أحمد فتحي: داروين والثعلب (قصة)

2025-08-27 - Ahmed Fathi

في أيامي الأولى كنت أسألهم إذا كانوا يشعرون بالإرهاق فيومئون قائلين إنهم يأتون من مدن أخرى بعيدة، كلما سمعت ذلك أرى أمامي نقاطًا ضوئية قاصية، وأحب أن أسمعهم يرددونها: "مدن بعيدة" بلهجات وأصوات مختلفة فتتجلّى لي المسافات في وجوههم بشتّى التفاصيل.  

داروين والثعلب

قصة لأحمد فتحي


عن ال guardian

فقدتُ وعيي وأنا أشرح المحاضرة، ولم أخبر زوجتي. كان أول شيء رأيته حين بدأ ظلام عقلي في التلاشي، جسدها وهي تنظر لي من علو، وكانت تمد يدها لي.

أنا جالس في نفس الغرفة حيث تجلس. يراودني نعاس أشتهيه لعلّي أستريح قليلًا من التفكير طيلة ليلة أمس وأثناء الصباح. يرسو هذا الأرق حول عيني منذ شهور. سأغفو هنا في بقعة شمس أتخيلها دافئة وأجلس فيها كهرّ. أشم روائح نفّاذة؛ أسماك وفحم وغابات كثيفة وسيقان قمح تُهشّم، وها هو الثعلب يدور في رأسي عدة دورات. هناك شجار على وشك أن يبدأ بين چورچي وتشارلز روبرت، وزوجتي تتحول إلى تفاصيل ضبابية وراء المكتب كأنها داخل صورة.

تكتب زوجتي رواية، ولذا لا أستطيع التحدث إليها هذه الأيام. أنصت فقط لما تقوله وأشاركها رأيي في مواضيع تختارها بعناية. تبدأ محادثاتنا أثناء كتابتها للرواية بحذر كي لا تسبب فوضى في أفكارها. هذا اتفاق قررناه بيننا منذ مدة طويلة مثلما قررنا ألا تؤثر خلافاتنا الفكرية على مشاعرنا.

في نهاية اليوم قد تريني جملًا بلا سياق من العمل الذي تكتبه، ومع ذلك لا يمكنني مشاركتها ما يُشغل عقلي. برغم استماعي لها يوميًا ينبغي ألا أخبرها أنني أفكر طول الوقت هذه الأيام في داروين والثعلب. أعترف أني أفكر في ذلك لدرجة الهوس. في حياتنا تشاركنا الهوس تجاه الكثير من الأشياء، واعتدنا أن نتحدث كثيرًا ما عدا في الفترات التي تكتب فيها رواية.

في تلك الأثناء تحرص زوجتي على التحدث في مواضيع لا علاقة لها بمحتوى ما تكتب. لا تريد لشيء مهما كان بسيطًا أن يؤثّر على مسارات تفكيرها كما تقول، ما قد يؤثر على كتابتها لغة وفكرًا. حيث ترى أن محادثة معي أو مع أي شخص إذا لم تكن محادثة موزونة فإن وترًا حساس سيهتز ويغير من طبيعة الدروب في متاهة عقلها. لا أعتقد أن زوجتي منشغلة بقلق التأثر الخاص ببلوم، فهي تلتهم الكتب التهامًا وتعرف منابع تأثرها وتحاوطها بسد منيع فلا يفلت منها إلا ما تختاره هي عن عمد، إنما هو قلق التأثر المستمد من ذبذبات المعيشة اليومية والتفاعل البشري الذي ينبش في الرأس، بتعبيرها.

توجد معضلة كبيرة، ليس ثمّ من أخبره عن داروين والثعلب، على الأقل من سيتفاعل معي بنفس طريقة زوجتي إذا لم تكن تكتب رواية.

زوجتي تقول إن الكتابة بالنسبة لها حالة تأملية طويلة وليست مصارعة ثيران كما يصورها البعض. فما إن تبدأ مشروع لا تريد لشيء أن يعكّر صفو أفكارها، كالممثل الذي يتقمّص دوره بمجرد أن تبدأ فترة التحضير لفيلم ولا ينتهي ذلك عند الكاميرا فقط. سواء اعتقدتُ في حقيقة تلك الطريقة أم لا، لا يهم، إنها تنجح مع زوجتي. لقد نشرت ثلاث روايات وكتابي مقالات وفازت بجائزة مرموقة والآن تكتب الرواية الرابعة. 

هذه الحالة التي تعيشها زوجتي أثناء الكتابة تجعلنا نقضي حياتنا على فترات؛ فترة تكون مليئة بالصخب والسفر والامتلاء بكل شيء، ثم نفضه في فترة البيات الشتوي حين يقل التواصل بيننا إلى صورة شديدة الاختزال نتحسس فيها التعبير ونراقب احتمالات الأفكار المختلفة في خريطة متغيرة الملامح.

ليس هناك سياق أتحدث فيه عن الثعلب وداروين في محاضراتي وقد فكرت في ذلك مرارًا. ليس هناك سياق مع من تبقى من أصدقائي، ولا أتصور أن أحرج نفسي على ما يُسمّى بمواقع التواصل الاجتماعي.

لأن لها عقلًا حساسًا يغرق بسهولة في محيط الأشياء والبشر، تبحث زوجتي عن التجريد الكامل لأفكارها، لتكتب نصًا من نبع أفكارها الصرف، من مكنون ذاتها كما تقول، أظن أنها تشير لـ ريلكه في هذا الموضع. حرصتْ أن تريني حوار يون فوسه بعد فوزه بنوبل وحديثه عن الكتابة التي تأتي من الإنصات العميق أو شيء من هذا القبيل.

إذا قلت لها مثلًا إني رأيت طائر الشحرور في حديقتنا اليوم، فإنه سيتدحرج في مسارات عقلها مسببًا فوضى عارمة. هذا ما تقوله لي وعلي أن أصدّقها. تشاجرنا كثيرًا في الماضي نتيجة لذلك. إنها ليست سعيدة بعمليها الأول والثاني إذ أثناء قراءتها الخامسة والسادسة لهما أدركتْ أنني حاضر في النص عن طريق اقتراحات وجدت طريقها للسرد والحبكة واللغة من محادثاتنا، وقالت إن لي أثر مراوغ كالثعلب يسري في النص بخفّة وخبث، ولذلك فإن هذه الأجزاء في رأيها ليست أصيلة، واتهمتني في نوبة غضب أني "غزوت النص". عندما قرأتُ هذه الأجزاء لم ألاحظ وجودي على الإطلاق.

تقول زوجتي في حوار مع بلو ريفيو: "عندما أكتب، أركّز تمامًا على التدفق الداخلي، سمّه المركزي إن شئت، للأفكار والمشاعر القادم من مجاهل ومسارات باطنية؛ الجوهر الذي يسميه البعض الروح أو الإلهام أو ربما الأسلوب. أحاول اقتفاء أثر كل شيء، كل جملة أفكر فيها لأتيقن أنها نابعة من نبض وجذوة داخلية، لا من مؤثرات خارجية لا سيما البشر".

ألاحظ أن زوجتي تستخدم كلمة مسارات بكثرة، بإيحاء مني ربما، فعادة أحدّثها بخصوص محاضراتي عن مسارات الدوبامين في المخ. عندما فقدتُ وعيي أمس، لم يختل توازني فقط، بل اختلّ توازن القاعة. أدرك ذلك لأنني حين أشرح أعرف أن هناك نظامًا ما يسري في القاعة، انتبهتُ إليه منذ مدة طويلة. عادة تحوي القاعة طلبة أو متدربين في غاية التركيز وآخرين يغلبهم النعاس أمنة.

في أيامي الأولى كنت أسألهم إذا كانوا يشعرون بالإرهاق فيومئون قائلين إنهم يأتون من مدن أخرى بعيدة، كلما سمعت ذلك أرى أمامي نقاطًا ضوئية قاصية، وأحب أن أسمعهم يرددونها: "مدن بعيدة" بلهجات وأصوات مختلفة فتتجلّى لي المسافات في وجوههم بشتّى التفاصيل.  

ذلك يطمئنني أني لست مملًا في الشرح وفي كل الأحوال لم أحس بإهانة شخصية إذ بينما أشرح أجد نفسي أتأمل الوجوه النعسانة الصافية مقابل الوجوه المنتبهة الحريصة على الفهم فأحس بهذا النظام، بهذا الاتزان من وجود الوجوه اليقظة والغافية في تناغم، بل صرتُ أجد مشكلة كبيرة إذا لم ينم البعض أثناء الشرح، فالنائم يحمي المنتبه من اللصوص الذين يتربصون في الأركان منتظرين فرصة للانقضاض، والأخير يحافظ على تدفق أحلام الأول بتثبيت نظرته حول المَشَاهد في أثير الغرفة فتبقى الخلايا العصبية في حالة اتصال، فإذا نادى أحدهم الحوريات أثناء نعاسه يسألني أحد المنتبهين بحماس عن الدور الذي تلعبه القشرة المخية في اتخاذ القرارات السليمة. حين فقدتُ وعيي اختفى كل شيء وجاءت زوجتي.

منذ أصابني الأرق حين بدأتْ زوجتي روايتها الرابعة وهي تسمح لي بالجلوس معها دون كلام، وأنا أحظى بهذه الغفوة القصيرة وأؤمن تمامًا أنها تحافظ على اتّزان كتابتها حين ينجرف عقلي المتشتت بعيدًا بينما ينتبه عقلها الجميل دون أن تتداخل مسارات أفكارنا.

إنها لا تعرف أن ما أريد حكايته عن داروين والثعلب أمر يخص الانتباه.

*

اشتريتُ مطرقة چيولوچية ونموذج سفينة خشبية متوسط الحجم وتركتهما في الحديقة الخلفية. لا شك لدي أن زوجتي قد رأتهما لكنها لم تعلّق.

أقضي وقتي في التنقيب عن طريقة أخبر بها زوجتي دون أن أشتت عقلها. لا أستطيع انتظار سنة كاملة أو أكثر حتى تكون انتهت من روايتها، ومع ذلك لست واثقًا من قدرتي على إقحام الثعلب في الأحاديث اليومية، وستكون مشكلة كبيرة محاولة إقحام تشارلز روبرت داروين ذي الحاجبين الكثّين والكتفين العريضتين. إن تواجده بالطبع سيتسبب في طفرة؛ أخمن ما يمكن أن يحدث في مسارات عقلها وخلايا تنطفىء وأخرى تضيء بالتتابع، وعبر زمن مغاير لإدراكنا مع جدران تتشعب إلى حواري مجهولة وأخرى تنهار فوق رأس داروين الذي لا يسألني أحد عنه. 

إنني متلهف للحديث إليها عن داروين والثعلب أثناء رحلته على متن البيجل وعلى أحلام اليقظة التي تنتابني بخصوص ذلك. ينبغي أن أكون في غاية الحذر لأنها ستكون شديدة التركيز والحساسية تجاه الموضوع برغم أني لا أعرف محتوى ما تكتب بالضبط، لكني من تجربة سابقة أعلم أنه سيجد طريقه إلى سردها. إذا تشاجرنا هذه المرة فإني أشعر أنها ستتركني والحقيقة أني لا أستطيع العيش بدونها. لا أتصور أن يمر يوم دون أن أراها جالسة على المكتب تبتسم لي من وقت لآخر، ودون أن أرى تسلل شعاع الشمس شديد الندرة وهو يلمس جلدها الناعم، ودون أن أرى الألق في عينيها حينًا والإحباط حينًا إلى درجة البكاء حين تترك المكتب وتقول لنخرج لشراء حاجياتنا. لقد قايضتُ ذلك بالصمت.

زارها ذلك الإحباط اليوم السابق وقالت لنذهب للتسوق. ذهبنا عند چميل الباكستاني لنشتر برتقالًا. كانت زوجتي تتحدث مع چميل بلطف ورشاقة. كان عجوزًا له لحية ذات فراغات تثير أعصابي فابتعدتُ وسهمتُ في الثمار ذات اللون البرتقالي، وفكرتُ أن أبدأ كلامي مع زوجتي من هنا، بالحديث عن أشجار البرتقال التي زرعها جدها في وديان لبنان. ربما آكل برتقالة أمامها وأقول إن طعمها حلو كأنها من شجرة جدها الريحاني أمين، ربما ستتأثر بذكرى جدها فأخبرها أني في إحدى غفواتي حلمت بمكتبته وقد تخلى عنها لسبب مجهول وكنت أجد كتبًا كلها لها نفس الغلاف النحاسي اللون إلا إنها ذات عناوين مختلفة وكان إحداها رحلة البيجل لداروين. ستكون هذه كذبة؛ صحيح أني حلمت بالريحاني ومكتبته لكن بلا وجود لداروين. اللون نفسه سيكون بداية جيدة لسلسلة تداعيات تنتهي بالثعلب وفروه المتوهج.

توجهنا بعدها إلى مخبز ليارا في شارع شارو ڤيل. تحدثت زوجتي مع ليارا بحميمية وأرتها ليارا صورًا من رحلتها الأخيرة إلى اليابان وقالت إنهم سيناقشون كتابها في نادي كتاب المشجب بعد أسبوعين. لا أعرف ماذا كان رد زوجتي حيث تركتهما لما طال الكلام ووقفتُ أمام أنواع الخبز المختلفة. سهمتُ في ألوان الخبز ذات الطبقة البرتقالية ولفت انتباهي خبز باجيت غير متسق ويشبه تكوينه إذا نظرت له من كل الزوايا تكوين ثعلب بالضبط. أمسكته وبدأت في تحسسه، عند هذه اللحظة داهمني حماس وارتفعت ضربات قلبي إذ تكاثرت التداعيات فجأة في رأسي وكنت مستعدًا للانقضاض على عقل زوجتي وأنا أمتطي ثعلبًا مكونًا من أصناف الخبز.

في تلك اللحظة باغتتني ليارا راكضة نحو الأفران في الداخل حين ارتفع جرس إنذار الحريق مرتطمة بي، فوقع كيس البرتقال وانفرطت الثمار على الأرضية واختل توازني فأمسكت بحامل الخبز، ومن قوة قبضتي المندفعة اهتزّ الحامل ووقعت بعض الأرغفة لكني نجحت في ألا أسقط معها غير أن رعشة كانت تسري في جسدي اختفت وتلاها إحساس طاغ بالإحباط إذ أن الخيط الذي كنت قد مسكته انفلت مني.

اقتربتْ زوجتي ناحيتي والقلق في عينيها. استمر الإنذار نحو دقيقتين وظهرت ليارا بعدها تطمئننا أنه إنذار خاطىء قائلة إنه چورچي الأحمق، واعتذرت لي لكني كنت مشوشًا وأردت صفعها، وودت لو فعلت. ظللت محدقًا في الفراغ بينما انحنت هي وزوجتي لجمع الثمار. قبل أن نرحل طلبت زوجتي أن تسلّم على چورچي فتركتها وانتظرت بالخارج وأنا أكتم غضبي.

*

أكلنا الباجيت دون أن أعلّق وقالت لي زوجتي إن چورچي كان مرتديًا ملابسه هذه المرة ولم أكن مضطرًا للخروج ثم ضحكت قائلة إنها افتقدت منظر انتشار الدقيق على جسده الطفولي البدين كفراشة مصابة بأورام شتى في حراشفها. لم أفهم هذا التشبيه ولم أكترث (لا شأن لي بهذه الغرابة). عادت زوجتي للكتابة، أما أنا فانشغلت بما حدث. فكرت أن أذهب إلى ليارا الصباح التالي وأحكي لها عن داروين والثعلب وعلاقة چورچي بذلك، لكني أدركت أني لا أريد أن أخبر أحدًا سوى زوجتي. نسيت الخبز والبرتقال وانشغلت بچميل وليارا وچورجي. لقد تحدثتْ معهم زوجتي محادثات أعتبرها طويلة مليئة "بالذبذبات" والحكايات.

كانت زوجتي قد كتبت مقالًا تحكي فيه عن چميل وأسرته ودقائق تجارته كمدخل للحديث عن ابن خال چميل الذي يعمل كدليل لدارسي نمر الثلوج في جبال هندوكوش. أما ليارا فقد كانت تسهر معنا في ليالي الصيف بعد صداقة نشأت بينهما من معرفة تراكمية عبر المخبز. وعرفنا چورچي بالصدفة فهو أحمق ضخم الجثة بسيط العقل ذو صلة قرابة بعيدة بليارا تستغله في العمل بالفرن، ويحب أن يكون عاريًا دائما أثناء عمله. أتذكر المرة الأولى التى خرج لنا فيها بكرشه المتدلّي الذي لم يُخفِ عضوًا ممتدًا، ووبخته ليارا فورًا واعتذرتْ لنا قائلة إنها حاولت معه مرارًا لكنه يصرّ على خلع ملابسه لعدم احتماله الحرارة بالداخل. أوضحتْ بخجل مصطنع أنه سلوك تستطيع تحمّله من ضمن قائمة تصرفات أكثر قذارة لن نحب أن نسمعها، صار يبتعد عنها بالتدريب والتهذيب المستمر. ضحكت زوجتي وقتها بشكل هستيري وقالت إنها ستحب سماع مزيدًا من التفاصيل. لم يكن چورچي يترك حجرة الأفران أبدًا لكنه أخفق في شيء يومها استدعى مساعدة عاجلة. في كل زيارة كانت زوجتي تحرص على أن تسلّم عليه رغم شجاري معها حول ذلك. لم يكن غضبي من كون زوجتي ترى رجلًا عاريًا مثله لكني كلما رأيته، ورغم أنه بدا مرتاحًا بابتسامة طيبة وبلهاء وكان يسلّم علينا بحماس، كان يذكّرني بشاب بدين كان يعمل عند الحداد الذي يسكن جوارنا وأنا صغير، وكان الحداد يسيء معاملته وفي مرة جرّده من ملابسه وجعله يذهب لشراء علبة سجائر له وهو عار وآثار ضرب بارزة على ظهره وصدره. كلما رأيت چورچي وجدتُ عقلي يروح تلقائيًا لتلك الذكرى وينقح الألم ببشاعة في صدري. يجعلني ذلك أشك في طبيعة ليارا التي كانت صورة مختلفة عنه تمامًا بجسد ضئيل ناصع البياض ونحيف للغاية وشعر قصير وعيون مكحلة ماكرة. كنت كلما نظرت إليها ألاحظ عظمتي الترقوة بارزتين من كتفيها بروزًا قاسيًا عنيفًا.

زوجتي التي لا تحب الاستلهام كما تخبرني كتبت قصة أنا متيقن أن تفاصيلها تعود إلى ليارا النحيلة وجورجي البدين، وعن ما يدور في حجرات الأفران في الساعات الأولى من الصباح. وكذلك يمكنني أن أتتبع آثار أعمالها إلى ذبذبات من رحلاتنا الصيفية وليالي السمر وقصائد الشعراء الذين لا يقرأهم أحد. كنت كلما فاتحتها في شيء بخصوص أعمالها الأولى تغيّر الموضوع برقّة تنجح في تشتيتي، وتقول إنها تحبني وتسألني عن آخر شيء كتبته فأستسلم كالجرو.

أنا أيضًا أعتبر نفسي كاتبًا وقد نُشر لي كتاب عن الفوتوغرافيا، وأكتب رواية منذ سنين لكني لم أنته منها بعد. على النقيض من زوجتي التي تتأمل أصقاع روحها، لا أستطيع الكتابة سوى عن ما عايشته (أنت لا تستطيع الكتابة سوى عن ما عايشته طويلًا كما يقول كالفينو مثلًا) لا أتوقف عن مطاردة ما قد توفّره الحياة اليومية والمحادثات العشوائية من مادة تصلح للسرد. إذا لم أبنِ نسيج من الحياة، من حياتي، من ملمس خشب هذا الكرسي الذي أجلس عليه، إذا لم أفعل ذلك أحس أني سأختفي رويدًا رويدًا من هذا العالم وأنسحق في آخر مزيف.

أحيانًا أشعر أن زوجتي ونحن نتجادل توشك أن تقول إني بلا موهبة ليس أكثر، فقد قالت مرة ونحن سكارى إنني من طائفة الذين ينحتون في الصخر. سألتها ببرود أي نوع من الصخور وطفقت أعددها باسترسال ونغم؛ صخور رسوبية أم صخور نارية أم صخور متحولة نضيدة ممزوجة بعروق جرانيتية خشنة وحبيبات من الكوارتز الرقيق. كانت تلك فرصة مثالية للحديث عن ثعلب داروين ومجموعته من الصخور لكني لم أكن مشغولًا به وقتها. أجابتني زوجتي إنه الصخر الذي سقط من علِّ ويفرّ مثله حصان ذلك الشاعر ماذا كان اسمه؟ وضحكتْ حتى تحول ضحكها إلى شخير متقطع.

لا يهم إذا كانت زوجتي تصدقني أم لا لكن السؤال الذي يعطّلني سؤال حقيقي تمامًا ويؤرق محاولاتي للكتابة. وضعتُ نفسي في مأزق كبير حين اخترت لروايتي حياة شاعر ما، إذ أن كثيرًا من التجارب الذي خاضها لا أعرف عنها شيئًا؛ سواء كان شعوريًا أو فكريًا، ولذلك أنا عالق في حبسة طويلة منذ مدة.

أعتبر نفسي ذو طاقة تعاطف هائلة تساعدني على استشفاف الحالة الإنسانية بعد العمل كطبيب نفسي لفترة طويلة. صحيح أني توقفت عن العمل الإكلينيكي تفرغًا للكتابة وصرت أدرّس فقط إلا أن لدي مخزون كبير من الشخصيات والتجارب الإنسانية يسمح لي بالمواصلة. عندما بدأت زوجتي روايتها الرابعة، وأنا عالق عند تجربة الرؤى حين وجّهت اللوم ناحيتي واتهمتني بالمراوغة.

كان شاعرنا يقول إنه يختبر رؤى منذ الطفولة وهو إنسان سليم عقليًا بإجماع الباحثين والنقاد. إننى عالق منذ شهور عن تصور ما يمكن أن يختبره المرء إذا كان محظوظًا وروادته رؤى وهو يقظ أو وهو نائم وعقله سليم.

بعد منتصف الليل انتظرتُ الثعلب الذي يزور حديقتنا ويثق بي ولا تحبه زوجتي لأنها تعتقد أنه يحمل الأمراض رغم اتفاقنا على جمال شكله ورائحته الزنخة التي اكتشفنا أنها تعلي المزاج. أنتظر الثعلب في هذا الفجر البارد كمحاولة مني لاستقبال الرؤى وكمحاولة لحكي حكاية حقيقية.

ذات مساء صيفى وزوجتي رائقة البال أرسلت إلى بريد القراء في الجارديان، دون أن تخبرهم أنها الكاتبة الشهيرة، تسأل في استطلاع رأي إذا كان ينبغى لنا أن نترك الثعلب يروم حديقتنا أم لا. حكت لهم عن مخاوفها ومعارضتي لها وقالت إنها سترضى بالنتيجة. بالطبع كنت أنا الفائز واختار القراء أن يبقى الثعلب.

الثعلب الذي أريد أن أتحدث عنه صغير الحجم ذو جبهة عريضة، يعيش في غابات تشيلي، في أرخبيل تشيلوي، ولون فرائه يميل أكثر إلى اللون البني. يأكل الزواحف والخنافس وبعض الثدييات ويرجّح علماء التصنيف أنه ينتمي أكثر للذئاب منه إلى الثعالب. في البليستوسين انفصل الأرخبيل عن يابسة تشيلي وانعزل الثعلب عن أخ له يركض في المدينة ويعرف تفاصيل شوارعها، ومواقع قبورها.

في محاولة منها لشرح كيف تكتب ولتثبيت نظريتها في عقلي، قالت زوجتي ذات ليلة، همسًا في أذني بإيقاع عميق، قبل أن تعتليني وتقبّلني بشبق، إنها تحاول الوصول لحالة تشبه كأنها خُلقت للتو مثل فكرة الإنسان الطائر عند ابن سينا؛ خُلق للتو ومعلّق في الفضاء لكنه يحس بنفسه ووعيه يومض للمرة الأولي. تنتظر زوجتي الومضات القادمة من وعي بدائي بالكاد بدأ يوجد، من فضاء لا متناه، ثم تبدأ في الكتابة مما يتشكل لها في هذا البراح.

عندما فقدتُ وعيي وخُلقت من جديد لحظة استعادته، كانت النبضات الأولى لوعيي تتشكل من زوجتي وجسدها وكانت تنظر لي من علو كأني ظل لوجودها، وكأن عالمي كله مكوّن من تفاصيل جسدها وأفكارها التي ينبغى أن أجد طريقي إليها. أحيانًا أحلم أن تراني بنفس الطريقة، وعندما تحاول الكتابة تجدني أنظر لها وأمد يدي لها وأحكي لها عن داروين والثعلب دون قلق مثلما كنا في السابق.

عندما تذكّرتُ الشاب البدين عند الحدّاد، تذكّرتُ أبناء الحدّاد الذين كنت ألعب معهم وكان الشاب يأتي معنا أحيانا لحمايتهم. كنا في حوش يطل على النيل عند أشجار توت وراء المقابر. كنا نركض وكنا نتسابق ثم ونحن نلهث أثناء استراحة قصيرة لمحتُ ثعلبًا هزيلًا قادمًا من ناحية المقابر ووقف خلف الأشجار يرنو لنا في طمأنينة. لم يبدُ أن أحدًا لاحظه لكني كنت مخطئًا، رأيت الشاب البدين الذي كان يراقبنا من علو يلتف بحذر حول الثعلب المنتبه لنا ومعه قالب طوب ضخم هوى به على رأسه. ظللت مذهولًا متسمرًا لمدة ثم ركضت ناحية الثعلب الذي صدر منه صوت تألُّم حاد مع خطوط من الدم السائل في حين كان الشاب البدين يضحك.

لدي اعتقاد متزايد أن زوجتي تخدعني في كل ما تقوله عن الكتابة. لقد تحدثتْ مع جميل وليارا بتلقائية عجيبة. إنها ببساطة لا تريد أن تتحدث معي وهي تكتب. وقعتُ في خطأ مشاركة زوجتي كل تفاصيل الرواية التي أكتبها عن الشاعر المنخرط في أحلام البراغيث وغبار سبائك الذهب ورأيت في عيونها لمعان غريب. قبل أن تبدأ زوجتي روايتها الرابعة جلست معي لتخبرني برغبتها في أن نعمل على تدريب الصمت كي لا نؤثر على كتابات بعضنا، ثم ألقت لي كلمة الثعلب في وسط الكلام قائلة إن لي أثر مراوغ يتحرك في كتاباتها. كانت تبكي قبلها بفترة لأني منغمس في روايتي كراهب في دير.

في القاموس الملوّن الذي وضعناه للكلمات ذات التداعيات التي تنهمر كالشآبيب، بعد زواجنا بعام، أثناء كنا نحلم سويًا بنجاحات مشتركة ونخطط لكتاباتنا معًا، كانت كلمة الثعلب وآثار أقدامه تنتشر في القاموس. لا أعتقد أن زوجتي نسيت ذلك. أعتقد أن زوجتي قالتها بعمد لأنها تعرف ما سيحدث في مسارات عقلي بمجرد أن تذكر الثعلب.

أحس بوحدة عميقة لأني لم أخبر أحدًا عن هذا أبدًا فيما قالت هي لجمع من المثقفين. دائمًا ما تحدثنا عن الحكاوي الصغيرة التي لا تجد طريقها لأحد وتحرقنا من الداخل. انتهى بي الحال بإشعال النيران فيها بنفسي وما أكثر ما حرقت من مخازن وقرى تنشأ بداخلي ناحية تخوم نفسي قائمة على حواديت مهجورة. أرى في حكاية الثعلب البني الصغير مثالًا لذلك يذكّرني بالحذر من الانتباه والحذر من التشتت على السواء.

في الفصل الثالث عشر من كتاب رحلته على البيجل، يحكي داروين في فقرة قصيرة وصوله إلى جزيرة سان بيدرو بعد جولة استكشافية في منطقة قريبة، حيث ترسو البيجل وطاقم السفينة منغمس في ترميمها. الدنيا تمطر بغزارة ويلاحظ تشارلز روبرت ذا الحاجبين الكثّين أن هناك ثعلبًا يراقب الطاقم بتركيز وانتباه من فوق تلّة. الثعلب مأخوذ تمامًا بالمشهد بفضول طفل برىء، يقول داروين، للدرجة التي جعلته يلتف حول الثعلب دون أن يحس به أو يلمحه، حتى أصبح خلفه ثم يضربه على رأسه بمطرقته الچيولوچية، يصدر الثعلب صوت أنين حاد. يعلّق داروين أن هذا الثعلب على جماله وفضوله إلا أنه أقل ذكاءً من بني جنسه والآن يقبع في متحف التاريخ الطبيعي بعد أن جمع جثته.

عندما أحاول تذكر ملامح الشاب البدين لا أستطيع سوى رؤية آثار الجَلد على ظهره وأرى عوضًا عنه چورچي بابتسامته البلهاء وحبيبات الدقيق حول أثدائه ذات الحلمات التي تشبه البازلت على خلفية من حجر رملي أبيض طبقاته رقيقة رقة جلده الأملس. أراه في صورة ثنائية مع وجه داروين الشاب الماكر حاد النظر الذي يثقب الصخور، وأفكّر أي وعي يعيش به بين فتافيت الخبز والحلوى والكعك، وأي محيط خرج منه بأقدامه الغشائية.

أراه يتقدم نحو داروين عاريًا تحت المطر بجسده الضخم في حين يتسحّب داروين ناحية الثعلب وقبل أن يهوى بالمطرقة، يُفاجىء بجورجي الجثة الهائلة، الذي يتدلى قضيبه وخصيتيه كإطار معكوس لخريطة أمريكا اللاتينية فيما ترسو البيجل ومعها داروين عند مقدمة القضيب. هذا العملاق الأبيض الأملس الذي لا يشبه الهنود المتوحشين الذين يمشون أيامًا ليقايضون التبغ والحطب مغمورين في رثاثتهم، كما يلاحظ تشارلز الشاب سيصيبه بحيرة ستشلّه فورًا، سيلكمه چورچي فتتساقط أسنانه. لقد وقع تشارلز المغفل في نفس الخطأ، لقد انتبه للثعلب لكن لم ينتبه لي ولا لچورچي. حينها يمكن للثعلب أن يهرب ويعود إلى غابته، ويتعلم ألا ينتبه للسفن والعمّال مرة أخرى، ألا يفقد غريزته في الحذر من مشهد مثير على جزيرة نائية، ألا يثق في عالِم يتظاهر أنه يعرف أصل بني جنسه من الثعالب، أن يعرف أن چورچي الخبّاز البارع جاء لإنقاذه اعتذارًا عما بدر من صبي الحداد لثعلب آخر هزيل يجوب المقابر ويتسلى من مشاهدة أطفال تلعب قرب النيل.

أنا جالس الآن في حديقتنا في انتظار الثعلب البرتقالي الأليف ومعي المطرقة التي اشتريتها. أخطط أن أقتل الثعلب لأحاول أن أكتب ببساطة شبيهة ببساطة سرد داروين، وأقول إنني قتلتُ الثعلب في حديقتنا بالمطرقة وهو منتبه لرائحة الأكل الذي وضعته في نموذج السفينة الخشبية، كأن ذلك أسهل شيء في العالم، كأنك أمسكت بيعسوب أو ألقيت حجرًا على قطة، لكني لست عالمًا يبحث في أصول الأشياء ويهدف إلى خدمة الإنسانية بقتل الثعالب. أخمن أن عند لحظة صدمي للثعلب ستراودني رؤية نابعة من إحساس عميق بالذنب أو بالحماس، كما إنني لن آخذ الثعلب إلى المتحف، سأحمله إلى الداخل وألقيه على مكتب زوجتي، سألقيه على الورق والكتب، على مؤلفات بيكيت وكوتزي الذي دعاها إلى جامعة أديليد، فيسيل الدم عليهم. 

سأقول لزوجتي بهدوء إني فهمت لعبتها من البداية في تعطيلي عن الكتابة بتشتيت انتباهي، ولاحظت خطتها في احتلالي بشكل مخاتل وجميل كاحتلال العشب والأشجار المتسلقة لبيت مهجور، ووجدت أصل الحكاية التي بدأتها.

سأعترف أني عندما خرجت من غابتي المعزولة بعد رحلة طويلة مع شاعر روايتي، حين كانت تترجاني للتوقف، وثقتُ بها حتى فسدت أفكاري لكني وجدت داروين والثعلب بإيحاء منها وحللت عقدتي واختبرت تجربة الرؤى. حين فقدت تركيزي مشتتًا أضاء شرر متطاير تتبعته بانتباه مضاد وأكملت الدائرة. الآن جاء دوري في التسلل والعبث بأفكارها، سيقص الحكاية كلها هذا الثعلب الجميل، ها هو يقترب وأشم رائحته الزنخة القوية؛ مباشرة وحاضرة كاللمس، حقيقية تمامًا وها أنا أضربه على رأسه وها أنا أحمله فيداعبني فروه وأدخل الحجرة فتصدرعنها صرخة لا تقل حدتها إلا عندما أفقد وعيي مرة أخرى حين يلكمني جسد ضخم لا أتبينه، ولا أستقبل أي ومضات لمدة لا أعلمها.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية