عبد الرحمن الشرقاوي.. الفلاح الذي تحدث باسم الفلاحين

2025-09-19 - Amr Ahmed

لم يكن الشرقاوي غير واعِ بما كتبه سابقًا عن معاناة الفلاحين، فامتلأت "الفلاح" بالمقارنات بين الماضي والحاضر.

عبد الرحمن الشرقاوي.. الفلاح الذي تحدث باسم الفلاحين

مقال عمرو أحمد


عبد الرحمن الشرقاوي

في عام 1953، كتب الشرقاوي في مجلة الغد "رسالة إلى طه حسين" يوجه نقدًا لطه حسين ويتهمه بالانسحاب من الاشتباك بالثقافة على نحوٍ اجتماعي بعد أن أنار لهم السبل بثوريته في منهجه الأدبي، لم يكن الشرقاوي وقتها يهاجم طه حسين لذاته، بل يشارك في نقاشات مستمرة وضعت خطوطًا فاصلةً بين جيلين: أحدهما، كما رآه الشرقاوي، آثر الانسحاب من معارك الواقع، والآخر لم يكن يرى للأدب أي معنى خارج انخراطه في الصراع. لكن المفارقة التي لم يكن يتوقعها الشرقاوي آنذاك، أن اسمه سيُقرن لاحقًا بنفس الاسم الذي عنّفه نقديًا، وأن الجائزة التي منحت لطه حسين ستُمنح له أيضًا، بعد أن ينخرط بدوره في جهاز الدولة الثقافي، ويُعاد تموضعه ككاتب رسمي، عندما يُكافأ الشرقاوي في عام 1974 بالانضمام لقائمة طويلة، يفتتحها طه حسين، ممن نالوا جائزة الدولة التقديرية في الآداب.

وُلد الشرقاوي في قرية الدلاتون بالمنوفية 1920، وكانت قصته شديدة التشابه مع عدد من رفاقه من الأدباء الجدد، فهو تعلم في كتاب القرية أولًا، ثم التحق بكلية الحقوق وسافر من قريته للقاهرة، لكن اهتماماته الأدبية كانت ضخمة، وغذّت الحياة السياسية هذه الاهتمامات بعدها، وهكذا كان مكتوبًا لكلية الحقوق أن تكون مجرد فترة في حياته، فبعد أن نشر أول قصيدة مترجمة له على الإطلاق بعام 1938، وهي قصيدة لشاعر فرنسي حيث كان الشرقاوي كما يحكي عن حياته متأثرًا فترتها بالفرنسية، كان اسم الشرقاوي يملأ المجلات المصرية بالحديث عن قصيدته الطويلة "من أب مصري للرئيس ترومان". كانت القصيدة أولى النقاط المهمة في مسيرة الشرقاوي الأدبية، وعبرت عن استياء الشعب المصري من الهيمنة الأمريكية التي كانت تفرض آثارها المدمرة على العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط. وفي منتصف القصيدة، ينتقل الشرقاوي من انتقاد الإمبريالية الأمريكية لسرد سيرة ذاتية قصيرة، حيث يتحدث عن الحياة في مصر الملكية تحت الاحتلال الإنجليزي. يعبر الشرقاوي عن سخطه من التفاوت الطبقي الفج في مصر، والعلاقة المعقدة بين الريف والمدينة، وهي ستكون أهم ما يُميز مشروع الشرقاوي الأدبي الحافل بعدها:

وعدت مع الصيف للقرية لألقى رفاق الصبا كلهم
وتسأل أمى: ماذا رأيت هنالك في طرق القاهرة؟
فقلت لها: قد رأيت الجنود من الإنجليز
فقالت: نعم!
فقلت: وكيف؟! فقالت: كذا! وفي عينها دمعة تضطرم ولا تنسجم
وفى صدرها زفرة حائرة
وفى وجهها حسرة ثائرة!
وقال الرفاق: ألا قل لنا بربك ما هذه القاهرة
وكيف تسير عليها الحياة ويمشى الصباح بها والمساء
وكيف إذا غربت شمسها تُضاء المصابيح أم لا تضاء؟
وكيف الشوارع؟! هل من زجاج؟! وكيف يقوم عليها البناء؟
فقلت لهم: قد رأيت القصور!
فقالوا: القصور؟! وما هذه؟.. فإنا لنجهلها يا ولد
فقلت اسمعوا يا عيال.. اسمعوا.. القصر دار بحجم البلد!
فحكوا القفا وهمو يعجبون
ومدوا رقابهمو سائلين
وهم خائفون:
وهل يسكن القصر جنٌّ يطوف طواف العفاريت حول القبور
وهل كنت تمشي بجانب القصور؟
ألم يركبوك؟! ألم يخنقوك!؟
فقلت لهم: إن أهل القصور أناس.. سوى أنهم.. ـــــ مثلنا؟
وظلوا يضجون حولى: أناس ؟.. أإنس همو؟ أهمو مثلنا؟!
فقلت لهم إن أهل القصور أناس.. سوى أنهم.. غيرنا!

لكن حياة الشرقاوي السياسية كانت حافلة قبل أن يُعرف اسمه مقرونًا بقصيدته، ففي عام 1945 ساهم الشرقاوي مع مجموعة من الزملاء في تأسيس ونشر مجلة تحت اسم "الفجر الجديد"، دعت هذه المجموعة نفسها "لجنة نشر الثقافة الجديدة" التي أثير بعض الجدل عن مشاركة الحزب المصري الشيوعي في نشاطها. كانت اهتمامات المجلة مرتكزة على مناقشة الأدب التقدمي، وفي فترةٍ كانت من الأكثر اضطرابًا فى تاريخ مصر المعاصر قبل قيام دولة 23 يوليو، لم يطل الأمر كثيرًا حتى منع إسماعيل صدقي رئيس الوزراء المصري وقتها، المجلة من النشر، وطال القرار المنتمين للجنة، فكانت هذه أول مرة يُسجن فيها الشرقاوي.

ظهرت أولى أعمال الشرقاوي النثرية بمجلة طلائع الفجر عام 1952، قبل أن تُنشر أول وأهم رواية له بعدها بسنين قليلة. تتحدث القصة القصيرة، واسمها "طلائع الفجر الجديد" عن "فريد بك"، وهو إقطاعي ينتمي للنظام البرجوازي وعرضت عليه الحكومة إحدى وزاراتها. يسُجن "فريد بك" لأنه كتب مقدمة ديوان شعر يقول فيها "أن الشعر يجب أن يرتبط بالحركة الوطنية". وتدور القصة حول محاولة "مستر كولس" موفد الحكومة أن يُقنع "فريد بك" بالتخلي عن مبدأه الوطني، لكنه يرفض كل الإغراءات، "أجل وإني لعلى استعداد لا أقضي العمر كله سجينًا في سبيل مطالب الوطن"، بل إن ابنته شجعته على أن يسلم نفسه للقضاء "[..] أتعرف ماذا قالت لي.. لقد حذرتني أن أهرب وطالبتني بأن أعود سريعًا لأقف أمام القضاء لتظل دائمًا مرفوعة الرأس!”. ويظهر من خلال اهتمامات فريد بك السياسية موقفه الإيجابي من الثورات العالمية وقتها، فهو هو يرد على نائب السجن عندما أخبره بأن كبده لا تحتمل برد السجن "وماذا تقول في الذين يموتون على صحاري الجليد في سيبيريا يا سيدي؟ وأبطال بولونيا؟ إن الإنسانية اليوم لتخوض معركة الحياة ولا بد من ضحايا كثيرين يسقطون تحت وطأة الظلمات قبل أن يشرق الفجر الجديد!”. وقضيته الأولى والأخيرة هي مصر كما يظهر في رده على مدير السجن عندما أخبره بأنه سيخسر كل أصدقائه فمن سيبقى له "تبقى مصر! يبقي الشعب يا مستر كولس!!”. 

من اللافت أن مبادئ "فريد بك" هي مبادئ إقطاعي كبير كان على علاقة جيدة مع الحكومة حد أنها ارتأت ضمه لها، وأوفدت أحد كبار رجال البوليس خصيصًا لإقناعه بالعدول عمّا يؤمن به. كان الشرقاوي يكتب من منطلق اعتقاداته وقناعاته السياسية عن الأدب، فإظهار "فريد بك" بهذه الصورة المتغيرة يُدلل على تأثير الثورة الضخم الذي يصل لتغيير شخصيات كبيرة ومؤثرة في مقام "فريد بك" من ناحية، ومن ناحية أخري يحول "فريد بك" نفسه لفم يتحدث من خلاله الشرقاوي، وهكذا كانت القصة القصيرة التي خلت من أي أثر للسرد، مليء بالحوارات التي تظهر فيها قناعات فريد بك/ الشرقاوي السياسية، فمثلًا يخبر فريد بك مدير مأمورية السجن "هذا الوطن يا مستر كولس ليس ملكًا لكم ولا للخديو أو الوزراء، ولكنه وطن أبنائه جميعًا من الفلاحين والعمال والتجار والطلبة والموظفين والمثقفين". وتنتهي القصة بمشهدٍ شديد الوطنية، إذ يدس مستر كولس بيد السجان قطعة من ذهب وهو خارج، لكن الأخير يقذف بها ويهتف "يعيش محمد فريد" ويتجاوب السجن معه "يعيش محمد فريد". 

لا يُمكن التغاضي عن المبالغة في تصوير "الخير والشر" في "طلائع الفجر" والتأكيد على الحدود الواضحة بينهما، يظهر الخير بطبيعة الحال ممثلًا في الأفراد أو عامة الشعب الذين يُمثلون القيم المصرية الحقيقية، مثل رفض السجّان إغراءات الرشوة أو التساهل في معاملة فريد بك رغم أنه يعرف نُبل قضيته، ويظهر الشر في السلطة بممثلها مستر كولس، والقيم الفاسدة التي تمنع مصر من التقدم وتؤثر عليها سلبيًا. وستكون مسألة تحديد ماهية "الشر" و"الخير" لها عواقب مهمة على تحولات الأدب المصري فيما بعد، بعد استقرار بُني النظام الناصري ووضوح طبيعة الحياة الجديدة في مصر، وما تبع ذلك من تغير ضخم فيما هو "الشر" والطريقة التي يُمكن صياغة الانتقادات السياسية من خلالها. لكن تبعات ذلك لم تكن واضحةً وقتها، وفي ظل انتشار الأعمال المشحونة سياسيًا تجاه النظام القديم، لم يكن الأدب الخالي من الأيديولوجيا ذات أهمية حقيقية، كما عبّر الشرقاوي "بالطبع الفنان إنسان يعبر عن حركة التاريخ في لحظات معينة، وعن تطلعات واشواق الانسانية كلها، ومن هنا فهو كائن مرتبط بموقف، ولا تربطه بهذا الموقف فهو يعبر عن أيديولوجية".

جاءت أهم أعمال الشرقاوي كدليل على صدقه في التزامه الأيديولوجي وقضاياه السياسية، الرواية التي يمكن اعتبارها أهم أعماله على الإطلاق، وأهم ما كُتب بشكلٍ عام في الأدب الريفي المصري، رواية "الأرض"، حيث يدور صراع بين الفلاحين والإقطاعيين بدعم حكومة صدقي. تحاول الحكومة أن تحدد مواعيد ري الأراضي لمصلحة محمود باشا، إقطاعي القرية، بينما ينال الفلاحين النصيب الأقل من الوقت، وهو ما يحاول الفلاحين مقاومته، وكجزءٍ من هذه المقاومة، تُحاول القرية إرسال عريضة للحكومة تحاول فيها أن تطلب من الحكومة إلغاء مواعيد الري، لكن الباشا يخدعهم ويستبدل عريضتهم بعريضة يطلب فيها الفلاحين من الحكومة أن يمدوا طريقًا ممهدًا لعزبة الباشا. يحاول الفلاحين إفشال مخططات الحكومة عن طريق إفساد تجهيزاتهم وتهديد عمال الزراعية، لكن الحكومة تنتصر في النهاية بعد أن أرسلت قوة من الأمن مع عمال الزراعية لمنع التخريب، ويُمد الطريق لعزبة الباشا.

لم تكن رواية "الأرض" أول رواية تناقش الريف المصري، ولا أول رواية مصرية واقعية تقدم الحياة بمرارتها وصعوبتها، فمثلًا في نفس الوقت نشر نجيب محفوظ معظم أعماله الواقعية، لكنها كانت أول رواية تؤطر مسألة الفلاح وعلاقته بالأرض ضمن منظومة سياسية تؤكد على أهمية الثورة ضد استبداد الإقطاعيين، رفضت "الأرض" التصالح مع صورة الريف المصري المثالي الذي يُمثل فيه الفلاح المصري رمزًا وطنيًا خالصًا، والطريقة التي ساهم بها هذا التصوير لرمسنة معاناة الفلاح وتحويله لصورة جمالية تعدم الفلاح حقه.

في بداية الفصل العشرين، عندما كانت القرية تلملم جراحها بعد أن فرضت الهجانة بالكرابيج عهدًا من الرعب على الجميع. وكأن الشرقاوي يتأمل في مصير القرية، يبدأ على لسان سارده في استرجاع قراءته الصيفية، وهي ثلاثة كتب: الأيام لطه حسين، ابراهيم الكاتب للمازني، زينب لهيكل. تُقدم كل رواية منهم تصورًا مختلفًا للريف المصري، وقد ذكرهم الشرقاوي دونًا عن غيرهم لهذا السبب بالتحديد؛ الأيام رغم كونها سيرة ذاتية لكنها تناقش الريف ومعاناته كجزء من حياة طه حسين، ابراهيم الكاتب وزينب كانا من طليعة الروايات المصرية ككل في زمنٍ كانت الفروقات فيه بين ما هو رواية وما ليس رواية غير واضح. يتفق الشرقاوي مع الأيام في جملة واحدة بالإقرار على تعرض قريته لنفس المعاناة "وكنت أرى في قريتي أطفالًا عديدين أكل الذباب عيونهم كقرية الأيام"، لكنه يقضي باقي الصفحة في عقد المقارنات الحادّة بين رومانسية قرية زينب أو ما يعتقد أنه في أحسن الظروف معاناةً مخففة، وبين قسوة وصعوبة حياة الريف الحقيقية: "وتمنيت لو أن قريتي كانت هي الأخري بلا متاعب، كالقرية التي عاشت فيها زينب.. الفلاحون فيها لا يتشاجرون على الماء، والحكومة لا تحرمهم من الري ولا تحاول أن تنتزع الأرض او ترسل إليهم رجالُا بملابس صفراء يضربونهم بالكرابيج، والأطفال فيها لا يأكلون الطين ولا يحط الذباب على عيونهم الحلوة!"، ويسخر الشرقاوي من لغة هيكل الأدبية في وصف جماليات القرية المصرية "وكان النهر في الظهر يبدو تحت أشعة الشمس كصفحة من الفضة، وفي الأصيل يبدو من ذهب [..]"، ثم ينهي انتقاده لزينب بالتأكيد على أن وصف هيكل للريف لم يتعد مجرد رسم خلفية للقصة العاطفية الأهم، فزينب "لم تذهب إلى قاعة الطحين ذات يوم لتعود إلى أمها باكية .. كما صنعت وصيفة"، رغم ذكر ذهاب زينب للطحن مرتين على الأقل في "زينب"، لكنها لم تكن مرتبطة بحدثٍ يرتبط بمعاناة القرية، كما كانت وصيفة بعد عودتها من الطحين على إثر معرفتها لخبر احتكام الزراعية على أرضهم.

لم يعقد الشرقاوي أي مقارنات مع "إبراهيم الكاتب" التي كانت أكثر رمسنةً وتغربًا عن الريف المصري، واكتفي بجملة بسيطة في الحديث عن الأيام، لذا يُفهم أفراده لمعظم الحديث عن "زينب" على أنه إدراك الشرقاوي وإقراره بأهميتها التي كانت في طور التشكل وقتها مع قيام الدولة المصرية، التي ستجعل الرواية بعد عقود معتمدة في السير الرسمية للأدب المصري على أنها أول رواية مصرية "حقيقية". لم يكن الشرقاوي يُناقش وينتقد "زينب" وحدها، لكنه كان يُعلن عن موقفه كشابٍ ينتمي لطليعة أدباء الثورة من الأدب القديم، وتعاطيه الخامل مع واقع الفلاحين، ورواية زينب كانت هدفًا ممتازًا لإعلان هذا الموقف بوضوح لسببين، أولهما أن هيكل نفسه كان جزءًا مهمًا من الشهرة التي نالتها "زينب" بحملته الدعائية الضخمة حول الرواية وقت نشرها للمرة الثانية عام 1929، وكانت هذه الحملة جزءًا من إعادة صياغة ضخمة لهوية حزبه، حزب الأحرار الدستوريين، حيث حدث تحول من الاعتماد على الرموز والتاريخ الفرعوني لإنتاج الهوية المصرية المعاصرة، إلى هوية الفلاح المصري المُسلم، أو بكلمات أخرى كان الحزب يُحاول ترويج نفسه شعبيًا وسط أحداث سياسية مضطربة نالت الحياة السياسية في العموم. وثانيهما أن رواية زينب وإن كانت تستغل الريف المصري لأغراض جمالية، فهي في النهاية من الروايات القليلة في فترتها الزمنية التي تناولت الريف المصري بنوعٍ من التفصيل –بل وكان يفتخر هيكل بأنها أول رواية مصرية تناقش الفلاحات المصريات. 

ولم يكن الشرقاوي وحده في هذا "الموقف" من أدباء المدرسة القديمة أو جيل الروّاد، فقد شهدت ذات الفترة واحدة من أهم المواجهات بين الجيلين في النقاش العاصف بين طه حسين وأدباء ثورة يوليو، عندما كتب طه حسين مقالة "صورة الأدب ومادته" في صحيفة الجمهورية، وفيها اتخذ طه حسين موقفًا "جماليًا" من الأدب، مشابه لموقف المدرسة الجديدة في الأدب، حيث يري بشكلٍ عام أن الأدباء الجدد يُبالغون في تقدير الجانب الاجتماعي من الأدب. رد عبد العظيم أنيس ومحمود العالم في مقالة مشتركة تحت عنوان "الأدب بين الصياغة والمضمون" على طه حسين، وبعدها انضم العقاد للخلاف على إثر ذكر الاثنين له في مقالتهما بشكلٍ عرضي على أنه يبالغ في تقدير جماليات الأدب وحدها. وهكذا كان النقاش موضع خلاف ظهرت فيه الفوارق بين جيل الروّاد والأدباء الجدد. جمّع الأدباء الجدد مقالاتهم في كتاب يُمثل المانيفستو المصري للأدب الواقعي الاشتراكي وقتها، وعنوانه "في الثقافة المصرية"، حيث يعلنان أن الأدب المصري لابد أن يكون أدبًا واقعيًا يأخذ موقفًا إيجابيًا من تغيير المجتمع، أو ما تُعرفه سماح سليم في كتابها "الرواية في مصر وتخييل الريف" بالواقعية الملتزمة.

كان هذا النقاش الذي بدأ في عام 1954، يحدث في ذروة التغيير التي كان المجتمع المصري يمر به بعد ثورة 23 يوليو، الثورة التي أكدت على القيم الإشتراكية وعملت على هدم قيم البورجوازية. وكان من الطبيعي أن تُناقش علاقة الأدب بالسلطة والمجتمع في خضم هذا التحول، وقد كان "في الثقافة المصرية" يُلخص ويؤكد على الموقف السائد وقتها بين شباب الأدباء المصريين كما وصفه أحمد محمد عطية بعدها بعشرين سنة: جندي يحارب في صف المعارضة. لم تكن الواقعية المصرية مجرد إقرار سلبي بمعاناة المصريين، أو كما يناقش "في الثقافة المصرية" توفيق الحكيم بأعماله التي يرى أنها قدمت درسًا مهمًا للأدباء المصريين، حيث يأخذ عليه أن معالجته لقوي الريف والمجتمع لم تكن "متغيرة ومتطورة" وأنه اكتفي فقط بالسخط، "ومن هنا يتضح خطر السخط وحده. فالسخط الذي لا يصاحبه أمل مستمد من الواقع ينتهي حتمًا إلى اليأس"، لم يكن الاكتفاء بتقرير الحياة والمعاناة كما هي بدون تخييل أو معالجة أدبية غير حقيقية، يُعتبر أدبًا كافيًا، بل يجب على الكاتب أن يكتب بإيجابية عن هذا التغيير، وأن يظهر من يعانوا في صورةٍ إيجابية. فمثلًا في حالة الكتابة عن الريف، يجب على الكاتب أن يقدم الفلاح المصري في صورة مواطن ثائر يعرف حقوقه ويسعى وراءها ولا يكتفي بالاستسلام لبطش الإقطاعيين. وهو ما فعله الشرقاوي في "الأرض"، حيث قدم فلاحًا مصريًا لا يعرف المهادنة ولا الاستسلام، ويظهر مرةً تلو الأخري مقاومةٍ تتشكل بصورٍ وأنواع مختلفة، حتى عندما ينتهي الأمر بهزيمة القرية أمام الحكومة، يظهر الفلاح المصري بصورة إيجابية وهو يتضامن مع من خسروا أراضيهم نتيجة لطريق الباشا.

وتُظهر "الأرض" جانبًا آخر من شخصية الفلاح الإيجابية التي تُشارك بوعي في العملية السياسية، فالفلاحين يفهمون أن صراعهم الحقيقي ضد النظام البرجوازي وإسماعيل صدقي وليس مجرد صراع على حقوقهم في المياه أو الأرض بشكلٍ حصري، بالرغم من أن فلاحًا واحدًا هو من كان "متعلمًا" في القرية، والبقية كانت إما شيوخ تعلموا في الأزهر أو من انتقلوا للقاهرة بعد تعلمهم. وقد علّق عبد المحسن طه بدر في نقاشه لرواية "الأرض" على ذلك بقوله "بينما من المنطقي تمامًا أن تقاوم قرية مصرية بعنف أي استغلال لأرضها –مصدر خبزها وحياتها– فإنه من الصعب تصديق أن هذه القرية ستتحرك دفاعًا عن مبادئ مجردة مثل الحرية أو الدستور أو حزب الوفد، أو ضد ما تعتبره نظام صدقي البرجوازي". لا يعني هذا أن الريف المصري لم يكن قادرًا على المشاركة في العملية السياسية والتغيير كما يثبت التاريخ كثيرًا، لكنه يعني بشكلٍ حصري هنا بالتنظيم والتجرّد. يُمكن للفلاح المصري أن يفهم أن سبب حياته التعيسة هو الباشا الذي يعصر جسده وأرضه لمصلحته، لكن هل يُمكن الإدعاء بأنه يُدرك أن وجود هذا الباشا وسلطاته هي نتيجة للنظام البرجوازي الذي يُمكنه؟ هناك خيط رفيع بين كراهية السلطة ومعاداتها بشكلٍ فطري، وبين افتراض أن هذه الكراهية نابعة من موقف فكري محدد.

لم يكن من الغريب أن يواجه الشرقاوي نفس التهمة التي وجهها هو لهيكل بتصويره غير الحقيقي للريف، إذ اتهمه لويس عوض ذات مرّة بأنه يكتب عن الفلاحين كما يتصورهم ليس كما هم، فرد الشرقاوي في مقابلة بمجلة البيان "أنا أكتب عمن أعرفهم وعما أعرفه في قريتنا وحقولنا"، وهو رد يُلمح بالعلاقة بين حياة الشرقاوي نفسه كفلاح نشأ في القرية ضمن الفلاحين وبين ما يكتبه، أي أنه كان يتخذ من هُويته كـ"فلاح مصري" حقيقي مرجعيةً لأعماله. وليس الشرقاوي حالةً متفردةً في اعتبار أن جانبًا من أعماله يعكس جزءًا من سيرته الذاتية، فقد ربطت سماح سليم في كتابها "الرواية في مصر وتخييل الريف" بين ملاحظة جابر عصفور عن ازدهار رواية السيرة الذاتية وبين ظهور الرواية الريفية كنوعٍ أدبي مميز. ويرى مصطفى عبد الغني جانبًا آخر من هذه الذاتية في تعليقه بأن الرُواة في أعمال الشرقاوي يتشابهون بشكلٍ ملحوظ مع الشرقاوي نفسه كما يُعرف من سيرة حياته الذاتية، فهو الصبي الذي تُفتتح به رواية الأرض وهو عائد من مدرسته، وهو طالب الثانوية ومن بعدها الحقوق في روايتا قلوب خالية والشوارع الخلفية، وفي النهاية موظف في القاهرة بعيد عن قريته في رواية الفلاح.

ويمكن رؤية ارتباط الشرقاوي بالفلاحين، ذلك الارتباط الذي أكّد الشرقاوي عليه مرّات عديدة، يخلق علاقةً جديدة بينه وبين ما يعالجه بصفته جزءًا منه، يُعيد إنتاج معاناة الفلاحين بصفتها جزءًا من خطابه السياسي بدون أن يخاف من اتهامه بأنه يستغل الفلاحين لذلك. ليس من الغريب إذًا أن يُتبع الشرقاوي رده على لويس عوض بأنه يكتب عمّا يعرفه، بأن يقابل هذا المعرفة، معرفته الوثيقة بالفلاحين، بجهل لويس عوض "وأعتقد أن الدكتور لويس عوض لم يعرف الفلاحين كما ينبغي وربما لم يعرفهم على الإطلاق ولن يعرفهم"، وهذا التأكيد هو رفض لاعتبار انتقاد لويس عوض حقيقيًا لأنه من وجهة نظر الشرقاوي، لا يُمكن لفلاح مثله أن يكتب شيئًا ما خاطئًا بحق الفلاحين، وكأنه يُعطي وصايةً لنفسه على الفلاحين المصريين في تصويرهم بالأدب.

وكما كانت هذه الوصاية ذات أثر إيجابي، لأن الشرقاوي لم يهمش القرية والفلاحين، وغيّب أي بطل رئيسي أو صوت سارد عليم مُستمر على مدار الرواية، ليعطي الفرصة كي تظهر قرية “الأرض” بفلاحيها في المركز، كفاعلين ومُحركين للأحداث. فقد كانت نفس الوصاية لكاتب يعتقد أن السياسة تمثل جزءًا مهمًا جدًا من ما يكتب عنه الفنان، كان هو نفسه من لم يجد بدًا من أن يُرهق ثورية الفلاحين الحقيقية وقدرتهم الملموسة على النضال بأفكاره السياسية التي لم تكن حتى مستقرّة في المدينة المضطربة وقتها بكافة الطوائف السياسية. ويُمكن هنا ملاحظة استمرارية الشرقاوي واتصال أعماله في عودة نفس التقنيات من طلائع الفجر، إبراز الشر وفصل الأفراد عن هذا الشر؛ في القرية نوعان من الأشخاص، شرير وهم الحكومة ومن تابعها مثل محمود بيه مالك الأرض، وخيّر وهو من ليس بتابع للحكومة. شرير وخيّر هنا بمعنا الكلمتين، أي أن محمود بيه لا يهمه سوي مصالحه ولا يفعل شيئًا سوى إيذاء الفلاحين وكل أفعاله مليئة بالإهانة والإذلال للفلاحين، والحكومة كذلك لا هدف لها سوى أن تنغص حياة الفلاحين، ويظهر شر الحكومة في المبالغة في التأكيد على طيبة الأفراد وصدق نواياهم حتي ولو كانوا عُمالًا يخدمون رغبات الحكومة الشريرة، فمثلًا عبد الله الشاويش الذي اعتدى على الفلاحين بالكرباج ليسيطر على القرية بعد أن انتفضت على عمال الزراعة، "تعرف فيما بعد على الذين ضربهم أول يوم ظل ساهرًا طول الليل يحرقه الندم، حد لقد بكي بدموع العين"، وتستمر نفس الثيمة في أعماله الأخرى، في رواية "الشوارع الخلفية" مثلًا يعتذر الضابط لأهل الشارع في بحثه عن أحد المطاردين السياسيين "وتحرج الضابط قائلًا بخجل: والله أنا آسف جدا يا جماعة، يعني دي أوامر، وأنا دايمًا أحاول أوفق بين الأوامر وضميري، يا جماعة أنا والله، وربنا يعلم، أنا آسف جدًا".

وفي ثنائية الخير-الشر/الحكومة-الفلاحين، يَظهر أثر وصاية الشرقاوي على أعماله، فهو يُحدد هوية الفلاح بامتلاك الأرض ويربط بينه وبين الكرامة، كما تُخبر الفلاحة وصيفة، الفلاحة الجاهلة التي لم تذهب للمدرسة، الطالب القادم من مدارس مصر بأنه "من لا يملك في القرية أرضًا لا يملك فيها شيئًا على الإطلاق حتى الشرف"، ولا شئ يُبرز قيمة الأرض الاجتماعية أكثر من النهاية التي تفقد فيها وصيفة أهميتها الاجتماعية كفتاة القرية المرغوبة جزئيًا، إذ يُفكر السائق الأكبر منها سنًا بمراحل في التزوج منها لـ"يسترها" من مصير التغرب في العمل بالزراعية بعد أن اقتطعت منها أرضها، ويُعاني محمد أبو سويلم أبو صفية مصيرًا مشابهًا، فهو رغم أهميته الضخمة في القرية بوصفه رئيس الخفر السابق وجندي سابق كان الوحيد الذي عاش من كتيبته، يفقد مكانته في القرية من ناحية، وتكتمل معاناته باضطراره للقبول بزواج ابنته من السائق ليتقاسم معه أموال التعويض عن الأرض كي يبني مطحنة.

ومن اللافت للنظر تصوير الرواية لشخصيتين مهمتين لا تمتلكان أرضًا: شيخ القرية، وخضرة التي شُردت بعد أن تركها والداها لدي أحد ملّاك القرى لتخدمه، وكانت تقدم جسدها لذكور القرية بمقابلٍ زهيد يصل أحيانًا إلى قطعة خيار في يومٍ مُشمس. وفي النهاية قُتلت في ظروفٍ غامضة بعد أن كانت القرية تحتقرها دائمًا وتعتبرها عنصرًا خارجًا لا يمثل القرية. يصفهم الشرقاوي على لسان أحد أبطال الرواية "إن الذين يملكون أرضًا في القرية يضعون أيديهم في النار.. أما سيدنا فهو كخضرة يده في الماء.. ولهذا فهو يقول كما يشاء ولو كان له أرض لالتهى". 

لم ير الشرقاوي عدم امتلاك خضرة للأرض كمشكلة تسببت في حياتها البائسة، فجسدها التي كان يُستهلك يوميًا بأبخس الأثمان من شباب القرية كان مُبررًا لاعتبار أن خضرة مكتفية بما تقدمه وبالتالي فهي بعيدة عن معاناة الفلاحين الحقيقية. وعلى مدار الرواية، كانت علاقة الأرض-الفلاح حاضرة في معالجة مشكلة البروليتاريا التي لا ترتبط بملكية الأرض. فمثلًا يتحدث أحد شباب القرية ممن فشلوا في مصر ورجعوا بلا عمل، مع الشيخ يوسف صاحب البقالة الوحيدة وواحد من أهم رجال القرية، يمدح الشاب قدوم الزراعية للقرية لأنها توفر فُرص عمل للعاطلين أمثاله، لكن الشيخ يوسف –مالك أرض– لا يرى ذلك، يعتقد الشيخ يوسف أن الحكومة لا تعوزها اليد العاملة سواءً من عاطلين المدينة أو حتى عمال الطرق أنفسهم، لكنها تفعل ذلك لتتلاعب بأهالي القرية وتخلق العداوة بينهم، ويذكر في كلامه أن ملك الشاب من الأراضي التي قد يرثها عن والده ستغتصبها الزراعية. لم يعالج الشرقاوي أبدًا مشكلة عاطلي القرية واكتفي فقط بإعادة إنتاج حصرية الأرض في الاعتراف بالمعاناة أو حتى بوجود مشكلةٍ ما، وبنفس النغمة، لم يتوقف الشرقاوي عن انتقاد العمل بالزراعية على مدار الرواية، إذ يذكر أن "عمال الزراعية هم أيضًا –كالعساكر– يملكون القرش، وليس عند بنات القرية ذرة ولا مال، والقرش يمكن أن يقلب رأس أية واحدة!”. مع أن غياب التعاطف في "الأرض" مع معاناة عمّال الزراعية يتناقض مع الشرقاوي موقفه السياسي من البروليتاريا ومقالاته التي كان يكتبها، هو نفسه الذي اتخذ موقفًا إيجابيًا من عامل المطبعة في رواية "الشوارع الخلفية" وقدم نماذج جيدة من العمّال في آخر رواياته "الفلاح". 

يُبين هذا الرفض الفشل في الفصل بين الوصاية ذات الطبيعة السياسية والأخلاقية على أعمال الشرقاوي وبين ما يجب أن يُقال إذا كان حقًا يريد أن يتكلم عن الفلاحين كما يعرف عن أهل بلده ومن عاش وسطهم، ما كان يفعله الشرقاوي في رواية الأرض، هو استعمال الفلاحين لسرد رؤيته السياسية عن بُنية الريف السياسية-الاجتماعية، وقد ساعده في ذلك أن زمان رواية "الأرض" كانت الحكومة فيه فعلًا بورجوازية وكانت بالتالي هدفًا سهلًا إعادة إنتاج الخطاب الآمن وقتها والرافض للحكومة. يتضح هذا الأمر بمقارنة موقف الفلاحين في آخر رواياته "الفلاح" في وقت الحكومة الناصرية، تختلف الحبكة في رواية "الفلاح" لأنها لا تدور عن الصراع على الأرض لكنها تناقش مسألة الصراع الطبقي في سياق النظام الجديد، هنا أيضًا حكومة بعيدة تُدير الفلاحين عبر وسطائها المحليين، وإقطاعي كبير متغطرس، تدور مشكلة الفلاحين مع تعنت الإقطاعي، رزق بيه، في المشاركة في العملية السياسية التي كانت تدور عبر مجلس الفلاحين في القرية، ويحاول الفلاحون أن يعقدوا جلسة الاجتماع من دون حضوره وهو ما يعد أمرًا غير قانونيًا، تسير أحداث الرواية في اتجاه مليء بالضبابية من موقف الحكومة، لكنه يتجنب تمامًا الإشارة إلي شخصية الرئيس بالسلب كما فعل مع حقي باشا، ويشكر فيه مع ذكره بالإسم.

لم يكن الشرقاوي غير واعِ بما كتبه سابقًا عن معاناة الفلاحين، فامتلأت "الفلاح" بالمقارنات بين الماضي والحاضر. مثلًا يُقارن في مشهد واحد التطور الثقافي والاجتماعي والحضاري الذي حل على القرية، عندما يؤتى على ذكر قطعة من الأرض، كانت في الماضي "خربة [..] مليئة بالثعابين، وكانت تسلل إليها الذئاب والثعالب". لم تعمر قطعة الأرض هذه إلا في ليلة واحدة طول السنة، ليلة مولد سيدي مسعود، ولكنه عُمران غير إيجابي لأن الموالد من المخلفات الثقافية التي استهلكت القرويين في أموالهم، وأيضًا لأن من يعمرها هما "حلقات الغوازي وبائعات الفول السوداني والحلاوة السمسمية وبائعات الهوى المحترفات، وكل ما ترسله المدينة الصغيرة إلى القرية"، لاحظ هنا كيف ذُكر تأثير المدينة السيئ على الريف بشكلٍ خاطف لكن في موضع حيوي من العمل، لأن قطعة الأرض هذه كانت بالإجمال مكروهة وكانت مُلطخة بالعار "كانت فتيات القرية يتجنبن هذا المكان"، أي أن المدينة كانت جزءًا مهمًا من خراب القرية الأخلاقي الماضي، وهي ثيمة ملحوظة بشكلٍ أكبر في "الفلاح" لأن السارد هنا موظف بالمدينة وبالتالي تحضر المدينة هنا أكثر من "الفلاح". بعد أن يرسم الشرقاوي صورة لأسوأ قطعة من الأرض في القرية، يُبرز في مقارنة بارعة انتقال القرية من التخلف إلى التحضر "ولكن ليلة مولد سيدي مسعود لم تعد تقام بعد.. وبدلًا من تلك الأرض الخراب، أري أمامي الآن بناء جديدًا أنيقًا من طابقين". ويستمر في الحديث بالايجابية عن الوضع الحالي "وأخذت أنظر إلى الحائط الخارجي للمبنى.. كله بلون أبيض ناصع يشرح القلب.. والباب بلون أخضر ريان بهيج.. وفي أعلى الباب صورة للرئيس.. ينظر باسما، ونظراته تطل على الجميع، كأنها تعبر الآفاق إلى مستقبل مشرق".

ومع تقدم الأحداث في "الفلاح"، نُلاحظ غياب الفلاح الثوري الذي كان يرى في الحكومة عدوه الأول، وليس هذا بغريب مع الأخذ في الاعتبار أن الحكومة وقتها كانت حكومة جمال عبد الناصر، وهي حكومة لم يكن الشرقاوي مختلفًا مع مبادئها كثيرًا تلك الفترة –لأن الشرقاوي فيما بعد تغير في علاقته مع الدولة الناصرية حين انقلابها على "رفاق الثورة" ورفض التجديد والانفتاح الأدبي الذي كان يظن أدباء يوليو أن الدولة تشجعه، ومع سجن عدد من زملاء الشرقاوي، بمن فيهم أخو الشرقاوي نفسه، كانت علاقة الشرقاوي بالنظام مضطربة تمامًا، وهكذا نشر مقالة تحت عنوان "وسقطت عصابة الإرهاب" في انقلاب 15 مايو ونهاية النظام الناصري —ويظهر هنا بوضوح ملاحظة عبد المحسن بدر بخصوص المحتوى السياسي المُوجه في ريف الشرقاوي، لم تكن الشكوى الأهم أو الأكبر للفلاحين تتعلق بحياتهم أو بطبيعة معاناتهم في الحقل، ولكن بعدم قدرتهم على المشاركة في العملية السياسية بسبب تدخل الفلول البرجوازية المعادية للثورة ومن بعدهم مستغلي نظام الحزب الواحد، وعلى مدار الرواية يُظهر الفلاحون نضجًا سياسيًا رُبما لم تمتلكه أغلبية الحضر وقتها. على سبيل المثال، يظهر الفلاح سالم في أول الرواية وقد استغل الباشا جهله وسذاجته ليجعله يوقع على عقد يتخلى عن ملكيته بأرضه، وفي منتصف الرواية بعد مرور أيام في الزمن السردي، يقول نفس الفلاح "عاوزين نحس بالزحف الثوري بصحيح من الجرايد… ما فيه بعض ناس بتكتب كويس برضه وفيه حاجات حلوة بتنشرها الجرايد"، ولولا أن الشرقاوي أظهر على مدار حياته ما يكفي من العلامات لإثبات صدق إيمانه بالثورة الاشتراكية، لكان من الواجب النظر إلى هذه القطعة على أنها تصور بشكلٍ ساخر الحياة السياسية وقتها، مجرد جعجعة بالمصطلحات الضخمة من دون وجود حياة سياسية حقيقية لأن النظام احتكرها لنفسه، والتظاهر بأن المعارضة المقبولة من النظام نشاط سياسي حقيقي.

مع بداية الفصل العاشر من رواية الفلاح، يبدأ السارد مونولوج عن الخير والشر، هذه المرّة عكس أعماله المبكرة التي كان الفارق فيها واضحًا جدًا، تُستخدم مصطلحات مبهمة وعامة، حاول الشرقاوي أن يُعيد نفس الدرس عن أن طيبة الفلاحين هي المشكلة الحقيقية لأن النظام الناصري لن ينجح في معركته مع "الأعداء" وحده، لم يكن المونولوج سوي افتتاحية لقصة أصغر ضمن الرواية. تحكي القصة عن ذهاب السارد لدائرة الاشتراكية التابعة لها القرية في محاولة لمعرفة مصير أفراد القرية الذين حاولوا التمرد على الحكومة، وكيف كانت تجربته هناك مع المحامي الذي لم يتوقف عن محادثته عن اليوجا ولعب التنس وهو يتجاهل حديثه عن مساجين أهل قريته. ويمر الموقف تلو الموقف كما يلي، يصرخ أحد الفلاحين الحاضرين مع نهاية الفصل العاشر من مدى "القهر" و"الظلم" في حضرة "المحامي" المُفترض به أن يكون مسئولًا عن شكواهم، ويختتم المشهد "ووقع الرجل على الأرض وأطبق الصمت كالأسي، لم تقطعه سوي زفرات سيجار الهافانا الفاخرة من المحامي"، يبدأ الفصل التالي بابنة نفس الفلاح وهي تستفسر عمّا حدث لوالدها، لا يجد الشرقاوي مشكلةً في الظروف المشحونة وقتها في أن يُسلط بحلقة ذكورية على جسد المرأة "وعاد يسحب فتاة طويلة بيضاء الوجه مليئة الجسم، ينسدل ثوبها الاسود الريفي على بدن شاب واضح العنفوان.. يتحرك في حرج وينتفض بالحنق.. وصدرها يترجرج [..]”، ويستمر الفصل مع موقف لمساعد المحامي الذي يُعطي خطبة عن الاشتراكية وأعداؤها والضابط قريب السارد الذي يعده بحل المشكلة، وأخيرًا يختم الفصل الاثنا عشر قصة دائرة الاشتراكية باختفاء مساعد المحامي والضابط، ليؤكد على غياب مضمون ثلاثين صفحة كاملة من أي شئ سوي البروباجندا. في النهاية، رغم ما ظهر أنه موقف متشكك من السلطة، تُحل المشكلة بكل بساطة ويعود الجميع لبيوتهم سُعداء. ومن المثير للاهتمام إجابة الشرقاوي عندما سئل ذات مرّة عن اختلاف ردود فعل الفلاحين تجاه الحكومة الناصرية:

"في روايتك الأرض صورت الفلاح المصري عام 1930 يناضل ويرفع السلاح ضد طاغية بالرغم من أن السلطة في القاهرة كانت رجعية وضده، وفي عام 1965 كتبت عن روايتك الفلاح يشكو ولا يناضل بالرغم من أن السلطة في القاهرة ثورية ومع الفلاح؟!

في عام 1930 كان أعداء الفلاح واضحين ومن ثم كان الفلاح يناضل ضدهم ويرفع السلاح للحصول على حقه.. أما في سنة 1965 فقد شكا إلى السلطة الثورية في القاهرة لا الأعداء، والأصدقاء كانوا يرفعون نفس الشعارات وأصبح صعبًا على الفلاح أن يضرب خوفًا من أن تصيب الضربة صديق!"

هذه هي نفسها المقابلة التي رد فيها الشرقاوي على لويس عوض باتهام مُبطن بأنه ليس مهتمًا فعلًا بمعرفة أي شيء عن الفلاحين، وهي نفسها التي أعلن فيها وصايته الشخصية على ما كل ما كتبه قبل ذلك. الأهم من هذا أنها كانت مقابلةً في عام 1971، أي العام السابق مباشرةً لتولي الشرقاوي منصب رئيس مجلس الإدارة بجريدة روز اليوسف التابعة للحكومة، وبعد عقود من الاضطهاد السياسي بدأت بسجنه في 1946، صار الشرقاوي أخيرًا جزءًا من سُلطة الدولة الأدبية. 

كان ذلك أول تغيير عميق في علاقة الشرقاوي ككاتب بالسياسة وبالدولة، وتلاه صعود مستمر في النظام، حيث نال الشرقاوي تقدير الدولة الرسمي بحصوله على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1974، وأخيرًا عُين سكرتيرًا عامًا للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية فى 23 إبريل عام 1977. ليس من الغريب مع انضمام الشرقاوي للنظام كجزء من سلطته الثقافية أن يتخلى عن جلده القديم، وأن يظهر فتورًا تجاه حياته السياسية النشطة من قبل في وقتٍ كانت قبضة الدولة البوليسية تزيد إحكامًا عن قبل. يُعلق مصطفى عبد الغني على هذا التحول "لماذا أنكر الشرقاوي انتماءه لأي تنظيم سياسي إذًا؟ ربما كان هذا الموقف يرتبط بالفترة الزمنية التي أعلن فيها، فهو لم يعلن قط عدم انتمائه اللهم إلا في فترة الثمانينات، وهو وقت تحول فيه إلى أحد (موظفي الدولة) بتعبير جرامشي [..] وهو يرتبط بالعامل الآخر، من أنه كان أوغل كثيرًا في الاتجاه الإسلامي سواء في مقالاته أو في كتاباته في السير [..]". ومن المدهش أن جزءًا ضخمًا من إرث الشرقاوي ككاتب صار يحمل علامات إنتاجاته الإسلامية؛ وُصفت مسيرة الشرقاوي الأدبية بأنه "كانت الإسلاميات أعظم ما كتب عبد الرحمن الشرقاوي"، ويعلق نبيل فرج مثلًا على مُجمل إنتاج الشرقاوي "ولا شك أن الكاتب المؤمن بالحياة والإنسان [..] سيختار موقفه تلقائيًا مع التقدم والتجديد والبناء، كما اختاره عبد الرحمن الشرقاوي، رغم كل ما يؤخذ عليه بحق من انحياز تام للسلطة على امتداد السبعينات [..] اتجه الشرقاوي في المراحل الأخيرة من حياته، إلى الفكر الإسلامي"، وذُكر في نعيه بجريدة الأهرام بأنه "اشتهر بمؤلفاته الإسلامية منها: محمد رسول الله وأبو بكر الصديق [..]" ولم يأت ذكر الأرض إلا بعد عدد ليس بقليل من أعماله "الإسلامية". ولا يشهد على هذا التأثير أكثر من النقاشات الضخمة التي أثارها فيلم الرسالة المُقتبس من كتاب الشرقاوي "محمد رسول الحرية" درجة تدخل الرئيس عبد الناصر نفسه وشيخ الأزهر ليساندا الشرقاوي، لم تحدث أيًا من أعماله نفس الضجّة خارج الدوائر الأدبية وخصوصًا المهتمة بالأدب الريفي رغم محتواها السياسي الواضح، وهو أمر مؤسفٌ نوعًا ما، فالكاتب الذي كان يُحدق في الهاوية يومًا ما، صار جزءًا منها.


* المقال خاص بـ Boring Books

** يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية