ الغيرية المعيارية، والتفوّق الأبيض، والمجتمع الطبقي، يحتاج إلى أن يُفهم من حيث أوجه التشابه والاختلاف فيما بينهم. علاوة على ذلك، ينبغي أن يُفهم كيف أسهم كل واحد منهم في (إعادة) تشكيل الآخر والعكس. إن هذا المستوى من التحليل يتيح لنا رؤية أكثر شمولية لكيفية عمل المؤسسات التي تحكمنا، وكيف يشكل ذلك الحياة اليومية للناس. وسيكون من الخطأ أن نغفل استخدام التقاطعية بهذه الطريقة.
*
تعليق:
في الجزء السابق، يتضح الملمح الثاني للنقد الأناركي للتقاطعية الليبرالية، وهو الغياب التام لتحليل المؤسسات، وتحديدًا، الدولة كمؤسسة تراتبية وقمعية، كما لو كانت صور العنف والقمع والتمييز تظهر وتُعزز من تلقاء نفسها، لأن "الناس وحشة". المقاربة الأناركية تأخذ التقاطعية لوجهتها الطبيعية، تستلم طرف الخيط من واقع الأفراد ثم تتبعه نظرًا إلى أعلى، إلى تقاطع المؤسسات (وتناقضاتها)، وآلياتها في فصل الناس في تراتبيات أصغر، تضع الرجال فوق النساء، أو الشقر فوق السود، أو المغايرين فوق المثليين، أو المعافين فوق المعاقين، ثم تلاعب الجميع بالبيضة والحجر على تموضعات أفضل لـ "هوياتهم". تتجاوز هذه النظرة الفرد وتركيبه الهوياتي ومظلوميته الشخصية لتعود إلى قمة هرم القمع، ومؤسسته العتيدة: الدولة.
يعيدني هذا الجزء إلى قضية كيمبرلي كرينشو. في رده، كشف القاضي -بشكل غير مباشر وعلى الأرجح غير مقصود- عن قصور في الممارسة النضالية المبنية على التقاطعية التي تعود بمعاناة الأفراد إلى الدولة وتطلب منها الحل؛ فالبنية التي أنتجت العاملات الأمريكيات السود ليلعبوا هذا الدور بالتحديد [عمالة رخيصة وبائسة ومتلهفة للعمل تحت أي ظرف بعد أن تم استبعادها من سوق العمل المأجور لقرون لصالح العبودية الصريحة؛ يسهل التخلص منها مع أول هزة اقتصادية تهدد هامش الربح وبلا أية تعويضات] لم تكن تعمل خارج إطار القانون، بل من خلاله. بالأحرى، سُنّت القوانين الأمريكية أصلًا لتحقيق هذا الهدف: إنتاج وإخضاع طبقات هشة ويائسة، يسهل استغلالها وقمعها لصالح رأس المال وسلطته، وبغض النظر عن مكونات مزيجها الهوياتي الذي صادف، في السياق الأمريكي، أن يكون على تلك الشاكلة، نظرًا لتاريخ تأسيس المستعمرات ثم الدولة.
بل وبتبسيط مخل جدًا، فإن أسبقية الوصول للقارة الجديدة (غزاة رجال بيض أبادوا السكان الأصليين وفرضوا سيطرتهم، نساء بيضاوات جُلبن لتفريخ رجال بيض لتعويض الفاقد ومنع اختلاط الأعراق، عبيد سود جُلبوا للعمل وتأسيس المستعمرات، إماء سود جُلبن لتفريخ العبيد محليًا بدلًا من استيرادهم) تكاد ترسم تراتبية المجتمع الأمريكي ونظرته لكل فريق وللغرض المرسوم من وجوده على هذه الأرض إلى يومنا هذا.
التركيب الهوياتي نفسه غير ذي صلة، بدليل أننا نجد هذه الفئة المسحوقة بتركيب هوياتي مختلف في كل بلد. قد تكون في مصر عاملة زراعية مسيحية صعيدية أرملة وأم لأربعة أطفال. قد تكون في فرنسا مهاجر جزائري أسود عابر جنسيًا. الخلاصة، في كل بنية سلطوية موقع ما لا دور له إلا "شيل الخراء الإنساني في صمت"، يُزج فيه بالتعساء من اللحم الاجتماعي، مع إنتاج الأطر -القانونية والثقافية- التي تبرر وضعهم، وتضمن ألا يهربوا من شيل الخراء إلا بإزاحته لتعساء جدد، و(تاني وعاشر) بغض النظر عن تركيبهم الهوياتي... وفاصل غنائي آخر.
*
من التجريد إلى التنظيم: الحرية الإنجابية والتقاطعية الأناركية
إن الطرق التي أحكمت بها الرأسمالية، والتفوّق الأبيض، والأبوية الغيرية، والمجتمع الضابط بشكل عام، السيطرة على الأجساد، قد جرى تفصيلها في كتابات أخرى،8 لكننا نود أن نقدّم لمحة من هذا التاريخ من أجل بناء حجّة تعرض كيف سيستفيد التنظيم من أجل الحرية الإنجابية من تحليل تقاطعي أناركي. إن الحرية الإنجابية، التي نستخدمها هنا كتفسير مناهض للدولة ومناهض للرأسمالية لفكرة العدالة الإنجابية، تطرح أن مجرّد دعم “الاختيار الحر” ليس كافيًا لمقاربة ثورية لمسألة “الحقوق” الإنجابية. إن تتبّع كيفية تقاطع العِرق، والطبقة، والجنسانية، والقومية، والقدرة البدنية، في تشكيل وصول النساء إلى الصحة الإنجابية، يتطلّب فهماً أعمق للأنظمة القمعية، وهو ما توضحه أندريا سميث 9 في كتابها Conquest.
والنظر إلى تاريخ الاستعمار في الأمريكتين يساعدنا في فهم تعقيدات الحرية الإنجابية في هذا السياق. فالدولة كمؤسسة لطالما كان لها مصلحة عظيمة في الاحتفاظ بالسيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي، وبالأخص، السيطرة على طرق الشعوب المستعمرة في التناسل وتحديد النسل.
وبالنظر إلى تاريخ التعقيم القسري للسكان الأصليين في أميركا، وكذلك للأميركيين الأفارقة، واللاتين، وحتى البيضاوات الفقيرات،10 يمكننا أن نرى أن محض إتاحة الوصول إلى الإجهاض لا يعالج المسألة الكاملة للحرية الإنجابية.11 ولكي يكون لدينا حركة ثورية وشاملة، لا بد أن نعالج جميع جوانب المسألة: القدرة على إنجاب الأطفال ودعمهم، والوصول إلى الرعاية الصحية، والسكن، والتعليم، والمواصلات، والتبنّي، والأشكال غير التقليدية للأسر، وهكذا. ولكي تكون الحركة ثورية بحق، يجب أن تكون شاملة؛ فحركة “دعم الاختيار الحر” أهملت مرارًا احتياجات من يعيشون على الهوامش. هل يغطي حكم Roe v. Wade تعقيدات حياة النساء والأمهات في السجون؟
وماذا عن تجارب من لا يحملون وثائق القانونية؟ لقد ناضل العابرون والعابرات طويلًا من أجل رعاية صحية شاملة. إن مجرد الدفاع عن الحق في الإجهاض القانوني لا يجمع كل المتضررين من الأبوية الغيرية. وبالمثل، فإن “الاختيار” القانوني في ظل كون الإجهاض إجراءً مكلفًا لا يفعل شيئاً لمساعدة النساء الفقيرات، ويكشف الحاجة إلى تحطيم الرأسمالية للوصول إلى الحريات الإيجابية. لقد دعا أنصار العدالة الإنجابية إلى مقاربة تقاطعية لهذه القضايا، ويمكن لتحليل نسوي أناركي للحرية الإنجابية أن يستفيد باستخدام تحليل أناركي تقاطعي.
إن التحليل الأناركي التقاطعي للحرية الإنجابية يُظهر لنا أنه حين تبدأ جماعة ما في النضال معًا، فإنها تحتاج إلى فهم كيفية تضافر علاقات الحكم، من أجل رؤية شاملة عمّا تناضل من أجله. فإذا استطعنا أن نفكّك الطرق التي تعمل بها العلاقات الاجتماعية القمعية والاستغلالية معًا—لتغزل النسيج الذي هو الحياة اليومية—نكون أكثر قدرة على تمزيقها. فعلى سبيل المثال، تحليل الطرق التي استُهدفت بها النساء الملوّنات تاريخيًا وبشكل خاص بعمليات التعقيم القسري يتطلّب فهماً لكيفية عمل الأبوية الغيرية، والرأسمالية، والدولة، والتفوّق الأبيض معًا لخلق وضع تُستهدف فيه أجساد النساء الملوّنات من خلال برامج اجتماعية مثل الرعاية الاجتماعية، والتجارب الطبية، واليوجينيا.
كيف عملت العنصرية والتفوّق الأبيض على دعم الأبوية الغيرية؟ كيف تعنصر التمييز الجنسي ليسهّل على المستعمرين أن يفلتوا بجرائم الاغتصاب، والإبادة الجماعية، والاستعباد —تاريخيًا وفي الحاضر؟ كيف جرت جَنْدرة التفوّق الأبيض عبر صور مثل “المامي” و“جيزبل”؟12 وكيف جرت عنصرة وجَنْدرة الرعاية الاجتماعية بأجندة تستهدف “قتل الجسد الأسود”؟13 إن أشكال القمع الممنهج مثل التفوّق الأبيض لا يمكن فهمها دون تحليل كيفية جندرة الأنظمة وجنسنتها وطبقنتها.. إلخ. وبالمثل، يمكن أن يمتد هذا النوع من التحليل لفهم كيفية عمل الأبوية الغيرية والغيرية المعيارية، والرأسمالية، والدولة —أي جميع العلاقات الإنسانية القائمة على الهيمنة. هذه هي القوة الكامنة خلف التحليل التقاطعي الأناركي.
إن التحليل التقاطعي الأناركي، على الأقل كما نستخدمه نحن هنا، لا يضع أي بنية أو مؤسسة في المركز على حساب أخرى، إلا بقدر ما يقتضيه السياق. بل على العكس، هذه البُنى والمؤسسات تعمل على (إعادة) إنتاج بعضها البعض. هي، في جوهرها، متداخلة في وجودها. وبفهمها على هذا النحو، لا معنى لاعتبار إحدى البُنى القمعية أو الاستغلالية “مركزية” والأخرى “هامشية.” وهي، بالفعل، تقاطعية. فبعد كل شيء، ما قيمة الثورة إذا تُرك بعضنا خلف الركب؟
*
تعليق:
أمريكا مكان مدهش والله. في وساخته، وفي قدراته على التفنن في الوساخة.
للتوضيح، المامي وتكتب Mammy، وصمة اجتماعية تعود جذورها لفترات النضال لتحرير العبيد، وهي تصوير للعبدة السوداء -غالبًا كبيرة في السن- كأم، تجلس في أمان محتضنة أطفال البيت -من البيض طبعًا. هذه الصورة استخدمت للتأكيد على أن السوداوات المستعبدات لا تعانين في بيوت السادة البيض، لأنهن أمهات بالفطرة، ويستمتعن بتقديم الرعاية. إنها الفطرة.. الفطرة والأمان، أليس كذلك؟ الجيزبل بالمقابل، قالب اجتماعي آخر يحمل تصورًا معاكسًا تمامًا للسوداوات الأصغر سنًا -ممن لا توحي هيئتهن بالأمومة- كفتيات جامحات وشرهات جنسيًا، تعد أجسادهن بأصناف من المتع لا تخطر على بال الرجل الأبيض، ولن توفرها أبدًا زوجته الوقورة البيضاء حسنة التربية. مجددًا إنها الفطرة.. الفطرة واللذة، أليس كذلك؟
رغم التناقض الظاهري الصارخ بين الصورتين، فقد تجاورتا في الثقافة الأمريكية بسلاسة وفي نفس الفترة الزمنية تقريبًا، لأنهما في الحقيقة نابعتان من نفس المصدر: سلطة رأس المال -ولنفس الهدف: أن تستخدم أجساد معينة كمحض وحدات إنتاج اجتماعي لمنفعة أجساد أخرى. الأمومة الفطرية، تمامًا كلـ "اللبوَنَة" الفطرية، محض تبرير ثقافي.
الإحالة الأخرى لقتل الجسد الأسود، تأتي من كتاب لدوروثي روبرتس، وتحكي فيه عن سياسات الدولة الأمريكية للقضاء على الفقر، بالقضاء على الفقراء. أغلبهم بالطبع من النساء السوداوات.
في مقدمة الكتاب، تسرد دوروثي أهوالًا تفوق التصور، عن سياسات التعقيم الإجباري للسوداوات الفقيرات، بتركيب موانع حمل طويلة المدى في أجسادهن، قسريًا، ومنع الإعانة الاجتماعية عنهن إن قررن الإنجاب، أو اشتراط تركيب كبسولات منع الحمل تحت الجلد للحصول على الإعانة الاجتماعية أساسًا. هكذا، ولسنوات، تجاورت في المشهد النضالي النسوي الأمريكي بيضاوات يناضلن للحصول على الحق في الإجهاض الآمن (مثل قضية Roe V. Wade)، مع سوداوات يناضلن للحصول على الحق في الإنجاب. هذا ليس ماضيًا سحيقًا بالمناسبة، بل كان في الثمانينات، أي منذ نحو أربعين عامًا، وهي الفترة نفسها تقريبًا التي دخلت فيها مصر بالكامل في التبعية الأمريكية، وهنا، يغدو منطقيًا أن تثار هذه النقاشات وتطبق هذه السياسيات في مصر الآن.
في حادث العاملات الزراعيات الأخير، كما في كل أزمة تضعنا أمام واقع الطبقات الكادحة في مصر، تعالت أصوات تتساءل، بجدية، لماذا ينجب الفقراء أصلًا؟ ذكرني كتاب دوروثي بمبادرة تركيب اللولب أثناء الولادات القيصرية في المستشفيات الحكومية (في مصر)، وما تردد عن اشتراط توقيع الإقرار بالموافقة على تركيب اللولب أثناء الولادة لإجراء الولادة أصلًا. في النهاية، سواء اشترطت المستشفى التوقيع، أو انتزعت الموافقة في لحظة الولادة نفسها (حيث لا هم لأية امرأة ولا لمرافقيها سوى خروجها وجنينها أحياء معافين)، أو حتى أطلقت رائداتها الريفيات على الفقيرات لإقناعهن بتحديد النسل، النتيجة واحدة: تعقيم الفقيرات، والفقيرات فقط، لأن هذه السياسات و"الأنشطة التوعوية" لا تطبق في المستشفيات الخاصة مثلًا، ولا تخاطب مرتاديها، ولأن محض الولادة في مستشفى حكومي إما تعني أن موارد المريضة لا تسمح لها بتحمل تكلفة ولادتها في أوسخ مستشفى خاص (مع علمها التام بما ينتظرها من سوء معاملة وتدني في الخدمة الطبية)، أو غياب المستشفيات الخاصة من منطقة سكنها أصلًا، وهي -بداهة- علامة فقر مدقع (حتى رأس المال لم يجد ما يقتات عليه في هكذا منطقة).
هنا تنظر التقاطعية الأناركية إلى أعلى، لتسأل، مثلًا، كيف تصل اللوالب، ومنتجات تحديد النسل عمومًا، إلى وزارة الصحة؟ هل ننتجها أم نستوردها؟ من ينتجها، أو يوردها؟ كيف تتقاطع المصالح الرأسمالية (الجهة المنتجة أو المورّدة لمستلزمات تحديد النسل) مع الدولة وأدواتها السلطوية غير الخاضعة للمساءلة (سواء في إطلاق المبادرة وتنفيذها، أو في اختيار الموردين) مع الإمبريالية العالمية (التي تُخضِع الدولة نفسها، وتضع تعقيم الفقراء شرطًا لاستمرار الإقراض) لتخلق واقع الفقر والبؤس والقسر على أي من تكن؟ وكيف تستخدم الذكورية الأبوية في المؤسسات الثقافية والإعلامية والدينية والطبية كمبررات، تشرعن كل هذا وتنتج، عبر ملايين الممارسات الصغيرة المتراكمة، طواقم طبية تطبق سياسات الإخضاع بكفاءة وبلا تردد، بل وبزهو؟
قبل قراءة وترجمة المقال، فكرت في نقدي الخاص للتقاطعية من منظور أناركي. أول ما خطر لي، هو أن التقاطعية، في الممارسة التنموية والناشطية، غالبًا ما تقلب الهرم وفقط، بحيث يتربع من هم في قاعدة الاستغلال على قمة المظلومية، بالأحرى، يتصارعون عليها لإثبات استحقاقهم للفتات التنموي، أو في أفضل تقدير، لمواقع سلطوية تغذي هرم القمع وترسخ أساساته.
لو كانت الغاية من التقاطعية أن تتمكن فلاحة مسيحية في في ريف الصعيد المصري من الحصول على تدريب ريادة أعمال وقرض لمشروع صغير، لتصبح رائدة أعمال وتبدأ مسارها الخاص في استغلال رفيقات الأمس لتحقيق الربح/ سداد الدين، أو أن تترقى امرأة سوداء فقيرة مثلية لتجلس في النهاية بدلًا من رجل أبيض ثري مغاير، لتنقل قرار الحكومة الأمريكية بالفيتو على وقف إطلاق النار في إبادة جماعية، فلا نامت أعين الجبناء.
هندسيًا، قمة الهرم أصغر من قاعدته، والطريقة الوحيدة ليسع الجميع، هي ألا يصبح هرمًا، لكن الهرم في مثل تلك التحليلات والممارسات لا يُمس مطلقًا، والصراعات داخله مشتعلة -وهذا بديهي- لكنها في الاتجاه الخطأ -وهذا مقزز.
وختامًا أترككم مع هذا الفاصل الغنائي في هذا الرابط
هوامش:
- Harcourt, Wendy, and Arturo Escobar. 2002. “Women and the politics of place.” Development 45 (1): 7-14.
- Combahee River Collective Statement. 1977. In Anzalduza, Gloria, and Cherrie Moraga (Eds). 1981. This Bridge Called My Back: Writings by Radical Women of Color. Watertown, Mass: Persephone Press.
- “Refusing to Wait: Anarchism and Intersectionality.” http://libcom.org/library/refusing-wait-anarchism-intersectionality
- For example: Crenshaw, Kimberlé W. 1991. “Mapping the Margins: Intersectionality, Identity Politics, and Violence against Women of Color.” Stanford Law Review, 43 (6): 1241–1299.
- See: Purkayastha, Bandana. 2012. “Intersectionality in a Transnational World.” Gender & Society 26: 55-66.
- "Refusing to Wait: Anarchism and Intersectionality.”
- Landauer, Gustav. 2010. Revolution and Other Writings, translated by Gabriel Kuhn. Oakland: PM Press.
- For more analysis on how race, gender and sexuality shaped capitalism and colonialism in the U.S., see: Smith, Andrea. 2005. Conquest: Sexual Violence and American Indian Genocide. Cambridge, MA: South End Press.
- المرجع السابق
- For example: Victims speak out about North Carolina sterilization program, which targeted women, young girls and blacks. http://rockcenter.msnbc.msn.com/_news/2011/11/07/ 8640744-victims-speak-out-about-north-carolina-sterilization-pro- gram-which-targeted-women-young-girls-and-blacks?lite
- For a good book that shows examples and the history of reproductive justice, see: Silliman, Jael M. 2004. Undivided Rights: Women of Color Organize for Reproductive Justice. Cambridge, Mass: South End Press.
- Hill Collins, Patricia. 1991. Black Feminist Thought: Knowledge, Consciousness, and the Politics of Empowerment. New York: Routledge.
- Roberts, Dorothy E. 1999. Killing the Black Body: Race, Reproduction, and the Meaning of Liberty. New York: Vintage.
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** تحتفظ المترجمة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتها دون إذن منها
